النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
من حديث الإمام مالك بن أنس إثبات صعصعة في إسناده.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى البخاري في «صحيحه» (5) من حديث الزهري:
حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول: «لم يبقَ من النبوة إلا المبشِّرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا
_________
(1) البخاري (3212) ومسلم (2485)، وليس في رواية البخاري: «عن أبي هريرة»، وإنما
هو عن سعيد قال: مرّ عمر ... إلخ.
(2) «سنن أبي داود» (5014).
(3) «سنن أبي داود» (5017)، وأخرجه مالك (2748)، وأحمد (8313)، وابن حبان (6048)،
والحاكم 4/ 390 - 391) وقال: صحيح الإسناد.
(4) في «الكبرى» (7574). وانظر: «العلل» للدارقطني (1581).
(5) برقم (6990).
(3/386)
الصالحة».
وأخرجه مسلم (1) من حديث ابن عباس.
634/ 4858 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يقول: «مَن رَأَىني في المنام فَسَيَراني في اليَقَظَة ــ أو لكأنَّما رآني
في اليقَظَة ــ، ولا يَتَمثّلُ الشيطانُ بي».
وأخرجاه (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ولم يشك البخاري فيه، بل قال: «من رآني في المنام
فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي (3)».
وفي «الصحيحين» (4) من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«من رآني في المنام فقد رأى الحق».
وأخرجه البخاري (5) من حديث أبي سعيد وزاد: «فإن الشيطان لا
_________
(1) برقم (479).
(2) أبو داود (5023)، والبخاري (6993)، ومسلم (2266/ 11)، كلهم من طريق يونس، عن
الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
وأخرجه البخاري (110) من رواية أبي صالح، ومسلم (2266/ 10) من رواية محمد بن
سيرين، كلاهما عن أبي هريرة بلفظ: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا
يتمثل في صورتي»، ولفظ مسلم: «لا يتمثّل بي».
(3) «بي» سقط من الأصل، واستُدرك من (هـ).
(4) البخاري (6996) ومسلم (2267)، وليس عندهما قوله: «في المنام»، وهو عند الدارمي
(2186) وغيره.
(5) برقم (6997).
(3/387)
يتكوّنني».
وفي لفظ له (1) في حديث أبي قتادة: «فإن الشيطان لا يتراءى (2) بي».
وفي «صحيح مسلم» (3) عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في النوم
فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثّل في صورتي»، وفي لفظ آخر: «فإنه لا
ينبغي للشيطان أن يتشبه بي».
19 - باب ما جاء في تشميت العاطس (4)
635/ 4866 - عن هلال بن يِساف قال: كنا مع سالم بن عبيد فعَطَس رجل من القوم فقال:
السلام عليكم، فقال سالم: وعليك وعلى أُمِّك، ثم قال بعد: لعلَّك وجدتَ مما قلت
لك؟ قال: لوددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا بِشرٍّ، قال: إنما قلت لك كما قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إنا بينا نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إذ عطس رجل من القوم فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«وعليك وعلى أمك»، ثم قال «إذا عطس أحدكم فليحمد الله ــ قال: فذكر بعض المحامد
ــ، وليقل له من عنده يرحمك الله وليَرُدَّ ــ يعني عليهم ــ: يغفر الله لنا
ولكم».
وأخرجه الترمذي والنسائي (5)، وقال الترمذي: هذا حديث اختلفوا في
_________
(1) برقم (6995).
(2) رسمه في الأصل: «يترايا» مهملًا، وهو يحتمل ما أثبتناه وفاقًا لرواية أبي ذر
لـ «صحيح البخاري»، ويحتمل: «يتزايا» بالزاء المعجمة، كما في بقية روايات
«الصحيح». انظر: الطبعة السلطانية (9/ 33) و «إرشاد الساري» (10/ 135).
(3) برقم (2268/ 12، 13).
(4) في الأصل: باب العُطاس، وهو الباب السابق لهذا، والذي يظهر من تذييل المؤلف
أنه على هذا الباب، لا الذي قبله.
(5) أبو داود (5031)، والترمذي (2740)، والنسائي في «الكبرى» (9982)، من طريق
منصور بن معتمر عن هلال بن يساف به. وإسناده ضعيف، لأن هلالًا لم يسمعه من سالم،
وإنما بينهما رجل مجهول أو رجلان، كما سيأتي.
(3/388)
روايته عن منصور، وقد أدخلوا بين هلال وبين
سالم رجلًا.
636/ 4867 - وعن هلال بن يساف، عن خالد بن عَرْفَجة، عن سالم بن عبيد الأشجعي بهذا
الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأخرجه النسائي (1).
وأخرجه النسائي (2) أيضًا عن منصور عن رجل عن خالد بن عُرفُطَة عن سالم.
وأخرجه (3) أيضًا عن منصور عن هلال بن يساف عن رجل [عن] آخر. وقال: هذا الصواب
عندنا، والأول: خطأ. هذا آخر كلامه.
وقد رواه علي ابن المديني عن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن منصور عن هلال عن
رجل عن رجل عن سالم.
ورواه مسدَّد عن يحيى القطان عن سفيان عن منصور عن هلال عن رجل من آل خالد بن
عُرفُطة عن آخر منهم قال: كنا مع سالم.
ورواه زائدة عن منصور عن هلال عن رجل من أشجع عن سالم.
ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عَوانة عن منصور عن هلال عن رجل من آل عُرْفُطة
عن سالم.
_________
(1) أبو داود (5032)، والنسائي في «الكبرى» (9988).
(2) «الكبرى» (9987)، وفي مطبوعتها: «عن منصور عن هلال عن رجل ... »، وفي «تحفة
الأشراف» (3/ 253) كما هنا دون ذكر «هلال».
(3) في «الكبرى» (9986)، وما بين الحاصرتين منه.
