النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
الرحمن بن مهدي: أصحاب جهم يعتقدون أن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس
في السماء شيء، وأن الله ليس على العرش، أرى أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا.
وحكي عن عاصم بن علي ــ شيخ الإمام أحمد والبخاري (4) ــ قال: ناظرت جهميًّا فتبين
من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربًّا (5).
_________
(1) وحدّث عنه أيضًا ابن المديني، وإسحاق، وابن معين، وأئمة آخرون. كان ثقة
مأمونًا صالحًا زاهدًا، روى له الجماعة، توفي سنة 208 عن نيّفٍ وثمانين سنة. انظر:
«تهذيب الكمال» (3/ 176)، و «سير النبلاء» (9/ 385).
(2) الطبعتين: «على العرش» خلافًا للأصل.
(3) نقله منه شيخ الإسلام في «الحموية» (5/ 53 - الفتاوى)، وفي «درء التعارض» (6/
261 - 262) وصحح إسناده، وقال الذهبي في «العلو» (2/ 1038) و «العرش» (2/ 200):
رواه غير واحدٍ بإسناد صحيح. قلتُ: ومنهم عبد الله بن أحمد في «السنة» (130)
بنحوه.
(4) هو عاصم بن علي بن عاصم الواسطي، من أئمة المحدّثين، كان ممّن ذبّ عن الإسلام
في محنة الجهمية. توفي بواسط سنة 221 هـ. انظر: «سير النبلاء» (9/ 262).
(5) أخرجه ابن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية»، كما في «الحموية» (5/ 53) و
«بيان تلبيس الجهمية» (3/ 525 - 526).
وعلّق البخاري نحوه عن والده (علي بن عاصم بن صهيب) في «خلق أفعال العباد» (ص 28)
إلا أن فيه مناظرته لجهم بن صفوان نفسه لا لأحد أتباعه.
ووقع في «السنة» لعبد الله (176): «علي بن عاصم بن علي»، فإما أنه مقلوب عن اسم
الابن (عاصم بن علي بن عاصم)، أو خطأ في اسم جدّ أبيه (علي بن عاصم بن صهيب).
والله أعلم.
(3/288)
10 - باب في
الرؤية
573/ 4561 - عن جرير بن عبد الله البَجَلي - رضي الله عنه -، قال: كُنَّا مع رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - جُلوسًا فنظر إلى القمر ليلة أربعَ عشرة فقال:
«إنّكُم سَتَرَون ربَّكم كما ترون هذا، لا تُضَامُونَ (1) في رؤيته، فإن استطعتم
أن لا تُغْلَبوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبها فافعلوا». ثم قرأ هذه
الآية: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ
غُرُوبِهَا} [طه: 130].
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (2).
574/ 4562 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال ناس: يا رسول الله، أنَرى
ربَّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تُضَارُّونَ في رؤية الشمس في الظَّهيرة، ليست في
سحابة؟» قالوا: لا، قال: «هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس فيه
سحابة؟» قالوا: لا، قال: «والذي نفسي بيده لا تضَارُّون في رؤيته إلا كما تُضارون
في رؤية أحدهما».
_________
(1) أي لا يلحقكم ضيم ــ وهو الظلم ــ من كثرة الزحام فيراه بعضكم دون بعض. ويضبط
أيضًا بتشديد الميم، من «الضمّ»، وفيه وجهان: ضمّ التاء وفتحها، على تُفاعِلون
وتتفاعلون (بحذف إحدى التاءين تخفيفًا)، أي لا تُزاحِمون أو لا تتزاحمون. انظر:
«النهاية» (ضمم)، و «فتح الباري» لابن رجب (4/ 321).
(2) أبو داود (4729)، والبخاري (554 ومواضع أخرى)، ومسلم (633)، والترمذي (2551)،
والنسائي في «الكبرى» (11267)، وابن ماجه (177).
(3/289)
وأخرجه مسلم (1).
575/ 4563 - وعن أبي رَزين العقيلي - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله،
أكلُّنا يرى ربَّه؟ ــ قال ابنُ معاذ (وهو عبيد الله):مُخْلِيًا به يوم القيامة ــ
وما آيةُ ذلك في خَلْقه؟ قال: «يا أبا رَزِين، أليس كُلُّكم يرى القمر؟» ــ قال
ابن معاذ: «ليلة البدر مُخْلِيًا به؟» ثم اتفقا ــ قلت: بلى، قال: «فالله أعظم».
قال ابن معاذ: قال: «فإنما هو خَلْقٌ من خلقِ الله، فالله أعظم» ــ.
وأخرجه ابن ماجه (2).
