النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
فوصف المتقين
بالإيمان بأصوله وعقائده، وأعماله الظاهرة والباطنة، وبأداء العبادات البدنية
والعبادات المالية، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، وبالعفو عن الناس
واحتمال أذاهم، والإحسان إليهم، وبمبادرتهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم
بالاستغفار والتوبة، فأمر ﷺ ووصى بملازمة التقوى حيثما كان العبد في كل وقت وكل مكان، وكل
حالة من أحواله؛ لأنه مضطر إلى التقوى غاية الاضطرار، لا يستغني عنها في كل حالة
من أحواله.
ثم لما كان
العبد لا بد أن يحصل منه تقصير في حقوق التقوى وواجباتها؛ أمر ﷺ بما يدفع
ذلك ويمحوه، وهو: أن يتبع الحسنة السيئة، "والحسنة": اسم جامع
لكل ما يقرب إلى الله تعالى.
وأعظم
الحسنات الدافعة للسيئات: التوبة النصوح، والاستغفار والإنابة إلى الله بذكره
وحبه، وخوفه ورجائه، والطمع فيه وفي فضله كل وقت، ومن ذلك الكفارات المالية
والبدنية التي حددها الشارع.
ومن الحسنات
التي تدفع السيئات: العفو عن الناس، والإحسان إلى الخلق من الآدميين وغيرهم،
وتفريج الكربات، والتيسير على المعسرين، وإزالة الضرر والمشقة عن جميع العالمين،
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[هود:
114].
وقال ﷺ: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات
لما بينهن ما اجتنبت الكبائر»([72])،
وكم في النصوص من ترتيب المغفرة على كثير من الطاعات.
ومما يكفِّر
الله به الخطايا: المصائب؛ فإنه لا يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا أذى، حتى الشوكة
يشاكها، إلا كفّر الله عنه بها خطاياه، وهي إما فوات محبوب، أو حصول مكروه - بدني،
أو قلبي، أو مالي، داخلي أو خارجي - لكن المصائب بغير فعل العبد. فلهذا أمره بما
هو من فعله، وهو أن يُتبِع السيئةَ الحسنةَ.
ثم لما ذكر حق
الله - وهو الوصية بالتقوى الجامعة لعقائد الدين وأعماله الباطنة والظاهرة - قال: «وخالق الناس بخلق حسن».
وأول الخلق
الحسن:
أن تكف عنهم أذاك من كل وجه، وتعفو عن مساويهم وأذيتهم لك، ثم تعاملهم بالإحسان
القولي والإحسان الفعلي.
وأخص ما يكون
بالخلق الحسن: سعة الحلم على الناس، والصبر عليهم، وعدم الضجر
منهم، وبشاشة الوجه، ولطف الكلام، والقول الجميل المؤنس للجليس، المدخِل عليه
السرور، المزيل لوحشته ومشقة حشمته، وقد يحسن المزح أحياناً إذا كان فيه مصلحة،
لكن لا ينبغي الإكثار منه، وإنما المزح في الكلام كالمِلح في الطعام، إن عُدِم أو
زاد على الحد فهو مذموم.
ومن الخلق
الحسن: أن تعامل كل أحد بما يليق به، ويناسب لحاله من صغير وكبير، وعاقل وأحمق،
وعالم وجاهل.
فمن اتقى الله،
وحقق تقواه، وخالق الناس على اختلاف طبقاتهم بالخلق الحسن؛ فقد حاز الخير كله؛
لأنه قام بحق الله وحقوق العباد، ولأنه كان من المحسنين في عبادة الله، المحسنين
إلى عباد الله.
الحديث
الثامن عشر
عن عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة»متفق
عليه([73]).
هذا الحديث فيه التحذير من الظلم، والحث على ضده، وهو العدل، والشريعة كلها عدل، آمرة بالعدل، ناهية عن الظلم، قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾[الأعراف:29]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾[النحل:90]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ
لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُونَ﴾[الأنعام: 82].
فإن الإيمان - أصوله
وفروعه، باطنه وظاهره - كله عدل، وضده ظلم، فأعدل العدل وأصله: الاعتراف بتوحيد
الله، وتفرده بالكمال، وإخلاص الدين له، وأعظم الظلم، وأشده: الشرك بالله؛ كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾[لقمان:
13] وذلك أن العدل وضع
الشيء في موضعه، والقيام بالحقوق الواجبة، والظلم عكسه.
فأعظم الحقوق وأوجبها: حق الله على عباده، أن يعرفوه ويعبدوه، ولا يشركوا
به شيئاً، ثم القيام بأصول الإيمان، وشرائع الإسلام - من إقام الصلاة وإيتاء
الزكاة وصيام رمضان، وحج البيت الحرام، والجهاد في سبيل الله قولاً وفعلاً،
والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر -.
ومن الظلم:
الإخلال بشيء من ذلك، كما أن من العدل: القيام بحقوق النبي ﷺ من الإيمان به ومحبته، وتقديمها على محبة الخلق كلهم، وطاعته
وتوقيره وتبجيله، وتقديم أمره وقوله على غيره.
ومن الظلم
العظيم: أن يخل العبد بشيء من حقوق النبي ﷺ الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأرحم بهم وأرأف بهم من كل أحد
من الخلق، وهو الذي لم يصل إلى أحد خير إلا على يديه.
ومن العدل: بر
الوالدين، وصلة الأرحام، وأداء حقوق الأصحاب والمعاملين، ومن الظلم: الإخلال بذلك.
ومن العدل: قيام
كل من الزوجين بحق الآخر، ومن أخل بذلك منهما فهو ظالم.
وظلم الناس أنواع كثيرة، يجمعها قوله ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في
بلدكم هذا»([74]).
فالظلم كله
بأنواعه ظلمات يوم القيامة، يعاقب أهله على قدر ظلمهم، ويجازى المظلومون من حسنات
الظالمين، فإن لم يكن لهم حسنات، أو فنيت؛ أُخذ من سيئاتهم فطرحت على الظالمين.
