النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
بهجة
قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار
تعريف
بالكتاب
مقدمة
المؤلف
الحديث
الأول
الحديث
الثاني
الحديث
الثالث
الحديث
الرابع
الحديث
الخامس
الحديث
السادس
الحديث
السابع
الحديث
الثامن
الحديث
التاسع
الحديث
العاشر
الحديث
الحادي عشر
الحديث
الثاني عشر
الحديث
الثالث عشر
الحديث
الرابع عشر
الحديث
الخامس عشر
الحديث
السادس عشر
الحديث
السابع عشر
الحديث
الثامن عشر
الحديث
التاسع عشر
الحديث
العشرون
الحديث
الحادي والعشرون
الحديث
الثاني والعشرون
الحديث
الثالث والعشرون
الحديث
الرابع والعشرون
الحديث
الخامس والعشرون
الحديث
السادس والعشرون
الحديث
السابع والعشرون
الحديث
الثامن والعشرون
الحديث
التاسع والعشرون
الحديث
الثلاثون
الحديث
الحادي والثلاثون
الحديث
الثاني والثلاثون
الحديث
الثالث والثلاثون
الحديث الرابع والثلاثون
الحديث
الخامس والثلاثون
الحديث
السادس والثلاثون
الحديث
السابع والثلاثون
الحديث
الثامن والثلاثون
الحديث
التاسع والثلاثون
الحديث
الأربعون
الحديث
الحادي والأربعون
الحديث
الثاني والأربعون
الحديث
الثالث والأربعون
الحديث
الرابع والأربعون
الحديث
الخامس والأربعون
الحديث
السادس والأربعون
الحديث
السابع والأربعون
الحديث
الثامن والأربعون
الحديث
التاسع والأربعون
الحديث
الخمسون
الحديث
الحادي والخمسون
الحديث
الثاني والخمسون
الحديث
الثالث والخمسون
الحديث
الرابع والخمسون
الحديث
السادس والخمسون
الحديث
السابع والخمسون
الحديث
الثامن والخمسون
الحديث
التاسع والخمسون
الحديث
الستون
الحديث
الحادي والستون
الحديث
الثاني والستون
الحديث
الثالث والستون
الحديث
الرابع والستون
الحديث
الخامس والستون
الحديث
السادس والستون
الحديث
السابع والستون
الحديث
الثامن والستون
الحديث
التاسع والستون
الحديث
السبعون
الحديث
الحادي والسبعون
الحديث
الثاني والسبعون
الحديث
الثالث والسبعون
الحديث
الرابع والسبعون
الحديث
الخامس والسبعون
الحديث
السادس والسبعون
الحديث
السابع والسبعون
الحديث
الثامن والسبعون
الحديث
التاسع والسبعون
الحديث
الثمانون
الحديث
الحادي والثمانون
الحديث
الثاني والثمانون
الحديث
الثالث والثمانون
الحديث
الرابع والثمانون
الحديث
الخامس والثمانون
الحديث
السادس والثمانون
الحديث
السابع والثمانون
الحديث
الثامن والثمانون
الحديث
التاسع والثمانون
الحديث
التسعون
الحديث
الحادي والتسعون
الحديث
الثاني والتسعون
الحديث
الثالث والتسعون
الحديث
الرابع والتسعون
الحديث
الخامس والتسعون
الحديث
السادس والتسعون
الحديث
السابع والتسعون
الحديث
الثامن والتسعون
الحديث
التاسع والتسعون
بهجة
قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار
لمؤلفه الفقير إلى
الله: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي.
غفر الله له ولوالديه
ولجميع المسلمين
1307 – 1376 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد،
الذي لم يورث ديناراً ولا درهماً، وإنما ورّث العلم، فحمله من كل خلفٍ عدولُه،
وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن
صلتي المعنوية بعلامة نجد في زمانه، العالم الجليل، والمحقق النبيل، عبدالرحمن بن
ناصر السعدي : بدأتْ منذ حبّب الله
إليّ العلمَ وأهلَه، قبل أكثر من عشرين عاماً، فمنّ الله عليّ بقراءة جلّ كتبه،
وتاجها: تفسيره المبارك الذي طبق الخافقين في انتشاره([1])، وزادت الصلة
بالتعليق على بعض مصنفاته : في بعض الدورات
العلمية([2]).
ولقد
كنتُ أُمنّي نفسي بخدمة بعض كتب الشيخ التي قرأتها، ورأيت أنها تحتاج إلى مراجعة وتحقيق
على أصول خطية، أو تصحيحِ ما وقع في بعض الطبعات من تصحيفات، ولم يكن يخطر ببالي
أبداً أن يكون كتابه "بهجة الأبرار"([3]) هو الذي سيشرفني الله
بخدمته، فالحمد لله أولاً وآخراً.
وفيما
يخص موضوع الكتاب؛ فإن من علامات النبوة التي أوتيها نبينا ج أنه كان مِن أُمةٍ
أمِّية، "لم يقرأ كتاباً ولا درس علماً، و لا صحب عالماً ولا معلماً، فأتى
بما بهر العقول، وأذهل الفطن، من إتقان ما أبان، وإحكام ما أظهر، فلم يعثر فيه
بزللٍ في قول أو عمل، بل هو أفصح الناس لساناً، وأوضحهم بياناً، وأوجزهم كلاماً،
وأجزلهم ألفاظاً، وأصحهم معاني، لا يظهر فيه هجنة التكلف، ولا يتخلله فيهقة التعسف،...
كلامه جامع لشروط البلاغة، ومُعْرِبٌ عن نهج الفصاحة، ولو مزج بغيره لتميز بأسلوبه،
ولظهر فيه آثار التنافر، فلم يلتبس حقه من باطله، ولبان صدقه من كذبه، هذا ولم يكن
متعاطياً للبلاغة، ولا مخالطاً لأهلها من خطباءَ، أو شعراء، أو فصحاء، و إنما هو
من غرائز فطرته، و بداية جِبلّته، وما ذاك إلا لغاية تراد، وحادثة تُشاد ...، لا
يحصره عي، ولا يقطعه عجز، و لا يعارضه خصم في جدال إلا كان جوابه أوضح، وحجاجه
أرجح"([4])، "فكأنّ اللّه
عزّ وجل قد أعْلَمه ما لم يكن يَعْلَمُه غيرُه من بني أبِيه، وجمع فيه من المعارف
ما تفرَّق ولم يوجد في قَاصِي العَرَب ودَانِيه"([5])
فصلوات الله وسلامه على من آتاه الله جوامع الكلم، وبديع الحِكَم.
