النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
وأما من شدد على نفسه - فلم يكتف بما اكتفى به النبي ﷺ ولا بما علمه للأمة وأرشدهم إليه - بل غلا، وأوغل في العبادات؛
فإن الدين يغلبه، وآخر أمره العجز والانقطاع، ولهذا قال: «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» فمن قاوم هذا الدين بشدة وغلو، ولم
يقتصد: غلبه الدين، واستحسر ورجع القهقرى؛ ولهذا أمر ﷺ بالقصد وحث عليه فقال: «والقصد القصد
تبلغوا».
ثم وصى ﷺ بالتسديد
والمقاربة، وتقوية النفوس بالبشارة بالخير، وعدم اليأس. فالتسديد: أن يقول الإنسان
القول السديد، ويعمل العمل السديد، ويسلك الطريق الرشيد، وهو الإصابة في أقواله
وأفعاله من كل وجه، فإن لم يدرك السداد من كل وجه فليتق الله ما استطاع، وليقارب
الغرض، فمن لم يدرك الصواب كله فليكتف بالمقاربة، ومن عجز عن العمل كله فليعمل منه
ما يستطيعه.
ويؤخذ من هذا
أصل نافع دل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ
مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن:16]، وقوله
ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما
استطعتم»([115]).
والمسائل المبنية على هذا الأصل لا تنحصر، وفي حديث آخر: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا»([116]).
ثم ختم الحديث بوصية
خفيفة على النفوس، وهي في غاية النفع، فقال: «واستعينوا
بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة» وهذه الأوقات الثلاثة كما أنها السبب
الوحيد لقطع المسافات القريبة والبعيدة في الأسفار الحسية، مع راحة المسافر، وراحة
راحلته، ووصوله براحة وسهولة، فهي السبب الوحيد لقطع السفر الأخروي، وسلوك الصراط
المستقيم، والسير إلى الله سيراً جميلاً، فمتى أخذ العامل نفسه، وأشغلها بالخير، والأعمال
الصالحة المناسبة لوقته - أول نهاره وآخر نهاره وشيئاً من ليله، وخصوصاً آخر الليل
- حصل له من الخير ومن الباقيات الصالحات أكمل حظ، وأوفر نصيب، ونال السعادة
والفوز والفلاح، وتم له النجاح في راحة وطمأنينة، مع حصول مقاصده الدنيوية،
وأغراضه النفسية.
وهذا من أكبر
الأدلة على رحمة الله بعباده بهذا الدين الذي هو مادة السعادة الأبدية، إذ نصبه
لعباده، ووضحه على ألسنة رسله، وجعله ميسراً سهلاً، وأعان عليه من كل وجه، ولطف
بالعاملين، وحفظهم من القواطع والعوائق.
فعلمت بهذا: أنه
يؤخذ من هذا الحديث العظيم عدة قواعد.
·
قاعدة التيسير الشامل للشريعة على وجه
العموم.
·
وقاعدة المشقة تجلب التيسير.
·
وقاعدة إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما
استطعتم.
·
وقاعدة تنشيط أهل الأعمال، وتبشيرهم
بالخير والثواب المرتب على الأعمال.
·
وقاعدة الوصية الجامعة في كيفية السير
والسلوك إلى الله، التي تغني عن كل شيء ولا يغني عنها شيء.
فصلوات الله
وسلامه على من أوتي جوامع الكلم ونوافعها.
الحديث
التاسع والعشرون
عن أبي هريرة t قال: قال
رسول الله ﷺ: «حق المسلم على المسلم ست، قيل: وما هن
يا رسول الله؟ قال: إذا لقيتَه فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح
له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» رواه مسلم([117]).
هذه الحقوق
الستة من قام بها في حق المسلمين كان قيامه بغيرها أولى، وحصل له أداء هذه
الواجبات والحقوق التي فيها الخير الكثير والأجر العظيم من الله.
الأولى: «إذا لقيته فسلم عليه» فإن السلام سبب للمحبة التي توجب
الإيمان الذي يوجب دخول الجنة، كما قال ﷺ: «والذي نفسي
بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا
فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم»([118])
. والسلام من محاسن الإسلام، فإن كل واحد من المتلاقيين يدعو للآخر بالسلامة
من الشرور، وبالرحمة والبركة الجالبة لكل خير، ويتبع ذلك من البشاشة وألفاظ التحية
المناسبة ما يوجب التآلف والمحبة، ويزيل الوحشة والتقاطع.
فالسلام حق
للمسلم، وعلى المسلَّم عليه رد التحية بمثلها أو أحسن منها، وخير الناس من بدأهم
بالسلام.
الثانية: «إذا دعاك فأجبه» أي: دعاك لدعوة طعام أو
شراب فاجبر خاطر أخيك الذي أدلى عليك وأكرمك بالدعوة، وأجبه لذلك إلا أن يكون لك
عذر.
الثالثة:
قوله: «وإذا استنصحك فانصح له» أي إذا شاورك على
عمل من الأعمال: هل يعمله أم لا؟ فانصح له بما تحبه لنفسك، فإن كان العمل نافعاً
من كل وجه فحثه على فعله، وإن كان مضرّاً فحذره منه، وإن احتوى على نفع وضرر فاشرح
له ذلك، ووازن بين المصالح والمفاسد، وكذلك إذا شاورك على معاملة أحد من الناس أو
تزويجه أو التزوج منه فابذل له محض نصيحتك، واعمل له من الرأي ما تعمله لنفسك،
وإياك أن تغشه في شيء من ذلك؛ فمن غش المسلمين فليس منهم، وقد ترك واجب النصيحة.
وهذه النصيحة
واجبة مطلقاً، ولكنها تتأكد إذا استنصحك وطلب منك الرأي النافع، ولهذا قيده في هذه
الحالة التي تتأكد، وقد تقدم شرح الحديث «الدين النصيحة»([119]) بما
يغني عن إعادة الكلام.