(3/389)
واختُلِف على وَرْقاء فيه، فقال بعضهم: خالد
بن عَرْفجة، وقال بعضهم: خالد بن عُرفطة، أو عَرْفَجة.
ويشبه أن يكون خالدٌ هذا مجهولًا، فإن أبا حاتم الرازي قال (1): لا أعرف أحدًا
يقال له: خالد بن عُرفطة إلا واحدًا: الذي له صحبة.
637/ 4868 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقُل أخوه ــ أو صاحبه ــ: يرحمك
الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم».
وأخرجه البخاري والنسائي (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: [ق 267] وقد أخرج الترمذي (3) عن نافع أن رجلًا عطس
إلى جنب ابن عمر، فقال: الحمد لله والسّلامُ على رسول الله، قال ابن عمر: «وأنا
أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علَّمَنا رسولُ الله - صلى الله
عليه وسلم - أن نقول، علّمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال»، وقال: هذا حديث غريب
لا نعرفه إلا من حديث زياد بن الربيع.
وفي الترمذي (4)
أيضًا من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال:
_________
(1) «الجرح والتعديل» (3/ 340).
(2) أبو داود (5033)، والبخاري (6224)، والنسائي في «الكبرى» (9989)، وليس عندهما:
«على كل حال».
(3) برقم (2738) من طريق زياد بن الربيع، عن حضرمي مولى آل الجارود، عن نافع به.
في إسناده ضعف لجهالة حال حضرمي مولى آل الجارود، وقد تفرد به عن نافع، ولذا قال
الترمذي: «حديث غريب».
(4) برقم (3368)، وأخرجه أيضًا النسائي في «الكبرى» (9975)، وابن حبّان (6167)،
والحاكم (1/ 64)، كلهم من طريق الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد المقبري
به.
الحارث بن أبي ذباب ليس بالقوي، وخطّأ النسائي روايته هذه وقال: إن الصواب ما
أخرجه (9976) من طريق آخر عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام موقوفًا،
وإسناده جيد. وقصة السلام منه متفق عليها من حديث همام بن منبّه عن أبي هريرة -
رضي الله عنه -، وسيأتي ذكرها.
(3/390)
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما
خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه، فقال له ربه:
رحمك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة ــ إلى ملأ منهم جلوس ــ فقل: السلام
عليكم، قالوا: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربّه، فقال: إن هذه تحيتك
وتحية ذريتك بينهم ... » وذكر الحديث. قال: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد
روي من غير وجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواه زيد بن أسلم عن أبي صالح
عن أبي هريرة» (1). وقصة السلام منه مخرجة في «الصحيحين» (2) عن أبي هريرة.
20 - بابٌ كم يشمَّت العاطس
638/ 4869 - عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «سَمِّت
أخاك ثلاثًا، فما زاد فهو زُكام» (3).
_________
(1) إنما الذي روي بهذا الطريق هو الجزء الأخير من هذا الحديث ــ ولم يسقه المؤلف
هنا ــ الذي فيه عرض ذرية آدم عليه، ووهبه سنين من عمره لداود ثم جحده إياه عند
حضور أجله «فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته». أخرجه الترمذي (3076)
والحاكم (2/ 325) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم به. قال الترمذي: حديث حسن
صحيح.
(2) البخاري (3326، 6227)، ومسلم (2841).
(3) «سنن أبي داود» (5034) من طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، سعيد بن أبي
سعيد المقبُري به. وهو موقوف على أبي هريرة، وكذا أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»
(939) من رواية ابن عيينة عن ابن عجلان به موقوفًا. ورواه قوم من الثقات عن ابن
عجلان فرفعوه، كالليث بن سعد في الرواية الآتية. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم
(2376).
(3/391)
639/ 4870 - وفي رواية عن سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال ــ لا أعلمه إلا أنه رفع الحديث إلى النبي -
صلى الله عليه وسلم - ــ بمعناه (1).
قال أبو داود: رواه أبو نعيم عن موسى بن قيس عن محمد بن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2).
موسى بن قيس هذا الذي رفعه هو: موسى بن قيس الحضرمي الكوفي، ويقال له: عصفور
الجنة. قال يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به (3). وقال أبو
جعفر العُقيلي (4): يحدث بأحاديث رديَّة بواطيل، وذكر أيضًا أنه من الغلاة في
الرفض.
640/ 4871 - وعن حُميدة ــ أو عُبيدة ــ بنت عبيد بن رِفاعة الزُّرَقي، عن أبيها،
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُسَمَّتُ العاطس ثلاثًا، فإن شئت
فسَمِّتْه، وإن شئتَ فكُفَّ» (5).
هذا مرسل. عبيد بن رفاعة ليست له صحبة، فأما أبوه وجده فلهما صحبة.
_________
(1) «سنن أبي داود» (5035) من طريق الليث عن ابن عجلان به.
(2) من هذا الطريق الذي ذكره أبو داود أخرجه الطبراني في «الدعاء» (1998)، إلا أنه
تحرف فيه «موسى بن قيس الحضرمي» إلى «موسى بن موسى الأنصاري».
(3) انظر: «الجرح والتعديل» (8/ 158).
(4) «الضعفاء» (5/ 450 - 452).
(5) «سنن أبي داود» (5036).
(3/392)
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم (1): سمعت أبي
يقول: عبيد بن رفاعة ليست له صحبة. وذكره البخاري في «تاريخه» (2) فقال: روى عن
أبيه.
وقال أبو القاسم البغوي (3): يقال: إنه أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وولد
على عهده.
وفي إسناده: يزيد بن عبد الرحمن، وهو أبو خالد المعروف بالدَّالاني، وقد تقدم
الاختلاف في الاحتجاج به.