والعدل كله أنوار
يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾[الحديد: 12].
والله تعالى حرم
الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرماً، فالله تعالى على صراط مستقيم في أقواله
وأفعاله وجزائه، وهو العدل، وقد نصب لعباده الصراط المستقيم الذي يرجع إلى العدل،
ومن عدل عنه عدل إلى الظلم والجور الموصل إلى الجحيم.
والظلم ثلاثة
أنواع:
نوع لا يغفره الله، وهو الشرك بالله: ﴿إِنَّ
اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾[النساء: 48].
ونوع لا يترك
الله منه شيئاً: وهو ظلم العباد بعضهم لبعض، فمِن كمال عدله: أن يقتص([75])
الخلق بعضهم من بعض بقدر مظالمهم.
ونوع تحت مشيئة
الله: إن شاء عاقب عليه، وإن شاء عفا عن أهله، وهو الذنوب التي بين العباد وبين
ربهم فيما دون الشرك.
الحديث
التاسع عشر
عن أبي هريرة t قال: قال
رسول الله ﷺ: «انظروا إلى من
هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» متفق
عليه([76]).
يا لها من وصية
نافعة، وكلمة شافية وافية، فهذا يدل على الحث على شكر الله بالاعتراف بنعمه،
والتحدث بها، والاستعانة بها على طاعة المنعِم، وفعل جميع الأسباب المعينة على
الشكر؛ فإن الشكر لله رأس العبادة، وأصل الخير، وواجب على العباد([77])؛
فإنه ما بالعباد من نعمة ظاهرة ولا باطنة، خاصة أو عامة إلا من الله، وهو الذي
يأتي بالخير والحسنات، ويدفع السوء والسيئات، فيستحق أن يبذل له العبادُ من الشكر
ما تصل إليه قواهم، وعلى العبد أن يسعى بكل وسيلة توصله وتعينه على الشكر.
وقد أرشد ﷺ إلى هذا
الدواء العجيب، والسبب القوي لشكر نعم الله: وهو أن يلحظ العبد - في كل وقت - من
هو دونه في العقل والنسب والمال، وأصناف النعم، فمتى استدام هذا النظرَ اضطره إلى
كثرة شكر ربه والثناء عليه؛ فإنه لا يزال يرى خلقاً كثيراً دونه بدرجات في هذه
الأوصاف، ويتمنى كثيرٌ منهم أن يصل إلى قريب مما أوتيه من عافية ومال ورزق، وخَلق
وخُلق، فيحمد الله على ذلك حمداً كثيراً، ويقول: الحمد لله الذي أنعم عليّ، وفضلني
على كثير ممن خلق تفضيلاً.
ينظر إلى خَلق
كثير ممن سُلبوا عقولهم؛ فيحمد ربه على كمال العقل، ويشاهد عالماً كثيراً ليس لهم
قوت مدخر، ولا مساكن يأوون إليها، وهو مطمئن في مسكنه، مُوسّع عليه رزقه.
ويرى خلقاً
كثيراً قد ابتلوا بأنواع الأمراض، وأصناف الأسقام، وهو معافى من ذلك مسربل
بالعافية، ويشاهد خلقاً كثيراً قد ابتلوا ببلاء أفظع من ذلك: بانحراف الدين،
والوقوع في قاذورات المعاصي، والله قد حفظه منها أو من كثير منها.
ويتأمل أناساً
كثيرين قد استولى عليهم الهم، وملكهم الحزن والوساوس، وضيق الصدر، ثم ينظر إلى
عافيته من هذا الداء، ومِنّة الله عليه براحة القلب، حتى ربما كان فقيراً يفوق
بهذه النعمة - نعمة القناعة وراحة القلب - كثيراً من الأغنياء.
ثم من ابتلي
بشيء من هذه الأمور؛ يجد عالماً كثيراً أعظم منه وأشد مصيبة؛ فيحمد الله على وجود
العافية، وعلى تخفيف البلاء، فإنه ما من مكروه إلا ويوجد مكروه أعظم منه.
فمن وفق
للاهتداء بهذا الهدي الذي أرشد إليه النبي ﷺ لم يزل شكره في قوة ونمو، ولم تزل نِعَم الله عليه تترى وتوالى،
ومن عكس القضية - فارتفع نظره، وصار ينظر إلى من هو فوقه في العافية والمال والرزق
وتوابع ذلك - فإنه لا بد أن يزدري نعمةَ الله، ويفقد شكره، ومتى فقد الشكر ترحّلت
عنه النعم، وتسابقت إليه النِّقَم، وامتُحن بالغم الملازم، والحزن الدائم، والتسخط
لما هو فيه من الخير، وعدم الرضى بالله ربّاً ومدبراً، وذلك ضرر في الدين والدنيا،
وخسران مبين.
واعلم أن من تفكّر
في كثرة نعم الله، وتفطّن لآلاء الله الظاهرة والباطنة، وأنه لا وسيلة له إليها
إلا محض فضل الله وإحسانه، وأن جنساً من نعم الله لا يقدر العبد على إحصائه
وتعداده - فضلاً عن جميع الأجناس، فضلاً عن شكرها - فإنه يضطر إلى الاعتراف التام
بالنعم، وكثرة الثناء على الله، ويستحي من ربه أن يستعين بشيء من نعمه على ما لا
يحبه ويرضاه، وأوجب له الحياء من ربه الذي هو من أفضل شُعَب الإيمان، فاستحيا من
ربه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره.
ولما كان الشكر مدارَ
الخير وعنوانه؛ قال ﷺ لمعاذ بن جبل: «إني أحبك، فلا تدعنّ
أن تقول دبر كل صلاة مكتوبة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»([78])، وكان
يقول: «اللهم اجعلني لك شكاراً، لك ذكاراً، اللهم اجعلني أعظم شكرك، وأكثر
ذكرك، وأتبع نصحك، وأحفظ وصيتك»([79]).
وقد اعترف أعظم
الشاكرين بالعجز عن شكر نعم الله، فقال ﷺ: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما
أثنيت على نفسك»([80])، والله
أعلم.