لقد
أغرت هذه الآية الباهرة ورثَتَه من العلماء بتتبع ما كان هذا شأنه من الأحاديث
التي رويت عنه ج،
فصنّفوا في ذلك التصانيف، ومن تلك المصنفات:
1
ـ "الإيجاز وجوامع الكلم مِنَ السُّنَن المأثورة" لأبي بكر ابن
السُّنِّيِّ : (ت: 364هـ).
2
ـ "الشهاب في الحِكَم والآداب" للقاضي أبي عبدِالله القُضاعي : (ت: 454هـ)([6]).
3
ـ "الأحاديث الكلّيَّة" للحافظ أبي عمرو بنُ الصَّلاحِ : (ت: 643هـ) أملاه في مجلسٍ من
مجالسه، اشتمل على ستَّةٍ وعشرين حديثاً.
4
ـ "الأربعين النووية" للإمام النووي : (ت: 676هـ) وأصلها كتاب ابن
الصلاح الآنف الذكر، إلا أنه زادَ عليها تمامَ اثنينِ وأربعينَ حديثاً، وهي من
أشهر هذه الكتب التي أشرت إليها هنا، فلا يعلم إلا الله عدد من يحفظها، ولا عدد من
شرحها!([7]).
ويمكن
القول بأن ما عرف عند العلماء بـ"الأربعينات" كثير منها من هذا الباب،
وعددها لا يحصى، وأدنى اطلاع على مجاميع المخطوطات والفهارس التي تضمها المكتبات
الكبرى يكشف عن كثرة هذا النوع من المصنفات.
وقد
أراد الشيخ : أراد التأسي ببعض
العلماء الذين صنفوا في هذا الباب، ممن جمعوا بعض الأحاديث الجوامع في أبواب الدين
المتفرقة.
إذا
تبين هذا؛ فإن التميز الذي أراه في كتاب العلامة السعدي رحمه الله - عما سبقه من
مصنفات أهل العلم في هذا النوع من الأحاديث - هو كثرة هذه الأحاديث التي ضمّنها
كتابه، حيث بلغت تسعة وتسعين حديثاً، ولا أعلم أحداً بلغ هذا العدد ممن صنفوا في
هذا النوع من المصنفات، إلا كتاب "الشهاب" وقد تبيّن ما فيه ـ كما سبق ـ
وأما كتاب ابن السني فلم أقف عليه ولا على ما يبين ما فيه.
أما
ما يخص العمل في هذا الكتاب؛ فسيكون الحديث عنه في ضوء الآتي:
1
ـ اسم الكتاب وسبب تأليفه:
أولاً:
اسم الكتاب: الاسم
الموجود على النسخة الخطية: (بهجة الأبرار، وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع
الأخبار) ، هكذا بدون كلمة (قلوب)!
وجميع
طبعات الكتاب أثبتت هذه الكلمة، مع أنها غير موجودة في النسخة الخطية! ولا أدري هل
سقطت من الخطية؟ أو هي موجودة في النسخة الثانية التي لم أقف عليها بعد السؤال؟
فإن مِن عادة الشيخ : أنه يكتب نسختين
للكتاب الذي يصنفه، ولعل هذا الاحتمال أقرب لما يلي:
· أن هذه هي التسمية
المشهورة له، فالكتاب بهذا الاسم طبع في حياة الشيخ : عام 1372هـ.
· أن هذه التسمية هي
التي ذكرها بعض كبار تلاميذه كشيخنا عبدالله ابن عقيل في ترجمته للشيخ([8])، والشيخ عبدالله
البسام : في كتابه "علماء
نجد"([9])، والشيخ محمد بن
سليمان البسام في مقدمة تعليقه على كتاب "كشف النقاب"([10]).
ثانياً:
سبب تأليفه:
لم يفصح الشيخ : عن سبب تأليفه
المباشر، لكن يمكن التماس ذلك من مقدمته التي أشار فيها إلى أنه رغب في تأليف كتاب
يوضح جملة من معاني الأحاديث، التي تشترك في كونها من الأحاديث الجوامع، ذات
الموضوعات الكلية، من دون ارتباط بباب من أبواب العلم، فقال: "وقد بدا لي أن أذكر جملة
صالحة من أحاديثه الجوامع في المواضيع الكلية، والجوامع في جنس، أو نوع، أو باب من
أبواب العلم، مع التكلم على مقاصدها وما تدل عليه على وجه يحصل فيه الإيضاح
والبيان مع الاختصار؛ إذ المقام لا يقتضي البسط".
وكأنه أراد بذلك أن يقرب معاني هذه الأحاديث الجوامع لعموم
المسلمين، ولطلاب العلم أيضاً، فإن هذا الكتاب - كغيره من مصنفات الشيخ :
- سهلٌ ممتع، فيه علم مبارك، وكتب بلغة سهلة، ينتفع به العامة، ولا يستغني عنه أهل
العلم وطلابه.
2
ـ مزايا الكتاب:
بعد
قراءة فاحصة لهذا الكتاب يمكن إجمال مزاياه العلمية في الآتي:
§
اشتماله
على عدد كبير من الأحاديث الجوامع، وعددها تسعة وتسعون حديثاً، ولا أعلم مثيلاً له
في هذا الباب من جهة العدد كما أشرتُ آنفاً.
§
سهولة
لغته، مع وفور الفوائد العلمية التي تضمنها.
§
تأصيل
الأحاديث التي يشرحها بذكر ما يشهد لها من نصوص الكتاب والسنة وكلام بعض السلف.
§
ربط
شرحه - إذا عرَضتْ مناسبة - بالواقع والتجارب التي عاشها، أو مرّت به في قراءاته
العلمية([11]).
