افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم.
Islamic Reads · IslamHouse.com

الحديث وشروحه وعلومه

يعمل الصوت والفيديو من المصدر. يبدأ التحميل عند الضغط على التشغيل.

العربية

ترجمة السنة النبوية : دراسة تأصيلية

الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها · لطفي بن محمد الزغير

النص المتاح من المصدر

هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.

ترجمة السنة النبوية : دراسة تأصيلية المطلب الأول: الحتمية الشرعية والتاريخية لترجمة السنة والسيرة المطلب الثاني: الدلائل والبينات على مشروعية الترجمة المطلب الثالث: السلوك العملي لمن جاء بعد النبي ﷺ‬ فيما يتعلق بالترجمة الهوامش والمراجع  ترجمة السنة النبوية : دراسة تأصيلية (بحث مقدم لندوة ترجمة السنة والسيرة النبوية المقامة في مقر الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها في الرياض في الفترة من 23-25/2/1429هـ) إعداد: الدكتور: لطفي بن محمد الزغير أستاذ مساعد في الحديث وعلومه جامعة الملك خالد – كلية المعلمين في بيشة بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فإن السنة النبوية هي الوحي المروي، الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد مكملاً للوحي المتلو وهو القرآن الكريم، فلا عجب إن وجدت السنة من العناية والاهتمام من علماء هذا الدين ما يجعلها تتبوأ مكانة هامة في وجدان وضمير كل منتسب لهذه الأمة المباركة، فقد بذل العلماء جهوداً مضنية في فهم هذه السنة وتفهيمها، وتنزيل كلمات النبي صلى الله عليه وسلم التنزيل اللائق والصحيح وعدم التعسف في توجيهها، واستنباط الأحكام منها، والقيام بهذا الأمر خير قيام.         ومن جهودهم المباركة؛ تقريب السنة للعامة، وتفهيمها لمن لا يفهمها بتعليمها وتوضيحها وفك مشكلها، وتقريب غريبها، ومن ضمن ذلك بذل الجهد في إيصالها لكل من التحق بهذا الدين من عرب وعجم، وهذا ما أبرز الحاجة إلى نقل هذه السنة بغير لغة العرب إلى لغات الأقوام التي التحقت بهذا الدين، مما أحوج البحث والتنقيب عن حكم نقل هذه السنة إلى لغات أخرى وما هو الحد الجائز والمحظور في ذلك؟ ولهذا رأيت أن أكتب بحثي هذا لتجلية هذا الأمر وكشف النقاب عنه، سائلاً الله تعالى أن يسدد رأيي وأن يجنبني الخطأ والزلل في هذا الأمر. وقد قسمت بحثي هذا إلى ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الحتمية التاريخية والشرعية لمسألة الترجمة. المطلب الثاني: ترجمة الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. المطلب الثالث: السلوك العملي لترجمة الحديث. وهذا أوان الشروع بالمقصود.  المطلب الأول: الحتمية الشرعية والتاريخية لترجمة السنة والسيرة وأقصد بذلك المسوغات الشرعية والتاريخية التي جعلت من الترجمة أمراً حتمياً، وليس  جائزاً أو مباحاً فحسب، وذلك من خلال النظر إلى طبيعة الرسالة، ومهمة هذا الرسول ﷺ‬. فرسالة الإسلام هي الرسالة الخاتمة، ومحمد ﷺ‬ آخر رسول أرسله الله تعالى إلى الناس، ولهذا كان من المناسب أن تكون هذه الرسالة عامة للخلق أجمعين، غير مختصة بقوم أو عرق كما هو شأن المرسلين السابقين، إذ كيف سيكون رسولاً خاتماً ( أي إلى آخر الدهر ) وتكون رسالته مختصة بقوم أو فئة ؟! فإذا ما ألقينا نظرة على النصوص الشرعية من قرآن وسنة أدركنا هذا، وعرفنا أنَّ دين الإسلام دين عالمي غير محدود بقوم أو بقطر، فهو للناس أجمعين، قال تعالى:) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كافّةً للنّاسِ بَشيراً وَنَذِيرا( [سبأ: 38]، وقال: )وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمين(  [القلم: 52]، وقال تعالى: }لينذر من كان حياً{ [الأنعام: 92]. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة في هذا الصدد. أما من السنة النبوية المطهرة فهناك دلائل جلية كقوله ﷺ‬: فيما  رواه البخاري ( 1 ) عن جَابِرُ بن عبد اللَّهِ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أُعْطِيتُ خَمْسًالم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ من أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لي الْمَغَانِمُ ولم تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وكان النبي يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلى الناس عَامَّةً)). وروى مسلم ( 2 ) عن جابر أيضاً، قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ‬: ((أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي؛ كان كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلى كل أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ولم تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صلى حَيْثُ كان، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بين يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ )). وفي رواية أخرى عند مسلم ( 3 ) عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ‬ قال: (( فُضِّلْتُ على الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ؛ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إلى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ)). وهذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن هذا الدين دين عالمي، غير خاص بقوم أو ببيئة، فهو ليس لقريش أو للعرب فقط، وقد فهم النبي ﷺ‬ هذا فهماً سليماً هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، فنجد أنَّ النبي ﷺ‬ قد ترجم هذا من أول مراحل دعوته، فلم يقتصر على قريش وحدها في الدعوة وإن كان قد ابتدأ بهم، فنجده ﷺ‬ قد ذهب إلى الطائف ليدعو ثقيفاً، ثم إنه عرض نفسه على القبائل التي كانت تحج البيت مما أسفر عن بيعتي العقبة الصغرى والكبرى، ثم انتقاله ﷺ‬ إلى المدينة، ليبدأ مرحلة جديدة من دعوته ﷺ‬، رسخت هذه العالمية، ولعل أجلى صورها عندما بدأ النبي ﷺ‬ بمكاتبة ومخاطبة ملوك الأرض لدعوتهم إلى هذا الدين، كما سيأتي، ولم يكد ينتهي القرن الهجري الأول إلا والإسلام قد دخل كل قارات الدنيا المعروفة آنذاك. وهذا الأمر من الوضوح بحيث إننا لا نحتاج للتدليل عليه، ولكن من باب استكمال الأدلة ليس إلا، وإلا فإن واقع هذه الدعوة الآن خير شاهد على ذلك، لدخول الدين إلى كل بلد من بلاد الأرض الآن.    