الرابعة:
قوله: «وإذا عطس فحمد الله فشمته» وذلك
أن العطاس نعمة من الله؛ لخروج هذه الريح المحتقنة في أجزاء بدن الإنسان، يسر الله
لها منفذاً تخرج منه فيستريح العاطس، فشرع له أن يحمد الله على هذه النعمة، وشرع
لأخيه أن يقول له: "يرحمك الله" وأُمِرَ أن يجيبه بقوله: "يهديكم
الله ويصلح بالكم"، فمن لم يحمد الله لم يستحق التشميت، ولا يلُومَنّ إلا
نفسه، وهو الذي فوّت على نفسه النعمتين: نعمة الحمد لله، ونعمة دعاء أخيه له
المرتب على الحمد.
الخامسة:
قوله: «وإذا مرض فعده» عيادة المريض من حقوق
المسلم، وخصوصاً من له حق عليك متأكد - كالقريب والصاحب ونحوهما – ومن أفضل
الأعمال([120])
الصالحة، ومن عاد أخاه المسلم لم يزل يخوض الرحمة، فإذا جلس عنده غمرته الرحمة،
ومن عاده أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، ومن عاده آخر النهار صلت عليه
الملائكة حتى يصبح، وينبغي للعائد أن يدعو له بالشفاء، وينفس له، ويشرح خاطره
بالبشارة بالعافية، ويذكِّره التوبة والإنابة إلى الله، والوصية النافعة، ولا يطيل
عنده الجلوس، بل بمقدار العيادة، إلا أن يؤثر المريض كثرة تردده وكثرة جلوسه عنده؛
فلكل مقام مقال.
السادسة:
قوله: «وإذا مات فاتبعه»([121])
فإن من تبع جنازة حتى يُصلَّى عليها فله قيراط من الأجر([122])،
فإن تبعها حتى تدفن فله قيراطان، واتباع الجنازة فيه حق لله، وحق للميت، وحق
لأقاربه الأحياء.
الحديث
الثلاثون
عن أبي موسى t قال: قال
رسول الله ﷺ: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له ما كان
يعمل صحيحاً مقيماً» رواه البخاري([123]).
هذا من أكبر مِنَن
الله على عباده المؤمنين: أن أعمالهم المستمرة المعتادة إذا قطعهم عنها مرض أو سفر
كُتبت لهم كلها كاملة؛ لأن الله يعلم منهم أنه لولا ذلك المانع لفعلوها، فيعطيهم
تعالى بنياتهم مثل أجور العاملين مع أجر المرض الخاص، ومع ما يحصل به من القيام
بوظيفة الصبر، أو ما هو أكمل من ذلك من الرضى والشكر، ومن الخضوع لله والانكسار
له، ومع ما يفعله المسافر من أعمال ربما لا يفعلها في الحضر - من تعليم، أو نصيحة،
أو إرشاد إلى مصلحة دينية أو دنيوية - وخصوصاً في الأسفار الخيرية، كالجهاد، والحج
والعمرة، ونحوها.
ويدخل في هذا الحديث: أن
من فعل العبادة على وجه ناقص وهو يعجز عن فعلها على الوجه الأكمل؛ فإن الله يُكمِّل
له بنيته ما كان يفعله لو قدر عليه، فإن العجز عن مكملات العبادات نوع مرض، والله
أعلم.
ومن كان من نيته
عمل خير، ولكنه اشتغل بعمل آخر أفضل منه - ولا يمكنه الجمع بين الأمرين - فهو أولى
أن يُكتب له ذلك العمل الذي منعه منه عملٌ أفضل منه، بل لو اشتغل بنظيره، وفضل
الله تعالى عظيم.
الحديث
الحادي والثلاثون
عن أبي هريرة t قال: قال
رسول الله ﷺ: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة؛ فخير
تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك؛ فشر تضعونه عن رقابكم» متفق عليه([124]).
هذا الحديث محتو
على مسائل أصولية وفروعية.
فقوله ﷺ: «أسرعوا بالجنازة» يشمل الإسراع بتغسيلها وتكفينها
وحملها ودفنها وجميع متعلقات التجهيز، ولهذا كانت هذه الأمور من فروض الكفاية،
ويستثنى من هذا الإسراع إذا كان التأخير فيه مصلحة راجحة، إما أن يموت بغتة([125])؛
فيتعين تأخيره حتى يتحقق موته؛ لئلا يكون قد أصابته سكتة، وينبغي أيضاً تأخيره
لكثرة الجمع، أو لحضرة من له حق عليه من قريب ونحوه، وقد علل ذلك بمنفعة الميت
لتقديمه لما هو خير له من النعيم، أو لمصلحة الحي بالسرعة في الإبعاد عن الشر.
وإذا كان هذا
مأموراً به في أمور تجهيزه؛ فمن باب أولى: الإسراع في إبراء ذمته من ديون وحقوق
عليه؛ فإنه إلى ذلك أحوج.
وفيه: الحث على
الاهتمام بشأن أخيك المسلم حيّاً وميتاً، وبالإسراع إلى ما فيه خير له في دينه
ودنياه، كما أن فيه: الحث على البعد عن أسباب الشر، ومباعدة المجرمين، حتى في
الحالة التي يبتلى الإنسان فيها بمباشرتهم.
وفي هذا الحديث:
إثبات نعيم البرزخ([126])وعذابه،
وقد تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ فيه، وأن مبتدأ ذلك وضعه في قبره إذا تم دفنه،
ولهذا يشرع في هذه الحال الوقوف على قبره والدعاء له، والاستغفار، وسؤال الله له
الثبات.
وفي هذا الحديث أيضاً:
التنبيه على أسباب نعيم البرزخ وعذابه، وأن أسباب النعيم الصلاح؛ لقوله: «فإن كانت صالحة» والصلاح كلمة جامعة تحتوي على تصديق
الله ورسوله، وطاعة الله ورسوله، فهو تصديق الخبر، وامتثال الأمر، واجتناب النهي،
وأن العذاب سببه الإخلال بالصلاح: إما شك في الدين، أو تجرؤ على المحارم، أو ترك
شيء من الواجبات والفرائض، وجميع الأسباب المفصلة في الأحاديث والآثار ترجع إلى
ذلك، ولذلك قال تعالى: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا
الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾[الليل:15، 16].
