النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
صلى الله عليه وسلم - إذا قام من مجلس يُكثر أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا
إله إلا أنت ... » وساق الحديث. ذكره النسائي (5).
_________
(1) في الأصل: «حتى» تصحيف، وهو على الصواب في (هـ).
(2) (1/ 496 - 497) من طريق يحيى بن عبد الله بن بُكَير، عن الليث به.
(3) في «الكبرى» (10158).
(4) رسمه غير محرّر في الأصل، وفي الطبعتين: «شعبة»، خطأ، وسيأتي على الصواب في
السطر التالي. وشعيب هو ابن الليث بن سعد، ثقة، إمام ابن إمام (ت 199).
(5) «الكبرى» (10159)، وكذا رواه عبد الله بن وهب، عن الليث وعن عمرو بن الحارث،
كلاهما عن يحيى بن سعيد به. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (2568).
(3/360)
ورواه من حديث خالد بن أبي عمران عن عروة عن
عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جلس مجلسًا، أو صلى صلاةً
تكلم بكلمات، فسألتُ عائشة عن الكلمات فقالت (1): إن تكلّم بخير كان طابعًا عليهن
إلى يوم القيامة، وإن تكلم بغير ذلك كان كفّارة له: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله
إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك». رواه (2) عن أبي بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو سلمة
الخُزاعي، [عن خلّاد بن سليمان]، عن خالد به.
ورواه في «الكبير» (3) من حديث خالد بن أبي عمران أيضًا عن عروة عن عائشة قالت: ما
جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسًا قطّ، ولا تلا قرآنًا ولا صلّى إلا
ختم ذلك بكلمات، [قالت: فقلتُ: يا رسول الله، أراك ما تجلس مجلسًا، ولا تتلوا
قرآنًا، ولا تصلّي صلاةً إلّا ختمتَ بهؤلاء الكلمات؟] (4) قال: «نعم، من قال خيرًا
خُتِم له طابع على ذلك الخير، ومن قال شرًّا كنّ له كفارةً: سبحانك (5) وبحمدك، لا
إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».
_________
(1) كذا في الأصل، وفي مطبوعات «الكبرى»: «فسألتْ عائشةُ ... فقال» أي النبي - صلى
الله عليه وسلم -، ويدل عليه ما في رواية أخرى في «المجتبى» (1344) و «الكبرى»
(1268): «فسألتْه عائشة».
(2) أي النسائي في «الكبرى» (10160)، وما بين الحاصرتين مستدرك منه، وأخرجه أيضًا
أحمد (24476) عن أبي سلمة الخزاعي به، قال الحافظ في «النكت على ابن الصلاح» (2/
733): «إسناده صحيح».
(3) برقم (10067) عن محمد بن سهل بن عسكر، عن ابن أبي مريم، عن خلّاد بن سليمان
به، وهو صحيح كسابقه.
(4) ما بين الحاصرتين سقط من الأصل لانتقال النظر.
(5) في الطبعتين بعده: «اللهم»، وليس في الأصل ولا عند النسائي.
(3/361)
7 - باب الرجل
يضع إحدى رجليه على الأخرى
610/ 4698 - وعن جابر ــ وهو ابن عبد الله - رضي الله عنهما - ــ قال: نهى رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَضَع ــ وقال قتيبة: يَرْفَعَ ــ الرجلُ إحدى رجليه
على الأخرى. وزاد قتيبة: وهو مُسْتَلقٍ على ظهره.
وأخرجه مسلم (1) مختصرًا ومطولًا.
611/ 4699 - وعن عَبَّاد بن تميم، عن عمه ــ وهو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري
المازني ــ أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَلْقِيًا ــ قال
القَعْنَبي: في المسجد ــ واضعًا إحْدَى رجليه على الأخرى.
وأخرجاه والنسائي (2).
612/ 4700 - وعن سعيد بن المسيَّب أن عمر وعثمان كان يفعلان ذلك.
وذكره البخاري (3) عقب حديث عباد بن تميم فقال: وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب
قال: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك. هذا آخر كلامه.
وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر، وأدرك عثمان ولا يحفظ له عنه رواية عن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - (4).
_________
(1) أبو داود (4865)، ومسلم (2099).
(2) أبو داود (4866)، والبخاري (475، 5969، 6287)، مسلم (2100)، والنسائي (721).
(3) أبو داود (4867)، والبخاري (475) من طريق مالك عن ابن شهاب عن سعيد، وهو في
«الموطأ» (478).
(4) تخريج الأحاديث الثلاثة من (هـ)، وفيه اختصار من المؤلف عمّا في «المختصر».
وقد سبق (2/ 401 - 402) تعقيب المؤلف على تعليل المنذري لروايات سعيد عن عمر
بالانقطاع، وسيأتي أيضًا (ص 384 - 385).
(3/362)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وأما الحديث
الذي رواه الحاكم (1) عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصَّغاني، عن إبراهيم بن المنذر
الحِزامي، عن محمد بن فليح، عن أبيه، عن سعيد بن الحارث، عن عبيد بن حنين قال:
بينما أنا جالس في المسجد إذ جاءه (2) قتادة بن النعمان فجلس فتحدث فثاب إليه
أناس، ثم قال: انطلق بنا إلى أبي سعيد الخدري، فإني قد أُخبرت أنه قد اشتكى،
فانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد الخدري فوجدناه مستلقيًا واضعًا رِجله اليمنى على
اليسرى، فسلّمنا وجلسنا، فرفع قتادة يده إلى رِجل أبي سعيد الخدري فقرصها قرصةً شديدة،
فقال أبو سعيد: سبحان الله يا ابن أم أوجعتَني! قال: [ق 264] ذلك أردتُ ــ فذكر
حديث الاستلقاء ــ وقال فيه: «لا ينبغي لأحدٍ من خلقي أن يفعل مثل هذا».
فهذا الحديث له علتان (3):
_________
(1) ليس في «المستدرك»، وإنما أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (2/ 198 - 199)
عن الحاكم بالإسناد المذكور.
وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في «السنة» (580)، والخلال في «السنة» ــ ومن طريقه أبو
يعلى في «إبطال التأويلات» (179، 183) ــ، والطبراني في «الكبير» (19/ 13) ــ ومن
طريقه أبو موسى المديني في «جزء في حديث الاستلقاء» ثم من طريقه الدَّشْتي في
«إثبات الحدّ» (53) ــ، من طرق عن إبراهيم بن المنذر الحِزامي به.
(2) في (هـ) ومطبوعة «الأسماء والصفات»: «جاء»، والمثبت من الأصل موافق «للسنة»
لابن أبي عاصم، ولفظ الطبراني: «جاءني».
(3) المؤلف صادر عن البيهقي فيهما، وإلا فقد صحّح إسناده على شرط البخاري في
«اجتماع الجيوش» (ص 127). وقال ابن رجب في أثناء نقده للحديث إسنادًا ومتنًا: ومن
قال إنه على شرط الشيخين فقد أخطأ. «فتح الباري» (2/ 573 - 577).
(3/363)
إحداهما: انفراد فليح بن سليمان به، وقد قال
عباس الدُّوري (1): سمعتُ يحيى بن معين يقول: فليح بن سليمان لا يحتجّ بحديثه،
وقال في رواية عثمان الدارمي (2): فليح بن سليمان ضعيف. وقال النسائي (3): ليس
بالقوي (4).
العلة الثانية: أنه حديث منقطع، فإن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر وصلّى عليه
عمر (5)، وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة، وله خمس وسبعون سنة في قول الواقديّ
وابن بكير (6)، فتكون روايته عن قتادة بن النعمان منقطعة، والله أعلم.
8 - باب مَن ردّ عن مسلم غيبة
613/ 4716 - وعن جابر بن عبد الله، وأبي طلحة بن سهل الأنصاري
_________
(1) «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (3/ 258)، وأسنده عنه البيهقي في «الأسماء
والصفات» (2/ 199).
(2) (ص 190)، وعنه البيهقي في «الأسماء والصفات» (2/ 200).
(3) في «الضعفاء والمتروكين» (ص 226).
(4) وكذا قال أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (7/ 85)، ومع ذلك فقد أخرج له
البخاري في «صحيحه» في مواضع، ومسلم في المتابعات.
(5) وذلك في سنة ثلاث وعشرين. انظر: «معجم الصحابة» للبغوي (4/ 205)، و «معرفة
الصحابة» لأبي نعيم (4/ 2338)، و «الاستيعاب» (3/ 1276).
(6) كذا نقله المزِّي عنهما في «تهذيب الكمال» (5/ 72). والذي نقله ابن سعد في
«الطبقات» (7/ 281) عن الواقدي أنه توفي وهو ابن خمس وتسعين سنة، وكذا في بعض نسخ
«الثقات» لابن حبان (5/ 133)، وصوّبه الحافظ في «تهذيب التهذيب» (7/ 63). وهذا
يعني أنه ولد سنة عشر من الهجرة، ويكون عمره حين توفي قتادة بن النعمان ثلاث عشرة
سنة، ثم إن لفظ الحديث صريح ــ إن كان فليح ضبطه ــ أنه انطلق مع قتادة إلى أبي
سعيد الخدري.
(3/364)
قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-: «ما من امرئ يَخذُل امرأً مُسلمًا في موضع تُنْتَهك فيه حرمتُه ويُنتقَص فيه من
عِرضه إلا خذله الله في مَوطنٍ يُحبُّ فيه نصرتَه، وما من امرئ ينصر مسلمًا في
موضع يُنتَقص فيه من عِرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب
نُصرتَه» (1).
614/ 4717 - وعن أبي عبد الله الجُشَمي، عن جُنْدُب ــ وهو ابن عبد الله البجَلي -
رضي الله عنه - ــ قال: جاء أعرابي فأناخَ راحلته ثم عَقَلها، ثم دخل المسجدَ فصلى
خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما سَلَّم رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - أتَى راحلتَه، فأطلقها ثم ركبَ، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا تُشرك
في رحمتنا أحدًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتقولون هو أضلُّ أم
بعيرُه؟ ألم تسمعوا إلى ما قال؟» قالوا: بلى (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وإدخال أبي داود هذا الحديث هنا يريد به أنّ ذِكر
الرجل بما فيه في موضع الحاجة ليس بغيبة مثل هذا.
ونظيره ما تقدم (3) من حديث عائشة المتفق عليه (4): «ائذنوا له فبئس أخو العشيرة».
بوّب عليه البخاري: «باب غيبة أهل الفساد والريب» (5).
_________
(1) «سنن أبي داود» (4884). في إسناده ضعف لجهالة بعض رواته. انظر: «السلسلة
الضعيفة» (6871).
(2) «سنن أبي داود» (4885)، وأخرجه أحمد (18799) بأطول منه، وإسناده ضعيف، أبو عبد
الله الجُشَمي مجهول. وله أصل من حديث أبي هريرة في «صحيح البخاري» (6010) بلفظ:
«لقد حجَّرتَ واسعًا!»، وليس فيه قوله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «هو أضل أم
بعيره ... » إلخ.
(3) في «السنن» (4792)، و «المختصر» (4624)، ولم يتقدم في كتابنا.
(4) البخاري (6054)، ومسلم (2591).
(5) لفظه في «الصحيح»: «باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيَب».
(3/365)
وذكر (1) في الباب عنها قالت: قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: «ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا».
وفي الباب حديث فاطمة بنت قيس لمّا خطبها معاوية وأبو جهم، فقال النبي - صلى الله
عليه وسلم -: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم: فلا يضع العصا عن عاتقه» (2).
وقالت هند للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أبا سفيان رجل شحيح» (3).
وقال الأشعث بن قيس للنبي - صلى الله عليه وسلم - في خصمه: «إنه امرؤ فاجر» (4).
وقال الحضرمي بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في خصمه: «إنه رجل فاجر لا
يبالي ما حلف عليه، وليس يتورّع من شيء» رواه مسلم (5).