والمراد من هذا كله الاستشهاد بأنه ﷺ‬ أدرك هذا الأمر وبشَّر به، وهذا يقتضي أن هذا الدين سيدخله أناس من كافة الأجناس والأقطار،سواء أكان ذلك على زمنه ﷺ‬، أم ما سيأتي بعده من الأزمان، وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم مكلف بدعوة هؤلاء الأقوام بما يُفهمهم، وأن يوصل إليهم رسالته، وهنا يبرز تساؤل: كيف بلَّغ النبي رسالته أو أسس لتبليغ رسالته في ظل هذا الفهم لطبيعة الدين ؟ وللإجابة على هذا التساؤل يعترضنا احتمالان: الأول: أنَّ النبي ﷺ‬ سوف يُعبِّر بلغة هؤلاء جميعاً، أو يتكلم بهذه اللغات جميعها، كنوع من فهم قول الله تعالى: } وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه {[ إبراهيم: 4] فكل رسول عبَّر بلسان قومه ولغتهم التي يتكلمون بها، وبما أن محمداً ﷺ‬ مبعوث إلى الناس كافة، وأمة الدعوة بالنسبة له كل الناس بل والجن أيضاً، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم ولغاتهم، فهذا يتطلب أن يكون النبي ﷺ‬ متكلم بلغات هؤلاء الأقوام جميعاً ليتناسب ذلك مع العالمية التي بُعث بها، وهذا ما يُفهم من صنيع البخاري( 4 ) في صحيحه حيث ترجم فقال: (( بَاب من تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالرَّطَانَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ وما أَرْسَلْنَا من رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ )). ثم ساق ثلاثة أحاديث ( 5 )في كل منها كلمة أعجمية، وهي المظللة بالأسود. فقول البخاري رحمه الله تعالى: باب من تكلم بالفارسية والرطانة، ثم ذكره الآية } وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه {، ثم ذكره رحمه الله لثلاثة أحاديث تفيد بأن النبي ﷺ‬ تكلم بغير العربية، يستفاد منه أن البخاري كان يرى أن النبي ﷺ‬ كان يعرف هذه اللغات، ولهذا قال ابن حجر( 6 ): (( وقول الله عز وجل: واختلاف ألسنتكم وألوانكم، وقال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه، كأنه أشار إلى أن النبي  صلى الله عليه وسلم كان يعرف الألسنة لأنه أرسل إلى الأمم كلها على اختلاف ألسنتهم فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته فاقتضى أن يعرف ألسنتهم ليفهم عنهم ويفهموا عنه ويحتمل أن يقال لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة لإمكان الترجمان الموثوق )) ، وهذا ما ذكره العيني أيضاً ( 7 ). وإلى قريبٍ من هذا ذهب القاضي عياض ( 8 ) فقال: (( وأما علمه ﷺ‬ بلغات العرب، و حفظه معاني أشعارها، فأمر مشهور، قد نبهنا على بعضه أول الكتاب. و كذلك حفظه لكثير من لغات الأمم، كقوله في الحديث: سنة، سنة و هي حسنة بالحبشية. و قوله: و يكثر الهرج و هو القتل بها. و قوله ﷺ‬ في حديث أبي هريرة: أشكنب درد أي وجع البطن بالفارسية. إلى غير ذلك ممالا يعلم بعض هذا و لا يقوم به و لا ببعضه إلا من مارس الدرس و العكوف على الكتب و مثافنة أهلها عمره )). وكذا الحال عند عدد من المفسرين، قال الجمل ( 9 ) في تفسير قوله تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ): (( والأولى أن يُحمل القوم على من أرسل إليهم الرسول أياً كان، وهم بالنسبة لغير سيدنا محمد خصوص عشيرة رسولهم، وبالنسبة إليه كل من أرسل إليهم من سائر القبائل وأصناف الخلق، وهو صلى الله عليه وسلم كان يُخاطب كل قوم بلغتهم، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية، لأنه لم يتفق له أنه خاطب أحداً من أهلها، ولو خاطبه لكلَّمه بها )). وقال أحمد الصاوي ( 10 ): (( إن الله علَّمه جميع اللغات، فكان يُخاطب كل قوم بلغتهم )). ونقل الميانجي الأحمدي ( 11 )عن زيني دحلان (في السيرة هامش الحلبية 3: 83) قريباً من هذا. ولقد وجدت أن كتَّاب الشيعة يميلون إلى هذا الرأي، بل إنه يكاد يكون كالعقيدة لهم، وقد طوَّل الأحمدي في الاستشهاد لهذا الأمر، وخلص إلى أن النبي ﷺ‬كان يُخاطب كل قوم بلسانهم ؛ العرب بالعربية، والعجم بلغاتهم، فقال ( 12 ): (( كان رسول الله ﷺ‬ مبعوثا إلى الناس كافة، أبيضهم وأسودهم وأحمرهم وعربيهم وعجميهم، فعلمه الله لغاتهم وعرفه كلماتهم لإتمام الحجة - ولله الحجة البالغة - وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)، فعلمه الله جميع اللغات، لأنه بعث إلى جميع الناس، قال تعالى:(وما أرسلناك إلا كافة للناس). ونُقل أنه لما حضر عنده بلال، وتكلم بلسان الحبشة(اره بره كنكرة كرى كرى منذره) فتحير الحاضرون، بينه هو ﷺ‬ )). وعلى كل حال فهذا أحد الآراء في هذه المسألة، ولكنه رأي مرجوح، لأنَّ النبي ﷺ‬ لو ثبت أنه تكلم بعض المفردات كما في صحيح البخاري وغيره، فإنَّ هذا لا يعني إتقانه لهذه اللغة ومعرفته بها، بل حتى لو قلنا بإتقانه لهذه اللغة أو تلك فإننا لا نستطيع أن نزعم أن النبي ﷺ‬ قد خاطب أهل لغة بلغتهم خطاباً متواصلاً .          الأمر الثاني: أنَّ النبي ﷺ‬ بلَّغ باللغة العربية فقط، وكان يعرف ويدرك أن كلامه سيترجم إن في حياته أو بعد وفاته.         ويستدل لهذا الرأي بما نقلته عن ابن حجر في الاستدلال السابق حيث قال( 13 ): ((ويحتمل أن يقال لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة لإمكان الترجمان الموثوق )).         وقال أيضاً ( 14 ): (( ووجه الدلالة منه أن النبي ﷺ‬كتب إلى هرقل باللسان العربي، ولسان هرقل رومي، ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه، والمترجم المذكور هو الترجمان )).         وقال البغوي( 15 )(( قوله تعالى:} وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم { بلغتهم ليفهموا عنه. فإن قيل: كيف هذا وقد بعث النبي ﷺ‬ إلى كافة الخلق؟ قيل: بعث من العرب بلسانهم، والناس تبع لهم، ثم بث الرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله عز وجل ويترجمون لهم بألسنتهم)).         وقال ابن بطال ( 16 ): (( وحجة من أجاز ترجمة الواحد فى ذلك ترجمة زيد بن ثابت وحده للنبي ﷺ‬ وترجمة أبى جمرة بين يدى ابن عباس، وأن عبد الله بن سلام ترجم عن التوراة في آية الرجم للنبي  - صلى الله عليه وسلم -  فجاز ذلك، وأيضًا فإن ترجمان هرقل ترجم عن قريش فجازت ترجمته )).         قال القرطبي ( 17 ): قوله تعالى: (( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء وهو العزيز الحكيم قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول) أي قبلك يا محمد (إلا بلسان قومه) أي بلغتهم، ليبينوا لهم أمر دينهم، ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم لأن المراد اللغة، فهي اسم جنس يقع على القليل والكثير، ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية، لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة يفهمها لزمته الحجة )).         وقال الزمخشري ( 18 )أيضاً: (( فإن قلت: لم يُبعث رسول الله ﷺ‬ إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعا ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) الأعراف: 158، بل إلى الثقلين، وهم على ألسنة مختلفة، فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة، وإن لم تكن لغيرهم حجة، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة أيضا. قلت: لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل، فبقي أن ينزل بلسان واحد فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول ؟ لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه كما ترى الحال وتشاهدها، من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم )).         والنقول في هذا المجال كثيرة ما بين كتب حديث تفسير وأصول ( 19 )، وكلها توضح أن الترجمة تنوب عن التبليغ لكل قوم بلسانهم، بل إنَّ هناك إجماعاً من العلماء على وجوب الترجمة لمن لا يعرف العربية حتى نقول إنه قد وصلته الحجة، وهذا ما سأتعرض له في مطلب قادم إن شاء الله تعالى. وهذا يدل على جواز الترجمة لأحكام الدين ونصوصه غير المتعبد بألفاظها، وبذلك يتوضح كيف أن الحتمية التاريخية والشرعية أدت إلى القول بجواز الترجمة إن لم نقل بوجوبها، وهو الأظهر في هذا المقام حسب ما تقدم، ولسوف أُبين في المطلب الثاني نصوص العلماء في هذا المجال بما لا يترك مجالاً للشك في مشروعية ترجمة حديث رسول الله ﷺ‬ وما يتعلق به.  المطلب الثاني: الدلائل والبينات على مشروعية الترجمة لقد تبين لنا فيما سبق أن الترجمة أمرٌ حتمته طبيعة الدين العام الحاتم، والرسول ﷺ‬ قد بلغ بلغة قومه وهي اللغة العربية، فكان لزاماً أن تتم ترجمة أقواله وما صدر عنه إلى الأقوام الأخرى الذين دخلوا في هذا الدين وإلا لما جاز أن نقول قد قامت عليهم الحجة. وفي هذا المحور سأستوفي الاستدلال لهذا الأمر من خلال ما ورد من نصوص شرعية كأقوال النبي ﷺ‬ أو أفعاله، التي تدل دلالة واضحة لا لبس فيها على مشروعية ترجمة السنة والسيرة النبوية، ومن ذلك: أولاً: أمر النبي ﷺ‬ زيد بن ثابت أن يتعلم السريانية، لأنه لا يأمن يهود على كتابه. فقد روى الترمذي( 20 ) عن زيد بن ثابت قال: أمرني رسول الله ﷺ‬ أن أتعلم له كتاب يهود، قال: إني والله ما آمن يهود على كتاب، قال: فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم،  وإذا كتبوا إليه قرأته كتابهم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وفي هذا النص دلالة واضحة بينة على أنه كان ﷺ‬ يُملى على زيد ما يريده بالعربية، وزيد يترجم هذا وينقله إلى لغة اليهود، والتي هي العبرانية أو السريانية، وإلا ما من فائدة من قوله: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم . وقد يقول قائل: لقد عُرف عن النبي ﷺ‬ أنه كان يُكاتب غير العرب باللغة العربية كما سيأتي في رسائله إلى الملوك، فكيف نوفق بين هذا المعلوم عنه، وبين أنه كان يأمر زيداً أن يكتب لليهود بلغتهم ؟ وهذا التساؤل تمت الإجابة عليه  من قبل الطحاوي فقال ( 21 ): (( فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا ما كان يرد على رسول الله ﷺ‬ من كتب يهود بالسريانية إنما كان يقرؤه له اليهود الذين كانوا يحضرونه، وهم غير مأمونين على كتمان بعض ما فيه، وغير مأمونين على تحريف ما فيه إلى ما يريدون، وكان ما ينفذ من كتبه إلى اليهود جواباً لكتبهم له بالعربية، فتحتاج اليهود الواردة عليهم إلى من يحسن العربية ليقرأه عليهم، إذ كانوا لا يحسنون العربية، فلعله أن يحرف ما في كتبه إليهم إلى ما يريد  لا سيما إن كان من عبدة الأوثان الذين في قلوبهم على رسول الله ﷺ‬ ما لا خفاء به، وفي قلوبهم على أهل الكتاب ما فيها، فأمر رسول الله ﷺ‬ زيدا أن يتعلم له السريانية ليقرأ كتبهم إذا وردت عليه قراءة، فيأمن بها كتمان ما فيها،  ويأمن بها تحريف ما فيها، ويكون كتابه ﷺ‬ إذا ورد على اليهود ورد عليهم كتاب يقرؤه عامتهم، يأمن فيه من كتمان بعض ما فيه، ومن تحريف ما فيه إلى غير ما كتب به، فهذا وجه هذا الحديث عندنا )).    