النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
وحمزة الكناني في «جزء البطاقة» (2) ــ واللفظ له ــ، والحاكم (1/ 6، 529)، من طرق
عن الليث به. إسناده صحيح، رجاله ثقات من رجال مسلم، وقال الترمذي: حسن غريب،
وصححه ابن حبان، والحاكم على شرط مسلم، وقال الذهبي في «معجم الشيوخ» (1/ 114):
إسناده جيد.
(3) هو الإمام الحافظ أبو القاسم حمزة بن محمد بن علي الكناني المصري المتوفى سنة
357، محدث الديار المصرية، صاحب «جزء البطاقة»، وقوله هذا فيه عقب الحديث.
(4) ثم المصري، المعروف بابن حِمِّصَة (ت 441)، راوي «جزء البطاقة» عن حمزة
الكناني، ولم يروِ شيئًا غيره. وقوله هذا فيه عقب الحديث. وأبو طاهر السِّلَفي (ت
576) لم يُدركه، فما هنا وهم أو فيه سقط، وإنما يرويه أبو طاهر عن أبي صادق مرشد
بن يحيى (ت 517) وأبي عبد الله الرازي المعروف بابن الحطّاب (ت 525)، كلاهما عنه.
انظر: «تاريخ الإسلام» (9/ 626، 11/ 282، 436)، و «مشيخة ابن الحطّاب» (17).
(3/336)
الحديث ومات، وشهدت جنازته وصليت عليه.
قال أبو القاسم الطبراني (1): لا يروى هذا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - إلا بهذا الإسناد، تفرد به عامر بن يحيى. آخر كلامه.
ورواه أبو عبد الرحمن المُقرئ عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنعُم الإفريقي، عن عبد
الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو.
رواه عن المقرئ جماعة (2).
والحديث أخرجه ابن حبان في «صحيحه» والترمذي (3)، وقال: حديث حسن غريب.
وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زرّ بن حبيش: أن عبد الله بن مسعود كان
يجتني (4) لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواكًا من أراك، وكان في
_________
(1) في «الأوسط» عقب الحديث (4725). وقوله: «تفرّد به عامر بن يحيى» فيه نظر، إذ
أخرج هو نفسه في «الكبير» (14/ 51) متابعة ابن أنعُم الإفريقي له عن أبي عبد
الرحمن عبد الله بن يزيد الحُبُلي به، وسيذكرها المؤلف.
(2) أخرجه عبد بن حُميد في «مسنده» (339)، والطبراني في «الكبير» (14/ 51)،
والكلاباذي في «معاني الأخبار» (610)، والخطيب في «الموضح» (2/ 203)، من طرق عن
المقرئ.
وأخرجه الطبري في «تفسيره» (10/ 71) من طريق آخر عن الإفريقي به، إلا أنه موقوف
على عبد الله بن عمرو.
(3) أي من طريق الليث، وقد سبق تخريجه.
(4) ط. الفقي: «يجزّ» تصحيف، وفي ط. المعارف: «يجني»، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل،
وهو الموافق لما في هامش بعض نسخ «الإحسان» و «التقاسيم»، وفي صلبهما: «يحتزّ»، أي
يقطع.
(3/337)
ساقَيه دقة، فضحك القوم، فقال النبي - صلى
الله عليه وسلم -: «ما يُضحككم من دِقّة ساقَيه؟ والذي نفسي بيده إنهما أثقل في
الميزان من أُحُد». رواه أبو حاتم في «صحيحه» (1).
16 - باب في قتال الخوارج (2)
589/ 4595 - عن عَبِيدة ــ وهو السَّلْماني ــ أن عليًّا ذكر أهل النَّهْرَوان
فقال: «فيهم رجل مُودَن اليد ــ أو مُخْدَج اليد، أو مَثدُون اليد (3) ــ، لولا أن
تَبطَروا لنبَّأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد - صلى الله عليه
وسلم -»، قال: قلت: أنت سمعتَ هذا منه؟ قال: قال: إي وربِّ الكعبة!
وأخرجه مسلم وابن ماجه (4).
590/ 4596 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بعث عليٌّ - رضي الله عنه -
إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذُهَيبة في تُربتها، فقسمها بين أربعة: بين
الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المُجاشعي، وبين عُيَينة بن بدر الفَزاري، وبين زَيد
الخيل الطائي ثم أحدِ بني
_________
(1) «التقاسيم» (3406) و «الإحسان» (7069)، وأخرجه أيضًا أحمد (3991)، وأبو يعلى
(5310، 5365)، وغيرهم من طرق عن حماد بن سلمة به. إسناده جيّد، وله طرق وشواهد.
انظر: «الصحيحة» (2750).
(2) قال المجرّد في الأصل: «باب الخوارج. ذكر أحاديث الباب إلى آخرها ثم ذيل
عليه»، وهي ترجمة الباب السابق لهذا في «السنن» و «المختصر»، والترجمة المثبتة من
(هـ)، ويؤيدها ما ذكره المؤلف في آخر تعليقه أنه صح الحديث عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - في الخوارج من عشرة أوجه وأنه ذكرها كلَّها، وهذا لا يكون إلا باعتبار
أحاديث هذا الباب، دون الباب السابق الذي ليس فيه حديث صريح في الخوارج.
(3) مُودَن اليد ومخدج اليد: أي ناقصها، ومثدون اليد: أي صغير اليد مُجتمِعها.
(4) أبو داود (4763)، ومسلم (1066/ 155)، وابن ماجه (167).