وقد رد النبي - صلى الله عليه وسلم - غيبة مالك بن الدُّخْشُن وقال للقائل: إنه
منافق لا يحب الله ورسوله: «لا تقل ذاك» (6).
وردَّ معاذُ بن جبل غيبةَ كعب بن مالك لما قال الرجل فيه عند النبي
_________
(1) برقم (6067)، وليس هو في الباب السابق، بل أورده البخاري تحت باب «ما يجوز من
الظنّ».
(2) أخرجه مسلم (1480/ 36).
(3) أخرجه البخاري (2211، 5364، 5370، 7180)، ومسلم (1714).
(4) أخرجه أحمد (21848) بإسناد حسن، وأصل الحديث في البخاري (2416) ومسلم (138).
(5) برقم (139).
(6) أخرجه البخاري (425) ومسلم (33/ 263) (ج 1/ 455).
(3/366)
- صلى الله عليه وسلم -: حَبَسه بُرداه
والنظر في عِطفَيه، فقال معاذ: «بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا
خيرًا»، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1). والحديثان متفق عليهما.
وقد أخرج الترمذي (2) عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من
ردَّ عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». قال: هذا حديث حسن.
9 - باب النهي عن سب الموتى
615/ 4731 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-: «إذا مات صَاحِبُكم فَدَعُوهُ، لا تَقَعُوا فيه» (3).
616/ 4732 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «اذكروا محاسنَ موتاكم، وكُفُّوا عن مَساويهم».
وأخرجه الترمذي (4) وقال: غريب، سمعت محمدًا ــ يعني البخاري ــ يقول:
_________
(1) أخرجه البخاري (4418) ومسلم (2769/ 53).
(2) برقم (1931)، وأخرجه أحمد (27536، 27543)، وعبد بن حميد (206)، والبيهقي في
«شعب الإيمان» (7228 - 7231) من طرق يشد بعضها بعضًا.
(3) «سنن أبي داود» (4899)، وأخرجه الترمذي (3895)، وأبو داود الطيالسي (1549)،
وابن حبان (3018، 3019)، والبيهقي في «الشعب» (8344)، من طرق عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة.
إسناده صحيح على رسم الصحيحين، إلا أن قوله: «لا تقعوا فيه» مدرج فيه، فإنه لم يقع
في مُعظم الروايات، وفي بعضها: «يعني: لا تقعوا فيه»، فهو تفسير من بعض الرواة
لكلام النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(4) أبو داود (4900)، والترمذي (1019)، عن عمران بن أنس المكي، عن عطاء، عن ابن
عمر.
(3/367)
عمران بن أنس منكر الحديث. هذا آخر كلامه.
وقال أبو جعفر العُقَيلي (1): لا يتابع على حديثه، وذكر له حديث الربا.
وقال أبو أحمد الكرابيسي (2): حديثه ليس بالمعروف. وذكر له حديث الربا أيضًا.
وحديث الربا هو: «لَدِرهمُ ربًا أعظم حُوبًا عند الله من سبعة وثلاثين زنية».
وذكر البخاري (3) حديثه في الربا، وقال: هذا لا يتابع عليه.
قال الشيخ ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى البخاري في «صحيحه» (4) عن عائشة عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضَوا إلى ما
قدَّموا».
وأخرج النسائي (5) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - أنه قال: «لا تسبوا أمواتَنا فتؤذوا أحياءنا»، وفي الحديث قصة وقد تقدم
والله أعلم.
10 - باب الحسد
617/ 4735 - عن إبراهيم بن [أبي] أَسِيد، عن جده، عن أبي هريرة
_________
(1) في «الضعفاء» (4/ 351).
(2) هو الحاكم الكبير في كتابه «الأسامي والكنى» (1/ 423 - 425).
(3) كما في المصدر السابق.
(4) برقم (1393، 6516).
(5) برقم (4775)، وفيه لين، وقد تقدم عند المؤلف (3/ 121 - 127) في باب القصاص من
اللطمة.
(3/368)
- رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه
وسلم - قال: «إيَّاكم والحسدَ، فإنّ الحسدَ يأكُلُ الحسناتِ كما تأكُلُ النَّارُ
الحطبَ ــ أوقال: العُشْب ــ» (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي «سنن ابن ماجه» (2) من حديث أبي الزناد عن أنس
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار
الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام
جُنَّة من النار».
ولما كان الحاسد يكره نعمة الله على عباده، والمتصدّق يُنعم عليهم، كانت صدقة هذا
ونعمته تطفئ خطيئته وتُذهبها، وحسدُ هذا وكراهته نعمةَ الله على عباده تُذهب
حسناتِه.
_________
(1) «سنن أبي داود» (4903). قال المنذري: «جدّ إبراهيم لم يُسمَّ، وذكر البخاري
إبراهيم هذا في «التاريخ الكبير» [1/ 272 - 273]، وذكر له هذا الحديث وقال: لا
يصح». ولم يرد كلام المنذري في (هـ)، وهذا ظاهره أن المؤلف لم يُثبته، فلعله رأى
أنه يعتضد بما أورد له من الشاهد من حديث أنس.
(2) برقم (4210)، وفي إسناده عيسى بن أبي عيسى الحنّاط، متروك منكر الحديث. وأصلح
منه ــ على ضعفه ــ رواية يزيد الرّقاشي، عن أنس مرفوعًا: «إن الحسد يأكل الحسنات
كما تأكل النار الحطب». أخرجه ابن أبي شيبة (27126).
وقوله: «الصدقة تطفئ الخطيئة» روي من حديث جابر عند أحمد (14441)، وابن حبان
(1723)، والحاكم (4/ 127)، وهو صحيح بشواهده.
وقوله: «الصلاة نور» ففي «صحيح مسلم» (223) من حديث أبي مالك الأشعري.
وقوله: «الصيام جنة من النار» أخرجه أحمد (16278) وابن خزيمة (1891، 2125) من حديث
عثمان بن أبي العاص بإسناد صحيح، وهو في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة دون قوله:
«من النار».