إذاً فمخالفة النبي ﷺ‬ لما درج عليه من الكتابة إلى الآخرين باللغة العربية، وكتابته لليهود بلغتهم لأنَّ النبي ﷺ‬ لم يكن يأمن اليهود على كتابه، فلو كتب لهم بالعربية لحرَّفه بعضهم، ولذكروا أثناء ترجمته غير ما أراد النبي ﷺ‬ فيزيد فيه أو يُنقص، ولكن لما كتب لهم بلغتهم يكون إنما كتب لهم بلغة يفهمها عامتهم، ولا يكون للقاريء إلا ذكر ما كتب له ليس إلا، فيأمن من التحريف والزيادة والنقصان. ووجه الاستدلال من هذا النص أن النبي ﷺ‬ كان يتكلم لزيد رضي الله عنه بما يريده باللغة العربية، وزيد يترجم كلام النبي ﷺ‬ إلى لغة اليهود ويكتبه بلغتهم، وهذا دليل قوي، بل من أقوى الأدلة على جواز الترجمة. وقد ذكر الخزاعي ( 22 )هذا عندما ترجم لمن كان يترجم للنبي ﷺ‬ فقال: (( الفصل الثاني: في ذكر من كان يترجم للنبي صلى الله عليه وسلم  1 -  ذكر من كان يترجم له باللسان: في " العمدة " للتلمساني: زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه كان يكتب للملوك ويجيب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان ترجمانه بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن )). ثانياً: الاستدلال برسائله وكتبه ﷺ‬ إلى الملوك. فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة والأسانيد الواضحة المليحة أن النبي ﷺ‬ وتطبيقاً لعالمية الرسالة قد كاتب ملوك الأرض في السنة السابعة للهجرة، يدعوهم إلى دين الإسلام، وهم آنذاك من أجناس شتى، ويتكلمون لغات مختلفة، خاطبهم باللسان العربي  وهو ﷺ‬ يدرك أنه ستتم ترجمة كتبه إلى لغاتهم، ومع ذلك لم يتحرز أو يتحرَّج من أن يكاتبهم باللغة الغربية، وهذا يعد بعد الدليل السابق من أقوى الأدلة وأظهرها على مشروعية الترجمة، بل لو أن مصنفاً من مصنفي الصحاح والسنن ترجم لباب بقوله: باب جواز ترجمة حديث رسول الله ﷺ‬ ونقله إلى غير العربية، لما أبعد. أما عن كتبه إلى الملوك فمنها ما رواه البخاري ( 23 ) عن عَبْدَ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ:(( أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ أخبره أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إليه في رَكْبٍ من قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بالشام في الْمُدَّةِ التي كان رسول اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  مَادَّ فيها أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ في مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فقال أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بهذا الرَّجُلِ الذي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فقال أبو سُفْيَانَ فقلت أنا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فقال أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قال لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لهم إني سَائِلٌ هذا عن هذا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ من أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عنه ثُمَّ كان أَوَّلَ ما سَأَلَنِي عنه أَنْ قال كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قلت هو فِينَا ذُو نَسَبٍ قال فَهَلْ قال هذا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قلت لَا قال فَهَلْ كان من آبَائِهِ من مَلِكٍ قلت لَا قال فَأَشْرَافُ الناس يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ ؟ فقلت:بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قال: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ ؟ قلت: بَلْ يَزِيدُونَ، قال: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ منهم سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فيه ؟ قلت: لَا، قال: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَنْ يَقُولَ ما قال ؟ قلت: لَا، قال: فَهَلْ يَغْدِرُ ؟ قلت: لَا، وَنَحْنُ منه في مُدَّةٍ لَا نَدْرِي ما هو فَاعِلٌ فيها، قال: ولم تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فيها شيئا غَيْرُ هذه الْكَلِمَةِ، قال: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ؟ قلت: نعم، قال: فَكَيْفَ كان قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ ؟ قلت: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ منه، قال: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ ؟ قلت: يقول اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شيئا وَاتْرُكُوا ما يقول آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فقال لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ له سَأَلْتُكَ عن نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ في نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هل قال أَحَدٌ مِنْكُمْ هذا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فقلت لو كان أَحَدٌ قال هذا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هل كان من آبَائِهِ من مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قلت فَلَوْ كان من آبَائِهِ من مَلِكٍ قلت رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أبيه وَسَأَلْتُكَ هل كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَنْ يَقُولَ ما قال فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لم يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ على الناس وَيَكْذِبَ على اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ الناس اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حتى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فيه فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حين تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هل يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شيئا وَيَنْهَاكُمْ عن عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كان ما تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وقد كنت أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لم أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إليه لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كنت عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عن قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رسول اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  الذي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إلى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إلى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فإذا فيه بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ من مُحَمَّدٍ عبد اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ على من اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ الله أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فإن عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ قل يا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شيئا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ يا قال أبو سُفْيَانَ فلما قال ما قال وَفَرَغَ من قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فقلت لِأَصْحَابِي حين أُخْرِجْنَا لقد أَمِرَ أَمْرُ بن أبي كَبْشَةَ إنه يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فما زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حتى أَدْخَلَ الله عَلَيَّ الْإِسْلَامَ.....)). وقد ذكرت هذا النص بطوله لأن فيه ذكراً لكتاب رسول الله ﷺ‬ بنصِّه، وفيه كذلك ما احتف بهذا الكتاب من أحداث وسؤال، ثم ما فيه من تصريح بقراءة هذا الكتاب من قبل ترجمان خاص لهرقل، وهو ما أردت الاستدلال به. والأمر لا بد أنه كذلك لبقية الكتب التي أرسلها النبي ﷺ‬ إلى بقية الملوك والحكام، ككسرى ( 24 )، والنجاشي ( 25 )، والمقوقس ( 26 )، وغيرهم.  وروى مسلم ( 27 ) عن عن أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  كَتَبَ إلى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كل جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إلى اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الذي صلى عليه النبي  صلى الله عليه وسلم وقد أجمل ذلك كله الطبراني ( 28 ) بسند فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف ( 29 ) عَنِ الْمِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ قال: خَرَجَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على أَصْحَابِهِ فقال:(( إِنَّ اللَّهَ عز وجل بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلنَّاسِ كَافَّةً، فَأَدُّوا عَنِّي يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ، وَلا تَخْتَلِفُوا كما اخْتَلَفَ الْحَوَارِيُّونَ على عِيسَى عليه السَّلامُ، فإنه دَعَاهُمْ إلى مِثْلِ ما أَدْعُوكُمْ إليه، فَأَمَّا من قَرُبَ مَكَانُهُ فأنه أَجَابَ وَأَسْلَمَ، وَأَمَّا من بَعُدَ مَكَانُهُ فَكَرِهَهُ فَشَكَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ ذلك إلى اللَّهِ عز وجل، فَأَصْبَحُوا وَكُلُّ رَجُلٍ منهم يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وُجِّهَ إِلَيْهِمْ، فقال لهم عِيسَى بن مَرْيَمَ عليه السَّلامُ: هذا أَمَرٌ قد عَزَمَ اللَّهُ لَكُمْ عليه فَامْضُوا فَافْعَلُوا، فقال أَصْحَابُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم، نَحْنُ يا رَسُولَ اللَّهِ نُؤَدِّي عَنْكَ فابْعَثْنَا حَيْثُ شِئْتَ، فَبَعَثَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَبْدَ اللَّهِ بن حُذَافَةَ إلى كِسْرَى، وَبَعَثَ سَلِيطَ بن عَمْرٍو إلى هَوْذَةَ بن عَلِيٍّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ، وَبَعَثَ الْعَلاءَ بن الْحَضْرَمِيِّ إلى الْمُنْذِرِ بن ساوي صَاحِبِ هَجَرَ، وَبَعَثَ عَمْرَو بن الْعَاصِ إلى جَيْفَرَ وَعَبَّادِ ابْنِي جَلَنْدَا مَلِكَيْ عُمَانَ، وَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ إلى قَيْصَرَ، وَبَعَثَ شُجَاعَ بن وَهْبٍ الأَسَدِيَّ إلى الْمُنْذِرِ بن الْحَارِثِ بن أبي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، وَبَعَثَ عَمْرَو بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إلى النَّجَاشِيِّ. فَرَجَعُوا جميعا قبل وَفَاةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم غير الْعَلاءِ بن الْحَضْرَمِيِّ فإن رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم تُوُفِّيَ وهو بِالْبَحْرَيْنِ. ثالثاً: إقراره ﷺ‬ لما تُرجم في حياته من أحاديثه وسيرته. إذ يترجح أنَّه قد تمت ترجمة بعض أحاديثه صلى الله عليه وسلم في حياته ﷺ‬، ولم يُنقل عنه ﷺ‬ إنكاراً، مما يدل على إقراره لما حدث. والشاهد على هذا حديث جعفر بن أبي طالب ( 30 )، وهو الحديث الوحيد الذي يروى عنه، عند هجرته هو وبعض المسلمين إلى أرض الحبشة، وما وقع لهم مع النجاشي، حيث إن جعفر رضي الله عنه أخذ يسرد له محاسن الدين، وما يدعو إليه النبي ﷺ‬، ولا شك أن جعفر تكلم بلغته الأم – أي العربية -، والنجاشي كان يُترجم له ذلك، وإن لم يُذكر في الروايات ذكر الترجمة والترجمان، اللهم إلا ما ورد في مسند عبد بن حميد من أن النجاشي ابتدأ الحوار بقوله: والمقصد أنَّ النبي ﷺ‬ قد بلغه ما حصل مع المسلمين في أرض الحبشة، وبلغه ما قاله جعفر وذكره، ولا شك أنه يعلم أن عادة العجم في بلدانهم أن يترجم لهم ما لا يعرفونه من اللغات، بل إنَّ غالبهم كان يطلب ترجماناً حتى ولو كان يعرف اللغة الأخرى أنة من أن يتكلم بغير لغته، ولهذا نظمت هذا الشاهد من قبيل إقراره صلى الله عليه وسلم لما ترجم في حياته.  