الحديث
العشرون
عن أبي هريرة t قال: قال
رسول الله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة أحدكم -
إذا أحدث - حتى يتوضأ» متفق عليه([81]).
يدل الحديث بمنطوقه:
أن من لم يتوضأ إذا أحدث فصلاته غير مقبولة، أي غير صحيحة، ولا مجزئة.
وبمفهومه: أن
من توضأ قبلت صلاته، أي مع بقية ما يجب ويشترط للصلاة؛ لأن الشارع يعلق كثيراً من
الأحكام على أمور معينة لا تكفي وحدها بترتُّب الحكم([82])،
حتى ينضم إليها بقية الشروط، وحتى تنتفي الموانع، وهذا الأصل الشرعي متفق عليه بين
أهل العلم؛ لأن العبادة التي تحتوي على أمور كثيرة - كالصلاة مثلاً - لا يشترط أن
تجمع أحكامها في كلام الشارع في موضع واحد، بل يجمع جميع ما ورد فيها من الأحكام،
فتؤخذ مجموع أحكامها من نصوص متعددة، وهذا من أكبر الأسباب لوضع الفقهاء علوم
الفقه والأحكام، وترتيبها وتبويبها، وضم الأجناس والأنواع بعضها لبعض للتقريب على
غيرهم، فلهم في ذلك اليد البيضاء؛ فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
وهذا الأصل
ينبغي أن تعتبره في كل موضع، وهو أن: الأحكام لا تتم إلا باجتماع شروطها
ولوازمها، وانتفاء موانعها.
والحدَث:
يشمل جميع نواقض الوضوء، فيدخل فيه الخارج من السبيلين، والنوم الناقض للوضوء،
والخارج الفاحش من بقية البدن إذا كان نجساً، وأكل لحم الإبل، ولمس المرأة لشهوة،
ولمس الفرج باليد، وفي بعضها خلاف.
فكل من وجد منه شيء من هذه النواقض لم تصح صلاته حتى يتوضأ الوضوء الشرعي،
فيغسل الأعضاء التي نص الله عليها في سورة المائدة، مع الترتيب والموالاة، أو
يتطهر بالتراب بدل الماء عند تعذر استعمال الماء - إما لعدمه، أو لخوفه باستعماله
الضرر -.
وفي هذا دليل
على أنه لو صلى ناسياً أو جاهلاً حدَثَه فعليه الإعادة؛ لعموم الحديث، وهو متفق
عليه، فهو وإن كان مثاباً على ما فعله مِن صورةِ الصلاة وما فيها من العبادات؛ لكن
عليه الإعادة لإبراء ذمته، وهذا بخلاف من تطهر ونسي ما على بدنه أو ثوبه من
النجاسة؛ فإنه لا إعادة عليه على الصحيح؛ لأن الطهارة من باب فعل المأمور
الذي لا تبرأ الذمة إلا بفعله، وأما اجتناب النجاسة فإنه من باب اجتناب المحظور
الذي إذا فُعل والإنسان معذور؛ فلا إعادة عليه.
الحديث
الحادي والعشرون
عن عائشة رضي
الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «عشر من الفطرة: قص الشارب،
وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط،
وحلق العانة، وانتقاص الماء» - يعني
الاستنجاء - قال
الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. رواه مسلم([83]).
"الفطرة":
هي الخِلقة التي خلق الله عبادَه عليها، وجعلهم مفطورين عليها - على محبة الخير
وإيثاره، وكراهة الشر ودفعه - وفطرهم حنفاء، مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله،
والتقرب إليه.
وجعل تعالى
شرائع الفطرة نوعين:
أحدهما:
يطهر القلب والروح، وهو الإيمان بالله وتوابعه: من خوفه ورجائه، ومحبته والإنابة
إليه، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾الآية[الروم:30، 31]. فهذه تزكي النفس، وتطهر القلب وتنميه،
وتذهب عنه الآفات الرذيلة، وتحليه بالأخلاق الجميلة، وهي كلها ترجع إلى أصول
الإيمان أو أعمال القلوب([84]).
والنوع الثاني: ما
يعود إلى تطهير الظاهر ونظافته، ودفع الأوساخ والأقذار عنه، وهي هذه العشر، وهي من
محاسن الدين الإسلامي؛ إذ هي كلها تنظيف للأعضاء، وتكميل لها؛ لتتم صحتها، وتكون
مستعدة لكل ما يراد منها.
فأما المضمضة والاستنشاق:
فإنهما مشروعان في طهارة الحدث الأصغر والأكبر بالاتفاق، وهما فرضان فيهما على
الصحيح، ولا يخفى ما فيهما من تطهير الفم والأنف وتنظيفهما؛ لأن الفم والأنف تتوارد
عليهما كثير من الأوساخ والأبخرة ونحوها، وهو مضطر إلى ذلك وإزالته، وكذلك السواك
يطهر الفم، فهو «مطهرة للفم مرضاة للرب»؛
ولهذا يشرع كلَّ وقت ويتأكد عند الوضوء والصلاة والانتباه من النوم، وتغير الفم،
وصفرة الأسنان، ونحوها.
وأما قص الشارب
أو حفّه حتى تبدو الشفة، فلما في ذلك من النظافة والتحرز مما يخرج من الأنف؛ فإن
شعر الشارب إذا تدلى على الشفة باشر به ما يتناوله من مأكول ومشروب، مع تشويه الخِلقة
بوفرته، وإن استحسنه من لا يعبأ به، وهذا بخلاف اللحية؛ فإن الله جعلها وقاراً
للرجل وجمالاً له، ولهذا يبقى جماله في حال كبره بوجود شعر اللحية. واعتبِر ذلك
بمن يعصي الرسول ﷺ فيحلقها، كيف يبقى وجهه مشوهاً قد ذهبت محاسنه! وخصوصاً وقت
الكبر، فيكون كالمرأة العجوز إذا وصلت إلى هذه السن ذهبت محاسنها، ولو كانت من
أجمل النساء([85])!!