§
تنوع
موضوعاته، كما نصّ على ذلك في مقدمته.
§
عنايته
بذكر القواعد العلمية التي تتصل بالأحاديث التي يشرحها، وأضرب لذلك مثالاً واحداً
فقط، حيث قال في شرحه للحديث الثامن والعشرين:
"فعلمتَ
بهذا: أنه يؤخذ من هذا الحديث العظيم عدة قواعد:
· قاعدة: التيسير الشامل
للشريعة على وجه العموم.
· وقاعدة: المشقة تجلب
التيسير.
· وقاعدة: إذا أمرتكم
بأمر فائتوا منه ما استطعتم.
· وقاعدة: تنشيط أهل
الأعمال، وتبشيرهم بالخير والثواب المرتب على الأعمال.
· وقاعدة: الوصية
الجامعة في كيفية السير والسلوك إلى الله، التي تغني عن كل شيء ولا يغني عنها شيء،
فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم ونوافعها"ا.هـ.
3 ـ بعض
المآخذ على الكتاب:
عَمَل
البشر لا يخلو من نقص، وإن التعرض لبيان بعض المآخذ على كتابٍ ما، لا تعني بحالٍ
التنقصَ للكتاب أو لمصنفه! بل هو من جملة النصيحة لأئمة المسلمين، ومنهم: العلماء.
ولقد
تعلمنا من أئمتنا ـ رحمهم الله تعالى ـ سلوك طريق العدل في بيان ما للكتب وما
عليها، وممن طبق هذا المبدأ العلامةُ السعدي : نفسُه حين سئل عن كتاب ابن الجوزي
: (ت: 597هـ) وعما في
أوائل كتابه من مسائل مشكلة، وأنا أسوق جوابه بطوله لما فيه من بيانٍ منهجي في هذا
الباب:
"ابن
الجوزي ـ رحمه الله، وغفر له ـ إمام في الوعظ والتفسير والتاريخ، وكذلك هو أحد
الأصحاب المصنفين في فقه الحنابلة، ولكنه : خلّط تخليطاً عظيماً في باب
الصفات، وتبع في ذلك الجهمية والمعتزلة، فسلك سبيلهم في تحريف كثير منها، وخالف
السلف في حملها على ظاهرها، وقدح في المثبتين، ونسبهم إلى البلاهة.
وهذا
الموضوع من أكبر أغلاطه،
ولذلك أنكر عليه أهل العلم، وتبرّأ منه الحنابلة في هذا الباب، ونزّهوا مذهبَ الإمام
أحمد عن قوله وتخبيطه فيه، ومع وذلك فإن له في المذهب كتاب "المذهب"
وغيره، وله تصانيف كثيرة جداً، حسنةٌ، فيها علمٌ عظيم، وخيرٌ كثير، وهو
معدود من الأكابر الأفاضل، ولكن كل أحد مأخوذ من قوله ومتروك، سوى
النبي ج،
فكلامه في كتاب "التأويل"، وكلامه في الفصول التي في أول "صيد
الخاطر" ـ كما أشرتم إليها ـ([12]) يجب الحذر منها
والتحذير، ولولا أن هذه الكتب موجودة بين الناس لكان للإنسان مندوحة عن
الكلام فيه؛ لأنه من أكابر أهل العلم وأفاضلهم، وهو معروف بالدين والورع
والنفع، ولكن لكل جواد كبوة، نرجو الله أن يعفو عنا وعنه.
وفي
"صيد الخاطر" أيضاً أشياء تُنتقد عليه، ولكنها دون كلامه في الصفات، مثل
كلامه عن أهل النار، وفي الخوض في بعض مسائل القدر، وأشياء يعرفها المؤمن الذكي، وإننا
نأسف على صدورها من قِبَل هذا الرجل الكبير القدر"([13]).
لقد
اشتمل كلام الشيخ على ما يمكن جعله منهجاً في الكلام على الكتب والأشخاص، يلخص ذلك
فيما يلي:
1.
حفظ منزلة العالم، وبيان ما تميز به من العلوم، وما
تميزت به مصنفاته.
2.
تحديد موضع النقد، سواء في
المنهج، أو في كتاب معين، حتى لا يطلق الكلام على عمومه.
3.
التفريق بين كتاب انتشر بين الناس، وبين كتاب لم
ينتشر وإن كان فيه أخطاء؛ لأن مفهوم كلام الشيخ : أن نشر النقد لكتاب مغمور مما
ينشره، وفي السكوت عنه إخماد لمفسدة انتشاره إذا كانت أخطاؤه كثيرة.
وأحسب
أن كتاب الشيخ هذا أكثر كتبه انتشاراً بعد تفسيره، ولا أدل على ذلك من كثرة طبعاته
ـ كما سيأتي ـ.
وبناء
على ما تقدم؛ فإنني سأذكر بعض المآخذ التي لا تقلل من قيمة الكتاب العلمية، ومنها:
§
وقوع
أوهام فيما يخص التخريج، وعزو المتون إلى مصنفيها، ومن رواها من الصحابة، والذي
يظهر لي أن الشيخ : كان ينقل بواسطة من
غير رجوع للأصول.
§
اختيار
الشيخ لبعض الأحاديث التي شرحها مع ضعفها البيّن، أو إيرادها أثناء الشرح دون
تنبيهٍ على ذلك، ولعل المصادر الحديثية التي يتحقق بها من درجة الأحاديث متوفرة
بين يدي الشيخ :.
ومرادي
بذلك:
تلك الأحاديث التي لا تختلف كلمة الحفاظ في تضعيفها، أما الأحاديث التي تختلف فيها
كلمة الحفاظ تصحيحاً وتضعيفاً؛ فالأمر فيها واسع.
ولا
يُدفع هذا الملحظ بأن الشيخ وغيره من أهل العلم قد يعتمدون صحة المعنى، فإن هذا
المسلك غير معروف عند أئمة السنة الكبار، الذين كانوا يعتنون أولاً ببيان صحة
الحديث عن النبي ج،
وهل هو ثابت أو لا؟ بغض النظر عن صحة المعنى، ثم بعد ذلك تبدأ مرحلة التفقه، وكون
الحديث تشهد له نصوص أخرى أم لا؟ وهل أفتى بمقتضاه أحد من الصحابة؟ وهل جرى عليه
العمل؟ في أسئلة كثيرة.