(3/338)
نَبهان، وبين علقمة بن عُلاثة العامري ثم
أحدِ بني كلاب، قال: فغضبت قريش والأنصار وقالت: يُعطي صناديدَ أهلِ نجدٍ
ويَدَعُنا؟! فقال: «إنما أنا أتألَّفهم». قال: فأقبل رجل غائِرُ العَينين، مُشرِف
الوَجْنَتين، ناتئ الجبين، كثُّ اللحية، محلوق، قال: اتَّقِ الله يا محمد! فقال:
«من يطيع الله إذا عصيتُه، أيأمَنُني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟! » قال: فسأل
رجل قَتْلَه ــ أحسبه خالدَ بن الوليد ــ، قال: فمنعه، قال: فلمَّا ولى قال: «إن
من ضِئضِئ هذا ــ أو في عقب هذا ــ قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من
الإسلام مُروقَ السهم من الرميَّة، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان، لئِن
أنا أدركتهم لأقتُلَنَّهم قتلَ عاد».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (1).
591/ 4597 - وعن قتادة، عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك - رضي الله عنهما -، عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفُرقة، قوم يُحسنون
القِيل ويُسيئون الفعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروقَ
السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتدَّ على فُوقِه (2)، هم شر الخلق والخليقة، طوبى
لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى
بالله منهم» قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: «التحليق» (3).
قتادة لم يسمع من أبي سعيد الخدري، وسمع من أنس بن مالك.
_________
(1) أبو داود (4764)، والبخاري (3344)، ومسلم (1064/ 144)، والنسائي (2578).
(2) فُوق السهم: موضِع وَتَر القوس منه، والمعنى: حتى يرجع السهم إلى القوس الذي
رمي عنه، وهو من باب التعليق بالمُحال.
(3) «سنن أبي داود» (4765)، وأخرجه أحمد (13338) والحاكم (2/ 148) من طرق عن
الأوزاعي عن قتادة به.
(3/339)
592/ 4598 - وعن أنس أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - ... نحوه، قال: «سيماهم التحليق والتَّسْبِيد، فإذا رأيتموهم
فأَنِيموهم» (1).
593/ 4599 - وعن سُويد بن غفلة قال: قال علي - رضي الله عنه -: إذا حدَّثتكم عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثًا فَلَأَنْ أَخِرَّ من السماء أحبُّ إليَّ
من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خَدْعة، سمعتُ رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يقول: «يأتي في آخر الزمان قوم حُدَثاء الأسنان، سفهاءُ
الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية،
لا يجاوز إيمانُهم حناجرَهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ قتلهم أجرٌ لمن
قتلهم يوم القيامة».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (2).
594/ 4600 - وعن زيد بن وهب الجُهَني أنه كان في الجيش الذين ساروا إلى الخوارج،
فقال علي - رضي الله عنه -: أيُّها الناس، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن، ليست قراءتُكم إلى قراءتهم شيئًا،
ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئًا، ولا صيامكم إلى صيامهم شيئًا، يقرأون القرآن يحسبون
أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من
الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضِي لهم على لسان نبيهم - صلى الله
عليه وسلم - لنَكَلوا عن العمل، وآيةُ ذلك أن فيهم رجلًا له عَضُد، وليست له ذراع،
على عضده مثل حَلَمة الثدي، عليه شَعَرات بيض».أفتذهبون إلى معاوية وأهل
_________
(1) «سنن أبي داود» (4766)، وأخرجه أحمد (13036) والحاكم (2/ 147) من طرق عن معمر
عن قتادة عن أنس.
والتسبيد: التحليق واستئصال الشعر، وأنيموهم: أي اقتلوهم.
(2) أبو داود (4767)، والبخاري (3611، 5057، 6930)، ومسلم (1066/ 154)، والنسائي
(4102).
(3/340)
الشام وتتركون هؤلاء يَخلفونكم في ذراريِّكم
وأموالكم؟! والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام،
وأغارُوا في سَرْحِ الناس، فسِيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل: فنزَّلني زيد
بن وهب منزلًا منزلًا حتى مرَّ بنا على قنطرة، قال: فلما التقينا وعلى الخوارج عبد
الله بن وهبٍ الرَّاسبي، فقال لهم: ألقُوا الرِّماح وسُلُّوا السيوف من جفونها،
فإني أخاف أن يُناشدوكم كما ناشدوكم يوم حَرُوراء، قال: فوحَّشوا برماحهم وسَلُّوا
السيوف، وشَجَرهم الناس برماحهم، قال: وقُتِلوا بعضُهم على بعضهم، قال: وما أصيب من
الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي - رضي الله عنه -: التمسوا فيهم المُخْدَج، فلم
يجدوا، قال: فقام علي - رضي الله عنه - بنفسه حتى أتى ناسًا قد قتل بعضهم على بعض،
فقال: أخرجوهم، فوجدوه ممَّا يلي الأرض، فكبَّر وقال: صدق اللهُ وبلَّغ رسوله،
فقام إليه عَبِيدة السَّلْماني فقال: يا أمير المؤمنين، واللهِ الذي لا إله إلا هو
لقد سمعتَ هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: إي واللهِ الذي لا إله
إلا هو، حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف.
وأخرجه مسلم (1).
595/ 4601 - وعن أبي الوضيء ــ وهو عبّاد بن نُسيب القيسي (2) البصري ــ قال: قال
علي - رضي الله عنه -: اطلبوا المُخدَج ــ فذكر الحديث ــ، فاستخرَجوه من تحت
القتلى في طين. قال أبو الوضيء: فكأنني أنظر إليه حبشي عليه قُرَيطِقٌ له، إحدى
يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعيرات مثل شعيرات التي تكون على ذَنَب اليربوع» (3).
_________
(1) أبو داود (4768)، ومسلم (1066/ 156).
(2) في «المختصر» المطبوع: «العيشي»، وفي المخطوط: «العبسي»، والمثبت من مصادر
ترجمته.
(3) «سنن أبي داود» (4769)، وإسناده صحيح.