641/ 4872 - وعن إياس بن سَلَمة بن الأكْوَع، عن أبيه - رضي الله عنه - أن رجلًا
عطس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: «يرحمك الله»، ثم عطس فقال النبي -
صلى الله عليه وسلم -: «الرجل مزكوم».
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (4).
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا لفظ أبي داود، ولفظ مسلم: «ثم عطس أخرى ... ».
ولفظ النسائي (5): ثم عطس الثانية، فقال: «إنه مزكوم».
وأما ابن ماجه فلفظه: «يشمت العاطس ثلاثًا فما زاد فهو مزكوم»، رواه
_________
(1) في «الجرح والتعديل» (5/ 406)، وانظر أيضًا «المراسيل» له (ص 135).
(2) (5/ 447).
(3) لم أجده في الموجود من «معجم الصحابة» له، وبمثله قال أبو نعيم في «معرفة
الصحابة» (4/ 1902).
(4) أبو داود (5037)، ومسلم (2993)، والترمذي (2743)، والنسائي في «الكبرى»
(9980)، وابن ماجه (3714).
(5) في الأصل: «مسلم» سهو أو سبق قلم، وقد سبق لفظ مسلم والآتي لفظ النسائي.
(3/393)
عن علي بن محمد، حدثنا وكيع، عن عكرمة بن
عمار، عن إياس بن سلمة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1). وهذا يوافق
رواية أبي هريرة، وعبيد بن رفاعة في حدّ ذلك بالثلاث.
وأما الترمذي فلفظه فيه: عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: عطس رجل عند النبي - صلى
الله عليه وسلم -، وأنا شاهد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يرحمك
الله»، ثم عطس الثانية أو الثالثة (2)، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«هذا رجل مزكوم». رواه من حديث سويد عن ابن المبارك عن عكرمة بن عمار. ثم قال:
حدثنا محمد بن بشّار حدثنا يحيى بن سعيد (3) حدثنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة
عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه إلا أنه قال له في الثالثة: «إنك
مزكوم». قال الترمذي: وهذا أصح من حديث ابن المبارك، وقد روى شعبة عن عكرمة بن
عمار هذا الحديث نحو رواية يحيى بن سعيد.
21 - باب فيمن عطس ولم يحمد الله
642/ 4874 - عن أنس - رضي الله عنه - قال: عطس رجلان عند النبي - صلى الله عليه
وسلم - فشمَّتَ أحدَهما وترك الآخرَ، قال: فقيل: يا رسول الله، رجلان عَطَسَا
فَشَمَّتَّ أحدهما ــ قال أحمد (وهو ابن يونس): فَسَمَّتَّ أحدهما ــ وتركت الآخر؟
فقال: «إنَّ هذا
_________
(1) رواته ثقات، ولكن متنه مخالف لسائر الروايات عن عكرمة بن عمّار في تكرار التشميت
وفي جعله كله من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -. انظر: «الفتح» (10/ 605).
(2) «أو الثالثة» ليس في نسخة الكروخي الخطية، ولا في النسخة التي كانت عند الحافظ
ابن حجر كما في «الفتح» (10/ 605)، وأشار محقق ط. دار الصديق أن في بعض النسخ
الخطية زيادة: «والثالثة»، وكذلك عند المؤلف في «زاد المعاد» (2/ 402).
(3) تحرّف الإسناد في ط. الفقي إلى: «محمد بن يسار، عن يحيى بن يسار، عن يحيى بن
سعيد»!
(3/394)
حَمِدَ الله، وإنَّ هذا لم يحمَد الله».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد تقدم (2) حديث أبي هريرة وفيه: «فإذا عطس أحدكم
وحمد الله كان حقًّا على كلّ مسلم سمعه أن يقول: يرحمك الله».
وترجم الترمذي على حديث أنس: «باب ما جاء في إيجاب التشميت بحمد العاطس»، وهذا يدل
على أنه واجب عنده، وهو الصواب للأحاديث الصريحة والظاهرة في الوجوب من غير معارض
والله أعلم:
فمنها: حديث أبي هريرة، وقد تقدم.
ومنها: حديثه الآخر: «خمس تجب للمسلم على أخيه»، وقد تقدم.
ومنها: حديث سالم بن عبيد، وفيه: «وليقل له من عنده: يرحمك الله» (3).
ومنها: ما رواه الترمذي (4)
عن علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «للمسلم
_________
(1) أبو داود (5039)، والبخاري (6221، 6225)، ومسلم (2991)، والترمذي (2742).
(2) لم يتقدم معنا، فلعل المؤلف كان قد ذكره في التعليق على بعض الأحاديث ففات
المجرِّد نقله. وهو مخرّج في البخاري (6226).
(3) أخرجه أحمد (23852)، وأبو داود (5031)، والترمذي (2740)، والنسائي في «الكبرى»
(9982 - 9988)، وابن حبان (599)، والحاكم (4/ 267)، وفي إسناده اختلاف واضطراب
وجهالة، وقد تقدّم في باب ما جاء في تشميت العاطس (ص 388 - 390).
(4) برقم (2736)، وأخرجه أحمد (673)، والدارمي (2675)، وابن ماجه (1433) كلهم من
طريق أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن علي.
والحارث يضعّف في الحديث على كثرة ملازمته لعلي وسعة روايته عنه، وحسّن الترمذي
حديثه هذا لما له من الشواهد.
(3/395)
على المسلم ست بالمعروف: يُسلّم عليه إذا
لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمّته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات،
ويحب له ما يحب لنفسه». قال هذا حديث حسن، قد روي من غير وجه عن النبي - صلى الله
عليه وسلم -، وقد تكلم بعضهم في الحارث الأعور، وفي الباب عن أبي هريرة، وأبي
أيوب، والبراء، وأبي مسعود.