وهذا محسوس ولكن العوائد والتقليد الأعمى يوجب استحسان القبيح واستقباح الحسن!
وأما قص الأظفار
ونتف الإبط، وغسل البراجم - وهي مطاوي اليدين([86])
التي تجتمع فيها الأوساخ - فلها من التنظيف وإزالة المؤذيات ما لا يمكن جحده،
وكذلك حلق العانة.
وأما الاستنجاء
- وهو إزالة الخارج من السبيلين بماء وحجر([87]) -
فهو لازم وشرط من شروط الطهارة.
فعلمت أن هذه
الأشياء كلها تُكمِّل ظاهرَ بدن الإنسان وتُطَهره وتنظفه، وتدفع عنه الأشياء
الضارة والمستقبحة، والنظافة من الإيمان.
والمقصود: أن
الفطرة هي شاملة لجميع الشريعة - باطنها وظاهرها - لأنها تنقي الباطن من الأخلاق
الرذيلة، وتحلِّيه بالأخلاق الجميلة التي ترجع إلى عقائد الإيمان والتوحيد،
والإخلاص لله والإنابة إليه، وتنقي الظاهر من الأنجاس والأوساخ وأسبابها، وتطهره
الطهارة الحسية والطهارة المعنوية، ولهذا قال ﷺ: «الطهور شطر الإيمان»([88])، وقال
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة:
222].
فالشريعة كلها
طهارة وزكاء، وتنمية وتكميل، وحثٌّ على معالي الأمور، ونهي عن سفسافها،
والله أعلم.
الحديث
الثاني والعشرون
عن أبي سعيد الخدري، t قال: قال رسول الله ﷺ: «الماء طهور لا ينجسه شيء» رواه
أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي([89]).
هذا الحديث الصحيح
يدل على أصل جامع: وهو أن الماء - أي جميع المياه النابعة من الأرض، والنازلة من
السماء الباقية على خلقتها، أو المتغيرة بمقرها أو ممرها، أو بما يلقى فيها من
الطاهرات ولو تغيراً كثيراً - طاهرة تُستعمل في الطهارة وغيرها، ولا يستثنى من هذا
الكلام الجامع إلا الماء المتغير لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة، كما في بعض ألفاظ
هذا الحديث.
وقد اتفق
العلماء على نجاسة الماء المتغير بالنجاسة، واستدل عليه الإمام أحمد وغيره بقوله
تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾الآية[المائدة:
3]،
يعني: ومتى ظهرت أوصاف هذه الأشياء المحرمة في الماء صار نجساً خبيثاً.
وهذا الحديث وغيره
يدل على أن الماء المتغير بالطاهرات طهور، وعلى أن ما خلت به المرأة لا يُمنع منه
مطلقاً، وعلى طهورية ما انغمست فيه يد القائم من نوم الليل، وإنما يُنهى القائم من
النوم عن غمسها حتى يغسلها ثلاثاً، وأما المنع من الماء فلا يدل الحديث عليه.
المقصود: أن
هذا الحديث يدل على أن الماء قسمان:
نجس: وهو ما
تغير أحد أوصافه بالنجاسة، قليلاً كان أو كثيراً.
وطهور: وهو ما
ليس كذلك، وأن إثبات نوع ثالث - لا طهور ولا نجس، بل طاهر غير مطهر - ليس عليه
دليل شرعي، فيبقى على أصل الطهورية.
ويؤيد هذا
العموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾[المائدة:6]، وهذا
عام في كل ماء؛ لأنه نكرة في سياق النفي، فيشمل كل ماء، خرج منه الماء النجس؛
للإجماع عليه.
ودل هذا الحديث أيضاً
أن الأصل: الطهارة في المياه([90])، وكذلك
في غيرها، فمتى حصل الشك في شيء منها - هل وجد فيه سبب التنجيس أم لا - فالأصل
الطهارة.
الحديث
الثالث والعشرون
عن أبي قتادة t قال: قال
رسول الله ﷺ في الهرة: «إنها ليست بِنَجَس؛ إنها من
الطوافين عليكم والطوافات» رواه مالك وأحمد
وأهل السنن الأربع([91]).
هذا الحديث محتوٍ
على أصلين:
أحدهما: أن
المشقة تجلب التيسير، وذلك أصل كبير من أصول الشريعة، من جملته: أن هذه الأشياء
التي يشق التحرز منها طاهرة، لا يجب غسل ما باشرت بفيها أو يدها أو رجلها؛ لأنه
علل ذلك بقوله: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات»
كما أباح الاستجمار في محل الخارج من السبيلين، ومسح ما أصابته النجاسة من النعلين
والخفين، وأسفل الثوب، وعُفي عن يسير طين الشوارع النجس، وأبيح الدم الباقي في
اللحم والعروق بعد الدم المسفوح، وأبيح ما أصابه فم الكلب من الصيد، وما أشبه ذلك
مما يجمعه علة واحدة، وهي المشقة.
الثاني: أن
الهرة وما دونها في الخلقة - كالفأرة ونحوها - طاهرة في الحياة لا ينجس ما باشرته
من طعام وشراب وثياب وغيرها.
ولذلك قال
أصحابنا: الحيوانات أقسام خمسة:
أحدها:
نجس - حيّاً وميتاً - في ذاته وأجزائه وفضلاته، وذلك كالكلاب والسباع كلها،
والخنزير ونحوها.
الثاني: ما
كان طاهراً في الحياة نجساً بعد الممات، وذلك كالهرة وما دونها في الخلقة، ولا
تحله الذَّكَاة ولا غيرها.
الثالث: ما
كان طاهراً في الحياة وبعد الممات، ولكنه لا يحل أكله، وذلك كالحشرات التي لا دم
لها سائل.
الرابع: ما
كان طاهراً في الحياة وبعد الذكاة، وذلك كالحيوانات المباح أكلها، كبهيمة الأنعام
ونحوها.