(3/341)
596/ 4602 - عن أبي مريم ــ وهو قيس الثقفي
المدائني، وقد سمع من علي - رضي الله عنه - ــ قال: إن كان ذلك المُخدَج لَمَعنا
يومئذ في المسجد، نجالسه بالليل والنهار، وكان فقيرًا، ورأيته مع المساكين يشهد
طعام علي - رضي الله عنه - مع الناس وقد كسوتُه بُرنسًا لي. قال أبو مريم: وكان
المخدج يسمَّى نافعًا ذا الثُدَيَّة، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه
حَلَمةٌ مثل حلمة الثدي وعليه شعيرات مثل سِبالة السِّنَّور» (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى مسلم في «صحيحه» (2) عن جابر بن عبد الله
قال: أتى رجل [رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -] بالجعرانة مُنصرَفَه من حنينٍ،
وفي ثوب بلال فضة ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقبض منها ويُعطي الناس،
فقال: يا محمد اعدِلْ، فقال: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خِبْتَ وخسرتَ
إن لم أكن أعدل»، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - دعني يا رسولَ الله أقتلْ
هذا المنافق، فقال: «معاذَ الله أن يتحدث الناسُ أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابَه
يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرميّة».
وروى البخاري (3) هذا الحديث مختصرًا، قال: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم -
يقسم غَنِيمة بالجِعْرانة، إذ قال له رجل: اعدل، فقال: «لقد شَقِيتَ إن لم أعدل!».
والصواب في هذا فتحُ التاء من: «خبت وخسرت»، والمعنى: أنك إذن خائب خاسر، إن كنتَ
تقتدي في دِينك بمن لا يعدل، وتجعله بينك وبين الله، ثم تزعم أنه ظالم غير عادل.
ومن رواه بضم التاء لم يفهم معناه هذا.
_________
(1) «سنن أبي داود» (4770)، وإسناده لا بأس به في المتابعات والشواهد.
(2) برقم (1063)، وما بين الحاصرتين منه.
(3) برقم (3138).
(3/342)
وفي «الصحيحين» (1) عن أبي سعيد قال: بينما
نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم قَسْمًا، أتاه ذو الخُوَيصِرة
ــ وهو رجل من بني تميم ــ فقال: يا رسول الله اعدل، قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: «ويلَك! من يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل!»، فقال
عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ائذن لي فيه أضربْ عنقه، قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: «دعه، فإن له أصحابًا يَحْقِر أحدكم صلاتَه مع صلاتهم، [ق 261]
وصيامَه مع صيامهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق
السهم من الرمية، يُنظَر إلى نَصْله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظَر إلى رِصافه فلا
يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّه فلا يوجد فيه شيء ــ وهو القِدْح ــ، ثم
يُنظَر إلى قُذَذِه (2) فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى
عَضُدَيه مثل ثَدْي المرأة ــ أو مثل البَضْعة ــ تَدَرْدَر، يخرجون على حين فُرقة
من الناس». قال أبو سعيد: «فأَشهد أني سمعتُ هذا من رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -، وأشهد أنّ علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتُمِس،
فوجد فأتي به، حتى نظرتُ إليه على نعتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي
نعت».
زاد البخاري (3) فنزلت: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة:
58].
وفي رواية المستملي (4): «على خَيرِ فِرْقة من الناس».
_________
(1) البخاري (3610، 6163، 6933)، ومسلم (1064/ 148).
(2) نَصْل السهم: حديدته. والرِّصاف: جمع «رَصَفة»، وهي العَصَب التي تُلوى وتُشد
على مدخل النصل في السهم. والنضيُّ: هو القِدْحُ، أي القضيب الذي يُجعل فيه النصل.
والقُذَذ: ريش السهم، واحدتها: «قُذَّة».
(3) برقم (6933).
(4) لصحيح البخاري، وذلك في الحديث (6933)، وأما في الموضعين السابقين (3610،
6163) فهذه اللفظة هي في رواية الكُشمِيهني. انظر: الطبعة السلطانية (4/ 200، 8/
38، 9/ 17)، و «إرشاد الساري» للقسطلاني (6/ 59، 9/ 99، 10/ 88).
(3/343)
وفي «الصحيحين» (1) عن أبي سعيد أيضًا: أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر قومًا يكونون في أمته يخرجون في فُرقة من الناس،
سيماهم التحالق، قال: «هم شرُّ الخلق (2) ــ أو من شر الخلق ــ يقتلهم أدنى
الطائفتين إلى الحق»، قال: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم مثلًا أو قال
قولًا: «الرجل يرمي الرمية ــ أو قال: الغرض ــ فينظر في النَّصْل فلا يرى بصيرة،
وينظر في النَّضِيّ فلا يرى بصيرة، وينظر في الفُوق فلا يرى بصيرة».
وفي لفظ آخر عنه في هذا الحديث: «تكون في أمتي فِرقتان، فتخرج بينهما مارقةٌ يلي
قتلَهم أولاهم بالحق» (3). وفي آخر: «تَمرُق مارقة في فُرقة من الناس، يلي قتلهم
أولى الطائفتين بالحق» (4). وفي آخر: «تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين، يقتلها
أولى الطائفتين بالحق» (5).
وفي آخر: «يخرجون على فُرقة مختلفة، يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق» (6).
_________
(1) مسلم (1064/ 149)، وليس في البخاري حديث أبي سعيد من هذا الوجه، بل من أوجه
أخرى، سيأتي بعضها.
(2) الأصل: «الناس»، والمثبت من (هـ) موافق للفظ مسلم.
(3) مسلم (1064/ 151).
(4) مسلم (1064/ 152).
(5) مسلم (1064/ 150).
(6) مسلم (1064/ 153).