ومن
الأمثلة على إيراد الشيخ لهذه الأحاديث: 55، وآخر حديث أورده في شرح الحديث 64 ، و
66 ، وآخر حديث أورده في شرح الحديث 69 ، 74 ، 99، وغيرها مما سيتبين أثناء
التعليق على تلك الأحاديث.
4
ـ طبعات الكتاب:
طبع
الكتاب مراراً، بلغتْ حسب تتبعي عشر طبعات، ومن الإطالة أن أستعرضها جميعاً ببيان
ما لها وما عليها([14])؛ لأنها كلها اعتمدت
على الطبعة الأولى للكتاب - التي طبعت في حياة المصنف : سنة 1372هـ ـ وهي الطبعة التي نشرها
الشيخ محمد الفقي :، ومع ميزة طبعها في
حياة المصنف، إلا أنها لم تسلم من تصحيفات كثيرة.
وأحسن
وأجود هذه الطبعات التي وقفت عليها ـ بعد فراغي من العمل ـ هي طبعة الأخ/ نادر
التعمري، والتي بذل فيها جهداً مشكوراً في ضبط النص، وتخريج الأحاديث، ونقل
الأحكام عليها، إلا أنني أسجل عليها الملاحظات التالية:
الأولى: أنه جعل طبعة الشيخ
الفقي هي الأصل، ولم يقف على النسخة الخطية التي اعتمدتُ عليها في التحقيق.
الثانية:
أطال
في بعض الحواشي بما لا يحتاج إلى إطالة، سواء في التخريج - ومثال ذلك تعليقه على
الحديثين: (21 ، 22 ، 48، 53 [خمس صفحات!]) - أو بيان بعض الغريب من الألفاظ
والمعاني - ينظر على سبيل المثال تعليقه على الحديث رقم (24، 39 ، 48 ، 96) -
وأمثال هذه التعليقات هي من أسباب تضخم عدد صفحات الكتاب، حيث بلغ (480 صفحة)!
الثالثة: انتقد الأخ نادر تلك
الطبعات بكثرة التصحيفات التي لم تسلم منها الآيات القرآنية، وهو مصيب في هذا، لكن
بقيت عليه بعض التصحيفات اليسيرة، والتي ندّت عنه في طبعته، وهو مشكور على جهده
وعمله الواضح.
ولعلي
أشير إلى أكبر خطأ وُجد في الطبعات السابقة ـ على تفاوتها قلةً وكثرة ـ، وهو وقوع
تصحيف شنيع في آخر شرح المصنف : للحديث رقم (96) وهو
قوله: (ويعلم
أن الله ليس له نِد، ولا كفو، ولا مثيل في ذاته وأسمائه، وصفاته
وأفعاله) وقد وقع التصحيف في قوله : (ليس له ند) فجاءت: (ليس له يد)، وقام الأخ
نادر ـ أثابه الله ـ بتصحيحها اعتماداً على ما هو معروف من معتقد الشيخ :، وهي موجودة على الصواب في نسخة
المصنف :.
ولعلي
أشير ههنا إلى أن أكثر التصحيفات الموجودة في عامة هذه المطبوعات ـ على تفاوتها في
ذلك قلةً وكثرة - هو من الشيء الذي يمكن لطالب العلم إدراكه بسهولة؛ ولذا تركت
إثباتها خشية إثقال الحواشي بذلك، وأعني بذلك تلك الفروق التي لا تؤثر من جهة
المعنى، من مثل: الدنيّة والدنيئة، والنفقة والإنفاق، المباحات والمباحة، الفايت
والفائت، الأذى والأذية، مساوي ومساوئ،...وهلم جراً، وأُثبت ما في المخطوط مباشرة.
رابعاً:
أحسن
الأخ نادر كثيراً فيما صنعه من فهارس علمية تقرّب علوم هذا الكتاب، وقد أضفتُ زيادةً
على ما صنع فهرساً بتجارب المصنف في الحياة التي يذكرها الشيخ في شرحه.
5
ـ وصف النسخة الخطية:
لم
يتوفر لدي سوى نسخة واحدة بخط المصنف :،
وهذا وصفها:
· عدد صفحات المخطوط:
خمسة وتسعون صفحة، باستثناء صفحتي فهرس الموضوعات، فالمجموع سبعة وتسعون صفحة.
· متوسط عدد الأسطر في
الصفحة الواحدة: ستة وعشرون سطراً، وبمعدل خمس عشرة كلمة في السطر الواحد.
· خط الشيخ معروف بدقته،
ووضوحه، وهي مؤرخة في 10 شعبان 1371هـ.
· كُتب على الصفحة
الأولى من الكتاب ـ الغلاف ـ : "بهجة الأبرار وقرة عيون الأخيار، في شرح
جوامع الأخبار"، لمؤلفه الفقير إلى الله عبدالرحمن ابن ناصر بن عبدالله
السعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين.
من
تأمل هذا الكتاب - على اختصاره ووضوحه - رآه محشوّاً من جميع العلوم النافعة على:
علم التوحيد، والأصول والعقائد، وعلم السَّير والسلوك إلى الله، وعلم الأخلاق والآداب
الدينية، والدنيوية والطبية، وعلم الفقه والأحكام في كل أبواب الفقه - من عبادات
ومعاملات، وأنكحة، وغيرها - وبيان حكمها، ومأخذها وأصولها وقواعدها، وعلوم
الإصلاحات المتنوعة والمواضيع النافعة، والتوجيهات إلى جلب المنافع - الخاصة
والعامة، الدينية والدنيوية - ودفع المضار.
وهي
كلها مأخوذة ومستفادة من كلماته صلوات الله وسلامه عليه؛ حيث اختير فيه شرح أجمع
الأحاديث وأنفعها، كما ستراه، وذلك كله من فضل الله ورحمته، والله هو المحمود
وحده".