كذب الخبر، وتولى عن الأمر.
الحديث
الثاني والثلاثون
عن أبي سعيد
الخدري t قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر
صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة» متفق
عليه([127]).
اشتمل هذا الحديث
على تحديد أنصباء الأموال الزكوية الغالبة، والتي تجب فيها الزكاة: الحبوب والثمار،
والمواشي من الأنعام الثلاثة، والنقود وما يتفرع عنها من عروض التجارة.
أما زكاة الحبوب
والثمار: فإن نص هذا الحديث أن نصابها خمسة أوسق، فما دون ذلك لا زكاة فيه،
والوسق: ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ فتكون الخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع، فمن بلغت حبوب زرعه أو مغل
ثمره هذا المقدار فأكثر: فعليه زكاته فيما سقي بمؤونة نصف العُشر، وفيما سقي بغير
مؤونة العُشر.
وأما زكاة
المواشي: فليس فيما دون خمس من الإبل شيء، فإذا بلغت خمساً: ففيها شاة، ثم في كل
خمس شاة، إلى خمس وعشرين: فتجب فيها بنت مخاض، وهي التي تم لها سنة، وفي ست
وثلاثين: بنت لبون، لها سنتان، وفي ست وأربعين: حقة، لها ثلاث سنين، وفي إحدى
وستين: جذعة، لها أربع سنين، وفي ست وسبعين: بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين: حقتان،
فإذا زادت على عشرين ومائة: ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
وأما نصاب البقر:
فالثلاثون فيها تبيع أو تبيعة، له سنة، وفي أربعين: مسنة، لها سنتان، ثم في كل
ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة.
وأما نصاب الغنم:
فأقله أربعون، وفيها شاة، وفي إحدى وعشرين ومائة: شاتان، وفي مائتين وواحدة: ثلاث
شياه، ثم في كل مائة: شاة، وما بين الفرضين يقال له: "وَقْص"([128]) في
المواشي خاصة، لا شيء فيه، بل هو عفو.
وأما بقية
الحيوانات - كالخيل والبغال والحمير وغيرها - فليس فيه زكاة، إلا إذا أعد للبيع
والشراء.
وأما نصاب
النقود من الفضة: فأقله خمس أواقي، والأوقية أربعون درهماً، فمتى بلغت عنده مائتي
درهم، ففيه ربع العشر، وكذلك ما تفرع عن النقدين من عروض التجارة: وهو كل ما أعد
للبيع والشراء لأجل المكسب والربح، فيُقوّم إذا حال الحول بقيمة النقود، ويخرج عنه
ربع العشر، ولا بد في جميعها من تمام الحول، إلا الحبوب والثمار، فإنها تخرج
زكاتها وقت الحصاد والجذاذ([129])
قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾[الأنعام:
141].
فهذه أصناف
الأموال التي تجب فيها الزكاة.
وأما مصرفها:
فللأصناف الثمانية المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ
عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ﴾[التوبة:
60].
الحديث
الثالث والثلاثون
عن أبي سعيد t قال: قال رسول الله ﷺ: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه
الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر» متفق عليه([130]).
هذا الحديث اشتمل
على أربع جمل جامعة نافعة:
أحدها:
قوله: «ومن يستعفف يعفه الله».
والثانية:
قوله: «ومن يستغن يغنه الله».
وهاتان الجملتان
متلازمتان؛ فإن كمال العبد في إخلاصه لله رغبة ورهبة وتعلقاً به دون المخلوقين،
فعليه أن يسعى لتحقيق هذا الكمال، ويعمل كل سبب يوصله إلى ذلك، حتى يكون عبداً لله
حقّاً، حرّاً من رق المخلوقين، وذلك أن يجاهد نفسه على أمرين: انصرافها عن التعلق
بالمخلوقين بالاستعفاف عما في أيديهم، فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله، ولهذا قال
ﷺ لعمر: «ما أتاك من هذا المال وأنت غير
مشرف ولا سائل فخُذْه، وما لا فلا تتبعه نفسك»([131])
فقَطْع الإشراف في القلب والسؤال باللسان، تعففاً وترفعاً عن مِنن الخلق، وعن تعلق
القلب بهم، سبب قوي لحصول العفة.
وتمام ذلك: أن
يجاهد نفسه على الأمر الثاني: وهو الاستغناء بالله والثقة بكفايته، فإنه من يتوكل
على الله فهو حسبه، وهذا هو المقصود، والأول وسيلة إلى هذا؛ فإن من استعف عما في
أيدي الناس وعما يناله منهم([132])؛
أوجب له ذلك أن يقوى تعلقه بالله ورجاؤه وطمعه في فضل الله وإحسانه، ويحسن ظنه
وثقته بربه، والله تعالى عند حسن ظن عبده به إن ظن خيراً فله، وإن ظن غيره فله،
وكل واحد من الأمرين يمد الآخر فيقويه، فكلما قوي تعلقه بالله ضعف تعلقه
بالمخلوقين وبالعكس.
ومن دعاء النبي ﷺ: «اللهم
إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى»([133]) فجمع الخير كله في هذا الدعاء؛ فالهدى: هو العلم
النافع، والتقى: هو العمل الصالح، وترك المحرمات كلها، هذا صلاح الدين، وتمام ذلك
بصلاح القلب، وطمأنينته بالعفاف عن الخلق، والغنى بالله، ومن كان غنيّاً بالله فهو
الغني حقّاً، وإن قلّت حواصله، فليس الغنى عن كثرة العَرَض، إنما الغنى غنى القلب،
وبالعفاف والغنى تتم للعبد الحياة الطيبة، والنعيم الدنيوي، والقناعة بما آتاه
الله.
الثالثة: قوله: «ومن يتصبر يصبره الله»([134]).
ثم ذكر في الجملة الرابعة: أن الصبر إذا أعطاه الله العبد فهو أفضل العطاء
وأوسعه وأعظمه إعانة على الأمور، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾[البقرة:45]. أي: على أموركم كلها.