ومنها: ما رواه الترمذي (1) عن أبي أيوب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله (2) على كل حال، وليقل الذي يرد عليه: يرحمك
الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم».
فهذه أربع طرق من الدلالة: أحدها: التصريح بثبوت وجوب التشميت بلفظه الصريح الذي
لا يحتمل تأويلًا.
الثاني: إيجابه بلفظ الحق.
الثالث: إيجابه بلفظة «على» الظاهرة في الوجوب.
_________
(1) برقم (2741)، وأخرجه أيضًا أحمد (23557)، والنسائي في «الكبرى» (9970)،
والحاكم (4/ 266)، كلهم من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن
أبيه عبد الرحمن عن أبي أيوب.
وأعله الترمذي والنسائي والدارقطني في «العلل» (403) والحاكم بمحمد بن عبد الرحمن
بن أبي ليلى فإنه سيئ الحفظ وقد اضطرب في إسناده فتارة يقول: عن أبي أيوب عن النبي
- صلى الله عليه وسلم -، وتارة يقول: عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2) بعده في الأصل و (هـ) والطبعتين: «وليقل»، وهي مقحمة تفسد السياق.
(3/396)
الرابع: الأمر به.
ولا ريب في إثبات واجبات كثيرة بدون هذه الطرق، والله تعالى أعلم.
22 - باب ما يقول إذا أصبح وأمسى
643/ 4903 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
كان يقول إذا أصبح: «اللهم بكَ أصْبَحنا، وبك أمسينا، وبك نَحْيَا وبك نموتُ،
وإليك النشور. وإذا أمسَى قال: اللهم بك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك
النشور».
وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (1)، وحسنّه.
قال ابن القيم - رحمه الله -: [لفظ الترمذي: عن أبي هريرة: كان النبي - صلى الله
عليه وسلم - يعلِّم أصحابه يقول: «إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا وبك
أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير، وإذا أمسى فليقل: اللهم بك أمسينا وبك
أصبحنا (2) وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور». وقال: حسن صحيح (3). وإسناده على شرط
مسلم، رواه جماعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة] (4).
ولفظ النسائي فيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول إذا أصبح: «اللهم بك
_________
(1) أبو داود (5068)، والترمذي (3391)، والنسائي في «الكبرى» (9752، 10323)، وابن
ماجه (3868).
(2) «وبك أصبحنا» سقط من (هـ)، وواستُدرك من «الجامع».
(3) الذي في «جامع الترمذي» المطبوع، ونسخة الكروخي الخطية، و «تحفة الأشراف» (9/
408): «حسن» فقط.
(4) ما بين الحاصرتين من (هـ)، ولم يذكره المجرّد ولا أشار إليه.
(3/397)
أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت،
وإليك النشور» فقط (1).
ورواه أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» (2) وقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان
يقول إذا أصبح: «اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، [ق 268] وبك نحيا، وبك نموت، وإليك
النشور»، وإذا أمسى قال: «اللهم بك أمسينا، وبك أصبحنا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك
المصير».
فرواية أبي داود فيها «النشور» في المساء والصباح (3).
ورواية الترمذي فيها «النشور» في المساء و «المصير» في الصباح.
ورواية ابن حبان فيها «النشور» في الصباح و «المصير» في المساء (4)،
_________
(1) هذا في الموضع الأول في «الكبرى» برقم (9752)، وفي الموضع الثاني (10323) أتم
منه بذكر ما كان يقوله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمسى.
(2) (965 - الإحسان) ولكن سقط منه ذكر المساء، وهو ثابت في «التقاسيم والأنواع»
(6586) و «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» (2354)، وذِكر الصباح فيهما بلفظ:
«وإليك المصير وإليك النشور» بالجمع بينهما، وفي «الإحسان»: «وإليك المصير» فقط،
ولعله بسبب انتقال النظر إلى آخِر ذِكر المساء ولذا سقط ذكر المساء منه، وأما
الجمع بينهما فأخشى أن يكون الأول كان عليه علامة الضرب أو كتب في الهامش إشارة
إلى أنه في بعض النسخ فأقحمه الناسخ في المتن.
(3) هكذا كتبه ناسخ الأصل أوّلًا وهو الصواب، ثم غيّر واو العطف إلى «في» وزاد في
الهامش: «والمصير» فصارت العبارة كما في الطبعتين: «و (المصير) في الصباح»، وهو
خطأ مخالف لرواية أبي داود. وفي (هـ) على الصواب ولكن بتقديم وتأخير: «في الصباح
والمساء».
(4) وهكذا أيضًا رواية البخاري في «الأدب المفرد» (1199)، والنسائي في «الكبرى»،
في الموضع الثاني.
(3/398)
وهي أولى الروايات أن تكون محفوظة، لأن
الصباح والانتباه من النوم بمنزلة النشور وهو الحياة بعد الموت، والمساء والصيرورة
إلى النوم بمنزلة الموت والمصير إلى الله. ولهذا جعل سبحانه النومَ (1) والانتباهَ
بعده دليلًا على البعث والنشور، لأن النوم أخو الموت، والانتباه نشور وحياة؛ قال
تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ
مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [الروم: 23].
ويدل عليه أيضًا ما رواه البخاري في «صحيحه» (2) عن حذيفة أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - كان إذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه
النشور».
644/ 4912 - وعن أبي عَيَّاش - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- قال: «مَن قال إذا أصبحَ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد،
وهو على كل شيء قدير، كان له عَدْلُ رقبةٍ مِن وَلَدِ إسماعيل، وكُتِبَ له عَشرُ
حسنات، وحُطَّ عنه عشرُ سيئاتٍ، ورُفع له عشر درجات، وكان في حِرزٍ من الشيطان حتى
يُمسي، وإن قالها إذا أمسى كان له مثلُ ذلك حتى يصبح».