وختم
الشيخ كتابه بقوله: "تمت
هذه الرسالة المشتملة على شرح تسع وتسعين([15]) حديثاً، من الأحاديث
النبوية الجوامع، في أصناف العلوم، والمواضيع النافعة، والعقائد، والأخلاق، والفقه
والآداب، والإصلاحات الشاملة، والفوائد العامة، قال ذلك معلقها: عبد الرحمن بن
ناصر بن عبد الله آل سعدي، غفر الله له ولوالديه ووالديهم، وجميع المسلمين".
6
ـ عملي في الكتاب:
يمكن
تلخيص ذلك في الآتي:
· بعد اطلاعي على عدد من
طبعات الكتاب؛ وجدتها متقاربةً من حيث النص، ولا تكاد تتميز عن بعضها إلا بتصحيح
بعض المواضع، ووقع اختياري على الطبعة التي نشرتها وزارة الشؤون الإسلامية
السعودية، وقابلتُ المخطوط عليها، ثم بعد فراغي من العمل وقفتُ على الطبعة التي
حققها الأخ نادر التعمري ـ والتي أشرت إليها آنفاً ـ فوجدتها أحسن الطبعات على
الإطلاق، ولو كنتُ اطلعتُ عليها قبلُ لجعلتها أصلاً – لجودتها -.
·
أثبتُ في البداية جميع الفروق بين المطبوع وبين
المخطوط، ثم بدا لي أن غالب الفروق تعود إلى أخطاء طباعية في المطبوع، سببها عدم
وجود المخطوط بين يدي الناشر، فأثبتُّ ما في المخطوط وتركت ما وقع في المطبوع، فإن
كان في الأصل وهْمٌ ثابت، كالأوهام اللغوية التي لا وجه لها ـ وهي قليلة ـ فإني
أصححها اعتماداً على المصادر المتخصصة، أما ما له وجه، أو يحتمله السياق فإنني
نثبته دون تعليق.
· أثبتُّ
أسماء وأرقام الآيات القرآنية الكريمة، وخرّجت الأحاديث تخريجاً مختصراً يكشف
العلة أو يدفعها إن وجدت، معتمداً في ذلك على كلام الحفاظ الكبار، ولم أشأ الإطالة
في ذلك؛ لعدم مناسبة المقام لهذا.
· اكتفيتُ في تخريج
الأحاديث بالعزو إلى رقم الحديث، وربما نبهتُ على الحكم إن كان خارج الصحيحين بذكر
كلام أحد الأئمة، من غير تقصٍّ؛ لأن طبيعة الكتاب، وغرض المصنف لا يناسب التوسع في
ذلك.
· من كان من الصحابة ش غير مشهور فقد عرّفتُّ به.
· بيّنت معاني الكلمات
الغريبة التي لم يبينها المصنف بعبارة موجزة.
· صنعتُ فهارس علمية
تخدم الكتاب، وتعين على الاستفادة منه، ومن الفهارس التي تنفرد به هذه الطبعة:
فهرس تجارب الشيخ في الحياة، بناء على تعليقه على الأحاديث التي تتضمن بعض الوصايا
والتوجيهات.
وفي ختام هذه المقدمة،
أشكر الأخ الكريم/ مساعد بن عبدالله السعدي، الذي أمدني بمخطوطة الكتاب التي كتبها
المصنف :، كما أشكر الأخ
الكريم/ سمير بن علي غياث، الذي ساعدني في مقابلة المخطوطة، وفي صنع الفهارس
العلمية التي كلفته بها، وحاولتُ من خلالها أن تكون سبباً في الإفادة من الكتاب،
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
صور من المخطوطة
بسم
الله الرحمن الرحيم
تعريف
بالكتاب
من تأمل هذا الكتاب - على اختصاره ووضوحه
- رآه محشوّاً من جميع العلوم النافعة على: علم التوحيد، والأصول والعقائد، وعلم
السَّير والسلوك إلى الله، وعلم الأخلاق والآداب الدينية، والدنيوية والطبية، وعلم
الفقه والأحكام في كل أبواب الفقه: من عبادات ومعاملات، وأنكحة، وغيرها، وبيان
حكمها، ومأخذها وأصولها وقواعدها، وعلوم الإصلاحات المتنوعة والمواضيع النافعة،
والتوجيهات إلى جلب المنافع - الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية - ودفع المضار.
وهي كلها مأخوذة
ومستفادة من كلماته صلوات الله وسلامه عليه؛ حيث اختير فيه شرح أجمع الأحاديث
وأنفعها، كما ستراه.
وذلك كله من فضل
الله ورحمته، والله هو المحمود وحده.
مقدمة
المؤلف
الحمد
لله المحمود على ما له من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العظيمة العليا، وعلى
آثارها الشاملة للأولى والأخرى.
وأصلي وأسلم على
محمد أجمع الخلق لكل وصف حميد، وخلق رشيد، وقول سديد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه من
جميع العبيد.
أما بعد: فليس
بعد كلام الله أصدق ولا أنفع ولا أجمع لخير الدنيا والآخرة من كلام رسوله وخليله
محمد ﷺ إذ هو أعلم الخلق، وأعظمهم نصحاً وإرشاداً وهداية، وأبلغهم بياناً
وتأصيلاً وتفصيلاً، وأحسنهم تعليماً، وقد أوتي ﷺ جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، بحيث كان يتكلم بالكلام
القليل لفظه، الكثيرة معانيه، مع كمال الوضوح والبيان الذي هو أعلى رتب البيان.
وقد بدا لي أن
أذكر جملة صالحة من أحاديثه الجوامع في المواضيع الكلية، والجوامع في جنس، أو نوع،
أو باب من أبواب العلم، مع التكلم على مقاصدها وما تدل عليه على وجه يحصل فيه
الإيضاح والبيان مع الاختصار، إذ المقام لا يقتضي البسط.
فأقول مستعيناً بالله، سائلاً منه التيسير والتسهيل:
الحديث
الأول
عن عمر بن
الخطاب t قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل
امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت
هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه»متفق عليه([16]).