الخامس: ما
كان طاهراً في الحياة وبعد الممات، ذُكِّيَ أو لم يذك - وهو حلال - وذلك كحيوانات
البحر كلها والجراد.
واستدل كثير من
أهل العلم بقوله ﷺ: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات»
بطهارة الصبيان، وطهارة أفواههم، ولو بعد ما أصابتها النجاسة، وكذلك طهارة ريق
الحمار والبغل وعَرَقه وشعره، وأين مشقة الهر من مشقة الحمار والبغل؟!
ويدل عليه: أنه ﷺ كان يركبهما
هو وأصحابه، ولم يكونوا يتوقون منها ما ذكرنا، وهذا هو الصواب.
وأما قوله ﷺ في لحوم
الحمر يوم خيبر: «إنها رجس»([92]) أي:
لحمها رجس نجس حرام أكله، وأما ريقها وعرقها وشعرها؛ فلم ينه عنه، ولم يتوقه ﷺ.
وأما الكلاب:
فإنه ﷺ أمر بغسل ما ولغت فيه سبع مرات إحداهن بالتراب.
الحديث
الرابع والعشرون
عن أبي هريرة t قال: قال
رسول الله ﷺ: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة،
ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» رواه مسلم([93]).
هذا الحديث يدل
على عظيم فضل الله وكرمه، بتفضيله هذه العبادات الثلاث العظيمة، وأن لها عند الله
المنزلة العالية، وثمراتها لا تعد ولا تحصى.
فمن ثمراتها: أن
الله جعلها مكملة لدين العبد وإسلامه، وأنها منمية للإيمان، مسقية لشجرته؛ فإن
الله غرس شجرة الإيمان في قلوب المؤمنين بحسب إيمانهم، وقدّر من ألطافه وفضله من
الواجبات والسنن ما يسقي هذه الشجرة وينميها، ويدفع عنها الآفات؛ حتى تكمل وتؤتي
أكلها كل حين بإذن ربها، وجعلها تنفي عنها الآفات.
فالذنوب ضررها
عظيم، وتنقيصها للإيمان معلوم.
فهذه الفرائض
الثلاث، إذا تجنب العبد كبائر الذنوب غُفر بها الصغائر والخطيئات، وهي من أعظم ما
يدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[هود: 114].
كما أن الله جعل من لطفه تجنب الكبائر سبباً لتكفير الصغائر، قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُدْخَلاً كَرِيماً﴾[النساء:
31].
أما الكبائر،
فلا بد لها من توبة.
وعلم من هذا الحديث: أن
كل نص جاء فيه تكفير بعض الأعمال الصالحة للسيئات، فإنما المراد الصغائر([94])؛
لأن هذه العبادات الكبار إذا كانت لا تُكفَّر بها الكبائر فكيف بما دونها؟!
والحديث صريح بأن
الذنوب قسمان: كبائر، وصغائر.
وقد كثر كلام
الناس في تعريف الفرق([95]) بين
الصغائر والكبائر، وأحسن ما قيل: إن الكبيرة ما رتب عليه حد في
الدنيا، أو توعد عليه بالآخرة، أو لعن صاحبه، أو رتب عليه غضب ونحوه، والصغائر ما
عدا ذلك.
أو يقال:
الكبائر: ما كان تحريمه تحريم المقاصد، والصغائر: ما حرم تحريم الوسائل، فالوسائل:
كالنظرة المحرمة مع الخلوة بالأجنبية، والكبيرة: نفس الزنا، وكربا الفضل مع ربا
النسيئة، ونحو ذلك، والله أعلم.
الحديث
الخامس والعشرون
عن مالك بن
الحويرث t قال: قال رسول الله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت
الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» متفق عليه([96]).
هذا الحديث احتوى
على ثلاث جُمَل، أولها أعظمها:
الجملة الأولى:
قوله: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم» مشروعية
الأذان([97])
ووجوبه؛ للأمر به، وكونه بعد دخول الوقت، ويستثنى من ذلك صلاة الفجر فإنه ﷺ قال: («إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» فإنه لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت)([98])، وأن
الأذان فرض كفاية لا فرض عين؛ لأن الأمر من الشارع إن خوطب به كل شخص مكلف، وطلب
حصوله منه؛ فهو فرض عين، وإن طلب حصوله فقط، بقطع النظر عن الأعيان؛ فهو فرض كفاية،
وهنا قال: «فليؤذن لكم أحدكم» وألفاظ الأذان
معروفة.
وينبغي أن يكون
المؤذن: صيتاً أميناً، عالماً بالوقت، متحرياً له؛ لأنه أعظم لحصول المقصود، ويكفي
من يحصل به الإعلام غالباً.
والحديث يدل على وجوب الأذان في الحضر والسفر، والإقامة من تمام الأذان؛
لأن الأذان: الإعلام بدخول الوقت للصلاة، والإقامة: الإعلام بالقيام إليها.
وقد وردت النصوص
الكثيرة بفضله، وكثرة ثوابه، واستحباب إجابته، وأن يقول المجيب مثل ما يقول، إلا
إذا قال: "حي على الصلاة، حي على الفلاح" فيقول كلمة الاستعانة بالله
على ما دُعي إليه من الصلاة والفلاح، الذي هو الخير كله: "لا حول ولا قوة إلا
بالله" ثم يصلي على النبي ﷺ ويقول: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت
محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته" ثم يدعو لنفسه؛
لأنه من مواطن الإجابة التي ينبغي للداعي قصدها.
الجملة الثانية: قوله: «وليؤمكم
أكبركم» فيه: وجوب صلاة الجماعة، وأن أقلها إمام ومأموم، وأن
الأولى بالإمامة أقومهم بمقصود الإمامة، كما ثبت في الصحيح: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء
فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة أو إسلاماً»([99])، فإذا
كانوا متقاربين - كما في هذا الحديث - كان الأولى منهما أكبرهما؛ فإن تقديم الأكبر
مشروع في كل أمر طُلب فيه الترتيب، إذا لم يكن للصغير مزيد فضل؛ لقوله ﷺ: «كبِّر كبِّر»([100]).