المطلب الثالث: السلوك العملي لمن جاء بعد النبي ﷺ‬ فيما يتعلق بالترجمة ومن جاء بعده ﷺ‬ يحتمل أولاً الخلفاء وقواد الجيوش وكيفية تعاملهم مع هذه المسألة، ثم من جاء بعدهم من العلماء وكيفية تطبيقهم للترجمة عملياً، ومن جانب آخر كتاباتهم في التأصيل لمسألة الترجمة، لذا اشتمل هذا المطلب على ثلاثة أمور: أولاً: سيرة خلفائه وقواده وتطبيقهم العملي للترجمة. ثانياً: التأصيل العلمي لهذه المسألة في كتابات المحدثين وغيرهم من العلماء. ثالثاً: السلوك العملي، وبيان بعض ما كتبه العلماء من كتب بغير العربية. أولاً: سيرة خلفائه وصحابته من بعده ﷺ‬ وكيف تعاملوا مع هذه المسألة. والمقصود بهذا العنوان ما سلكه خلفاؤه ﷺ‬ وقواد الجيوش وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين من اهتمامهم واتخاذهم للمترجمين، وحرصهم على التبليغ بما يفهمه الآخرون، اقتداءً بالنبي ﷺ‬، واتباعاً لما سلكه. وبين يدي في هذا الصدد نصوص كثيرة، ولعل الناظر إلى كتب التواريخ والسير يجد الشيء الكثير من هذا، بل إن كتب المغازي والتواريخ قد حفلت بذكر ما كان عليه المسلمون عندما يتوجهون لفتح بلدة أو مدينة من مدن العجم من فرس ورومان وغيرهم، وما كان يحدث بينهم من محاورات ومساجلات، فيبين لهم قادة الفتوح مرادهم، وهذا المراد ما هو إلا تكرار لما كان يفعله النبي ﷺ‬ ويطلبه من بقية الأمم، وهذا كله كان يحتاج إلى مترجمين يبينون هذا، وهو عين ما كان يتم، ولولا الإطالة لاستوعبت ما ذكره المؤرخون ومؤلفو المغازي من هذا الأمر، ولكن أكتفي بذكر بعض النماذج القليلة التي أرى أنها تفي بالغرض والله أعلم. فمن ذلك ما رواه أبو داود في القدر، واللالكائي ( 31 )وابن بطة ( 32 )، والفريابي في القدر( 33 ) واللفظ له، وغيرهم( 34 ) عن عبد الله بن حريث قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالجابية والجاثليق ماثل بين يديه، والترجمان يترجم، فقال: عمر من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فقال الجاثليق: إن الله تعالى لا يضل أحداً ! فقال عمر: ما تقول ؟ فقال الترجمان: لا شيء، ثم عاد في خطبته فلما بلغ من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له قال الجاثليق: إن الله تعالى لا يضل أحداً، فقال عمر ما تقول ؟ فأخبره، فقال: كذبت يا عدو الله، ولولا ولت عهد لك لضربت عنقك، بل الله خلقك والله أضلك ثم يميتك ثم يدخلك النار إن شاء الله ثم قال إن الله عز وجل لما خلق آدم عليه الصلاة السلام نثر ذريته فكتب أهل الجنة وما هم عاملون وأهل النار وما هم عاملون ثم قال هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه وقد كان الناس تذاكروا القدر فافترق الناس وما ينكره أحد. ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو داود ( 35 )عن هِلَالِ بن أُسَامَةَ أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ سَلْمَى مَوْلًى من أَهْلِ الْمَدِينَةِ رَجُلَ صِدْقٍ قال بَيْنَمَا أنا جَالِسٌ مع أبي هُرَيْرَةَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَارِسِيَّةٌ مَعَهَا بن لها فَادَّعَيَاهُ وقد طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فقالت يا أَبَا هُرَيْرَةَ وَرَطَنَتْ له بِالْفَارِسِيَّةِ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي فقال أبو هُرَيْرَةَ: اسْتَهِمَا عليه، وَرَطَنَ لها بِذَلِكَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا فقال: من يُحَاقُّنِي في وَلَدِي ؟ فقال أبو هُرَيْرَةَ: اللهم إني لَا أَقُولُ هذا، إلا أَنِّي سمعت امْرَأَةً جَاءَتْ إلى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  وأنا قَاعِدٌ عِنْدَهُ، فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وقد سَقَانِي من بِئْرِ أبي عِنَبَةَ وقد نَفَعَنِي، فقال رسول اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم: اسْتَهِمَا عليه، فقال زَوْجُهَا: من يُحَاقُّنِي في وَلَدِي فقال النبي  صلى الله عليه وسلم: هذا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ. فكما يظهر من هذا الحديث أن المرأة لم تكن تعرف العربية لأنها رطنت بالفارسية، وأبو هريرة رضي الله عنه كان على معرفة باللغة الفارسية، فبين لها الحكم بالفارسية مترجماً أحاديث وردت عن النبي ﷺ‬ بذلك. ومما يجري هذا المجرى أيضاً ما رواه البخاري ( 36 )ومسلم ( 37 )عن أبي جمرة قال: كنت أُتَرْجِمُ بين بن عَبَّاسٍ وَبَيْنَ الناس. قال ابن بطال ( 38 ): وقول ابن عباس لأبى جمرة: أقم عندى حتى أجعل لك سهمًا من مالى، فإنما قال ذلك، لأن أبا جمرة كان يتكلم بالفارسية، فأراد أن يجعله ترجمانًا بينه وبين من لا يعرف بالعربية. وقال ابن الصلاح ( 39 ): وقوله أترجم فيه أنه كان يتكلم بالفارسية فكان يترجم لابن عباس عن من يتكلم بها، وعندي أن معناه أنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه من الناس ؛ إما لزحام منع من سماعه فأسمعهم، وإما لاختصار منع من فهمه فأفهمهم أو نحو ذلك، وإطلاقه ذكر الناس يشعر بهذا، ويبعد أن يكون المراد به الفرس خاصة، وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة أخرى، وقد أطلقوا على قولهم باب كذا وكذا اسم الترجمة لكونه يعبر عن ما يذكر بعده والله أعلم. وهذا الذي ذكره ابن الصلاح محتمل، لكن ما ذهب إليه ابن بطال أرجح، لأنه ذكر في ترجمة أبي جمرة هذا أنه كان يعرف اللغات ومنها الفارسية، ثم إن ما يمنع من ترجيح ما ذهب إليه ابن الصلاح من وجود بعض الروايات التي تفيد أن ابن عباس كان يُجلس أبا جمرة معه على السرير، كما روى ذلك أبو نعيم الأصبهاني في مستخرجه على صحيح مسلم ( 40 ): (( عن أبي جمرة قال كنت مع ابن عباس على سريره أترجم بينه وبين الناس ))، فيسقط بذلك احتمال الزحام الذي ذهب إليه ابن الصلاح، وهذا ما وضحه وبينه ابن حجر فقال ( 41 ):  قال ابن الصلاح: أصل الترجمة التعبير عن لغة بلغة، وهو عندي هنا أعم من ذلك، وأنه كان يبلغ كلام بن عباس إلى من خفي عليه ويبلغه كلامهم، إما لزحام أو لقصور فهم، قلت: الثاني أظهر لأنه كان جالسا معه على سريره، فلا فرق في الزحام بينهما إلا أن يحمل على أن بن عباس كان في صدر السرير وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم، وقيل إن أبا جمرة كان يعرف الفارسية فكان يترجم لابن عباس بها. أما ما ورد من الترجمات في الفتوح فهي كثيرة، وأقتصر على ذكر أنموذجين أنتزعهما من كتب السنة، وأولهما ما رواه ابن حبان ( 42 )، وأبو يعلى ( 43 )واللفظ لابن حبان عن عمرو بن العاص قال: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية، فقال عظيم من عظمائهم: أخرجوا إلي رجلا يكلمني وأكلمه، فقلت: لا يخرج إليه غيري، فخرجت ومعي ترجماني ومعه ترجمانه حتى وُضع لنا منبر، فقال: ما أنتم ؟ فقلت: إنا نحن العرب، ونحن أهل الشوك والقرظ، ونحن أهل بيت الله كنا أضيق الناس أرضاً، وأشدهم عيشاً، نأكل الميتة والدم، ويُغير بعضنا على بعض، بأشد عيش عاش به الناس، حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ شرفاً، ولا أكثرنا مالاً، وقال: أنا رسول الله إليكم، يأمرنا بما لا نعرف، وينهانا عما كنا عليه وكانت عليه آباؤنا، فكذبناه ورددنا عليه مقالته، حتى خرج إليه قوم من غيرنا فقالوا: نحن نصدقك، ونؤمن بك، ونتبعك، ونقاتل من قاتلك، فخرج إليهم وخرجنا إليه، فقاتلناه فقتلنا، وظهر علينا وغلبنا، وتناول من يليه من العرب فقاتلهم حتى ظهر عليهم، فلو يعلم من ورائي من العرب ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم حتى يشرككم فيما أنتم فيه من العيش، فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق، قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاء به رسولكم، فكنا عليه حتى ظهرت فينا ملوك، فجعلوا يعملون بأهوائهم، ويتركون أمر الأنبياء، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه، ولم يشارككم أحد إلا ظهرتم عليه، فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا، وتركتم أمر نبيكم وعملتم مثل الذي عملوا بأهوائهم، فخلى بيننا وبينكم،لم تكونوا أكثر عدداً منا ولا أشد منا قوة. قال عمرو بن العاص: فما كلمت رجلاً قط أمكر منه. فهذا النص فيه بيان لترجمة بعض سيرة النبي ﷺ‬ التي سردها عمرو بن العاص رضي الله عنه،  وبعضهم بل أكثرهم كان يذكر ما يُخاطب به القوم من الإسلام أو الجزية أو القتال، وهذا يتطلب عرض لأحكام الإسلام إذ كيف سيدخل الناس في الدين وهم لا يعرفون هذا الدين ؟؟ وثانيهما ما رواه أبو نعيم الأصبهاني ( 44 ) عن أبي البختري أن جيشاً من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي فحاصروا قصراً من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد الله ألا ننهد إليهم ؟ فقال: دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يدعوهم، فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، أترون العرب تطيعني ؟! فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا، وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون. قال: ورطن إليهم بالفارسية وأنتم غير محمودين وإن أبيتم نابذناكم على سواء فقالوا ما نحن بالذي نؤمن وما نحن بالذي نعطي الجزية ولكنا نقاتلكم، قالوا: يا أبا عبدالله ألا ننهد إليهم ؟ قال: لا فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، ثم قال: انهدوا إليهم فنهدوا إليهم، قال ففتحوا ذلك الخ. ويمكن أن يُستشهد لهذا الفرع أيضاً ما كان من جواب جعفر بن أبي طالب للنجاشي عندما هاجر المسلمون إلى الحبشة، وأخذ يبين له أساس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له عدداً من الأحكام والعقائد، ولا شك أن السرد كان بالعربية، والمترجم يترجم للنجاشي، وهذا حدث في زمن النبي ﷺ‬، ولا شك أن تفاصيل هذا اللقاء قد بلغت النبي ﷺ‬، فيكون منه إقرار بجواز نقل ما يتعلق بأقواله وأفعاله ﷺ‬ إلى لغات أخرى، ولو استشهدنا بهذه الحادثة في الفرع السابق لما أبعدنا، لأن الإقرار كاقول أو الفعل من حيث الدلالة. إذاً يتبين من هذا السرد أن من جاء بعد النبي ﷺ‬ سار على نهجه في إجازة الترجمة وإباحتها ، بل وممارستها عملياً من باب تبليغ الدين، وتحقيق هدف الإسلام من نشر الدين في كافة أقطار الأرض.    ثانياً: التأصيل العلمي لترجمة الحديث في كتابات المحدثين وغيرهم لقد وجدت إشارات في كتب المحدثين عن الترجمة، وبيان جوازها، بل والتعامل مع المسألة كأنها حتمية وقياس غيرها عليها، ولعل أقدم من وجدته طرح هذه المسألة من المحدثين الخطيب البغدادي حيث قال في معرض مناقشته لمن يمنع رواية الحديث بالمعنى( 45 ): (( ثم يقال لهم: ما الفصل بينكم وبين من قال لما حصل الاتفاق على إباحة الترجمة في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأوامره ونواهيه، والاخبار عن جملة دينه وتفصيله، وجب كذلك جواز روايته على المعنى باللفظ العربي، الذي هو أقرب إلى لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاعجمي، فلا يجدون لذلك مدفعا  )). وقال أيضاً ( 46 ): (( ويدل على ذلك أيضا اتفاق الأمة على أنَّ للعالم بمعنى خبر النبي  صلى الله عليه وسلم، وللسامع بقوله، أن ينقل معنى خبره بغير لفظه، وغير اللغة العربية، وأنَّ الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم، أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه، مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله، على ألسنة رسله سيما إذا كان السفير يعرف اللغتين، فإنه لا يجوز أن يكل ما يرويه إلى ترجمان وهو يعرف الخطاب بذلك اللسان، لأنه لا يأمن الغلط وقصد التحريف على الترجمان، فيجب أن يرويه بنفسه )). وقال ابن حجر ( 47 ): وأما الراوية بالمعنى ؛ فالخلاف فيها  شهير، والأكثر على الجواز أيضا، ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى ؛ فجوازه باللغة العربية أولى. فهذه النصوص ومثلها كثير تبين أن علماء الحديث كانوا يرون وجوب الترجمة، وقعدوا لهذا في كتاباتهم، كما بينت ونقلت في الهامش، وهذا ليس بمستغرب عنهم، ولكن الأمر الملحوظ في كتاباتهم هذه أنهم قاسوا القول بجواز الترجمة ليخلصوا إلى القول بجواز الرواية بالمعنى، فأضحى الاستشهاد بالترجمة عندهم أصلاً يقاس عليه، مما يُشعر بعدم وجود القائلين  بمنعها والله أعلم . وهناك نصوص مشابهة لغير المحدثين رأيت أن أنقل بعضها، وأُشير إلى بعضها الآخر، وكلها تتضافر لتؤكد ما ذهب إليه المحدثون، كالأصوليين، والمفسرين، ومن ذلك ما ذكره الآمدي ( 48 ) فقال: (( أن الإجماع منعقد على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم وإذا جاز الإبدال بغير العربية في تفهيم المعنى فالعربية أولى )). وقال الغزالي ( 49 ): (( نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ، أما
ملفات · 2
المصدر المختار