الحديث
الثاني
عن عائشة رضي
الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه»([17])، «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»متفق عليه([18]).
هذان الحديثان
العظيمان يدخل فيهما الدين كله، أصوله وفروعه، ظاهره وباطنه. فحديث عمر t ميزان
للأعمال الباطنة، وحديث عائشة ميزان للأعمال الظاهرة.
ففيهما: الإخلاص
للمعبود، والمتابعة للرسول، اللذان هما شرط لكل قول وعمل، ظاهر وباطن، فمن أخلص
أعماله لله متبعاً في ذلك رسول الله ﷺ فهذا الذي عمله مقبول، ومن فقد الأمرين أو أحدهما فعمله مردود،
داخل في قول الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾[الفرقان:
23].
والجامع للوصفين
داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً
مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾الآية[النساء:125]. ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ
أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[البقرة:
112].
أما النية: فهي
القصد للعمل تقرباً إلى الله، وطلباً لمرضاته وثوابه؛ فيدخل في هذا: نية العمل،
ونية المعمول له.
أما نية العمل: فلا
تصح الطهارة بأنواعها، ولا الصلاة والزكاة والصوم والحج وجميع العبادات إلا بقصدها
ونيتها، فينوي تلك العبادة المعينة، وإذا كانت العبادة تحتوي على أجناس وأنواع،
كالصلاة، منها الفرض، والنفل المعيّن، والنفل المطلق، فالمطلق منه يكفي فيه أن
ينوي الصلاة، وأما المعيّن من فرض أو نفل معيّن - كوتر أو راتبة - فلا بد مع نية
الصلاة أن ينوي ذلك المعيّن، وهكذا بقية العبادات.
ولا بد أيضاً أن
يميز العادة عن العبادة، فمثلاً الاغتسال: يقع نظافة أو تبرداً، ويقع عن الحدث
الأكبر، وعن غسل الميت، وللجمعة ونحوها، فلا بد أن ينوي فيه رفع الحدث، أو ذلك الغُسل
المستحب، وكذلك يُخرج الإنسان الدراهم مثلاً للزكاة، أو للكفارة، أو للنذر، أو
للصدقة المستحبة، أو هدية، فالعبرة في ذلك كله على النية.
ومن هذا: حِيَل
المعاملات؛ إذا عامل معاملة ظاهرها وصورتها الصحة، ولكنه يقصد بها التوسل إلى
معاملة ربوية، أو يقصد بها إسقاط واجب، أو توسلاً إلى محرم؛ فإن العبرة بنيته
وقصده، لا بظاهر لفظه؛ فإنما الأعمال بالنيات، وذلك بأن يضموا إلى أحد العِوَضين
ما ليس بمقصود، أو يضموا إلى العقد عقداً غير مقصود، قاله شيخ الإسلام.
وكذلك شرط
الله في الرجعة وفي الوصية: أن لا يقصد العبد فيهما المضارة.
ويدخل في ذلك
جميع الوسائل التي يتوسل بها إلى مقاصدها؛ فإن الوسائل لها أحكام المقاصد، صالحة
أو فاسدة، والله يعلم المصلح من المفسد.
وأما نية
المعمول له: فهو الإخلاص لله في كل ما يأتي العبد وما يذر، وفي كل ما يقول ويفعل،
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[البينة: 5]، ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾[الزمر:
3].
وذلك أن على
العبد أن ينوي نية كلية شاملة لأموره كلها، مقصوداً بها وجه الله، والتقرب إليه،
وطلب ثوابه، واحتساب أجره، والخوف من عقابه، ثم يستصحب هذه النية في كل فرد من
أفراد أعماله وأقواله، وجميع أحواله، حريصاً فيه على تحقيق الإخلاص وتكميله، ودفع
كل ما يضاده: من الرياء والسمعة، وقصد المحمدة عند الخلق، ورجاء تعظيمهم، بل إن
حصل شيء من ذلك فلا يجعله العبدُ قصدَه، وغايةَ مرادِه، بل يكون القصدُ الأصيلُ
منه وجهَ الله، وطلبَ ثوابِه من غير التفاتٍ للخلق، ولا رجاء لنفعهم أو مدحهم، فإن
حصل شيء من ذلك دون قصد من العبد لم يضره شيئاً، بل قد يكون من عاجل بشرى المؤمن.
فقوله ﷺ:
«إنما الأعمال بالنيات» أي: إنها لا
تحصل ولا تكون إلا بالنية، وأن مدارها على النية، ثم قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى» أي: إنها تكون
بحسب نية العبد صحتها أو فسادها، كمالها أو نقصانها، فمن نوى فعل الخير وقصد به
المقاصد العليا - وهي ما يقرب إلى الله - فله من الثواب والجزاءِ الجزاءُ الكامل
الأوفى، ومن نقصت نيتُه وقصدُه؛ نقص ثوابه، ومن توجهت نيته إلى غير هذا المقصد
الجليل؛ فاته الخير، وحصل على ما نوى من المقاصد الدنيَّة الناقصة.
ولهذا ضرب النبي
ﷺ مثالاً ليُقاس عليه جميعُ الأمور، فقال: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»([19]) أي:
حصل له ما نوى، ووقع أجره على الله «ومن
كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»([20]) خص
فيه المرأة التي يتزوجها بعدما عم جميع الأمور الدنيوية؛ لبيان أن جميع ذلك غايات دنيّة،
ومقاصد غير نافعة.
وكذلك حين سُئل ﷺ عن الرجل
يقاتل شجاعة، أو حمية، أو ليُرى مقامُه في صف القتال "أي ذلك في سبيل
الله؟" فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا فهو في سبيل الله»([21])،
وقال تعالى - في اختلاف النفَقَة بحسب النيات -: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ
اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾[البقرة:265]،
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[النساء: 38]،
وهكذا جميع الأعمال.
والأعمال إنما
تتفاضل ويعظم ثوابها بحسب ما يقوم بقلب العامل من الإيمان
والإخلاص، حتى إن صاحب النية الصادقة - وخصوصاً إذا اقترن بها ما يقدر عليه من
العمل - يلتحق صاحبها بالعامل، قال تعالى: ﴿وَمَن
يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ
الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾[النساء: 100].