(3/344)
وفي «صحيح البخاري» (1) عنه عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال: «يخرج ناس من قِبَل المشرق، يقرأون القرآن لا يجاوز
تراقيَهم، يمرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، حتى يعود
السهم إلى فُوقه»، قيل: فما سيماهم؟ قال: «التحليق» أو قال: «التسبيد» (2).
وفي «الصحيحين» (3) ــ واللفظ لمسلم ــ عن عبيد الله بن أبي رافع أن الحَرورية لما
خرجت ــ وهو مع علي بن أبي طالب ــ قالوا: لا حُكْمَ إلا لله، قال علي: كلمة حق
أريد بها باطل، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف ناسًا ــ إني لأعرِف
صفتهم في هؤلاء ــ يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم (وأشار إلى حلقه)، مِن
أبغض خلق الله إليه، منهم أسود إحدى يديه طُبْيُ شاةٍ (4)، أو حَلَمة ثدي. فلما
قتلهم علي، قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئًا، فقال: ارجعوا، فوالله ما كَذَبت
ولا كُذِبت ــ مرتين أو ثلاثًا ــ، ثم وجدوه في خَرْبة، فأتوا به حتى وضعوه بين
يديه، قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم، وقول علي فيهم.
وفي «صحيح مسلم» (5) عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «إن بعدي من أمتي ــ أو سيكون بعدي من أمتي ــ قوم يقرأون
_________
(1) برقم (7562).
(2) ط. الفقي: «التسبيل»، تحريف. والتسبيد: التحليق.
(3) مسلم (1066/ 157)، ولم يُخرج البخاري حديث علي في الخوارج من هذا الوجه، وإنما
أخرجه (3611، 5057، 6930) من حديث سويد بن غفلة عن علي.
(4) الطُّبْي (بضم الطاء وكسرها): هو موضع يد الحالب من ضرع الشاة والبقرة، كالخِلْف
من ضرع الناقة، وبمنزلة الحَلَمة من ثدي المرأة، جمعه: أطْباء.
(5) برقم (1067).
(3/345)
القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين
كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة». قال ابن
الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري، قلت: ما حديثٌ سمعتُه من
أبي ذر كذا وكذا ــ فذكرت له هذا الحديث ــ؟ فقال: وأنا سمعته من رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -.
وفي «الصحيحين» (1) عن يُسَير بن عمرو قال: سألت سهل بن حُنَيف: سمعتَ النبي - صلى
الله عليه وسلم - يذكر الخوارج؟ فقال: سمعته يقول وأشار بيده نحو المشرق: «قوم
يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرُق السهم من
الرمية».
وفي لفظ آخر عنه: «يَتِيه قوم من قبل المشرق محلّقةٌ رؤوسُهم» (2).
وفي «صحيح البخاري» (3) عن ابن عمر وذكر الحرورية فقال: قال النبي - صلى الله عليه
وسلم -: «يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية».
قال الإمام أحمد (4): صح الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخوارج من
عشرة أوجه. وهذه هي العشرة التي ذكرناها، وقد استوعبها مسلم في «صحيحه»، والله
أعلم.
* * *
_________
(1) البخاري (6934)، ومسلم (1068/ 159).
(2) مسلم (1068/ 160).
(3) برقم (6932).
(4) أسنده الخلّال في «السنة» (1/ 145) و «العلل» (ص 259 - المنتخب) عن حرب بن
إسماعيل الكرماني عنه.
(3/346)
كتاب
الأدب
1 - باب في الحلم وأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -
597/ 4605 - عن إسحاق ــ يعني ابنَ عبد الله بن طلحة ــ قال: قال أنس - رضي الله
عنه -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن أَحسنِ الناس خُلقًا، فأرسلني
يومًا لحاجةٍ فقلتُ: والله لا أذهبُ ــ وفي نفسي أن أذهبَ لِما أمرني به نبيُّ
الله - صلى الله عليه وسلم - ــ قال: فخرجتُ حتى أَمُرَّ على صِبيانٍ وهم يلعبون
في السُّوق فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قابضٌ بِقَفايَ من ورائي،
فنظرتُ إليه وهو يضحكُ، فقال: «يا أُنَيسُ، اذهب حيث أمرتُك». قلت: نعم، أنا أذهب
يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خَدَمْتُهُ سبعَ سنين ــ أو تِسْعَ سنين ــ ما
علمتُ قال لشيء صنعتُ: لِمَ فعلتَ كذا وكذا؟ ولا لشيء تركتُ: هَلَّا فعلت كذا
وكذا؟
وأخرجه مسلم (1)، وفيه «تسع سنين» من غير شك.
598/ 4606 - وعن ثابت ــ وهو البُناني ــ عن أنس - رضي الله عنه - قال: خدمت
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين بالمدينة، وأنا غلامٌ ليس كل أمرِي كما
يَشتهي صاحبي أن أكونَ عليه، ما قال لي أُفٍّ قطُّ، وما قال لي: لِمَ فعلتَ هذا؟
أم: ألَّا فعلتَ هذا؟ (2).
599/ 4607 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم
- يجلسُ معنا في المجلس يُحدِّثنا، فإذا قام قمنا قيامًا حتى نراه قد دخل بعض بيوت
أزواجه، فحدَّثَنا يومًا، فقُمنا حين قامَ، فنظرنا إلى أعرابي قد أدرَكَه،
فجَبَذَه بردائه فحمَّر رقبتَه ــ قال أبو هريرة: وكان رداءً خَشِنًا ــ، فالتفتَ،
فقال الأعرابي: احمِل لي على
_________
(1) أبو داود (4773)، ومسلم (2310/ 54).
(2) «سنن أبي داود» (4774). وأخرجه البخاري (6038) ومسلم (2309/ 51).