بحث مقدم إلى ندوة ترجمة السنة والسيرة النبوية والتي عُقدت بالرياض في الفترة من 23، 25/صفر/1429هـ، ويبين الحتمية التاريخية والشرعية لمسألة الترجمة، وترجمة الحديث في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسلوك العملي لترجمة الحديث.

IslamHouse.com
659 مواد مطابقة

شرح جوامع الأخبار للسعدي

عبد الكريم بن عبد الله الخضير · موقع الشيخ عبد الكريم الخضير

صوت

شرح مقدمة سنن ابن ماجه

عبد الكريم بن عبد الله الخضير · موقع الشيخ عبد الكريم الخضير

صوت

شرح الأربعين النووية [ عبد الكريم الخضير ]

عبد الكريم بن عبد الله الخضير · موقع الشيخ عبد الكريم الخضير

صوت

اللوامع من الكلم الجوامع [ برنامج تعليم الحجاج بمكة 1438هـ ]

صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي · برامج الدعوة والإرشاد للشيخ صالح العصيمي

صوت

شرح صحيح مسلم [العثيمين]

محمد بن صالح العثيمين

صوت

شرح حديث جبريل عليه السلام

سعيد بن علي بن وهف القحطاني · موقع الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني

صوت

التعليق على رياض الصالحين

عبد العزيز بن باز

صوت

شرح صحيح البخاري [ العثيمين ]

محمد بن صالح العثيمين

صوت

شرح حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

تسجيلات الراية الإسلامية · سعد بن تركي الخثلان

صوت

شرح صحيح البخاري [ 1431هـ - 1434هـ ]

عبد المحسن بن حمد العباد · موقع الشيخ عبد المحسن العباد

صوت

قراءة كتاب رياض الصالحين

أبو زكريا النووي · حمد الدريهم

صوت

شرح صحيح البخاري

علي بن محمد بن عبد العزيز الهندي

صوت

شرح سنن النسائي

عبد المحسن بن حمد العباد · موقع الشيخ عبد المحسن العباد

صوت

شرح رياض الصالحين

عبد العزيز بن باز

صوت

التعليق على بعض أحاديث سنن الترمذي

عبد العزيز بن باز

صوت

التعليق على بعض أحاديث مسند أحمد

عبد العزيز بن باز

صوت

التعليق على بعض أحاديث سنن ابن ماجه

عبد العزيز بن باز

صوت

التعليق على بعض أحاديث سنن أبي داود

عبد العزيز بن باز

صوت
Shopping Basket

Loading...