والصبر كسائر الأخلاق يحتاج إلى مجاهدة للنفس وتمرين لها؛ فلهذا قال: «ومن يتصبّر» أي: يجاهد نفسه على
الصبر «يصبِّره الله» ويعينه، وإنما كان الصبر أعظم العطايا؛ لأنه يتعلق بجميع
أمور العبد وكمالاته، وكل حالة من أحواله تحتاج إلى صبر؛ فإنه يحتاج إلى الصبر على
طاعة الله، حتى يقوم بها ويؤديها، وصبر عن معصية الله حتى يتركها لله، وصبر على
أقدار الله المؤلمة، فلا يتسخطها، بل صبر على نعم الله ومحبوبات النفس، فلا يدع
النفس تمرح وتفرح الفرح المذموم، بل يشتغل بشكر الله، فهو في كل أحواله يحتاج إلى
الصبر وبالصبر ينال الفلاح، ولهذا ذكر الله أهل الجنة فقال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِن كُلِّ
بَابٍ * سَلامٌ
عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾[الرعد:23،24]، وكذلك قوله:
﴿أُولَئِكَ
يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾[الفرقان: 75]، فهم نالوا الجنة
بنعيمها، وأدركوا المنازل العالية بالصبر، ولكن العبد يسأل الله العافية من
الابتلاء الذي لا يدري ما عاقبته، ثم إذا ورد عليه فوظيفته الصبر، فالعافية هي
المطلوبة بالأصالة في أمور الابتلاء والامتحان، والصبر يؤمر به عند وجود أسبابه
ومتعلقاته، والله هو المعين.
وقد وعد الله الصابرين في كتابه وعلى لسان رسوله أموراً عالية جليلة: وعدهم
بالإعانة في كل أمورهم، وأنه معهم بالعناية والتوفيق والتسديد، وأنه يحبهم ويثبت
قلوبهم وأقدامهم، ويلقي عليهم السكينة والطمأنينة، ويسهل لهم الطاعات، ويحفظهم من
المخالفات، ويتفضل عليهم بالصلوات والرحمة والهداية عند المصيبات، وأنه يرفعهم إلى
أعلى المقامات في الدنيا والآخرة، ووعدهم النصر، وأن ييسرهم لليسرى ويجنبهم
العسرى، ووعدهم بالسعادة والفلاح والنجاح، وأن يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأن يخلف
عليهم في الدنيا أكثر مما أخذ منهم من محبوباتهم وأحسن، وأن يعوضهم([135]) عن وقوع المكروهات عوضاً عاجلاً يقابل أضعافَ أضعاف ما وقع
عليهم من كريهة ومصيبة، وهو في ابتدائه صعب شديد، وفي انتهائه سهل حميد العواقب،
كما قيل:
لكن عواقبه
أحلى من العسل
والصبر مثل
اسمه مر مذاقته
الحديث الرابع والثلاثون
عن أبي هريرة t قال: قال
رسول الله ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله
عبداً بعفو إلا عزّاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» رواه مسلم([136]).
هذا الحديث احتوى
على فضل الصدقة، والعفو، والتواضع، وبيان ثمراتها العاجلة والآجلة، وأن كل ما
يتوهمه المتوهم من نقص الصدقة للمال، ومنافاة العفو للعز، والتواضع للرفعة: وهْم
غالط، وظن مخطئ.
فالصدقة لا تنقص
المال؛ لأنه لو فرض أنه نقص من جهة، فقد زاد من جهات أخر، فإن الصدقة تبارك المال،
وتدفع عنه الآفات وتنميه، وتفتح للمتصدق من أبواب الرزق وأسباب الزيادة أموراً ما
تفتح على غيره، فهل يقابل ذلك النقص بعض هذه الثمرات الجليلة؟.
فالصدقة لله
التي في محلها لا تنفد المال قطعاً، ولا تنقصه بنص النبي ﷺ وبالمشاهدات والتجربات المعلومة، هذا كله سوى ما لصاحبها عند الله من الثواب الجزيل، والخير والرفعة.
وأما العفو عن
جنايات المسيئين بأقوالهم وأفعالهم: فلا يتوهم منه الذل، بل هذا عين العز؛ فإن
العز هو الرفعة عند الله وعند خلقه، مع القدرة على قهر الخصوم والأعداء.
ومعلوم ما يحصل
للعافي من الخير والثناء عند الخلق، وانقلاب العدو صديقاً، وانقلاب الناس مع
العافي، ونصرتهم له بالقول والفعل على خصمه، ومعاملة الله له من جنس عمله فإن من
عفا عن عباد الله عفا الله عنه، وكذلك المتواضع لله ولعباده يرفعه الله درجات؛ فإن الله ذكر الرفعة في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ
وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة:
11].
فمن أجَلّ ثمرات
العلم والإيمان: التواضع؛ فإنه الانقياد الكامل للحق، والخضوع لأمر الله ورسوله - امتثالاً
للأمر، واجتناباً للنهي - مع التواضع لعباد الله، وخفض الجناح لهم، ومراعاة الصغير
والكبير، والشريف والوضيع، وضد ذلك التكبر؛ فهو غمط الحق، واحتقار الناس.
وهذه الثلاث المذكورات
في هذا الحديث: مقدمات صفات المحسنين، فهذا محسن في ماله، ودفع حاجة المحتاجين،
وهذا محسن بالعفو عن جنايات المسيئين، وهذا محسن إليهم بحلمه وتواضعه، وحسن خلقه
مع الناس أجمعين، وهؤلاء قد وسعوا الناس بأخلاقهم وإحسانهم ورفعهم الله فصار لهم
المحل الأشرف بين العباد، مع ما يدخر الله لهم من الثواب.
وفي قوله ﷺ: «وما تواضع أحد لله» تنبيه على حسن القصد
والإخلاص لله في تواضعه؛ لأن كثيراً من الناس قد يُظهر التواضع للأغنياء ليصيب من
دنياهم، أو للرؤساء لينال بسببهم مطلوبه، وقد يظهر التواضع رياء وسمعة، وكل هذه
أغراض فاسدة، لا ينفع العبد إلا التواضع لله تقرباً إليه، وطلباً لثوابه، وإحساناً
إلى الخلق؛ فكمال الإحسان وروحه الإخلاص لله.