قال في حديث حماد بن سلمة: فرأى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرى
النائم، فقال: يا رسول الله، إن أبا عَيَّاش يُحَدِّثُ عنك بكذا وكذا؟ قال:
«صَدَقَ أبو عياش» (3).
_________
(1) كتب الناسخ أوّلًا «الموت» ثم صححه في الهامش بما هو مثبت، وفي ط. الفقي: «جعل
الله سبحانه في النوم الموت»!
(2) برقم (6312)، وأخرجه مسلم (2711) أيضًا.
(3) «سنن أبي داود» (5077) من طريق حمّاد بن سلمة ووهيب، كلاهما عن سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، ثم اختلفا فقال وهيب: «عن ابن أبي عائش»، وقال حمّاد: «عن أبي
عيّاش».
(3/399)
قال أبو داود: رواه إسماعيل بن جعفر عن سهيل
عن أبيه عن ابن عائش.
وقال الخطيب: عند القاضي أبو عمر الهاشمي (1) ــ يريد شيخَه ــ: «عن ابن أبي
عائش»، وكذا عند غيره.
وأخرجه النسائي وابن ماجه (2)، وفي حديثهما: عن أبي عياش الزُّرَقي. واسمه زيد بن
الصامت، وقيل: غير ذلك.
وقال أبو أحمد الكرابيسي (3): «له صحبة» وذكر له هذا الحديث، وقال: «وليس حديثه من
وجه صحيح» (4).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أخرجا في «الصحيحين» (5) عن أبي أيوب
_________
(1) هو القاضي مسند العراق القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي العبّاسي (ت 414)،
روى «السنن» عن أبي علي اللؤلؤي عن أبي داود، قال الخطيب في «التاريخ» (14/ 462):
سمعت منه «سنن أبي داود» بالبصرة. ورواية المنذري «للسنن» من طريق الخطيب.
(2) النسائي في «الكبرى» (9771)، وابن ماجه (3867)، كلاهما من طريق حمّاد بن سلمة
به.
(3) هو أبو أحمد الحاكم الكبير (ت 378)، وكتابه «الأسامي والكنى» لم يصلنا كاملًا،
وليس «أبو عيّاش» في القدر المطبوع.
(4) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وفيه اختصار من المؤلف عمّا في «المختصر».
(5) البخاري (6404)، ومسلم (2693)، ولفظ البخاري: «كمن أعتق رقبةً من ولد إسماعيل»
وسيأتي، ولفظ مسلم: «أربعة أنفس» لا «عشرة أنفس» على ما ذكره المؤلف، وإنما جاء
ذلك من طرق أخرى للحديث عند أحمد (23516، 23546، 23567)، والنسائي في «الكبرى»
(9768)، وغيرهما.
(3/400)
الأنصاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل
شيء قدير، عشر مرات كان كمن أعتق عشرة أنفس من ولد إسماعيل». وقال البخاري: «رقبة
من ولد إسماعيل» رواه تعليقًا (1).
وفي «الصحيحين» (2) عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من
قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير،
في يوم مائةَ مرةٍ كانت له عَدل عشر رقاب، وكتبت له مائةٌ حسنة، ومحيت عنه مائة
سيئة، وكانت له حِرزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء
به إلا رجل عمل أكثر من ذلك، ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حُطّت
خطاياه وإن كانت مثلَ زبد البحر».
فهذا الحديث يدل على أن كلَّ رقبة يعدلها عشرُ مرات تهليلًا، وهو يوافق رواية
البخاري في الحديث الذي قبله. وحديث أبي عيّاش (3) يدل على أن كل مرة برقبة،
ويوافقه حديث أبي أيوب الذي رواه مسلم (4)، ولكن حديث أبي أيوب قد اختَلَف فيه
البخاري ومسلم كما ذكرناه. وحديث أبي هريرة صريح بأن المائة مرّةً تعدل عشر رقاب
ولم يُختلف فيه، فيترجح من هذا الوجه على خبر أبي أيوب، وتترجح رواية مسلم في حديث
أبي أيوب
_________
(1) بل هو موصول، ولكن حصل في رواية أبي ذر للبخاري تقديم وتأخير بين الأسانيد،
فتأخر هذا الإسناد الموصول عن بعض الروايات المعلّقة مما أوهم أنه معلّق أيضًا.
انظر: «الفتح» (11/ 202 - 203).
(2) البخاري (6403، 6405)، ومسلم (2691).
(3) ط. الفقي هنا وفي الموضعين الآتيين: «ابن عباس»، تحريف.
(4) سبق التنبيه على أن لفظ مسلم: «أربعة أنفس» لا «عشرة».
(3/401)
بحديث أبي عيّاش المتقدم، فقد تقابل
الترجيحان.
وقد يقال: خبر أبي عيّاش قد تكلِّم فيه وأنه لا يصح، وخبر أبي أيوب قد اختلف في
لفظه، وخبر أبي هريرة صحيح لا علة فيه ولا اختلاف فوجب تقديمه، والله أعلم.
وقد روى الترمذي (1) من حديث زيد بن أبي أنيسة [عن شَهر بن حَوشب] عن عبد الرحمن
بن غَنْم عن أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قال في دبر صلاة
الفجر وهو ثان رجلَيه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك
وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتبت (2) له عشر حسنات،
ومُحي عنه عشرُ سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك كله في حِرزٍ من كلّ
مكروه وحرس من الشيطان، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه ذلك اليوم إلا الشرك بالله». قال:
هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وأما الحديث الذي رواه الترمذي في «جامعه» عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن
جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من دخل السوق فقال: لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير
وهو على كل شيء قدير، كُتب له ألفُ ألفِ حسنة، ومحي عنه ألفُ ألفِ سيئة، ورُفع له
ألفُ ألفِ درجة» = فهو حديث معلول لا يثبت مثله. وذكر له الترمذي طرقًا:
_________
(1) برقم (3474)، وما بين الحاصرتين مستدرك منه. وهو ضعيف لاضطراب شهر بن حوشب في
إسناده. انظر: «العلل» للدارقطني (966).