وفي الصحيح
مرفوعاً: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً» ([22])، «إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم
-
أي: في نياتهم وقلوبهم وثوابهم - حبسهم العُذْر»([23])
وإذا هَمَّ العبد بالخير، ثم لم يُقَدَّر له العمل، كُتِبت همتُه ونيتُه له حسنةً
كاملة.
والإحسان إلى
الخلق بالمال والقول والفعل خير وأجر وثواب عند الله، ولكنه يعظم ثوابه بالنية؛ قال
تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾[النساء: 114].
أي: فإنه خير، ثم قال: ﴿وَمَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً
عَظِيماً﴾[النساء: 114] فرتّب الأجر العظيم على فعل ذلك ابتغاء مرضاته، وفي
البخاري مرفوعاً: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّاها
الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»([24])
فانظر كيف جعل النية الصالحة سبباً قويّاً للرزق وأداء الله عنه، وجعل النية
السيئة سبباً للتلف والإتلاف.
وكذلك تجري
النية في الأمور المباحة والأمور الدنيوية؛ فإن من قصد بكسبه وأعماله الدنيوية
والعادية الاستعانة بذلك على القيام بحق الله وقيامه بالواجبات والمستحبات، واستصحَب
هذه النية الصالحة في أكله وشربه ونومه وراحاته ومكاسبه: انقلبت عاداته عبادات،
وبارك الله للعبد في أعماله، وفتح له من أبواب الخير والرزق أموراً لا يحتسبها ولا
تخطر له على بال، ومن فاتته هذه النية الصالحة لجهله أو تهاونه؛ فلا يلومنّ إلا
نفسه. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «إنك لن تعمل عملاً تبتغي به
وجه الله إلا أُجرت عليه، حتى ما تجعله في فِي امرأتك»([25]).
فعلم بهذا: أن
هذا الحديث جامع لأمور الخير كلها، فحقيق بالمؤمن الذي يريد نجاة نفسه ونفعها أن
يفهم معنى هذا الحديث، وأن يكون العمل به نصب عينيه في جميع أحواله وأوقاته.
وأما عائشة رضي
الله عنها: فإن قوله ﷺ: «من أحدث في
أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([26])،
أو «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»([27]) يدل([28])
بالمنطوق وبالمفهوم.
أما منطوقه:
فإنه يدل على أن كل بدعة أُحدثت في الدين، ليس لها أصل في الكتاب والسنة، سواء
كانت من البدع القولية الكلامية، كالتجهم والرفض والاعتزال وغيرها، أو من البدع
العملية كالتعبد لله بعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله، فإن ذلك كله مردود على
أصحابه، وأهله مذمومون بحسب بدعهم وبُعدها عن الدين، فمن أخبر بغير ما أخبر الله
به ورسوله، أو تعبد بشيء لم يأذن الله به ورسوله ولم يشرعه فهو مبتدع، ومن حرم
المباحات، أو تعبد بغير الشرعيات فهو مبتدع.
وأما مفهوم هذا
الحديث:
فإن من عمل عملاً، عليه أمر الله ورسوله - وهو التعبد لله بالعقائد الصحيحة،
والأعمال الصالحة: من واجب ومستحب - فعمله مقبول، وسعيه مشكور.
ويستدل بهذا الحديث:
على أن كل عبادة فُعلت على وجه منهي عنه فإنها فاسدة؛ لأنه ليس عليها أمر الشارع،
وأن النهي يقتضي الفساد، وكل معاملة نهى الشارع عنها فإنها لاغية لا يعتد بها.
الحديث
الثالث
عن تميم الداري t قال: قال
رسول الله ﷺ: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين
النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين
وعامتهم»رواه مسلم([29]).
كرر النبي ﷺ هذه الكلمة
اهتماماً للمقام، وإرشاداً للأمة أن يعلموا حق العلم أن الدين كله - ظاهره وباطنه
- منحصر في النصيحة، وهي القيام التام بهذه الحقوق الخمسة.
فالنصيحة لله:
الاعتراف بوحدانية الله، وتفرده بصفات الكمال على وجه لا يشاركه فيها مشارك بوجه
من الوجوه، والقيام بعبوديته ظاهراً وباطناً، والإنابة إليه كل وقت بالعبودية،
والطلب رغبة ورهبة مع التوبة والاستغفار الدائم؛ لأن العبد لا بد له من التقصير في
شيء من واجبات الله، أو التجري على بعض المحرمات، وبالتوبة الملازمة والاستغفار
التام([30])؛
ينجبر نقصه، ويتم عمله وقوله.
وأما النصيحة
لكتاب الله: فبحفظه وتدبره، وتعلم ألفاظه ومعانيه، والاجتهاد في
العمل به في نفسه وفي غيره.
وأما النصيحة
للرسول:
فهي الإيمان به ومحبته، وتقديمه فيها على النفس والمال والولد، واتباعه في أصول
الدين وفروعه، وتقديم قوله على قول كل أحد، والاجتهاد في الاهتداء بهديه، والنصر
لدينه.
وأما النصيحة
لأئمة المسلمين - وهم ولاتهم، من الإمام الأعظم إلى الأمراء والقضاة
إلى جميع من لهم ولاية عامة أو خاصة -: فباعتقاد ولايتهم، والسمع والطاعة لهم، وحث
الناس على ذلك، وبذل ما يستطيعه من إرشادهم، وتنبيههم إلى كل ما ينفعهم وينفع
الناس، وإلى القيام بواجبهم.
وأما النصيحة
لعامة المسلمين: فبأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره
لنفسه، ويسعى في ذلك بحسب الإمكان؛ فإن من أحبَّ شيئاً سعى له، واجتهد في تحقيقه
وتكميله.
فالنبي ﷺ فسَّر
النصيحة بهذه الأمور الخمسة التي تشمل القيام بحقوق الله، وحقوق كتابه، وحقوق
رسوله، وحقوق جميع المسلمين على اختلاف أحوالهم وطبقاتهم؛ فشمل ذلك الدين كله، ولم
يبق منه([31]) شيء
إلا دخل في هذا الكلام الجامع المحيط، والله أعلم.