(3/369)
ولمّا كانت الصلاة مَرْكَب الإيمان (1)،
وأصلَ الإسلام، ورأسَ العبودية، ومحلّ المناجاة والقربةِ إلى الله، وأقرب ما يكون
العبد من ربه وهو مصلٍّ، وأقرب ما يكون منه في صلاته وهو ساجد= كانت الصلاةُ نورَ
المسلم.
ولمّا كان الصوم يسد عليه باب الشهوات، ويضيّق مجاري الشيطان، ولا سيما باب
الأجوفين: الفم والفرج، اللذين منهما ينشأ معظم الشهوات= كان كالجُنّة من النار،
فإنه يتترَّس به من سهام إبليس.
وفي «الصحيحين» (2) عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تباغضوا، ولا
تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن
يهجر أخاه فوق ثلاث» (3).
11 - باب اللعن
618/ 4737 - عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «إنَّ العبد إذا لَعَن شيئًا صَعِدَت اللَّعنةُ إلى السَّماء، فتُغْلَقُ
أبوابُ السماءِ دُونها، ثُمَّ تَهبِطُ إلى الأرض فتُغلَقُ أبوابُها دُونَها، ثُمَّ
تَأخُذُ يمينًا وشِمالًا، فإذا لم تَجِد مَساغًا رَجَعَت إلى الذي لُعِنَ، فإن
كانَ لِذلك أهلًا، وإلَّا رَجَعت إلى قائلها» (4).
_________
(1) في الطبعتين: «مركز الإيمان»، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل، وله نظائر في كتب
المؤلف، ففي «طريق الهجرتين» (1/ 480): «إن الإرادة هي مركب العبودية وأساس بنائها
... »، وانظر: «روضة المحبين» (ص 442)، و «بدائع الفوائد» (1/ 1148).
(2) البخاري (6065، 6076)، ومسلم (2558، 2559).
(3) هذا الحديث ورد في (هـ) في مطلع تعليق المؤلف.
(4) «سنن أبي داود» (4905)، وفي إسناده لين لجهالة أحد رواته.
(3/370)
619/ 4738 - وعن الحسن ــ وهو البصري ــ عن
سَمُرة بن جُندُب - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا
تَلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضب الله، ولا بالنار».
وأخرجه الترمذي (1) وقال: حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وقد تقدم اختلاف الأئمة في
سماع الحسن من سَمُرة.
620/ 4739 - وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يقول: «لا يكون اللَّعَّانُون شُفعاءَ ولا شُهداء».
وأخرجه مسلم (2).
621/ 4740 - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلًا لعن الريح ــ وقال مسلم (وهو
ابن إبراهيم): إن رجلًا نازعَتْه الريحُ رداءَه على عهد النبي - صلى الله عليه
وسلم - فلعنها ــ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَلعَنْها فإنها مأمورة،
وإنَّه من لعن شيئًا ليس له بأهل رَجَعت اللعنةُ عليه».
وأخرجه الترمذي (3) وقال: غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير بِشر بن عمر. هذا آخر
كلامه. بشر بن عمر هذا هو الزهراني، احتجّ به البخاري ومسلم.
_________
(1) أبو داود (4906)، والترمذي (1976). وصححه الحاكم (1/ 48).
(2) أبو داود (4907)، ومسلم (2598).
(3) أبو داود (4908)، والترمذي (1978) من طريق بشر بن عمر عن أبان بن يزيد، عن
قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس.
رجاله ثقات، وصححه ابن حبان (5745) والضياء (10/ 28)، ولكن أعلّ بالإرسال كما أشار
إليه الترمذي، فإن مسلم بن إبراهيم رواه عن أبان عن قتادة عن أبي العالية مرسلًا،
أخرجه أبو داود (4908). وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي كلاهما عن
قتادة عن أبي العالية مرسلًا، ذكره البزّار عقب الحديث (5330).
(3/371)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي
«الصحيحين» (1) عن ثابت بن الضحاك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«لعن المؤمن كقتله».
وفي «صحيح مسلم» (2) عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا
ينبغي لصِدّيق أن يكون لعّانًا».
وفي الترمذي (3) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس
المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء» وقال: حديث حسن.
12 - باب في تغيير الأسماء
622/ 4781 - عن عبد الله بن أبي زكرياء، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّكُم تُدْعَون يومَ القيامة بِأَسمائِكم
وأَسماءِ آبائِكم، فَأَحسِنُوا أَسماءَكم» (4).
عبد الله بن أبي زكرياء لم يسمع من أبي الدرداء (5).
_________
(1) البخاري (6105، 6652)، ومسلم (110).
(2) برقم (2597).
(3) برقم (1977)، وأخرجه أحمد (3839، 3948)، والبخاري في «الأدب المفرد» (312،
332)، وابن حبان (192)، والحاكم (1/ 12)، من طريقين، أحدهما صحيح، والآخر معلّ وبه
أخرجه الترمذي، ولذا قال: «حسن غريب، وقد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه».
وانظر: «بيان الوهم» (5/ 300 - 303).
(4) «سنن أبي داود» (4948)، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (5818).
قال أبو داود في رواية ابن الأعرابي: «ابن أبي زكريا لم يدرك أبا الدرداء»، وكذا
قال أبو حاتم في «المراسيل» (ص 113)، والبيهقي في «الكبرى» (9/ 306).
(5) كلام المنذري من (هـ)، وقد اختصره المؤلف عمّا في «المختصر».
(3/372)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي هذا
الحديث ردّ على من قال: إن الناس يوم القيامة إنما يُدعَون بأمهاتهم، لا بآبائهم.
وقد ترجم البخاري في «صحيحه» (1) لذلك فقال: «باب ما يدعى الناس بآبائهم»، وذكر
فيه حديث نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الغادر يُرفَع له
لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان بن فلان».