(2) في الطبعتين: «كتب» خلافًا للأصل ولفظ الترمذي.
(3/402)
أحدها: أحمد بن منيع: حدثنا يزيد بن هارون،
أخبرنا أزهر بن سنان، حدثنا محمد بن واسع قال: قدمت مكة فلقيني أخي سالم بن عبد
الله بن عمر، فحدثني عن أبيه عن جده: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... »
فذكره، وقال هذا حديث غريب (1).
والثاني: رواه عمرو بن دينار قَهْرَمان آل الزبير (2) عن سالم نحوه. قال الترمذي
(3): حدثنا أحمد بن عبدة (4)، حدثنا حماد بن زيد والمعتمر بن سليمان قالا: حدثنا
عمرو بن دينار ــ وهو قَهْرَمان آل الزبير ــ عن سالم عن أبيه عن جده وقال: «وبُني
له بيت في الجنة» ولم يقل «ألف ألف درجة».
والثالث: رواه يحيى بن سليم الطائفي عن عمران بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن
عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكر عمر. ذكره الترمذي (5) تعليقًا عن
يحيى.
فأما الطريق الأولى فهي أمثل طرقه، وأزهر بن سنان لا بأس به، وقد
_________
(1) «جامع الترمذي» (3428)، وأخرجه أيضًا الدارمي (2734)، والحاكم (1/ 538)،
والضياء في «المختارة» (1/ 297، 298)، كلهم من طريق أزهر بن سنان به.
(2) «القَهْرَمان» هو القائم بأمور الرجل كالوكيل ونحوه، ولذا يقال لعمرو بن دينار
هذا «وكيل آل الزبير» أيضًا، وهو مجمع على ضعفه. انظر: «الجرح والتعديل» (6/ 232)،
و «لسان العرب» (قهرم).
(3) في «جامعه» (3429). وأخرجه من هذا الطريق أيضًا أحمد (327)، وابن ماجه (2235).
(4) بعده في الأصل: «حماد بن عبدة» سهو من الناسخ.
(5) عقب الحديث (3429)، ووصله في «العلل الكبير» (ص 363)، وأخرجه أيضًا البزار
(6140)، والحاكم (1/ 539).
(3/403)
تكلم فيه بعض الأئمة (1)، وقد ذكر حديثه هذا
الحافظ أبو عبد الله المقدسي في «المختارة».
وأما [ق 269] الطريق الثانية: ففيها عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، قال البخاري
في «التاريخ» (2): فيه نظر. وذكر هذا الإسناد بعينه ولم يذكر له متنًا فقال: قال
موسى بن عبد الرحمن: حدثنا زيد بن حُباب (3)، حدثنا سعيد بن زيد عن عمرو بن دينار
مولى الأنصار عن سالم عن أبيه عن عمر.
وقال الترمذي (4): تكلم فيه بعض أصحاب الحديث وقد روى عن سالم أحاديث لا يتابع
عليها.
وأما الطريق الثالثة: ففيها عمران بن مسلم، وليس هو عمران بن مسلم القَصِير فإن
ذاك من رجال الصحيح، وهذا منكر الحديث، قاله البخاري وغيره (5). وقد قيل: إنه
القصير (6)، والله أعلم.
_________
(1) قال ابن عدي: أرجو أن لا يكون به بأس، ولكن ضعَّفه ابن معين وابن المديني
جدًّا. انظر: «تهذيب التهذيب» (1/ 203).
(2) (6/ 329).
(3) في الطبعتين: «خباب» بالخاء المعجمة، خطأ.
(4) عقب الحديث.
(5) انظر: «العلل الكبير» للترمذي (ص 363)، و «التاريخ الكبير» (6/ 419)، و «الجرح
والتعديل» (6/ 305).
(6) قاله ابن أبي حاتم والدارقطني، وجعلا الحمل فيه على يحيى بن سليم حيث رواه عن
عمران فقلب اسم «عمرو بن دينار» إلى «عبد الله بن دينار» وأسقط سالمًا من الإسناد،
وغير يحيى يرويه عن عمران عن عمرو بن دينار عن سالم به على الصواب. انظر: «العلل»
لابن أبي حاتم (2038) وللدارقطني (2812).
(3/404)
23 - باب في الصبي يولد فيؤذَّن في أذنه
645/ 4944 - وعن أم حميد، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال لي رسولُ الله -
صلى الله عليه وسلم -: «هَل رُئِيَ ــ أو كلمةً غيرها ــ فِيكُم المُغَرِّبُون؟»
قلت: وما المغربون؟ قال: «الذين يشتركُ فيهم الجِنُّ» (1).
أم حميد لم تُنسب، ولم يُعرف اسمها. والمُغرِّبون معناه: جاءوا من نسبٍ بعيد
لانقطاعهم عن أصولهم وبُعد نسبهم، ومنه سمّي الغريب لبُعده وانقطاعه عن وطنه وأهله
(2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد تكلّم في نكاح الجن للإنس الإمام أحمد وغيره
(3)، والكلام فيه في أمرين: في وقوعه، وفي حكمه.
أما وقوعه فهذا الحديث يدل عليه، وقد جرى ذلك كثيرًا.
وأما حكمه فمنع منه أحمد، ذكره القاضي أبو يعلى.
24 - في الوسوسة
646/ 4947 - عن أبي زُمَيل قال: سألتُ ابن عباس فقلت: ما شيءٌ أجده في صدري؟ قال:
ما هو؟ قلت: واللهِ لا أتكلَّم به، قال: فقال لي: أشيء من شَكٍّ؟ قال: وضحك، قال:
ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله عز وجل: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ}
الآية [يونس: 94]، قال: فقال لي: فإذا وجدتَ في نفسك شيئًا فقل: {هُوَ الْأَوَّلُ
وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]
(4).