وإذا ترتبت
الصلاة بإمام ومأموم، فإنما جُعل الإمام ليُؤتم به، فإذا كبَّر: كبر من وراءه،
وإذا ركع، وسجد، ورفع: تبعه من بعده، ويُنهى عن موافقته في أفعال الصلاة، وأما
مسابقته، والتقدم عليه في ركوع أو سجود أو خفض أو رفع: فإن ذلك حرام، مبطل للصلاة،
فيؤمر المأمومون بالاقتداء بإمامهم، وينهون عن الموافقة والمسابقة والتخلف الكثير.
فإن كانوا اثنين
فأكثر: فالأفضل أن يصفوا خلفه، ويجوز عن يمينه، أو عن جانبيه، والرجل الواحد يصُف
عن يمين الإمام، والمرأة خلف الرجل، أو الرجال، تقف وحدها، إلا إذا كان معها نساء
فيكنَّ كالرجال في وجوب المصافة، وإن وقف الرجل الواحد خلف الإمام أو خلف الصف
لغير عذر بطلت صلاته.
وعلى الإمام
تحصيل مقصود الإمامة - من الجهر بالتكبير في الانتقالات والتسميع، ومن الجهر في
القراءة في الصلاة الجهرية - وعليه مراعاة المأمومين في التقدم والتأخر، والتخفيف
مع الإتمام.
الجملة الثالثة: -
وهي الأولى في هذا الحديث - قوله: «صلوا كما رأيتموني
أصلي» وهذا تعليم منه ﷺ بالقول والفعل، كما فعل ذلك في الحج، حيث يقوم([101])
بأداء المناسك ويقول للناس: «خذوا عني مناسككم»([102]).
وهذه الجملة
تأتي على جميع ما كان يفعله ويقوله ويأمر به في الصلاة، وذلك بأن يستكمل
العبد جميع شروط الصلاة، ثم يقوم إلى صلاته ويستقبل القبلة،
ناوياً الصلاة المعينة بقلبه، ويقول: "الله أكبر" ثم يستفتح، ويتعوذ بما
ثبت عن النبي ﷺ من أنواع الاستفتاحات والتعوذات، ويقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم"
ثم يقرأ الفاتحة، وسورة طويلة في صلاة الفجر، وقصيرة في صلاة المغرب، وبين ذلك في
بقية الصلوات، ثم يركع مكبراً رافعاً يديه حذو منكبيه في ركوعه وفي رفعه منه في كل
ركعة، وعند تكبيرة الإحرام، وإذا قام من التشهد الأول - على الصحيح - في
الصلاة الرباعية والثلاثية، ويقول: "سبحان ربي العظيم" مرة واجبة، وأقل
الكمال: ثلاث مرات فأكثر، وكذلك تسبيح السجود قول: "سبحان ربي الأعلى"،
ثم يرفع رأسه قائلاً - إمامٌ ومنفردٌ -: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد،
حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه" وكذلك المأموم، إلا أنه لا يقول: "سمع
الله لمن حمده"، ثم يكبر ويسجد على سبعة أعضاء: القدمين، والركبتين، والكفين،
والجبهة مع الأنف، ويمكِّنها من الأرض، ويجافيها، ولا يبسط ذراعيه انبساط الكلب،
ثم يرفع مكبراً، ويجلس مفترشاً جالساً على رجله اليسرى، ناصباً رجله اليمنى، موجهاً
أصابعها إلى القبلة، والصلاة جلوسها كله افتراش، إلا في التشهد الأخير فإنه ينبغي
له أن يتورك - فيقعد على الأرض، ويخرج رجله اليسرى عن يمينه - ويقول بين السجدتين:
"رب اغفر لي، رب اغفر لي"، ثم يسجد الثانية كالأولى، وهكذا يفعل في كل
ركعة، وعليه أن يطمئن في كل رفع وخفض، وركوع وسجود، وقيام وقعود، ثم يتشهد فيقول:
"التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ثم: "أشهد أن لا إله
إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".
هذا التشهد
الأول، ثم يقوم - إن كانت رباعية أو ثلاثية - ويصلي بقيتها بالفاتحة وحدها، وإن
كان في التشهد الذي يليه السلام قال: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما
صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على
آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن
فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" ويدعو بما أحب، ثم يسلم، ويذكر
الله بما ورد، فجميع الوارد عن النبي ﷺ في الصلاة من فعله وقوله وتعليمه وإرشاده؛ فإنه داخل في قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وهو مأمور به أمر إيجاب أو
استحباب، بحسب الدلالة.
فما كان من
أجزائها لا يسقط سهواً ولا جهلاً ولا عمداً قيل له: ركن - كتكبيرة الإحرام، وقراءة
الفاتحة، والتشهد الأخير، والسلام، وكالقيام، والركوع، والسجود، والاعتدال عنها -.
وما كان يسقط
سهواً ويجبره سجود السهو قيل له: واجب، كالتشهد الأول، والجلوس له، والتكبيرات غير
تكبيرة الإحرام، وقول "سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد، وقول:
"ربنا ولك الحمد" لكل مصل، وقول: "سبحان ربي العظيم" مرة في
الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" مرة في السجود، وقول: "رب اغفر
لي" بين السجدتين.
وما سوى ذلك فإنه من مكملاتها ومستحباتها، وخصوصاً روح الصلاة ولبها وهو:
حضور القلب فيها، وتدبُّر ما يقوله من قراءة وذكر ودعاء، وما يفعله من قيام وقعود،
وركوع وسجود، والخضوع لله، والخشوع فيها لله.
ومما يدخل في
ذلك: تجنب ما نهى عنه ﷺ في الصلاة - كالضحك، والكلام، وكثرة الحركة المتتابعة لغير ضرورة -
فإن الصلاة لا تتم إلا بوجود شروطها وأركانها وواجباتها، وانتفاء مبطلاتها التي
ترجع إلى أمرين: إما إخلال بلازم، أو فعل ممنوع فيها، كالكلام ونحوه.