576/ 4564 - وعن سُلَيم بن جُبير مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه
الآية {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}
إلى قوله تعالى: {سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]، قال: رأيت رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يضعُ إبهامه على أُذنه، والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة:
رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها ويضع إصبعيه. قال ابن يونس (وهو
محمد النسائي): قال المُقرئ (وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد): وهذا رد على
الجهمية (3).
_________
(1) أبو داود (4730)، ومسلم (182، 2968). وهو عند البخاري (6573) أيضًا.
(2) أبو داود (4731)، وابن ماجه (180) من طريق يعلى بن عطاء عن وكيع بن حُدُس عن
أبي رزين به. وإسناده حسن، وقد سبق الكلام عليه في التعليق على حديث العَماء في
الباب السابق.
(3) «سنن أبي داود» (4728). والحديث أخرجه ابن خزيمة في «التوحيد» (49، 50)، وابن
حبان (265)، والحاكم (1/ 24) وصححه على شرط مسلم، وكذا الحافظ أبو محمد الخلّال (ت
439) والحافظ ابن حجر. انظر: «إبطال التأويلات» (ص 383) و «الفتح» (13/ 373).
(3/290)
قال ابن القيم - رحمه الله -: قد أخرجا في
«الصحيحين» (1) عن أبي موسى الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «جنتان
من فضّةٍ آنيتهُما وما فيهما، وجنتان من ذهبٍ آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم
وبين أن ينظروا إلى ربهم تبارك وتعالى إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن».
وفي «صحيح مسلم» (2) عن صهيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دخل أهل
الجنة الجنة، قال الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيّض
وجوهنا؟ ألم تُدخِلْنا الجنة وتُنْجِنا من النار؟» قال: «فيكشف الحجاب، فما
أُعطُوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل»، ثم تلا هذه الآية:
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26].
وفي «الصحيحين» (3) عن أبي هريرة أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم
القيامة؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هل تُضارُّون في القمر ليلة
البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب (4)؟»
قالوا: لا، قال: «فإنكم ترونه كذلك».
وفي «الصحيحين» (5) مثله من حديث أبي سعيد.
_________
(1) البخاري (4878، 7444)، ومسلم (180).
(2) برقم (181).
(3) البخاري (6573، 7437)، ومسلم (182).
(4) في الأصل والطبعتين: «حجاب»، تصحيف. والمثبت من «الصحيحين».
(5) البخاري (4581، 7439)، ومسلم (183).
(3/291)
وقد روى الترمذي في «جامعه» (1) من حديث
إسرائيل عن ثوير (2) قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- «إن أدنى أهل الجنة منزلةً لَمَن ينظر إلى جِنانه وأزواجه وخَدَمه وسُرُره
مسيرةَ ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غَدوةً وعشيةً»، ثم قرأ رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23]. قال: هذا حديث حسن غريب (3)، وقد رواه غير واحد
مثل هذا عن إسرائيل مرفوعًا. وروى عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر قولَه،
ولم يرفعه (4). وروى عبيد الله (5) الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر
قولَه لم يرفعه (6).
وقد روى أحاديث الرؤية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة من أصحابه، منهم:
جرير بن عبد الله، وأبو رزين العقيلي، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وصهيب، وجابر، وأبو
موسى، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأنس بن
_________
(1) برقم (2553، 3330)، وأخرجه أحمد (5317)، وأبو يعلى (5712)، من طرق عن إسرائيل
به. وإسناده ضعيف لضعف ثُوير بن أبي فاختة، ولذا قال الترمذي: «حديث غريب» ولم
يحسّنه، وضعَّفه الدارقطني والذهبي والهيثمي. انظر: «العلل» (2851)، و «تلخيص
المستدرك» (2/ 509)، و «مجمع الزوائد» (10/ 410).
(2) في الأصل: «ثور»، تصحيف. وسيأتي على الصواب قريبًا.
(3) كذا، والتحسين ليس في مطبوعة الترمذي، ولا نسخة الكروخي الشهيرة.
(4) اختلف فيه على ابن أبجر، فرواه بعضهم عنه فلم يرفعه كما عند ابن أبي شيبة (35134)،
ورواه بعضهم فرفعه كما عند أحمد (4623) والحاكم (2/ 509). وانظر: «العلل»
للدارقطني (2851).
(5) في الأصل وط. الفقي: «عبد الله»، خطأ.
(6) أخرجه الترمذي عقب الحديث السابق، والطبري في «تفسيره» (23/ 509).
(3/292)
مالك، وعدي بن حاتم، وعمار بن ياسر، وزيد (1)
بن ثابت الأنصاري، وابن عمرو (2).
وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق في قول الله عز وجل:
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، قال: «الزيادة النظر
إلى الله عز وجل» (3).
ورواه أبو إسحاق عن مسلم بن يزيد عن حذيفة (4).