واحتج من قال بالأوّل بما رواه الطبراني في «معجمه» (2) من حديث سعيد بن عبد الله الأودي
قال: شهدتُ أبا أمامة وهو في النزع، قال: إذا متُّ فاصنعوا بي كما أمرَنا رسولُ
الله - صلى الله عليه وسلم -، [أن نصنع بموتانا؛ أمرنا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -] فقال: «إذا مات أحد من إخوانكم فسوَّيتم الترابَ على قبره، فليَقُم أحدُكم
على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمعه ولا يُجيبه، ثم يقول: يا
فلان بن فلانة، [فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان بن فلانة،] فإنه يقول:
أرشِدْنا رحمك الله ... » فذكر الحديث وفيه: فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف
أمَّه، قال: «فلينسِبْه إلى أمه حوّاء: فلان بن حواء».
ولكن هذا الحديث متفق على ضعفه فلا تقوم به حجة فضلًا عن أن يعارَض به ما هو أصح
منه.
وفي «الصحيحين» (3) عن أبي موسى قال: «وُلد لي غلام فأتيت به
_________
(1) كتاب الأدب، وحديث ابن عمر فيه برقم (6177).
(2) الكبير (8/ 298 - 299)، وما بين الحاصرتين مستدرك منه، ولعله سقط لانتقال
النظر. والحديث ضعيف كما سينصّ عليه المؤلف، وضعفه ابن الصلاح والنووي في آخرين.
انظر: «المقاصد الحسنة» (346)، و «إرواء الغليل» (753).
(3) البخاري (5467، 6197)، ومسلم (2145).
(3/373)
النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسمّاه إبراهيم
وحنَّكه بتمرة»، زاد البخاري: «ودعا له بالبركة، ودفعه إلي»، وكان أكبرَ ولدِ أبي
موسى.
13 - باب في حفظ المنطق
623/ 4809 - عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قال: «لا يقولنَّ أحدُكم: الكَرْم، فإنَّ الكَرْمَ الرَّجلُ المسلم،
ولكن قولوا: حَدائقُ الأعناب» (1).
وقد أخرجه مسلم في «صحيحه» (2) من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال: «لا تُسمُّوا العنبَ الكرم، فإن الكرمَ الرجلُ المسلم».
وأخرجه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (3) من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
بمعناه.
وأخرج مسلم (4) من حديث وائل بن حُجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا
تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: العنب والحَبْلة».
قال ابن القيم - رحمه الله -: العرب سَمَّت شجر العنب كَرْمًا لكرَمه، والكرَم:
كثرة الخير والمنافع والفوائدِ وسهولةُ تناولها من الكريم، ومنه قوله تعالى:
{فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان: 10]، وفي آية أخرى:
{مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5]، فهو كريم في مخبره، بهيج في منظره، وشجر
العِنَب قد جمع وجوهًا من ذلك:
_________
(1) «سنن أبي داود» (4974).
(2) برقم (2247/ 8).
(3) البخاري (6183) ومسلم (2247/ 7).
(4) برقم (2248).
(3/374)
منها: تذليل ثمره لقاطفه.
ومنها: أنه ليس دونه شوك يؤذي مُجتنيه.
ومنها: أنه ليس بممتنع على من أراده لعلوّ ساقه وصعوبته [ق 265] كغيره.
ومنها: أن الشجرة الواحدة تَحمل منه مع ضَعْفها ودقّة ساقها أضعافَ ما تحمله
غيرُها.
ومنها: أن الشجرة منه إذا قُطِع أعلاها أخلفت من جوانبها وفروعها، والنخلة إذا قطع
أعلاها ماتت ويَبِست جملةً.
ومنها: أن ثمره يؤكل قبل نضجه، وبعد نضجه، وبعد يُبْسه.
ومنها: أنه يُتخذ منه من أنواع الأشربة الحُلْوة والحامضة كالدِّبْس والخَل ما لا
يُتّخذ من غيره، ثم يُتّخذ من شرابه من أنواع الحلاوة والأطعمة والأقوات ما لا
يتخذ من غيره، وشرابُه الحلال غذاءٌ وقُوت ومنفعة وقوة.
ومنها: أنه يُدّخر يابسه قوتًا وطعامًا وأُدمًا.
ومنها: أن ثمره قد جمع نهاية المطلوب من الفاكهة من الاعتدال، فلم يُفْرط إلى
البرودة كالخَوخ وغيره، ولا إلى الحرارة كالتمر، بل هو في غاية الاعتدال، إلى غير
ذلك من فوائده.
فلما كان بهذه المنزلة سمَّوه كَرْمًا، فأخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن
الفوائد والثمراتِ والمنافعَ التي أودعها الله قلب عبده المؤمن مِن البر وكثرة
الخير= أعظمُ من فوائد كَرْم العنب، فالمؤمن أولى بهذه التسمية منه.
(3/375)
فيكون معنى الحديث على هذا: النهي عن قَصْر
اسم الكرم على شجر العنب، بل المسلم أحقُّ بهذا الاسم منه.
وهذا نظير قوله: «ليس الشديد بالصُّرَعة، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب» (1)، أي
مالك نفسه أولى أن يُسمّى شديدًا من الذي يصرع الرجال.
وكقوله: «ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي تردّه اللُّقمة واللقمتان والأَكْلة
والأكلتان، ولكنّه الذي لا يسأل الناس ولا يُفْطَن له فيُتصدّق عليه» (2)، أي هذا
أولى بأن يقال له مسكين من الطوّاف الذي تسمونه مسكينًا.
ونظيره في المُفْلِس (3) والرَّقُوب (4) وغيرهما.
_________
(1) أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609) من حديث أبي هريرة. وعلّقه البخاري أيضًا
في «باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما الكرم قلب المؤمن» ليفسّر به
الحديث على نحو ما هنا، وعلّق في الباب أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما
المفلس الذي يفلس يوم القيامة»، وسيذكره المؤلف لاحقًا.
(2) أخرجه البخاري (1476، 1479، 4539)، ومسلم (1039) من حديث أبي هريرة - رضي الله
عنه -.
