النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
والفجور وسوء الخاتمة.
([82])
أن
يحذيك: يهدي إليك.
([83])
تبتاع
منه: تشتري منه.
([84])
هذا
تعليم نافع ومثل رائع ضربه نبي الرحمة والهدى في الجليس الصالح وجليس السوء،
فجليسك الصالح يكسبك العلم النافع، والقول الصادق ويبصرك في أمور دينك ودنياك،
ويأمرك بالخير، وينهاك عن الشر، ويعرفك عيوب نفسك، ويشغلك بخير يصرفك به عن الاشتغال
بعيوب الغير.
وكذلك إذا ذكَّرته ونصحته شكرك، وإذا
حضرت مجلسه احترمك، وإذا غبت عنه بخير ذكرك، وإذا دعوته لخير أجاب دعوتك، وإذا
احتجته في أمر يجده، أو يقدر عليه ولو بمشقة قضى حاجتك، وبالجملة فهو كمعلم مخلص
ملازم، نصيحته حكمة، ونطقه فائدة، يدعوك بأقواله وأفعاله إلى كل فضيلة وخير، فاحرص
على ملازمة مجلسه، فإنه من القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم.
أما جليس السوء: فهو لا يأمرك بخير، ولا
ينهاك عن شر، وإن فعل نادرًا فما هو إلا لغرض يقصده، إن قدر على أعدائك أغواك، وإن
توجهت بقلبك وبصرك إلى هدى أعمالك يحاول أن يرضيك بسخط الله، ويلتمس إعزازك بمعصية
الله، لا يجهد نفسه في مساعدتك أحيانًا؛ لتكون إلى صفه مائلاً ولفكره ورأيه
المنحرف مناصرًا أو لفعله المنكر مقرًا ومداهنًا؛ فحذاري أن تجالسه، فإنه من القوم
الذين يشقى بهم جليسهم.
([85])
كثيرًا
ما تجمع المجالس بين الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والغني والفقير، والرئيس
والمرءوس، فينبغي أن يعرف كل فرد حق الآخر عليه فالعالم والرئيس والشيخ الكبير لهم
حق الوقار والاحترام. الصغير والجاهل لهم حق الرحمة والشفقة ولين الجانب. وعلى
العالم والرئيس والكبير إذا سبقهم من دونهم على صدر المجلس أن يجلسوا حيث ينتهي
بهم المجلس؛ تواضعًا لله وامتثالاً لرسوله، ورفقًا بمن دونهم، وعلى الصغير والجاهل
أن يقدروا لعالمهم ورئيسهم وكبيرهم حقه ويجعلوا لهم مجالس تليق بجنابهم، وعلى
جميعهم أن يتواسعوا ويفسحوا للداخل إذا امتلأ المجلس؛ لينشرح صدره وينال حظه.
وللقادم على المقدوم عليه حق إذا علم
قدومه بأن يراقبه ويقابله وإذا دخل عليه وهو جالس يقوم إليه ويقدمه إلى مجلسه، قال
ابن عباس – رضي الله عنهما -: (لجليسي علي ثلاث، أرمقه إذا أقبل، وأوسِّع له إذا
جلس، وأصغي إليه إذا تحدث) ولما أقبل سعد بن معاذ على رسول الله ﷺ وعنده اليهود
والمهاجرون والأنصار قال – عليه الصلاة والسلام - «قوموا إلى سيدكم».
وأما قيام التعظيم المنهي عنه فهو كمن
يتخذ من الجهلاء وضعفة العقول جلساء وخدمًا؛ ليستخف بهم الناس يقومون لقيامه،
ويقعدون لقعوده، ويتحركون لحركاته وإن فعل ذلك عشرات المرات من يومه أو ساعته
ويلحق بهم من يفعل فعلهم ويحذو حذوهم في المدارس وغيرها.
نسأل الله السلامة والتوفيق والهداية.
([86])
اعلم
أن ارتكاب المحذور عصاية لله وجناية على النفس، والمجاهرة به مكابرة وجناية على
الناس، وقد جمع المجاهر بفعل المحذور بين أربع جنايات خطيرة، كما عد النبي ﷺ الممتدح
بفعل المعصية أمام الناس من المجاهرين، ولو لم يقل ذلك؛ لما فيه من التجري
والإغراء على انتشار الفساد في الأرض وعدم المبالاة بحفظ حدود الله – تعالى –
وانتهاك حرماته والاختفاء بالمعصية يدل على وجود الحياء مع فعلها والمجاهرة بها،
والامتداح بفعلها يدل على نزع الحياء وقد جاء في الحديث: «إذا لم تتسح فاصنع ما
شئت» ومن لا بستحي لا من الله ولا من الناس فلا يستحى منه، بل ينصح ويزجر ويؤدب،
قال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن
على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرًا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم
كما لعنهم» وهذا القول للنبي ﷺ مفسر لقول الله – جل وعلا -: }لُعِنَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا
لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ{ [المائدة: 78، 79]. وقال – تعالى -: }وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ
الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ{ [الأنفال: 25].
فيجب على من فعل المعصية خفية أن يتوب
إلى الله منها سرًا ومن فعلها علنًا فليتب إلى الله علنًا ومن تاب تاب الله عليه.
([87])
المعقلة:
هي المقيدة، والعقال: هو الحبل الذي تقيد به الإبل في يديها والمعنى أن الذي يقيد
القرآن الكريم بالتلاوة يكون حافظًا ذاكرًا له، والذي يهمل تلاوته وينشغل بغيره
يذهل عنه وينساه، ومن نسيه فهو إلى مخالفته بل إلى محاربته أقرب وإلى العمل به
وتحكيمه أبعد.