_________
(1) في الأصل وط. الفقي: «عمرو»، وهو سبق قلم، فإن عمرو بن ثابت بن وَقْش الأنصاري
استشهد بأُحُد ولم يروِ شيئًا، والتصويب من «حادي الأرواح» للمؤلف (2/ 625).
(2) سقطت الواو الفارقة من الأصل وط. الفقي، وابن عمر قد سبق اسمه.
انظر: أحاديث هؤلاء الصحابة وغيرهم مع تخريجها في «حادي الأرواح» للمؤلف (2/ 625 -
685)، وجلُّها مخرجة في «الرؤية» للدارقطني.
(3) أخرجه ابن أبي عاصم (483) وعبد الله (454) كلاهما في «السنة»، والطبري في
«تفسيره» (12/ 156)، وابن خزيمة في «التوحيد» (371) من طريق إسرائيل به.
وإسرائيل تابعه عليه غير واحد عن أبي إسحاق به، وخالفهم شعبة وسفيان فروياه عن أبي
إسحاق عن عامر بن سعد مقطوعًا من قوله، والأشبه أن ذكر أبي بكر فيه محفوظ، كما قال
الدارقطني في «العلل» (73). ورواية عامر عن أبي بكر مرسلة لأنه لم يُدركه، ولعله
سمعه من سعيد بن نِمْران ــ وهو من المخضرمين ــ عن أبي بكر، كما صحّ ذلك في أثر
آخر في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا} قال أبو بكر: هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا. أخرجه الطبري (20/
422 - 423). وانظر: «العلل» للدارقطني (65، 73)، و «الإصابة» (4/ 587).
(4) أخرجه ابن أبي شيبة (35952)، وابن أبي عاصم (482) وعبد الله (456) كلاهما في
«السنة»، والطبري (12/ 157)، وإسناده حسن.
(3/293)
قال الحاكم أبو عبد الله (1): وتفسير
الصحابي عندنا مرفوع.
قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد (2)، قال: سمعتُه وبلغه عن رجل أنه قال:
إن الله لا يُرى في الآخرة، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: من قال: إن الله لا يُرى
في الآخرة فقد كفر، فعليه لعنة الله وغضبُه مَن كان من الناس، أليس الله عز وجل
يقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة]، وقال:
{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]؟
فهذا دليل على أن المؤمنين يرون الله.
وقال حنبل بن إسحاق (3): سمعت أبا عبد الله يقول: قالت الجهمية: إن الله لا يُرى
في الآخرة، وقال الله عز وجل: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
لَمَحْجُوبُونَ}، فلا يكون هذا إلا أن الله عز وجل يُرى، وقال: {وُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، فهذا النظر إلى الله،
والأحاديث التي رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم ترون ربكم» صحيحة،
وأسانيدها غير مدفوعة، والقرآن شاهد أن الله يُرى في الآخرة.
_________
(1) في «المستدرك» (2/ 345) ولفظه: « ... فإن الصحابي إذا فسّر التلاوة فهو مسند
عند الشيخين». ونحوه في (1/ 27، 123) ومواضع أخرى. وانظر: «معرفة علوم الحديث»
(النوع الخامس) له، فإن ظاهر كلامه فيه أنه خاص بما كان من قبيل أسباب النزول.
(2) وأسنده عنه الآجري في «الشريعة» (2/ 986).
(3) وأسنده عنه الآجري في «الشريعة» (2/ 986 - 987).
(3/294)
وقال أبو داود (1): سمعتُ أحمد بن حنبل
وذُكِر (2) عنده شيء في الرؤية فغضب وقال: من قال: إن الله لا يُرى، فهو كافر.
وقال العباس الدُّوري: سمعت أبا عبيد القاسم يقول وذُكِر عنده هذه الأحاديث في
الرؤية فقال: هذه عندنا حق، نقلها الناس بعضهم عن بعض (3).
وقال عبد الله بن وهب: قال مالك بن أنس: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة
بأعينهم (4).
وقال المزني: سمعت ابن هَرِم القرشي يقول: سمعت الشافعي يقول في قول الله عز وجل:
{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] قال:
فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا، قال: فقال له أبو
النجم القزويني: يا أبا إبراهيم (5)، به [ق 254] تقول؟ قال: نعم، وبه أدين الله،
فقام إليه عصام، فقبل رأسه، وقال: يا سيد الشافعيين، اليوم بيَّضتَ وجوهنا. ذكره
الحاكم في «مناقب الشافعي» (6).
_________
(1) في «مسائله» (ص 353)، ومن طريقه الآجري في «الشريعة» (2/ 987).
(2) ط. المعارف: «يذكر»، ورسم الأصل محتمل، والمثبت موافق للمصدرين المذكورين.
(3) أسنده الآجري في «الشريعة» (2/ 988).