الحديث
الخامس والثلاثون
عن أبي هريرة t قال: قال
رسول الله ﷺ: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا
الصوم؛ فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند
فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، والصوم
جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله؛ فليقل:
إني امرؤ صائم» متفق عليه([137]).
ما أعظم هذا الحديث؛
فإنه ذكر الأعمال عموماً، ثم الصيام خصوصاً، وذكر فضله وخواصه، وثوابه العاجل
والآجل، وبيان حكمته، والمقصود منه، وما ينبغي فيه من الآداب الفاضلة، كلها احتوى
عليها هذا الحديث، فبين هذا الأصل الجامع.
وأن جميع
الأعمال الصالحة - من أقوال وأفعال، ظاهرة أو باطنة، سواء تعلقت بحق الله، أو
بحقوق العباد - مضاعفة من عشر إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
وهذا من أعظم ما
يدل على سعة فضل الله، وإحسانه على عباده المؤمنين، إذ جعل جناياتهم ومخالفاتهم
الواحدة بجزاء واحد، ومغفرة الله تعالى فوق ذلك.
وأما الحسنة،
فأقل التضعيف أن الواحدة بعشر، وقد تزيد على ذلك بأسباب، منها: قوة إيمان العامل،
وكمال إخلاصه، فكلما قوي الإيمان والإخلاص تضاعف ثواب العمل.
ومنها: أن يكون
للعمل موقع كبير، كالنفقة في الجهاد والعلم، والمشاريع الدينية العامة، وكالعمل الذي
قوي بحسنه وقوته ودفعه المعايضات([138]) كما
ذكره ﷺ في قصة أصحاب الغار، والبغيّ التي سقت الكلب، فشكر الله لها وغفر
لها، ومثل العمل الذي يثمر أعمالاً أخر، ويقتدي به غيره، أو يشاركه فيه مشارك،
وكدفع الضرورات العظيمة، وحصول المبرات الكبيرة، وكالمضاعفة لفضل الزمان أو
المكان، أو العامل عند الله.
فهذه المضاعفات
كلها شاملة لكل عمل.
واستثنى في هذا الحديث
الصيام، وأضافه إليه، وأنه الذي يجزي به بمحض فضله وكرمه، من غير مقابلة للعمل
بالتضعيف المذكور الذي تشترك فيه الأعمال، وهذا شيء لا يمكن التعبير عنه، بل
يجازيهم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وفي الحديث كالتنبيه
على حكمة هذا التخصيص، وأن الصائم لما ترك محبوبات النفس التي طبعت على محبتها،
وتقديمها على غيرها، وأنها من الأمور الضرورية، فقدم الصائم عليها محبة ربه،
فتركها لله في حالة لا يطلع عليها إلا الله، وصارت محبته لله مقدمة وقاهرة لكل
محبة نفسية، وطلب رضاه وثوابه مقدماً على تحصيل الأغراض النفسية، فلهذا اختصه الله
لنفسه، وجعل ثواب الصائم عنده، فما ظنك بأجر وجزاء تكفل به الرحيم الرحمن الكريم
المنان، الذي عمت مواهبه جميع الموجودات، وخص أولياءه منها بالحظ الأوفر والنصيب
الأكمل، وقدر لهم ـ من الأسباب والألطاف التي ينالون بها ما عنده ـ أموراً لا تخطر
بالبال، ولا تدور في الخيال؟ فما ظنك أن يفعل الله بهؤلاء الصائمين المخلصين؟
وهنا يقف القلم،
ويسيح قلبُ الصائم فرحاً وطرباً بعمل اختصه الله لنفسه، وجعل جزاءه من فضله المحض،
وإحسانه الصرف! وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
ودل الحديث على أن الصيام الكامل هو الذي يدع العبد فيه شيئين: المفطرات
الحسية، من طعام وشراب ونكاح وتوابعها، والمنقصات العملية، فلا يرفث ولا يصخب، ولا
يعمل عملاً محرماً، ولا يتكلم بكلام محرم، بل يجتنب جميع المعاصي، وجميع المخاصمات
والمنازعات المحدثة للشحناء، ولهذا قال: «فلا يرفث» أي: يتكلم بكلام قبيح، «ولا يصخب»
بالكلام المحدِث للفتن والمخاصمات، كما قال في الحديث الآخر: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه
وشرابه»([139]).
فمن حقق
الأمرين: ترك المفطرات، وترك المنهيات، تم له أجر الصائمين، ومن لم يفعل ذلك فلا
يلومنّ إلا نفسه.
ثم أرشد الصائم
إذا عرض له أحد يريد مخاصمته ومشاتمته أن يقول له بلسانه: «إني صائم».
وفائدة ذلك: أن يريد كأنه
يقول: اعلم أنه ليس بي عجز عن مقابلتك على ما تقول، ولكني صائم، أحترم صيامي
وأراعي كماله، وأمر الله ورسوله، واعلم أن الصيام يدعوني إلى ترك المقابلة، ويحثني
على الصبر، فما عملتُه خير وأعلى مما عملتَه معي أيها المخاصم.
وفيه: العناية
بالأعمال كلها من صيام وغيره، ومراعاة تكميلها، والبعد عن جميع المنقصات لها،
وتذكر مقتضيات العمل، وما يوجبه على العامل وقت حصول الأسباب الجارحة للعمل.
وقوله: «الصوم جُنة» أي: وقاية يتقي بها العبد الذنوب في الدنيا
ويتمرن به على الخير، ووقاية من العذاب.
فهذا من أعظم
حكم الشارع من فوائد الصيام، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:
183]، فكون
الصوم جنة، وسبباً لحصول التقوى: هو مجموع الحكم التي فصلت في حكمة الصيام
وفوائده، فإنه يمنع من المحرمات أو يخففها، ويحث على كثير من الطاعات.
وقوله ﷺ: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه»،
هذان ثوابان: عاجل، وآجل.
فالعاجل:
مشاهد إذا أفطر الصائم فرح بنعمة الله عليه بتكميل الصيام، وفرح بنيل شهواته التي
منع منها في النهار.