(3) يشير إلى حديث: «أتدرون ما المفلس؟ ... إن المفلس من أمتي مَن يأتي يوم
القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا ... » الحديث. أخرجه مسلم
(2581) عن أبي هريرة، وعلّقه البخاري مختصرًا في باب قول النبي - صلى الله عليه
وسلم -: «إنما الكرم قلب المؤمن».
(4) وهو حديث ابن مسعود مرفوعًا: «ما تَعدّون الرقوب فيكم؟» قلنا: الذي لا يُولَد
له، قال: «ليس ذاك بالرَّقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدّم من ولده شيئًا». أخرجه
مسلم (2608).
(3/376)
ونظيره قوله: «ليس الواصلُ بالمكافئ ولكنّه
الذي إذا قُطِعَت رَحِمُه وصلها» (1)، وإن كان هذا ألطف من الذي قبله.
وقيل في معنى النهي وجه آخر، وهو: قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - سلب هذا الاسم
المحبوب للنفوس التي يلذ لها سماعه عن هذه الشجرة التي تُتّخذ منها أم الخبائث،
فيسلُبها الاسم الذي يدعو النفوس إليها، ولا سيما فإن العرب قد تكون سمَّتها
كرْمًا لأن الخمر المتخذةَ منها تحث على الكرَم وبذل المال، فلما حرّمها الشارع
نفى اسم المدح عن أصلها، وهو «الكَرْم» كما نفى اسم المدح عنها، وهو «الدواء»،
فقال: «إنها داء، وليست بدواء» (2). ومَن عرف سرّ تأثير الأسماء في مسمّياتها
نُفرةً وميلًا عرف هذا، فسلبها النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الاسم الحسن،
وأعطاه من هو أحق به منها، وهو قلب المؤمن.
ويؤكد المعنى الأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شبّه المسلم بالنخلة (3) لما
فيها من المنافع والفوائد، حتى إنها كلَّها منفعة، لا يذهب منها شيء بلا منفعة حتى
شوكها، ولا يسقط عنها لباسُها وزينتها كما لا يسقط عن المسلم زينته، فجذوعها
للبيوت والمساكن والمساجد وغيرها، وسَعَفها للسقوف وغيرها، وخُوصها للحُصُر
والمكاتل والآنية وغيرها، ومَسَدُها للحِبال وآلات الشد والحلّ وغيرها، وثمرها
يؤكل رطبا ويابسًا، ويُتخذ قوتًا وأُدمًا، وهو أفضل المخرج في زكاة الفطر تقرّبًا
إلى الله وطهرةً للصائم، ويتخذ منه ما يتخذ
_________
(1) أخرجه البخاري (5991).
(2) أخرجه أحمد (18859) ــ واللفظ له ــ، ومسلم (1984) من حديث وائل بن حُجْر -
رضي الله عنه -.
(3) في حديث ابن عمر المتفق عليه. البخاري (61، 2209، 6122) ومسلم (2811).
(3/377)
من شراب الأعناب، ويزيد عليه بأنه قُوت وحده
بخلاف الزبيب، ونواه علف للإبل التي تحمل الأثقال إلى بلدٍ لا يُبْلَغ إلا بشقّ
الأنفس، ويكفي فيه أن نواه يُشترى به العنب، فحَسْبك بثَمَرٍ (1) نواه ثَمَن
لغيره!
وقد اختلف الناس في العنب والنخل: أيهما أفضل وأنفع؟ واحتجت كل طائفة بما في
أحدهما من المنافع (2).
والقرآن قد قدّم النخيل على الأعناب في موضع (3)، وقدم الأعناب عليه في موضع (4)،
وأفرد النخل عن الأعناب (5)، ولم يفرد العِنَب عن النخيل (6).
وفصل الخطاب في المسألة أن كلَّ واحد منهما في الموضع الذي يكثر فيه ويقلّ وجودُ
الآخر أفضل وأنفع، فالنخيل بالمدينة والعراق وغيرهما أفضل وأنفع من
_________
(1) في الأصل والطبعتين: «بتمرٍ»، والمثبت أوفق للسياق.
(2) وقد ذكر المؤلف هذه المسألة أيضًا في «طريق الهجرتين» (2/ 808) و «مفتاح دار
السعادة» (2/ 656).
(3) وذلك في سور: البقرة (266)، والأنعام (99)، والنحل (11، 67)، والإسراء (91)،
والمؤمنون (19)، ويس (34).
(4) وذلك في سور: الرعد (4)، والكهف (32)، وعبس (28 - 29).
(5) وذلك في سور: الأنعام (141)، والشعراء (148)، وق (10)، والرحمن (11، 68).
(6) أي في سياق ذكر ما يكون في الدنيا، وإلا ففي نعيم الآخرة قد أُفرِد العنب عن
النخيل بالذكر؛ قال تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ
وَأَعْنَابًا}.
(3/378)
الأعناب فيها، والأعناب في الشام ونحوها
أفضل وأنفع من النخيل بها.
ولا يقال: فما تقولون إذا استويا في بلدة؟ فإن هذا لا يوجد، لأن الأرض التي يطيب
(1) [فيها] النخيل، ويكون سلطانه ووجوده بها= لا يكون للعنب بها سلطان، ولا تقبله
تلك الأرض، وكذلك أرض العنب لا تقبل النخيلَ ولا يطيب فيها.
والله سبحانه قد خص كل أرض بخاصية من النبات والمعدن والفواكه وغيرها، فهذا في
موضعه أفضل وأطيب وأنفع، وهذا في موضعه كذلك.
14 - باب صلاة العَتَمة
624/ 4819 - عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«لا تغلبنَّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم، ألا وإنها العشاء، ولكنّهم يُعْتِمُون
بالإبل (2)».
وأخرجه مسلم (3). وفي رواية (4): «فإنها في كتاب الله سبحانه وتعالى العشاء، وإنها
تُعتِم بحلاب الإبل».