الحديث
السادس والعشرون
عن جابر t قال:
قال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء
قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من
أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة،
وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» متفق عليه([103]).
فضل نبينا محمد ﷺ بفضائل
كثيرة فاق فيها جميع الأنبياء ،
فكل خصلة حميدة ترجع إلى العلوم النافعة، والمعارف الصحيحة، والعمل الصالح؛
فلنبينا منها أعلاها وأفضلها وأكملها، ولهذا
لما ذكر الله أعيان الأنبياء الكرام قال لنبيه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ
اقْتَدِهْ﴾[الأنعام:
90]، وهداهم:
هو ما كانوا عليه من الفضائل الظاهرة والباطنة.
وقد
تمم ﷺ ما
أمر به، وفاق جميع الخلق، وكذلك خص الله نبينا بخصائص لم يشاركه فيها أحد من
الأنبياء، منها: هذه الخمس التي عادت على أمته بكل خير وبركة ونفع.
إحداها:
أنه نُصر بالرعب مسيرة شهر، وهذا نصر رباني، وجند من السماء يعين الله به رسوله
وأمته المتبعين لهديه، فمتى كان عدوه عنه مسافة شهر فأقل، فإنه مرعوب منه، وإذا
أراد الله نصر أحد ألقى في قلوب أعدائه الرعب، قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ
الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ
سُلْطَاناً﴾[آل عمران: 151]، وألقى
في قلوب المؤمنين من القوة والثبات، والسكينة والطمأنينة ما هو من أعظم أسباب
النصر ، فالله تعالى
وعد نبينا وأمته بالنصر العظيم، وأن يعينهم بأسباب أرشدهم إليها، كالاجتماع
والائتلاف، والصبر والاستعداد للأعداء بكل مستطاع من القوة، إلى غير ذلك من
الإرشادات الحكيمة، وساعدهم بهذا النصر، وقد فعل تبارك وتعالى، كما هو معروف من
حال نبينا والمتبعين
له من خلفائه الراشدين والملوك الصالحين، تم لهم من النصر والعز العظيم في أسرع
وقت ما لم يتم لغيرهم.
الثانية:
قوله: «وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً»
وحقق ذلك بقوله: «فأينما أدركت أحداً من أمتي الصلاةُ
فعنده مسجده وطهوره»([104])،
فجميع بقاع الأرض مسجد يصلى فيها من غير استثناء إلا ما نص الشارع على المنع منه،
وقد ثبت النهي عن الصلاة في المقبرة والحمام، وأعطان الإبل، وكذلك الموضع المغصوب
والنجس؛ لاشتراط الطهارة لبدن المصلي وثوبه وبقعته.
وكذلك من عدم
الماء أو ضره استعماله؛ فله العدول إلى التيمم بجميع ما تصاعد على وجه الأرض - سواء
التراب الذي له غبار أو غيره - كما هو صريح هذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا
صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ﴾[المائدة: 6]، فإن
الصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض من جميع أجزائها.
ويدل على أن
التيمم على الوجه واليدين ينوب مناب طهارة الماء، ويفعل به - من الصلاة والطواف
ومس المصحف وغير ذلك - ما يفعل بطهارة الماء، والشارع أناب التراب مناب الماء عند
تعذر استعماله، فيدل ذلك على أنه إذا تطهر بالتراب ولم ينتقض وضوءُه لم يبطل تيممه
بخروج الوقت ولا بدخوله، وأنه إذا نوى التيمم للنفل استباح به الفرض كطهارة الماء،
وأن حكمه حكم الماء في كل الأحكام في حالة التعذر.
الثالثة:
قوله: «وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي» وذلك لكرامته
على ربه، وكرامة أمته وفضلهم، وكمال إخلاصهم، فأحلها لهم، ولم يَنْقُص من أجر
جهادهم شيء، وحصل بها لهذه الأمة من سعة الأرزاق، وكثرة الخيرات، والاستعانة على
أمور الدين والدنيا شيء لا يمكن عده، ولهذا قال ﷺ: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي»([105]) أما
من قبلنا من الأمم، فإن جهادهم قليل بالنسبة لهذه الأمة، وهم دون هذه الأمة بقوة
الإيمان والإخلاص، فمن رحمته بهم أنه منعهم من الغنائم؛ لئلا يخل بإخلاصهم،
والله أعلم.
الرابعة:
قوله: «وأعطيت الشفاعة» وهي
الشفاعة العظمى التي يعتذر عنها كبار الرسل، وينتدب لها محمد ﷺ فيشفعه
الله في الخلق، ويحصل له المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وأهل
السماوات والأرض، وتنال أمته من هذه الشفاعة الحظ الأوفر، والنصيب الأكمل، ويشفع
لهم شفاعة خاصة، فيشفعه الله تعالى، وقد قال ﷺ : «لكل نبي دعوة قد تعجلها، وقد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي
نائلة - إن شاء الله - من مات لا يشرك بالله شيئاً»([106])،
وقال: «أسعد الناس بشفاعتي: من قال: لا إله إلا الله
خالصاً من قلبه»([107]).
الخامسة:
قوله: «وكان النبي»
أي:
جنس الأنبياء «يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» وذلك
لكمال شريعته وعمومها وسعتها، واشتمالها على الصلاح المطلق، وأنها صالحة لكل زمان
ومكان، ولا يتم الصلاح إلا بها، وقد أسست للبشر أصولاً عظيمة، متى اعتبروها صلحت
لهم دنياهم كما صلح لهم دينهم.
الحديث
السابع والعشرون
عن أبي هريرة t قال: «أوصاني خليلي ﷺ
بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» متفق
عليه([108]).
وصيته ﷺ وخطابه
لواحد من أمته خطاب للأمة كلها، ما لم يدل دليل على الخصوصية.
فهذه الوصايا
الثلاث، من آكد نوافل الصلاة والصيام.