والآجل:
فرحة عند لقاء ربه برضوانه وكرامته، وهذا الفرح المعجل نموذج ذلك الفرح المؤجل،
وأن الله سيجمعهما للصائم.
وفيه:
الإشارة إلى أن الصائم إذا قارب فطره، وحصلت له هذه الفرحة؛ فإنها تقابل ما مر
عليه في نهاره من مشقة ترك الشهوات، فهي من باب التنشيط، وإنهاض الهمم على الخير.
وقوله: «ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
والخلوف: هو
الأثر الذي يكون في الفم من رائحة الجوف عند خلوه من الطعام وتصاعد الأبخرة، فهو
وإن كان كريهاً للنفوس، فلا تحزن أيها الصائم؛ فإنه أطيب عند الله من ريح المسك،
فإنه متأثر عن عبادته والتقرب إليه، وكل ما تأثر عن العبادات من المشقات والكريهات
فهو محبوب لله، ومحبوب الله عند المؤمن مقدم على كل شيء.
الحديث
السادس والثلاثون
عن أبي هريرة t قال: قال
رسول الله ﷺ: «إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقد
آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي
يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي
يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن
استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن: يكره
الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه» رواه البخاري([140]).
هذا حديث جليل،
أشرف حديث في أوصاف الأولياء، وفضلهم ومقاماتهم.
فأخبر أن معاداة
أوليائه معاداة له ومحاربة له.
ومن كان متصدياً
لعداوة الرب ومحاربة مالك الملك فهو مخذول، ومن تكفل الله بالذب عنه فهو منصور؛
وذلك لكمال موافقة أولياء الله لله في محابِّه، أحبهم([141])
وقام بكفايتهم، وكفاهم ما أهمهم.
ثم ذكر صفة
الأولياء الصفة الكاملة، وأن أولياء الله هم الذين تقربوا إلى الله بأداء الفرائض
والنوافل أولاً - من صلاة وصيام وزكاة وحج، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجهاد -
وقيام بحقوقه وحقوق عباده الواجبة.
ثم انتقلوا من
هذه الدرجة إلى التقرب إليه بالنوافل، فإن كل جنس من العبادات الواجبة مشروع من
جنسه نوافل فيها فضائل عظيمة تكمِّل الفرائض، وتكمِّل ثوابها.
فأولياء الله
قاموا بالفرائض والنوافل، فتولاهم وأحبهم، وسهل لهم كل طريق يوصلهم إلى رضاه،
ووفقهم وسددهم في جميع حركاتهم، فإن سمِعوا سمِعوا
بالله، وإن أبصروا فلله، وإن بطشوا أو مشوا ففي طاعة الله.
ومع تسديده لهم
في حركاتهم جعلهم مجابي الدعوة؛ إن سألوه أعطاهم مصالح دينهم ودنياهم، وإن
استعاذوه من الشرور أعاذهم.
ومع ذلك لطف بهم
في كل أحوالهم، ولولا أنه قضى على عباده بالموت لسلم منه أولياؤه؛ لأنهم يكرهونه
لمشقته وعظمته، والله يكره مساءتهم، ولكن لما كان القضاء نافذاً كان لا بد لهم
منه.
فبيّن في هذا الحديث صفة الأولياء، وفضائلهم المتنوعة، وحصول محبة الله لهم
التي هي أعظم ما تنافس فيه المتنافسون، وأنه معهم وناصرهم، ومؤيدهم ومسددهم، ومجيب
دعواتهم.
ويدل هذا الحديث
على: إثبات محبة الله، وتفاوتها لأوليائه بحسب مقاماتهم.
ووصف النبي ﷺ لأولياء
الله بأداء الفرائض والإكثار من النوافل، مطابق لوصف الله لهم بالإيمان والتقوى في
قوله:
﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ
يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:
62، 63].
فكل من كان
مؤمناً تقيّاً كان لله وليّاً؛ لأن الإيمان يشمل العقائد، وأعمال القلوب والجوارح،
والتقوى ترك جميع المحرمات.
ويدل على أصل: وهو
أن الفرائض مقدمة على النوافل، وأحب إلى الله وأكثر أجراً وثواباً؛ لقوله: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه»،
وأنه عند التزاحم يتعين تقديم الفروض على النوافل.
الحديث
السابع والثلاثون
عن حكيم بن حزام
t قال: قال رسول الله ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن
صدقا وبينا؛ بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما؛ محقت بركة بيعهما» متفق
عليه([142]).
هذا الحديث أصل
في بيان المعاملات النافعة، والمعاملات الضارة، وأن الفاصل بين النوعين: الصدق
والبيان.
فمن صدق في
معاملته، وبيّن جميع ما تتوقف عليه المعاملة من الأوصاف المقصودة، ومن العيوب
والنقص؛ فهذه معاملة نافعة في العاجل بامتثال أمر الله ورسوله، والسلامة من الإثم،
وبنزول البركة في معاملته، وفي الآجلة بحصول الثواب، والسلامة من العقاب.
ومن كذب وكتم
العيوب، وما في المعقود عليه من الصفات فهو - مع إثمه - معاملته ممحوقة البركة،
ومتى نزعت البركة من المعاملة خسر صاحبها دنياه وأخراه.
ويستدل بهذا
الأصل على تحريم التدليس، وإخفاء العيوب، وتحريم الغِش، والبخس في الموازين
والمكاييل والذرع وغيرها؛ فإنها من الكذب والكتمان، وكذلك تحريم النجش([143])
والخداع في المعاملات وتلقي الجَلَب ليبيعهم، أو يشتري منهم.
ويدخل فيه:
الكذب في مقدار الثمن والمثمن، وفي وصف المعقود عليه، وغير ذلك.
وضابط ذلك: أن
كل شيء تكره أن يعاملك فيه أخوك المسلم أو غيره ولا يخبرك به، فإنه من باب الكذب
والإخفاء والغش.
ويدخل في هذا:
البيع بأنواعه، والإجارات، والمشاركات، وجميع المعاوضات، وآجالها ووثائقها، فكلها
يتعين على العبد فيها الصدق والبيان، ولا يحل له الكذب والكتمان.