_________
(1) «سنن أبي داود» (5107)، وإسناده ضعيف لجهالة حال أم حميد.
(2) كلام المنذري من (هـ)، وفيه اختصار وتصرف من المؤلف.
(3) انظر: «الفروع» (2/ 462).
(4) «سنن أبي داود» (5110). قال النووي في «الأذكار»: إسناده جيّد، واستنكر الحافظ
ابن حجر متنه في «نتائج الأفكار» (4/ 137) لأنه يخالف ما صحَّ عن ابن عباس من غير
وجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشكّ ولم يسأل. قلتُ: وفي هذا الاستنكار
نظر، إذ الحديث ليس صريحًا في مخالفة ذلك.
(3/405)
أبو زُميل هو سِماك بن الوليد الحنفي، وقد
احتج به مسلم.
647/ 4948 - وعن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: جاءه أُناسٌ من أصحابه فقالوا:
يا رسول الله، نَجِد في أنفسنا الشيءَ نُعظِمُ أن نتكلَّم به ــ أو الكلامَ به ــ،
ما نُحبُّ أنَّ لنا وأنَّا تكلمنا به، قال: «أَوَقَد وجدْتُمُوهُ؟» قالوا: نعم،
قال: «ذاكَ صَريح الإيمان».
وأخرجه مسلم والنسائي (1).
648/ 4949 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله
عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن أحدَنا يَجِدُ في نفسه ــ يُعَرِّضُ بالشيء ــ
لأَن يكونَ حُمَمَةً أحبُّ إليه من أن يتكلم به، فقال: «الله أكبر! الله أكبر!
الحمد لله الذي ردَّ كَيْدَه إلى الوسوسة». قال ابن قدامة ــ وهو محمد ــ: «رد
أمره» مكان «ردَّ كيده».
وأخرجه النسائي (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: في «الصحيحين» (3): «إن الله تجاوز لأمتي عمّا حدثت
به أنفسها، ما لم يتكلموا أو يعملوا به».
_________
(1) أبو داود (5111)، ومسلم (132)، والنسائي في «الكبرى» (10426).
(2) أبو داود (5112)، والنسائي في «الكبرى» (10435).
وصححه ابن حبان (147)، واختاره الضياء (11/ 83 - 86)، وقال العراقي في «تخريج
الإحياء» (2/ 935): إسناده جيّد.
(3) البخاري (2528، 5269، 6664) ومسلم (127) من حديث أبي هريرة.
(3/406)
25 - في التفاخر
بالأحساب
649/ 4953 - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله عز
وجل قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية وفخرَها بالآباء؛ مؤمِنٌ تقِيٌّ، وفاجرٌ
شَقي، أنتم بنو آدمَ وآدمُ من تراب، لَيَدَعَنَّ رجالٌ فَخْرَهم بأقوامٍ إنما هم
فحمٌ من فحم جهنم، أو لَيَكُونُنَّ أهوَنَ على الله من الجُعْلان التي تَدْفَعُ
بأَنْفِها النَّتن».
وأخرجه الترمذي (1)، وقال: حسن صحيح.
قوله: «عُبِّيَّة الجاهلية» بضم العين المهملة وكسرها. قال الخطابي (2): «العبية
الكبر والنَّخْوة، وأصله من العِبْء، وهو الثقل». وأنكر بعضهم أن يكون من العبء.
وقال غيره (3): إن كانت بالضم فهي من التعبئة، لأن المتكبر ذو تكلف وتعبئة بخلاف
من يسترسل على سَجيَّته، وإن كانت بالكسر فهو من عُباب الماء، وهو زخيره وارتفاعه.
وقوله: «مؤمن تقي، وفاجر شقي» معناه: أن الناس رجلان: مؤمن تقي، فهو الخيّر الفاضل
وإن لم يكن حسيبًا؛ وفاجر شقي، فهو الدنيّ وإن كان في أصله شريفًا رفيعًا.
الفحْم معروف ــ الواحدة: فحمة ــ، وقد يحرَّك مثل: نهْر ونهَر. ويقال أيضًا
للفحم: فُحَيم.
الأنف للإنسان وغيره، والجمع: آنُف، وأنوف، وآناف.
الجُعَل: دُويبة معروفة، وجمعها: جُعلان (4).
_________
(1) أبو داود (5116)، والترمذي (3955).
(2) في «معالم السنن» (8/ 15).
(3) كالزمخشري في «الفائق» (عبب).
(4) لم يعيّن المجرّد القدر الذي نقله المؤلف من كلام المنذري، فرأيت إثباته كلَّه
من مخطوطة «المختصر» (النسخة البريطانية)، وفي النسخة المطبوعة (8/ 16) بعض النقص
مع تقديم وتأخير في شرح الغريب على خلاف ترتيبها في الحديث.
(3/407)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أخرج
الترمذي (1) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - خطب الناس يوم فتح مكة فقال: «يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم
عُبِّيَّة الجاهلية وتعاظُمَها بآبائها، فالناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله،
وفاجر شقي هيّن على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله تعالى:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]».
قال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث عبد الله بن دينار إلا من هذا الوجه، وعبد
الله بن جعفر ــ والد علي ــ يُضعّف، ضعفه يحيى وغيره (2).
وفي الترمذي (3)
أيضًا من حديث الحسن عن سمرة يرفعه: «الحسب
_________
(1) برقم (3270) من طريق عبد الله بن جعفر (والد علي ابن المديني)، عن عبد الله بن
دينار به.
(2) ولكنه توبع، تابعه الإمام الثقة موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار به. أخرجه
ابن حبان (3828).