والقرآن هو كلام الله المبين وحبله
المتين، من تمسك به سلم ونجى، ومن أهمله ضل وغوى، نسأل الله – تعالى – أن يرزقنا
تلاوة القرآن الكريم والعمل به حتى نلقاه فإنه جواد كريم آمين.
([88])
خيرًا:
أي أحسن وأهنأ وأمرأ.
([89])
من
عمل يده: أي من الاكتساب من عمل يده.
أخبر النبي ﷺ أن خير الطعام ما يناله الإنسان من عمل يده باكتساب الرزق الحلال
وسواء كان كذلك العمل تجارة، أو صناعة، أو زراعة، أو حرفة، أو خدمة، فهو ممدوح
ومستحب، والعمل يحفظ كرامة الإنسان وعزه، ويصون عرضه، والعامل التقي محبوب عند
الله ومحبوب عند الناس، والجبان العاطل بغيض، مقيت، كريه، سفيل، قال النبي ﷺ: «لأن
يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه».
والحديث يدل على فضل الاكتساب، وأنه دأب
الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام -.
قال الشاعر:
وخل الهوينا
للضعيف ولا تكن
نئومًا فإن
الحر ليس بنائم
وإنك لا
تستطرد الهم بالمنى
ولا تبلغ
العليا بغير المكارم
([90])
لا
يبالي: أي لا يتوع ولا يتحرى.
أخبر النبي ﷺ بما سيحصل مستقبلاً، وهذا من علم الله الذي يدلُّنا على صحة نبوته
وعلو شأنه وقدره.
وهذا الزمان الذي أشار إليه رسول الله ﷺ إما أن
يكون زمان مجاعة وقحط يجبر الناس على عدم التورع لكسب الحلال ولقمة الحلال، أو
يكون زمان تفاخر، وتكاثر، وقلة إيمان، ودين، يجعل كل واحد ينظر إلى من هو أعلى منه
في الدنيا، ثم يصرف جل جهوده في الاستحصال والتمول بأي وسيلة يدركها، وهذا هو
الأقرب من معنى الحديث لحصول بعضه حاليًا في المعاملات التجارية من بيع السلعة بلا
قبض ولا تحويل، وإبراز أجود الصنف لزيادة الثمن وبقيته أدنى منه.
وكذا معاملة البنوك مع أهل النقود الذين
يودعونها عندهم يقرضونهم من البنك نقودًا، ويفرضون عليهم في المائة شيئًا معلومًا
في كل سنة ما دام الدين عند المستدين، وذلك مع قبض صكوك العقار عندهم للاحتفاظ.
وكذلك الفقير يعطونه إذا وجد كفيلاً على
هذا المنوال ولو لم تكن إلا هذه الكارثة لعمت البلواء، ولكانت كافية لتفسير الحديث
المذكور والله أعلم.
([91])
أبين:
أي أوضح لك عيبها.
([92])
ارتجعها:
أي ارتدها.
هكذا كانت معاملة أهل الصدق والوفاء
والأمانة، يقفون عند حدود الله ولا يتعدونها، وإن جرى عليهم النقص من جهة الدنيا
فإنهم لا يرونه كما يرونه من لا بصيرة لهم ولا ورع، أنَّ من أوضح عيب سلعته خسرها،
فالمؤمن التقي يحرص على عدم نقص دينه، وإن أدى ذلك إلى نقص دنياه، والغش حرام، وقد
جاء في الحديث: «من غشنا فليس منا».
والحديث يدل على تحريم بيع السلعة
المعيبة إذا لم يبين عيبها، كما يدل على أن من علم عيبها ولم يبينه فهو مأزور، وإن
لم تكن له، ويدل مفهومه على إرجاعها إلى بائعها بعد اتضاح عيبها، - والله أعلم -.
([93])
المنافق
المتعلم شر على الدين والمجتمع؛ لأنه بعلمه وفصاحته يتمكن من قلب الحقائق
وتلبيسها، وقد أفصح القرآن الكريم وأوضح صفات المنافقين بما لا إشكال فيه ولا غبار
عليه قال – تعالى -: }وَإِذَا
رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ
كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ
الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ{ [المنافقون: 4] وما قبلها وما بعدها
وبضع عشرة آيات من صدر سورة البقرة من قوله – تعالى -: }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا
بِاللَّهِ...{ [آية: 8] وكذا
في سورة التوبة من قوله – تعالى -: }يأَيُّهَا
النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ...{ [آية: 73] ومن قوله – تعالى -: }وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ
نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ{ [آية: 54] من التوبة. ومن تأمل هذه
الآيات وغيرها اتضح له جليًا أن غالب المدعين للإسلام واقعون في هذه الكارثة باسم
السياسة والأخلاق، وعز من ينطق بالحق عن بصيرة وقوة.
([94])
توكَّل:
أي تكفَّل والجهاد من أعظم شرائع الإسلام وقد سبق إيضاح أقسام في شرح الحديث (29)
بما أغنى عن إعادته.
والحديث يدل على فضل الجهاد الخالص في
سبيل الله، ومكانته العالية من الإسلام.
([95])
الرباط:
المداومة، والإقامة في ثغر من ثغور المسلمين للحراسة والحماية.
([96])
السوط:
العصا الرقيقة.
([97])
الروحة:
هي التوجُّه إلى الجهاد في آخر النهار.
([98])
الغدوة:
التوجُّه إلى الجهاد في أول النهار.
أخبر النبي ﷺ عن الرباط في سبيل الله أنه أفضل من الدنيا بما حوته من النعيم
الفاني، كما أخبر أن مكان السوط في الجنة أفضل من الدنيا وما عليها.
والله أعلم وأحكم، والحمد لله الذي بفضله
تتم الصالحات.