وفي «الصحيحين» (5) من حديث مالك عن أبي هريرة مرفوعًا: «لو يعلم
_________
(1) في الأصل وط. المعارف: «تطلب»، ولعل المثبت من ط. الفقي هو الصواب، لاسيما
وسيأتي نظيره قريبًا.
(2) أي: يؤخرّون حلاب الإبل إلى العَتَمة وهي ظلمة الليل، فيسمّون العشاء باسم وقت
الحلاب. انظر: «معالم السنن» (7/ 276)، و «النهاية» (عتم).
(3) أبو داود (4984)، ومسلم (644/ 228).
(4) مسلم (644/ 229).
(5) البخاري (615) ومسلم (437)، كلاهما من حديث مالك عن سُمَيٍّ عن أبي صالح عن
أبي هريرة.
(3/379)
الناس ما في النِّداء والصفِّ الأول، ثم لم
يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا
إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا».
ورواه أحمد (1) عن عبد الرزاق عن مالك وزاد فيه: فقلتُ لمالك: أما يُكره أن يقول:
العتمة؟ قال: هكذا قال الذي حدَّثني.
وقد اختلف في كراهة تسميتها بالعتمة [على قولين] (2)، هما روايتان عن أحمد.
وسلكت طائفة في هذين الحديثين مسلك النسخ، [ولا يصحّ] لعدم معرفة المتقدم منهما،
ولو قابل مُدَّعٍ دعواهم بنقيضها [لكانت نظير دعواهم]. وسلكت طائفة مسلكًا آخر
فقالت: أرشدهم إلى اسمها في الـ[ـكتاب وهو العشاء]، وسمَّاها عتمةً بيانًا للإباحة
(3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: [ق 266] وسلكت طائفة مسلكًا آخر فقالت: النهي صريح،
لا يمكن فيه رواية بالمعنى، وأما حديث: «لو يعلمون ما في الصبح
_________
(1) برقم (7738).
(2) طمس في طرف الورقة أتى على كلمتين أو أكثر آخر كل سطر، وما بين الحاصرتين هنا
وفي المواضع الآتية قراءة ظنية أو إكمال مقترح. والله المستعان.
(3) الكلام السابق كلّه من (هـ)، وقد كان المنذري ذكر هذين المسلكين (النسخ
والجمع) في «المختصر» (ق 4/ 178 ب - النسخة البريطانية)، فنقلهما المؤلف بتصرُّف،
وزاد قبلهما ذكر رواية مسلم لحديث الباب، وكلام عبد الرزاق مع مالك، وأن في
المسألة روايتين عن أحمد. والمجرّد لم ينقل شيئًا من تلك الزيادات ولا أشار إليها،
وإنما اقتصر على قوله: «ذكر [المؤلف] حديث: لا تغلبنكم، وذكر تأويلين ذكرهما
المنذري ثم زاد».
(3/380)
والعتمة»، فيجوز أن يكون تغييرًا من الراوي
عنها باسم العتمة، ولم يَعلم بالنهي فرواه بمعناه، وهذا الاحتمال لا يتطرق إلى
حديث النهي.
وقالت طائفة: النهي إنما هو من غلبة الأعراب على اسم العشاء بحيث يهجر بالكلية،
كما دل عليه قوله: «لا تغلبنكم»، فأما إذا سمّيت بالعشاء تسميةً غالبة على العتمة
لم يمتنع أن تُسمّى بالعتمة أحيانًا، وهذا أظهر الأقوال.
15 - باب من الرخصة في ذلك
625/ 4823 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان فَزَع بالمدينة فركب رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - فرسًا لأبي طلحة، فقال: «ما رأينا شيئًا ــ أو ما
رأينا من فزع ــ، وإنْ وجدناه لبحرًا».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: لم يذكر أبو داود في هذا الباب إلا هذا الحديث، ولا
تعلّق له في تسمية العشاء عتمةً، وإنما تعلّقه بالتوسّع في العبارة، واستعارةِ اسم
البحر للفرس الجَوَاد الكثير الجَرْي، فكأنه راجع إلى قوله: باب في حفظ المنطق.
16 - باب في المزاح
626/ 4833 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه
وسلم - فقال: يا رسول الله، احْمِلْني، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّا
حامِلُوكَ على وَلَدِ ناقةٍ». قال: ما أصنعُ
_________
(1) أبو داود (4988)، والبخاري (2627)، ومسلم (2307)، والترمذي (1685)، والنسائي
في «الكبرى» (8770).
(3/381)
بولدِ الناقة؟! فقال النبي - صلى الله عليه
وسلم -: «وهل تَلِدُ الإبلَ إلَّا النُّوقُ؟!».
وأخرجه الترمذي (1)، وقال: صحيح غريب.
627/ 4834 - وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - قال: استأذن أبو بكر ــ رحمة
الله عليه ــ على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسَمِع صوتَ عائشة عاليًا، فلما
دخل تناولها لِيَلْطِمها، وقال: ألا أرَاكِ ترفعين صوتك على رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -! فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يَحجُزه، وخرج أبو بكر مُغضَبًا،
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين خرج أبو بكر: كيف رأيتِني أنقذتُك من
الرجل؟ قال: فمكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-، فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أَدخِلاني في سِلْمِكما كما أدخلتماني في
حَرْبكما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نعم، قد فعلنا، قد فعلنا».
وأخرجه النسائي (2)، وليس في حديثه ذكر أبي إسحاق السبيعي.
628/ 4835 - وعن عوف بن مالك الأشجعي - رضي الله عنه - قال: أتيت رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - في غزوة تبوك وهو في قُبَّة من أَدَمٍ فسلمتُ، فردَّ وقال:
«ادْخُل». فقلت: أكُلِّي يا رسول الله؟ قال: «كُلَّك» فدخلت.
وأخرجه البخاري وابن ماجه (3) مطولًا. وليس في حديث البخاري قصة الدخول.