(3) برقم (3271)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (4219)، والحاكم (2/ 163)، كلهم من طريق
سلَّام بن أبي مطيع عن قتادة عن الحسن به. ولإسناده علّتان:
الأولى: أن سلّام بن أبي مطيع، وإن كان ثقة من رجال الصحيحين، إلا أنه ليس بمستقيم
في قتادة خاصة، ينفرد عنه بأشياء لا يُتابع عليها، وهذا منها، وقد قال الترمذي:
«حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سلَّام بن أبي مطيع». وانظر: «الكامل»
(3/ 308).
الثانية: الخلاف في سماع الحسن من سمرة، وقد تقدم الكلام فيه.
(3/408)
المال، والكرم التقوى». قال: هذا حديث حسن
صحيح غريب.
26 - باب إخبار الرجل بمحبته
650/ 4961 - عن حبيب بن عبيد ــ وهو الرَّحَبِي الشامي ــ عن المِقدام بن معديْكَرب
وقد كان أدركه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أحَبَّ الرجلُ أخاه
فليُخبِرْه أنه يحبُّه».
وأخرجه النسائي والترمذي (1)، وقال: حسن صحيح غريب. آخر كلامه.
وقد روي من حديث أبي سعيد الخدري (2)، وفيه مقال.
ورواه منصور بن المعتمر، عن عبد الله بن مرّة، عن عبد الله بن عمر (3).
وقد
_________
(1) أبو داود (5124)، والترمذي (2392)، والنسائي في «الكبرى» (9963)، وأخرجه أيضًا
البخاري في «الأدب المفرد» (542)، وابن حبان (570)، والحاكم (4/ 171).
(2) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (766) والذهبي في «معجم شيوخه» (2/ 379)،
وقال: «إسناده صالح». وفي إسناده كثير بن زيد الأسلمي، وهو صدوق فيه لين كما قال
أبو زرعة، وقال الإمام أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال أبو حاتم: صالح ليس بالقوى
يكتب حديثه، وقال النسائي: ضعيف.
(3) أخرجه الخرائطي في «اعتلال القلوب» (471)، والطبراني في «الكبير» (13/ 207)،
والبيهقي في «شعب الإيمان» (8595)، كلهم من طريق عبد الله الحَجَبي عن أبي عوانة
عن منصور به.
ظاهر إسناده الصحة، ولكنه معلول، أخطأ فيه الحجبي فقلب إسناده، وقد أخبر هو بذلك
ــ كما في «اعتلال القلوب» (472) ــ وذكر أن الصواب عن أبي عوانة عن أبي بَلْجٍ عن
عمرو بن ميمون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا.
(3/409)
روي عن ابن عمر من وجوه، هذا أصحُّها، وهو
على شرط «الصحيحين» ولم يُخرجاه. وأخرجا (1) بإسناده حديثًا في النذور، وهو ما
رواه منصور عن عبد الله مرّة عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى
عن النذر وقال: «إنه لا يردُّ شيئًا، ولكنه يُستخرج به من البخيل» (2).
651/ 4962 - وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلًا كان عند النبي - صلى الله
عليه وسلم -، فمرَّ به رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إني لأحِبُّ هذا، فقال له النبي
- صلى الله عليه وسلم -: «أَعلَمْتَه؟» قال: لا، قال: «أَعلِمْه»، قال: فلحِقَه
فقال: إنِّي أحبُّك في الله، فقال: أحبَّك الذي أحببتَني له (3).
فيه المبارك بن فَضالة أبو فضالة القرشي العدوي مولاهم البصري، وثقه عفان، واستشهد
به البخاري، وضعَّفه الإمام أحمد وابن معين والنسائي، وتكلم فيه غيرهم (4).
_________
(1) البخاري (6608) ومسلم (1639/ 2، 4).
(2) الكلام السابق مثبت من (هـ)، أصله للمنذري في «المختصر» (8/ 22 - 23)، وقد
تصرّف فيه المؤلف وزاد نص الحديث في النذر الذي كان المنذري أشار إليه نقلًا عن
أبي الفضل المقدسي أنه مخرَّج في «الصحيحين» بالإسناد المذكور.
(3) «سنن أبي داود» (5125) من طريق مبارك بن فَضالة، عن ثابت، عن أنس.
ومبارك فيه لين، ولكن تابعه عليه الحسين بن واقد عند أحمد (12430) وابن حبان
(571). وخالفهما حمّاد بن سلمة فرواه عن ثابت عن حبيب بن أبي سُبَيعة عن الحارث عن
رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. أخرجه النسائي في «الكبرى» (9940،
9941). ورواية حمّاد هي الصحيحة، كما قال أبو حاتم والنسائي والدارقطني، وأما غير
حمّاد فوهم ولزم الطريق المشهورة: ثابت عن أنس. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم
(2237) وللدارقطني (2361).
(4) انظر: «تهذيب التهذيب» (10/ 28 - 31).
(3/410)
قال ابن القيم - رحمه الله - (1): أخرج
الترمذي (2) عن يزيد بن نَعامة الضبّي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«إذا آخى الرجلُ الرجلَ فليسألْه عن اسمِه واسمِ أبيه وممن هو، فإنه أَوصَل
للمودة». قال: هذا حديث غريب (3).
652/ 4963 - وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله، الرجلُ يحبُّ
القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم، قال: «أنت يا أبا ذر مع من أحببت»، قال: فإني
أحبُّ الله ورسوله، قال: «فإنك مع من أحببت»، قال: فأعادها أبو ذر، فأعادها رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - (4).
وفي «الصحيحين» (5) عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: جاء رجلٌ إلى رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجلٍ أحبَّ قومًا
ولمَّا يلحق بهم؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المرءُ مع مَن أحبَّ».