(3/347)
بعيرَيَّ هذين، فإنك لا تحملُ لي من مالِك
ولا مِن مالِ أبيك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا وأستغفرُ الله، لا
وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملُ لك حتَّى تُقيدَني من جَبْذَتِك التي
جَبَذتَني»، فكُلُّ ذلك يقول له الأعرابي: والله لا أُقيدُكها ــ فذكر الحديث ــ
قال: ثم دعا رجلًا، فقال له: «احمل له على بَعِيرَيه هذين، على بعيرٍ شعيرًا، وعلى
الآخر تمرًا»، ثم التفت إلينا فقال: «انصرفُوا على بركة الله تعالى».
وأخرجه النسائي (1).
وقال الدارقطني (2): تفرد به محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة.
وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن محمد بن هلال الذي يروى عن أبيه عن أبي هريرة عن
النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، قيل: أبوه؟ قال:
لا أعرفه. وسئل أبو حاتم الرازي عن محمد بن هلال؟ قال: صالح، وأبوه ليس بمشهور
(3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أخرجا في «الصحيحين» (4) من حديث أنس قال: كنت
أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه
أعرابي فجبذه بردائه جبذةً شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي - صلى الله عليه وسلم
-، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله
الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء.
وفي «الصحيحين» (5) عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس
_________
(1) أبو داود (4775)، والنسائي (4776).
(2) في «الأفراد والغرائب»، كما في «أطرافه» (2/ 334).
(3) انظر: «الجرح والتعديل» (8/ 116).
(4) البخاري (5809، 6088)، ومسلم (1057).
(5) البخاري (6114)، ومسلم (2609).
(3/348)
الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك
نفسه عند الغضب».
وفي «الصحيحين» (1) عن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -:
أوصني، قال: «لا تغضب»، فردد مرارًا، قال: «لا تغضب».
وفي «الصحيحين» (2) عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله [ق 262] عليه وسلم قال:
«الحياء لا يأتي إلا بخير».
وفيهما (3) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحياء شعبة من
الإيمان».
وفي «الصحيحين» (4) عن أبي سعيد قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشدَّ
حياءً من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه.
2 - باب في حسن الخلق (5)
600/ 4630 - وعن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يقول: «إن المؤمن لَيُدرِك بحسن خُلُقه درجةَ الصائم القائم» (6).
_________
(1) البخاري (6116)، ولم يخرجه مسلم.
(2) البخاري (6117)، ومسلم (37).
(3) البخاري (9)، ومسلم (35).
(4) البخاري (3562، 6102)، ومسلم (2320).
(5) هذا الباب بأحاديثه ثابت في نسخة (هـ)، ولم يُشر إليه المجرد في الأصل فصار
كلام المؤلف الآتي فيه متصلًا بما سبق، فأحدث لبسًا كما في ط. الفقي (7/ 160) وط.
المعارف (5/ 2309) حيث اتصل تعليق المؤلف الآتي على حديث أبي الدرداء: «وزاد
الترمذي ... » بحديث أبي سعيد المتقدم آنفًا.
(6) «سنن أبي داود» (4798)، وأخرجه أحمد (24355)، وابن حبان (480)، والحاكم (1/
60)، من حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب عن عائشة.
في إسناده انقطاع، قال أبو حاتم: المطلب لم يُدرك عائشة. و له شواهد تعضده
وتُقوِّيه. انظر: «العلل» للدارقطني (2841)، و «السلسلة الصحيحة» (522، 794)، و
«الأنيس الساري» (5/ 4649 - 4653).
(3/349)
601/ 4631 - وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه
- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من شيء في الميزان أثقلُ من حسن
الخلق».
وأخرجه الترمذي (1) وقال: حسن صحيح.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وزاد الترمذي: «وإن الله يبغض الفاحش البذيء».
602/ 4632 - عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا زعيم
بِبَيتٍ في رَبَض الجنة لمن ترك المِراء وإن كان مُحقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن
ترك الكَذِب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّنَ خُلُقَه» (2).
[قال ابن القيم - رحمه الله -: وهو حديث صحيح] (3).
603/ 4633 - عن حارثة بن وهب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «لا يدخل الجنة الجَوَّاظُ ولا الجَعْظَرِيُّ». قال: والجوَّاظ: الغليظ
الفظُّ.
وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه أتم منه، وليس في حديثهما: «الجعظري».
وقيل: «الجواظ» الكثير اللحم المختال في مِشيته، وقيل: الجموع المنوع، وقيل:
القصير البَطِن، وقيل: الجافي القلب، وقيل: الفاجر، وقيل: الأكول. و «الجعظري»:
الفظ الغليظ المتكبر، وقيل: هو الذي لا يُصدَّع رأسه، وقيل: هو
_________
(1) أبو داود (4799)، والترمذي (2002). وأخرجه أيضًا أحمد (27496) وابن حبان في
«صحيحه» (481).
(2) «سنن أبي داود» (4800).
(3) قوله: «وهو حديث صحيح» ليس في الأصل، واستدركته من (هـ).
(3/350)
الذي يتمدَّح وينتفخ بما ليس عنده، وفيه
قِصَر (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: [وفي «صحيح مسلم» (2) عن عبد الله بن عمرو قال: لم
يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا ولا مُتفحِّشًا، وكان يقول: «إن مِن
خياركم أحاسِنَكم أخلاقًا». ورواه البخاري] (3).
وفي «صحيح مسلم» (4) عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- عن البر والإثم فقال: «البِرُّ: حسنُ الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك وكرهت أن
يطلع عليه الناس».
وروى الترمذي (5) عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أكثر ما
يدخل الناس النار؟ فقال: «الفم والفرج»، وقال: حديث حسن صحيح (6).
وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم
خلقًا، وخياركم خيركم لنسائكم». رواه الترمذي (7) وقال: حسن صحيح.
_________
(1) هذه الفقرة من كلام المنذري تصرَّف فيها المؤلف يسيرًا، كما في نسخة (هـ)،
ولكن لم يتبيّن أكثره للبلل الذي أصابه، فأثبتها على ما هي عليه في «المختصر».
(2) برقم (2321). وأخرجه البخاري (3559، 6029، 6035).
(3) هذه الفقرة ليست في الأصل، وإنما استدركتها من (هـ).
(4) برقم (2553).
(5) برقم (2004) وصححه، وأخرجه أحمد (7907)، وابن ماجه (4246)، وابن حبان (476)،
والحاكم (4/ 324).
(6) كذا في الأصل، وفي «مستخرج الطوسي» (1585) مثله بزيادة «غريب» في آخره، وفي
مطبوعة «الجامع» ونسخة الكروخي (ق 135) و «تحفة الأشراف» (10/ 423): «صحيح غريب».
(7) برقم (1162)، وأخرجه أيضًا أحمد (7402)، وابن حبان (4176). وأخرجه أبو داود
(4682)، والحاكم (1/ 3) مختصرًا دون شطره الأخير.
(3/351)
وفي الترمذي (1) أيضًا عن جابر أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: «إن مِن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يومَ القيامة
أحاسِنَكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إلي وأبعدَكم مني الثَّرثارون والمتشدقون
والمُتفَيهِقون»، قالوا يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدّقون، فما
المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون». قال الترمذي: حديث حسن.
والثرثار هو الكثير الكلام تكلفًا، والمتشدّق المتطاول على الناس بكلامه الذي
يتكلم بمِلء فيه تفاصُحًا وتفخيمًا وتعظيمًا لكلامه، والمتفيهق أصله من الفَهَق
وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه تكثّرًا وارتفاعًا وإظهارًا
لفضله على غيره.
قال الترمذي (2): قال عبد الله بن المبارك: حُسن الخلق: طلاقة الوجه، وبذل
المعروف، وكفّ الأذى.
وقال غيره: حسن الخلق قسمان:
أحدهما: مع الله عز وجل، وهو أن يعلم أن كل ما يأتي منك يوجِب عذرًا، وكل ما يأتي
من الله يوجب شكرًا، فلا تزال شاكرًا له معتذرًا إليه،
_________
(1) برقم (2018)، وإسناده حسن كما قال الترمذي، وله شاهدان من حديث أبي هريرة وأبي
ثعلبة الخشني - رضي الله عنهما -، فالأول أخرجه أحمد (8822) والبخاري في «الأدب
المفرد» (1308)، وفي إسناده لين، والثاني أخرجه أحمد (17732) وابن حبان (482)، من
رواية مكحول عن أبي ثعلبة، وهو مرسل.
(2) برقم (2005). وروي أنه اجتمع السفيانان وفضيل بن عياض وابن المبارك فتذاكروا
معنى حسن الخلق فاتفقوا على هذه الثلاث. انظر: «شعب الإيمان» (7708).
(3/352)
سائرًا إليه بين مطالعة منّته وشهود عيب
نفسك وأعمالك.
والقسم الثاني: حسن الخلق مع الناس، وجِمَاعه أمران: بذل المعروف قولًا وفعلًا،
وكف الأذى قولًا وفعلًا.
وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم، والجود، والصبر، وطِيب العُود، وصحة
الإسلام.
أما العلم فلأنه به يَعرف معالِيَ الأخلاق وسَفْسافَها، فيمكنه أن يتصف بهذا
ويتحلّى به، ويتركَ هذا ويتخلّى عنه.
وأما الجود فسماحة نفسه وبذلُها وانقيادُها لذلك إذا أراده منها.
وأما الصبر فلأنه إن لم يصبر على احتمال ذلك والقيام بأعبائه (1) لم يتهيأ له.
وأما طِيب العُود فأن يكون الله تعالى خَلَقه على طبيعة منقادة سهلة القياد،
سريعةِ الاستجابة لداعي الخيرات. والطبائع ثلاثة: طبيعة حجرية صلبة قاسية، لا تلين
ولا تنقاد؛ وطبيعة مائية هوائية سريعةُ الانقياد، مستجيبةٌ لكل داع، كالغصنِ أيُّ
نسيمٍ مرّ يعطفه ــ وهاتان منحرفتان؛ الأولى لا تقبل، والثانية لا تحفظ ــ؛ وطبيعة
قد جمعت اللين والصلابة والصفاء (2)، فهي تقبل بلينها، وتحفظ بصلابتها، وتدرك
حقائق الأمور بصفائها، فهذه الطبيعة الكاملة التي ينشأ عنها كل خُلُق صحيح.
_________
(1) الأصل: «بأعبائها»، والمثبت من (هـ).
(2) وهي الطبيعة الزجاجية، انظر: «كتاب الروح» (2/ 677) و «الوابل الصيب» (ص 120 -
122) كلاهما للمؤلف.
(3/353)
وأما صحة الإسلام فهو جماع ذلك والمصحّح لكل
خلق حسن، فإنه بحسب قوة إيمانه وتصديقه بالجزاء وحسنِ موعود الله وثوابِه= يسهُل
عليه تحمّل ذلك، ويَلَذُّ له الاتصاف به، والله الموفق المعين.
3 - باب في الرجل يقوم للرجل عن مجلسه
604/ 4661 - عن أبي الخَصِيب، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: جاء رجلٌ إلى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقام له رجلٌ عن مجلسه، فذهبَ ليجلس فيه، فنهاه
رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - (1).
قال أبو داود: أبو الخصيب: زياد بن عبد الرحمن. هذا آخر كلامه.