أما صيام ثلاثة
أيام من كل شهر فإنه ورد أنه يعدل صيام السنة؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وصيام
الثلاثة من كل شهر يعدل صيام الشهر كله، والشريعة مبناها على اليسر والسهولة،
وجانب الفضل فيها غالب، وهذا العمل يسير على من يسره الله عليه، لا يشق على
الإنسان ولا يمنعه القيام بشيء من مهماته، ومع ذلك ففيه هذا الفضل العظيم؛ لأن
العمل كلما كان أطوع للرب وأنفع للعبد؛ كان أفضل مما ليس كذلك، وقد ثبت الحث على
تخصيص ستة من شوال، وصيام يوم عرفة، والتاسع والعاشر من المحرم، والاثنين والخميس.
وأما صلاة الضحى:
فإنه قد تكاثرت الأحاديث الصحيحة في فضلها، واختلف العلماء في استحباب مداومتها،
أو أن يغبّ بها الإنسان([109])، والصحيح:
أنه تستحب المداومة عليها؛ لهذا الحديث وغيره، إلا لمن له عادة من صلاة الليل،
فإذا تركها أحياناً فلا بأس، وقد أخبر ﷺ أنه «يصبح على كل آدمي كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة، فكل تسبيحة
صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر
صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»([110])،
قال العلماء: أقل صلاة الضحى ركعتان، وأكثرها ثمان، ووقتها من ارتفاع الشمس قِيد
رمح إلى قبيل الزوال.
وأما الوتر:
فإنه سنة مؤكدة، حث عليه ﷺ وداوم عليه حضراً وسفراً.
وأقله ركعة
واحدة، وإن شاء بثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع، أو إحدى عشرة ركعة، وله أن يسردها
بسلام واحد، وأن يسلم من كل ركعتين.
ووقت الوتر: من
صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر، والأفضل آخر الليل لمن طمع أن يقوم آخره، وإلا
أوتر أوله كما في هذا الحديث.
الحديث
الثامن والعشرون
عن أبي هريرة t قال: قال
رسول الله ﷺ: «إن الدين يسر،
ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه؛ فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة،
وشيء من الدلجة» متفق عليه([111])،
وفي لفظ: «والقصد القصد تبلغوا»([112]).
ما أعظم هذا الحديث،
وأجمعه للخير والوصايا النافعة، والأصول الجامعة! فأسس([113])ﷺ في أوله
هذا الأصل الكبير، فقال: «إن الدين يسر» أي ميسر
مسهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتروكه؛ فإن عقائده - التي ترجع إلى
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره -: هي العقائد
الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتوصِل معتقديها إلى أجلِّ غاية وأفضل مطلوب،
وأخلاقه وأعماله أكمل الأخلاق، وأصلح الأعمال، بها صلاح الدين والدنيا والآخرة،
وبفواتها يفوت الصلاح كله، وهي كلها ميسرة مسهلة، كل مكلف يرى نفسه قادراً عليها
لا تشق عليه ولا تكلفه، عقائده صحيحة بسيطة، تقبلها العقول السليمة، والفطر
المستقيمة، وفرائضه أسهل شيء.
أما الصلوات
الخمس:
فإنها تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات في أوقات مناسبة لها. وتمم اللطيف الخبير
سهولتها بإيجاب الجماعة والاجتماع لها؛ فإن الاجتماع في العبادات من المنشطات
والمسهلات لها، ورتب عليها من خير الدين وصلاح الإيمان، وثواب الله العاجل والآجل
ما يوجب للمؤمن أن يستحليها، ويحمد الله على فرضه لها على العباد، إذ لا غنى لهم
عنها.
وأما الزكاة:
فإنها لا تجب على فقير ليس عنده نصاب زكوي، وإنما تجب على الأغنياء تتميماً لدينهم
وإسلامهم، وتنمية لأموالهم وأخلاقهم، ودفعاً للآفات عنهم وعن أموالهم، وتطهيراً
لهم من السيئات، ومواساة لمحاويجهم، وقياماً لمصالحهم الكلية، وهي مع ذلك جزء يسير
جدّاً بالنسبة إلى ما أعطاهم الله من المال والرزق.
وأما الصيام:
فإن المفروض شهر واحد من عام كامل، يجتمع فيه المسلمون كلهم، فيتركون فيه شهواتهم
الأصلية - من طعام وشراب ونكاح - في النهار، ويعوضهم الله عن ذلك من فضله وإحسانه
تتميم دينهم وإيمانهم، وزيادة كمالهم، وأجره العظيم، وبره العميم، وغير ذلك مما
رتبه على الصيام من الخير الكثير، ويكون سبباً لحصول التقوى التي ترجع إلى فعل
الخيرات كلها، وترك المنكرات.
وأما الحج:
فإن الله لم يفرضه إلا على المستطيع، في العمر مرة واحدة ، وفيه من المنافع الكثيرة
الدينية والدنيوية ما لا يمكن تعداده، وقد فصلنا مصالح الحج ومنافعه في محل آخر([114])،
قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾[الحج:
28]، أي:
دينية ودنيوية.
ثم بعد ذلك بقية
شرائع الإسلام التي هي في غاية السهولة الراجعة لأداء حق الله وحق عباده، فهي في نفسها ميسرة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ
بِكُمُ الْعُسْرَ﴾[البقرة: 185].
ومع ذلك إذا عرض
للعبد عارض مرض، أو سفر أو غيرهما؛ رتب على ذلك من التخفيفات - وسقوط بعض
الواجبات، أو صفاتها وهيئتها - ما هو معروف.
ثم إذا نظر
العبد إلى الأعمال الموظفة على العباد في اليوم والليلة المتنوعة - من فرض ونفل،
وصلاة وصيام وصدقة وغيرها - وأراد أن يقتدي فيها بأكمل الخلق وإمامهم محمد ﷺ رأى ذلك
غير شاق عليه، ولا مانع له عن مصالح دنياه، بل يتمكن معه من أداء الحقوق كلها - حق
الله وحق النفس، وحق الأهل والأصحاب، وحق كل من له حق على الإنسان برفق وسهولة -