629/ 4836 - وعن عثمان بن أبي العاتِكة قال: إنما قال: «أدخل كلي؟»
_________
(1) أبو داود (4998) والترمذي (1991)، وأخرجه أحمد (13817) والبخاري في «الأدب
المفرد» (268)، والضياء في «المختارة» (5/ 269 - 270).
(2) أبو داود (4999)، والنسائي في «الكبرى» (8441، 9110). والحديث صحيح، انظر:
«الصحيحة» (2901).
(3) أبو داود (5000)، والبخاري (3176)، وابن ماجه (4042).
(3/382)
من صِغَرِ القُبَّة (1).
وعثمان هذا فيه مقال.
630/ 4837 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-: «يا ذا الأُذُنَين».
وأخرجه الترمذي (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي «الصحيحين» (3) عن أنس: كان رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟».
وقد أخرج الترمذي (4) من حديث أسامة بن زيد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال:
قالوا يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقًّا». قال الترمذي:
حديث حسن.
17 - باب ما جاء في الشِّعر
631/ 4848 - وعن سعيد ــ وهو ابن المسيَّب ــ قال: مرَّ عمر - رضي الله عنه -
بحسّانٍ وهو يُنْشِدُ في المسجد فلَحَظ إليه، فقال: قد كنتُ أنشدُ فيه مَن هو خيرٌ
منك.
_________
(1) أبو داود (5001).
(2) أبو داود (5002)، والترمذي (1992، 3828)، وقال في الموضع الثاني: «هذا حديث
حسن غريب صحيح». واختاره الضياء (6/ 288 - 290)، (7/ 254).
(3) البخاري (6129) ومسلم (2150).
(4) برقم (1990)، وإسناده حسن، وله طريق آخر عن سعيد المقبري عند أحمد (8481) يصحّ
به الحديث.
(3/383)
وأخرجه النسائي (1). وسعيد بن المسيب لم يصح
سماعه من عمر، فإن كان سمع ذلك من حسان فيتصل.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد تكرر له في هذا الكتاب في مواضع، وبه يُعلِّل
ابنُ القطان وغيره حديث سعيد عن عمر، وهو تعليل باطل أنكره الأئمة، كأحمد بن حنبل
ويعقوب بن سفيان وغيرهما.
قال أحمد (2): إذا لم يُقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يُقبل؟ سعيد عن عمر عندنا
حجة.
وقال حنبل في «تاريخه» (3): حدثنا أبو عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ، حدثنا
محمد بن جعفر، حدثنا شعبة (4)، عن إياس بن معاوية قال: قال سعيد بن المسيب: ممن
أنت؟ قلتُ: من مُزَينة، قال: إني لأذكر يومَ نَعى عمرُ بن الخطاب النعمانَ بن
مُقَرِّن المُزَني على المنبر.
وهذا صريح في الرد على من قال: إنه ولد لسنتين بَقِيتا من خلافة عمر.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري (5): كان سعيد بن المسيب يُسَمَّى
_________
(1) أبو داود (5013)، والنسائي (716). وأخرجه أيضًا البخاري (3212) هكذا، وأخرجه
مسلم (2485) عن سعيد عن أبي هريرة.
(2) أسنده عنه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (4/ 61).
(3) ومن طريقه أخرجه البيهقي في «معرفة السنن» (12/ 144 - 145). وأخرجه ابن أبي
شيبة (34610) عن غندر ــ وهو محمد بن جعفر ــ به.
(4) في الطبعتين: «سعيد»، خطأ، ورسم الأصل غير محرّر.
(5) أسنده عنه ابن سعد في «الطبقات» (2/ 328، 7/ 121)، والمؤلف صادر عن «معرفة
السنن والآثار» (12/ 145).
(3/384)
راوِيَة (1) عمر بن الخطاب، لأنه كان أحفظَ
الناس لأحكامه.
وقال مالك (2): بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض
شأن عمر وأمره.
هذا، ولم يحفظ عن أحد من الأئمة أنه طعن في رواية سعيد عن عمر، بل تلقَّوها كلهم
بالقبول والتصديق (3)، ومن لم يقبل المرسل قَبِل مرسلَه عن النبي - صلى الله عليه
وسلم -.
وقال الحاكم في «علوم الحديث» (4): سعيد بن المسيب أدرك عمر وعليًّا وطلحة، وباقي
العشرة، وسمع منهم.
والمقصود أن تعليل الحديث برواية سعيد له عن عمر تعنّت بارد، والصحيح أنه وُلد
لسنتين مضتا من خلافة عمر، فيكون له وقت وفاة عمر ثمان سنين. فكيف يُنكر سماعه منه
(5) ويُقدح في اتصال روايته عنه؟ والله الموفق للصواب.
_________
(1) في الطبعتين: «رواية» تحريف.
(2) أسنده عنه يعقوب بن سفيان (1/ 468)، وأبو زرعة الدمشقي (1/ 404)، كلاهما في
«تاريخه». وذكره البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (12/ 145).
(3) ومن ذلك أن مالكًا أوردها محتجًّا بها في «الموطأ» في مواضع، وقال أبو حاتم:
سعيد بن المسيب عن عمر مرسل يدخل في المسند على المجاز. «المراسيل» (ص 71).
(4) (النوع الثامن من علوم الحديث).
(5) «منه» ساقطة من الطبعتين.
(3/385)
وقد أخرجا في «الصحيحين» (1) ــ وذكره أبو
داود عقب هذا الحديث ــ عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ... فذكر الحديث بمعنى ما
تقدم دون ذكر الزيادة.
632/ 4849 - وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بمعناه، زاد: فخشي أن يرميه برسول
الله - صلى الله عليه وسلم - فأجازه (2).
18 - باب الرؤيا
633/ 4852 - عن زُفَر بن صَعصَعة، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: «هل رأى أحدٌ
منكم الليلةَ رُؤيا؟» ويقول: «إنّهُ ليس يَبْقَى بعدي من النُّبُوَّة إلا الرُّؤيا
الصالحة» (3).
وأخرجه النسائي (4) من حديث زفر بن صعصعة عن أبي هريرة من غير ذكر صعصعة، والمحفوظ