وفي هذا الحديث:
إثبات خيار المجلس في البيع، وأن لكل واحد من المتبايعين الخيار بين الإمضاء أو
الفسخ، ما داما في محل التبايع، فإذا تفرقا ثبت البيع ووجب، وليس لواحد منهما بعد
ذلك الخيار إلا بسبب يوجب الفسخ، كخيار شرط، أو عيب يجده قد أخفي عليه، أو تدليس
أو تعذر معرفة ثمن، أو مثمن.
والحكمة في
إثبات خيار المجلس: أن البيع يقع كثيراً جدّاً، وكثيراً يندم الإنسان([144]) على
بيعه أو شرائه، فجعل له الشارع الخيار؛ كي يتروى وينظر حاله: هل يمضي، أو يفسخ؟
والله أعلم.
الحديث
الثامن والثلاثون
عن أبي هريرة t قال: «نهى رسول الله ﷺ
عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر» رواه مسلم([145]).
وهذا كلام جامع
لكل غَرر، والمراد بالغرر: المخاطرة والجهالة، وذلك داخل في الميسر؛ فإن الميسر
كما يدخل في المغالبات والرهان - إلا رهان سباق الخيل والإبل والسهام - فكذلك يدخل
في أمور المعاملات.
فكل بيع فيه خطر
- هل يحصل المبيع أو لا يحصل، كبيع الآبق والشارد والمغصوب من غير غاصبه، أو غير
القادر على أخذه، وكبيع ما في ذمم الناس، وخصوصاً المماطلين والمعسرين - فإنه داخل
في الغرر.
وكذلك كل بيع
فيه جهالة ظاهرة يتفاوت فيها المقصود فإنها داخلة في بيع الغرر، كبيعه ما في بيته
من المتاع، أو ما في دكانه، أو ما في هذا الموضع، وهو لا يدري عنه، ولا يعلمه، أو
بيع الحصاة التي هي مثال من أمثلة الغرر، كأن يقول: ارم هذه الحصاة، فعلى أيّ متاع
وقعت عليه؛ فهو عليك بكذا، أو ارمها في الأرض فما بلغته فهو لك بكذا، أو بيع
المنابذة أو الملامسة، أو بيع ما في بطون الأنعام، وما أشبه ذلك: فكل ذلك غرر
واضح.
ومن حكمة
الشارع: تحريم هذا النوع؛ لما فيه من المخاطرات، وإحداث العداوات التي قد يَغبن
فيها أحدُهما الآخر غبناً فاحشاً مضرّاً.
ولهذا اشترط
العلماء للبيع: العلم بالمبيع، والعلم بالثمن.
واشترطوا أيضاً:
أن يكون العاقد جائز التصرف، بأن يكون بالغاً عاقلاً رشيداً؛ لأن العقد مع الصغير
أو غير الرشيد لا بد أن يحصل به غبن مُضِر، وذلك من الغرر.
وكذلك اشترطوا:
العلم بالأجل، إذا كان الثمن أو بعضه، أو المبيع في السلم مؤجلاً؛ لأن جهالة الأجل
تُصيّر العقد غرراً.
وكما يدخل في
النهي عن بيع الغرر: الغرر الذي يتفقان عليه، فمن باب أولى أن يدخل فيه التغرير،
وتدليس أحدهما على الآخر شيئاً من أمور المعاملة: من معقود به، أو عليه، أو شيء من
صفاته.
والغش كله داخل
في التغرير، وأفراد الغش وتفاصيله لا يمكن ضبطها، وهي معروفة بين الناس.
وحاصل بيع الغرر
يرجع إلى بيع المعدوم، كحَبَل الحبَلة، والسنين([146])،
أو بيع المعجوز عنه - كالآبق ونحوه - أو بيع المجهول المطلق في ذاته، أو جنسه، أو
صفاته.
الحديث
التاسع والثلاثون
عن عمرو بن عوف
المزني t عن النبي ﷺ قال: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا
صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً، أو
أحل حراماً» رواه أهل السنن إلا النسائي([147]).
جمع في هذا الحديث
الشريف بين أنواع الصلح والشروط - صحيحها وفاسدها - بكلام يشمل من أنواع العلم
وأفراده ما لا يحصى بحد واضح بيّن.
فأخبر أن الأصل
في الصلح: أنه جائز لا بأس به، إلا إذا حرم الحلال، أو أحل الحرام. وهذا كلام
محيط، يدخل فيه جميع أقسام الصلح، والصلح خير؛ لما فيه من حسم النزاع، وسلامة
القلوب، وبراءة الذمم.
فيدخل فيه:
الصلح في
الأموال في الإقرار: بأن يقر له بدين، أو عين، أو حق،
فيصالحه عنه ببعضه أو بغيره.
وصلح الإنكار:
بأن يدعي عليه حقّاً من دين، أو عين، فينكر، ثم يتفقان على المصالحة عن هذا بعين
أو دين، أو منفعة أو إبراء، أو غيره: فكل ذلك جائز.
وكذلك الصلح عن
الحقوق المجهولة: كأن يكون بين اثنين معاملة طويلة، اشتبه فيها ثبوت
الحق على أحدهما أو عليهما، أو اشتبه مقداره، فيتصالحان على ما يتفقان عليه،
ويتحريان العدل.
وتمام ذلك: أن
يحلل كل منهما الآخر، أو يكون بين اثنين مشاركة في ميراث أو وقف، أو وصية أو مال
آخر: من ديون، أو أعيان، ثم يتصالحان عن ذلك بما يريانه أقرب إلى العدل والصواب.
وكذلك يدخل في
ذلك: المصالحة بين الزوجين في حق من حقوق الزوجية - من نفقة أو كسوة أو مسكن أو
غيرها - ماضية أو حاضرة، وإن اقتضت الحال أن يغض أحدهما عن بعض حقه؛ لاستيفاء
بقيته، أو لبقاء الزوجية، أو لزوال الفضل، أو لغير ذلك من المقاصد، فكل ذلك حسن.
كما قال تعالى في حقهما: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَن
يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾[
النساء: 128 ].