وهو بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء
بواحدة.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أخرج الترمذي (2) من حديث حماد بن زيد عن أيوب
عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقيمُ أحدكم
أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه». قال (3): وكان الرجل يقوم لابن عمر فما يجلس. قال:
هذا حديث حسن صحيح.
_________
(1) «سنن أبي داود» (4828). وأبو الخصيب مجهول الحال، ولكنه توبع، تابعه نافع
وسالم عن ابن عمر بنحوه. رواية سالم أخرجها مسلم (2177/ 29)، ورواية نافع في
«الصحيحين» وستأتي في كلام المؤلف.
(2) برقم (2749).
(3) القائل هنا ليس نافًعا، بل هو سالم عقب حديثه عن أبيه مرفوعًا، برقم (2750)
عند الترمذي، ولفظه بمثل حديث نافع السابق. ولعله حصل سقط في الأصل لانتقال النظر.
(3/354)
وحديث ابن عمر هذا في «الصحيحين» (1)،
ولفظه: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه،
ولكن تفسّحوا وتوسعوا.
وفي «صحيح مسلم» (2) عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقيم
أحدكم أخاه يومَ الجمعة (3) ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا».
4 - باب الهدي في الكلام
605/ 4673 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «كلُّ كلامٍ لا يُبْدأ فيه بالحمد لله فهو أجْذَم» (4).
وقال فيه: «زعم الوليد عن الأوزاعي»، وذكر جماعةً رووه عن الزهري مرسلًا (5).
وأخرجه النسائي (6) مسندًا ومُرسلًا. وأخرجه ابن ماجه (7) وقال فيه: «أقطع».
_________
(1) البخاري (6270)، ومسلم (2177/ 28).
(2) برقم (2178) بنحوه، واللفظ لأحمد (14143).
(3) تحرّف في الأصل إلى: «يوم القيامة»!
(4) «سنن أبي داود» (4840) من طريق أبي توبة قال: زعم الوليد عن الأوزاعي عن قُرّة
عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
ولا يصحّ رفعه، فقُرَّة بن عبد الرحمن المعافري ضعيف يروي المناكير، وقد خالفه
أصحاب الزهري الثقات فرووه عن الزهري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا كما
ذكره أبو داود عقب الحديث. وانظر: «سنن الدارقطني» (883)، و «الإرواء» (2).
(5) لفظ أبي داود عقب الحديث: «رواه يونس وعُقَيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز عن
الزهري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا».
(6) برقم (10255 - 10258).
(7) برقم (1894) من طريق الأوزاعي عن قرّة به.
(3/355)
وفي إسناده قُرَّة، وهو ابن عبد الرحمن بن
حَيْوِيل المَعافري المصري، كنيته أبو محمد، ويقال: أبو حيويل. قال الإمام أحمد
(1): منكر الحديث جدًّا.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (2).
5 - باب في تنزيل الناس منازلهم
606/ 4676 - عن أبي كنانة، عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشَّيبة المُسلم،
وحاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامَ ذِي السُّلطان المُقسِط» (3).
أبو كنانة هذا هو القُرَشي، ذكر غير واحد أنه سمع من أبي موسى الأشعري (4).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي الترمذي (5) عن أنس عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - قال: «ما أكرم شاب شيخا لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنه». قال: هذا
حديث غريب.
_________
(1) كما في «أحوال الرجال» للجوزجاني (ص 284).
(2) برقم (1، 2) من طريق الأوزاعي عن قُرّة به.
(3) «سنن أبي داود» (4843). أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (357)، وحسّنه
العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (1/ 491)، وأعلّهَ ابن القطّان في «بيان
الوهم» (4/ 371) بجهالة أبي كنانة فإنه لا تُعرَف حاله.
(4) لم يُشر المجرّد إلى هذا الباب والحديث، ولا بدّ من إثباته فإن تعليق المؤلف
الآتي متعلق به لا بالباب السابق.
(5) برقم (2022)، وإسناده ضعيف كما أشار إليه الترمذي، فيه أبو الرحَّال الأنصاري
وهو ضعيف منكر الحديث.
(3/356)
6 - باب كفارة
المجلس
607/ 4690 - عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي
الله عنهما - أنه قال: كلماتٌ لا يتكلم بهنَّ أحَدٌ في مجلسه عند قيامه ثلاث
مرَّاتٍ إلا كُفِّرَ بِهنَّ عنه، ولا يقولهن في مجلس خيرٍ ومجلس ذكرٍ إلا خُتِم له
بهنَّ عليه، كما يُخْتَم بالخاتَم على الصحيفة: سُبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، لا إله
إلا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك (1).
608/ 4691 - وعنه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
مثله (2).
وقد أخرجه الترمذي (3)، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه (4).
_________
(1) «سنن أبي داود» (4857)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (593)، من طريق سعيد بن أبي
هلال، عن سعيد المقبري به. وهو إسناد جيّد.
وأخرجه محمد بن فضيل الضبي في «كتاب الدعاء» (107) عن حصين بن عبد الرحمن، عن
مجاهد، عن عبد الله موقوفًا بنحوه دون قوله: «ثلاث مرات» ودون الشطر الثاني في
مجالس الذكر والخير، وإسناده صحيح.
وهو عند الطبراني في «الكبير» (13/ 439) وابن بشران في «الأمالي» (290) من هذا
الوجه مرفوعًا، ولا يصحّ.
(2) «سنن أبي داود» (4858)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (593)، من طريق عبد الرحمن بن
أبي عمرو، عن المقبُري، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
وإسناده ضعيف، عبد الرحمن بن أبي عمرو مجهول، وقال الذهبي في «الميزان» (2/ 580):
«له ما يُنكر»، وقد خالف غيرَه فسلك الجادة: «عن سعيد المقبُري عن أبي هريرة»
مرفوعًا، وإنما هو عن سعيد المقبُري عن عبد الله بن عمرو موقوفًا كما في الحديث
السابق.