الحديث
الرابع
عن أبي هريرة t قال: «أتى أعرابي النبيَ ﷺ
فقال: دُلني على عمل إذا عملتُه دخلتُ الجنة! قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً،
وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال:
والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئاً ولا أنقص منه! فلما ولّى، قال النبي ﷺ: «من سره أن ينظر إلى رجل
من أهل الجنة فلينظر إلى هذا»متفق عليه([32]).
قد وردت أحاديث
كثيرة في هذا الأصل الكبير([33]) الذي دل عليه الحديث، وكلها مدلولها متفق أو
متقارب، على أن من أدّى ما فرض الله عليه بحسب الفروض المشتركة والفروض المختصة
بالأسباب التي من وجدت فيه وجبت عليه، فمن أدى الفرائض واجتنب المحرمات استحق دخول
الجنة، والنجاة من النار، ومن اتصف بهذا الوصف فقد استحق اسم الإسلام والإيمان،
وصار من المتقين المفلحين، وممن سلك الصراط المستقيم.
ويشبه هذا
ويقاربه:
الحديث
الخامس
عن سفيان بن عبد
الله الثقفي قال: قلت: «يا رسول الله، قل لي في الإسلام
قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك! قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم» رواه مسلم([34]).
فهذا الرجل طلب
من النبي ﷺ كلاماً جامعاً للخير نافعاً، موصلاً صاحبَه إلى الفلاح. فأمره
النبي ﷺ بالإيمان بالله الذي يشمل ما يجب اعتقاده - من عقائد الإيمان،
وأصوله - وما يتبع ذلك - من أعمال القلوب، والانقياد والاستسلام لله، باطناً
وظاهراً - ثم الدوام على ذلك، والاستقامة عليه إلى الممات، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا
بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾[فصلت:30]، فرتب على الإيمان والاستقامة: السلامة من جميع الشرور،
وحصول الجنة وجميع المحاب.
وقد دلت نصوص
الكتاب والسنة الكثيرة على أن الإيمان يشمل ما في القلوب من العقائد الصحيحة،
وأعمال القلوب - من الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، وإرادة الخير، وكراهة الشر
- وأعمال الجوارح، ولا يتم ذلك إلا بالثبات عليه.
الحديث
السادس
عن عبد الله بن
عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه
ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»متفق عليه، وزاد الترمذي والنسائي: «والمؤمن من أمِنَه الناس على دمائهم وأموالهم»، وزاد
البيهقي: «والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله»([35]).
ذكر في هذا الحديث
كمالَ هذه الأسماء الجليلة التي رتّب الله ورسوله عليها سعادة الدنيا والآخرة، وهي
الإسلام والإيمان، والهجرة والجهاد، وذكر حدودها بكلام جامع شامل، وأن المسلم من
سلم المسلمون من لسانه ويده.
وذلك أن الإسلام
الحقيقي:
هو الاستسلام لله، وتكميل عبوديته، والقيام بحقوقه وحقوق المسلمين، ولا يتم
الإسلام حتى يحب للمسلمين ما يحب لنفسه، ولا يتحقق ذلك إلا بسلامتهم من شر لسانه
وشر يده؛ فإن هذا أصل هذا الفرض الذي عليه للمسلمين. فمن لم يسلموا من لسانه أو
يده كيف يكون قائماً بالفرض الذي عليه لإخوانه المسلمين؟ فسلامتهم من شره القولي
والفعلي عنوان على كمال إسلامه.
وفسَّر المؤمن بأنه: الذي يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم؛ فإن الإيمان
إذا دار في القلب وامتلأ به؛ أوجب لصاحبه القيام بحقوق الإيمان التي من أهمها:
رعاية الأمانات، والصدق في المعاملات، والورع عن ظلم الناس في دمائهم وأموالهم،
ومن كان كذلك عرَف الناسُ هذا منه، وأمنوه على دمائهم وأموالهم، ووثقوا به؛ لما
يعلمون منه من مراعاة الأمانات، فإن رعاية الأمانة من أخص واجبات الإيمان، كما قال
ﷺ: «لا إيمان
لمن لا أمانة له»([36]).
وفسَّر ﷺ الهجرة - التي
هي فرض عين على كل مسلم - بأنها: هجرة الذنوب والمعاصي، وهذا الفرض لا يَسقط عن كل
مكلف في كل حال من أحواله؛ فإن الله حرم على عباده انتهاك المحرمات، والإقدام على
المعاصي.
والهجرة الخاصة:
التي هي الانتقال من بلد الكفر أو البدع إلى بلد الإسلام والسُّنة، جزء من هذه
الهجرة، وليست واجبة على كل أحد، وإنما تجب بوجود أسبابها المعروفة.
وفسّر المجاهد
بأنه:
الذي جاهد نفسه على طاعة الله؛ فإن النفس ميالة إلى الكسل عن الخيرات، أمارة
بالسوء، سريعة التأثر عند المصائب، وتحتاج إلى صبر وجهاد في إلزامها طاعة الله،
وثباتها عليها، ومجاهدتها عن معاصي الله، وردعها عنها، وجهادها على الصبر عند
المصائب، وهذه هي الطاعات: امتثال المأمور، واجتناب المحظور، والصبر على المقدور.
فالمجاهد حقيقة: من
جاهدها على هذه الأمور لتقوم بواجبها ووظيفتها.
ومن أشرف هذا
النوع وأجلّه: مجاهدتها على قتال الأعداء، ومجاهدتهم بالقول والفعل فإن الجهاد في
سبيل الله ذروة سنام الدين.
فهذا الحديث من
قام بما دلّ عليه؛ فقد قام بالدين كله: من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأمنه
الناس على دمائهم وأموالهم، وهجر ما نهى الله عنه، وجاهد نفسه على طاعة الله؛ فإنه
لم يُبْقِ من الخير الديني والدنيوي الظاهري والباطني شيئاً إلا فعله، ولا من الشر
شيئاً إلا تركه، والله الموفق وحده.
الحديث
السابع