وكذلك الصلح عن
القصاص في النفوس، أو الأطراف بمال يتفقان عليه، أو المعاوضة عن ديات النفوس
والأطراف والجروح، أو يصلح الحاكم بين الخصوم بما تقتضيه الحال، متحرياً في ذلك
مصلحتهما جميعاً.
فكل هذا داخل في
قوله ﷺ: «الصلح جائز بين المسلمين».
فإن تضمن الصلح
تحريم الحلال، أو تحليل الحرام؛ فهو فاسد بنص هذا الحديث، كالصلح على رق الأحرار،
أو إباحة الفروج المحرمة، أو الصلح الذي فيه ظلم، ولهذا قيده الله بقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾[الحجرات:9].
أو صلح اضطرار
كالمكره، وكالمرأة إذا عضلها زوجها ظلماً لتفتدي منه، وكالصلح على حق الغير بغير
إذنه، وما أشبه ذلك، فهذا النوع صلح محرم غير صحيح.
وأما الشروط:
فأخبر في هذا الحديث أن المسلمين على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً،
وهذا أصل كبير، فإن الشروط هي التي يشترطها أحد المتعاقدين على الآخر مما له فيه
حظ ومصلحة، فذلك جائز، وهو لازم إذا وافقه الآخر عليه، واعترف به.
وذلك مثل إذا
اشترط المشتري في المبيع وصفاً مقصوداً، كشرط العبد كاتباً، أو يحسن العمل
الفلاني، أو الدابة هملاجة([148])
أو لبوناً، أو الجارح صيوداً، أو الجارية بكراً أو جميلة أو فيها الوصف الفلاني
المقصود.
ومثل أن يشترط المشتري:
أن الثمن أو بعضه مؤجل بأجل مسمى، أو يبيع الشيء ويشترط البائع أن ينتفع به مدة
معلومة، كما باع جابر للنبي ﷺ جمله، واشترط ظهره إلى المدينة.
ومثل أن يشترط
سكنى البيت أو الدكان مدة معلومة، أو يستعمل الإناء مدة معلومة، وما أشبه ذلك.
وكذلك شروط
الرهن والضمان والكفالة هي من الشروط الصحيحة اللازمة.
ومثل الشروط
التي يشترطها المتشاركان في مضاربة، أو شركة عنان، أو وجوه، أو أبدان، أو مساقاة،
أو مزارعة: فكلها صحيحة، إلا شروطاً تحلل الحرام، وعكسه، كالتي تعود إلى الجهالة
والغرر.
ومثل شروط
الواقفين والموصين في أوقافهم ووصاياهم من الشروط المقصودة: فكلها صحيحة، ما لم
تدخل في محرم.
وكذلك الشروط
بين الزوجين، كأن تشترط دارها أو بلدها، أو نفقة معينة أو نحوها، فإن أحق الشروط
أن يوفى به هذا النوع.
الحديث
الأربعون
عن أبي هريرة t قال: قال
رسول الله ﷺ: «مطل الغني ظلم،
وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فليتبع» متفق عليه([149]).
تضمن هذا الحديث
الأمر بحسن الوفاء، وحسن الاستيفاء، والنهي عما يضاد الأمرين أو أحدهما.
فقوله: «مطل الغني ظلم» أي: المعاسرة في
أداء الحق الواجب ظلم؛ لأنه ترك لواجب العدل، إذ على القادر المبادرة إلى أداء ما
عليه، من غير أن يُحوِج صاحب الحق إلى طلب وإلحاح، أو شكاية، فمن فعل ذلك مع قدرته
على الوفاء، فهو ظالم.
و«الغني» هو الذي عنده موجودات مالية يقدر بها على
الوفاء.
ومفهوم الحديث:
أن المعسر لا حرج عليه في التأخير، وقد أوجب الله على صاحب الحق إنظاره إلى
الميسرة.
ونفهم من هذا الحديث:
أن الظلم المالي لا يختص بأخذ مال الغير بغير حق، بل يدخل فيه كل اعتداء على مال
الغير، أو على حقه بأي وجه يكون.
فمن غصب مال
الغير، أو سرقه، أو جحد حقّاً عنده للغير، أو بعضه، أو ادعى عليه ما ليس له من أصل
الحق أو وصفه، أو ماطله بحقه من وقت إلى آخر، أو أدى إليه أقل مما وجب له في ذمته
- وصفاً أو قدراً - فكل هؤلاء ظالمون بحسب أحوالهم، والظلم ظلمات يوم القيامة على
أهله.
ثم ذكر في
الجملة الأخرى حسن الاستيفاء، وأن من له الحق عليه أن يتبع صاحبه بمعروف وتيسير،
لا بإزعاج ولا تعسير، ولا يرهقه من أمره عسراً، ولا يمتنع عليه إذا وجهه إلى جهة
ليس عليه فيها مضرة ولا نقص، فإذا أحاله بحقه على مليء - أي: قادر على الوفاء غير
مماطل ولا ممانع - فليحتل عليه، فإن هذا من حسن الاستيفاء والسماحة.
ولهذا ذكر تعالى
الأمرين في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾[البقرة:
178]،
فأمر صاحب الحق أن يتبع من عليه الحق بالمعروف، والمستحسن عرفاً وعقلاً، وأن يؤدي
من عليه الحق بإحسان.
وقد دعا ﷺ لمن اتصف
بهذا الوصف الجميل، فقال: «رحم الله عبداً سمحاً إذا
باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى»([150]).
فالسماحة في
مباشرة المعاملة، وفي القضاء، والاقتضاء، يرجى لصاحبه([151]) كل
خير - ديني ودنيوي - لدخوله تحت هذه الدعوة المباركة التي لا بد من قبولها.
وقد شوهد ذلك
عياناً،
فإنك لا تجد تاجراً بهذا الوصف إلا رأيت الله قد صب عليه الرزق صبّاً، وأنزل عليه
البركة، وعكسه صاحب المعاسرة والتعسير، وإرهاق المعاملين، والجزاء من جنس العمل،
فجزاء التيسير التيسير.
وإذا كان مطل
الغني ظلماً: وجب إلزامه بأداء الحق إذا شكاه غريمه، فإن أدى وإلا عزر حتى يؤدي،