(3) برقم (3433)، وأخرجه أيضًا النسائي في «الكبرى» (10157)، ابن حبان (594)
والحاكم (1/ 536)، كلهم من طريق ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح
به. وسيأتي كلام المؤلف عليه.
(4) تخريج الحديث من (هـ)، وفيه اختصار من المؤلف عمّا في «مختصر المنذري».
(3/357)
609/ 4692 - وعن أبي بَرْزة الأسْلَمي - رضي
الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بأخَرَةٍ إذا أراد أن
يقوم من المجلس: «سُبحانَكَ اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب
إليك»، فقال رجل: يا رسول الله، إنك لتقولُ قولًا ما كنتَ تقوله فيما مضَى، قال:
«كفَّارة لِما يكون في المجلس».
وأخرجه النسائي (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذه ثلاثة أحاديثَ ذكرها أبو داود في كفارة المجلس.
فأما حديث عبد الله بن عمرو فموقوف عليه.
وأما حديث أبي هريرة فهو معروف بموسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. قال
الحاكم أبو عبد الله (2): «هذا حديث من تأمّله لم يشك أنه من شرط الصحيح؛ وله علة
فاحشة:
حدثني أبو نصر الوراق قال: سمعت أبا [حامد] أحمد القصّار يقول: سمعت مسلم بن
الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبَّل [ق 263] بين عينيه وقال: دعني حتى
أُقبّل رِجلَيك يا أستاذ الأستاذين، وطبيبَ الحديث في عِلَله، حدَّثك محمد بن
سلام، حدثنا مخلد بن يزيد الحرّاني،
_________
(1) أبو داود (4859)، والنسائي في «الكبرى» (10187) من طريق الحجاج بن دينار، عن
أبي هاشم، عن أبي العالية، عن أبي برزة. وسيأتي الكلام عليه.
(2) في «معرفة علوم الحديث» (النوع السابع والعشرين) وما بين الحاصرتين مستدرك
منه، وحكاية مسلم مع البخاري أسندها الحاكم أيضًا في «تاريخ نيسابور» عن أبي محمد
المخلدي عن أبي حامد أحمد بن حمدون القصّار به. ومِن طريقَي الحاكم أسندها الحافظ
في «تغليق التعليق» (5/ 428 - 430) وصحّح إسنادها.
(3/358)
أخبرنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل
عن [أبيه عن] أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كفارة المجلس، فما
عِلّته؟ قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب (1)
غير هذا الحديث، إلا أنه معلول؛ حدثنا به موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا
سهيل، عن عون بن عبد الله قولَه. قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى، فإنه لا يُذكر
لموسى بن عقبة سماع من سهيل».
وأما الحديث الذي رواه أبو داود من حديث أبي بَرْزة الأسلمي فإسناده حسن، رواه عن
عثمان بن أبي شيبة والجَرْجَرائي (2) عن عبدة بن سليمان، عن الحجاج بن دينار، عن
أبي هاشم، عن أبي العالية عن أبي برزة؛ والحجاج بن دينار صدوق وثّقه غيرُ واحد،
وأبو هاشم: هو الرُّمّاني، من رجال «الصحيحين» (3).
_________
(1) ليس المراد بالباب هنا المعنى المشهور المتبادر؛ إذ فيه بذلك المعنى عدّة
أحاديث لا تخفى على البخاري، وإنما المراد هنا أنه لم يُروَ بهذه الترجمة (موسى بن
عقبة عن سهيل ... ) غير هذا الحديث، ويدل عليه أنه روي قوله بلفظ: «لا أعلم بهذا
الإسناد ... ». ولعل من استعمال «الباب» بهذا المعنى أو قريب منه قولُ ابن
المديني: «الباب إذا لم تُجمع طرقه لم يتبيّن خطؤه». وأما الحافظ ابن حجر فيرى أن
لفظة «الباب» خطأ، وأن البخاري لم يُعبِّر بهذه العبارة بل باللفظ الآخر: «لا أعلم
بهذا الإسناد ... ». انظر: «التغليق»، و «هُدى الساري» (ص 489)، و «النكت على ابن
الصلاح» (2/ 715 - 720).
(2) في الأصل و (هـ) والطبعتين: «وأخرجه»، وهو تحريف غريب، والتصحيح من «السنن»،
فإن أبا داود يرويه عن شيخين: عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن حاتم الجَرجَرائي،
كلاهما عن عبدة بن سليمان ... إلخ.
(3) وقد اختُلِف على أبي العالية في وصل الحديث وإرساله، فروي موصولًا كما سبق،
وروي مرسلًا، أخرجه النسائي في «الكبرى» (10189 - 10191) من طرق عن زياد بن حصين
عن أبي العالية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو حاتم والدارقطني: هو
أشبه. «العلل» لابن أبي حاتم (2060) وللدارقطني (1161).
(3/359)
وفي الباب حديث عائشة، رواه الليث عن ابن
الهاد، عن يحيى بن سعيد عن زرارة عن عائشة قالت: ما كان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يقوم من مجلس إلا قال: «لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك»، فقلت: يا رسول
الله ما أكثر ما تقول هؤلاء الكلمات إذا قمت؟ فقال: «إنه لا يقولهن أحد حين (1)
يقوم من مجلسه إلا غُفر له ما كان في ذلك المجلس». رواه الحاكم في «المستدرك» (2)
وقال: صحيح الإسناد.
ورواه النسائي (3) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب (4) عنه.
ولهذا الحديث أيضًا علة، وهي أن قُتيبة خالف شعيبًا فيه، فقال: عن الليث، عن يحيى،
عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن رجل من أهل الشام، عن عائشة: كان رسول الله -