(4) أسنده الآجري (2/ 984) بإسناد مسلسل بأئمة أعلام.
(5) هو المُزَني.
(6) وعن الحاكم أسنده البيهقي في «معرفة السنن» (1/ 191 - 192)، وعن غيره في
«مناقب الشافعي» (1/ 420)، وإسناده صحيح. وابنُ هَرِم هو محمد بن إبراهيم بن هرم،
ترجمته في «طبقات الشافعية الكبرى» (2/ 81). ونقل هذا الاستدلال عن الشافعي أيضًا
صاحباه: الربيع بن سليمان، وابن عبد الحكم؛ أسنده من طريقهما اللالكائي في «شرح
السنة» (810، 883) وغيره.
(3/295)
577/ 4566 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إلى
سماء الدنيا حين يبقى ثُلثُ الليل فيقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له؟ مَن يسألُني
فأعطيَه؟ مَن يستغفرني فأغفرَ له؟».
وأخرجه الباقون (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي لفظ لمسلم (2) فيه: «ينزل الله عز وجل إلى سماء
الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلثُ الليل الأول فيقول: أنا المَلِك، أنا الملك، من ذا
الذي يدعوني فأستجيبَ له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيَه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفرَ
له؟ فلا يزال كذلك حتى يُضيءَ الفجر».
وفي لفظ آخر لمسلم (3): «إذا مضى شَطْرُ الليل ــ أو ثلثاه ــ ينزل الله تبارك
وتعالى إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل يُعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من
مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح».
وفي لفظ آخر لمسلم (4): «من يدعوني فأستجيبَ له؟ أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: مَن
يُقرض غير عديم ولا ظلوم؟».
_________
(1) أبو داود (4733)، والبخاري (1145)، ومسلم (758)، والترمذي (446، 3498)،
والنسائي في «الكبرى» (7720)، وابن ماجه (1366).
(2) برقم (758/ 169).
(3) برقم (758/ 170).
(4) برقم (758/ 171).
(3/296)
وفي لفظ آخر له (1): «ثم يبسط يديه تبارك
وتعالى (2): مَن يُقرض غير عديم (3) ولا ظلوم».
وفي «صحيح مسلم» (4) أيضًا عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: «إن الله تعالى يُمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول ينزل (5) إلى
السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر
الفجر».
قال الترمذي (6): وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم،
وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص (7). وحديث أبي هريرة حديث حسن
صحيح، وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - (8) أنه قال: «ينزل الله عز وجل حين يبقى
_________
(1) بالرقم السابق.
(2) زاد محقق ط. المعارف بعده بين الحاصرتين: «يقول» من مطبوعة «صحيح مسلم»، ولا
يوجد في أكثر نسخه الخطية، لاسيما «نسخة ابن خير» الشهيرة، والعبارة مستقيمة
بدونه.
(3) في مطبوعة «الصحيح» وما وقفت عليه من نسخه الخطية: «عَدُوم»، قال النووي في
«شرحه» (6/ 38): «هكذا في الأصول»، إلا أنه أُثبت في هامش بعض النسخ الخطية
المتأخرة: «عديم» إشارةً إلى أنه هكذا في بعض الأصول المقابَل عليها.
(4) برقم (758/ 172).
(5) في الطبعتين: «نزل» خلافًا للأصل، والمثبت منه موافق لبعض نسخ مسلم.
(6) عقب الحديث (446)، ولفظه: « ... حين يمضي ثلث الليل الأول».
(7) انظر أحاديث هؤلاء في «النزول» للدارقطني، و «نزهة الألباب في قول الترمذي:
وفي الباب» للوائلي (2/ 898 وما بعدها).
(8) بعده في الأصل و (هـ): «وروي عنه»، وليس في «جامع الترمذي»، والعبارة مستقيمة
بدونه، بل إثباته يوهم خلاف المعنى المقصود.
(3/297)
ثلث الليل الآخر»، وهو أصح الروايات. آخر
كلامه.
وفي الباب عن عبادة بن الصامت (1) ... (2).
قال عبّاد بن العوّام: قدم علينا شريكٌ واسطَ، فقلنا له: إن عندنا قومًا ينكرون
هذه الأحاديث أن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا، فقال شريك: إنما جاءنا بهذه
الأحاديث من جاءنا بالسنن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الصلاة والصيام
والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله عز وجل بهذه الأحاديث (3).
قال الشافعي في رواية الربيع (4): وليس في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إلا
_________
(1) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (6079) والآجري في «الشريعة» (3/ 1143)، وفي
إسناده انقطاع. انظر: «مجمع الزوائد» (10/ 157) و «فتح الباري» (13/ 468).
(2) بياض في الأصل قدر نصف سطر، وكتب في الهامش: «بياض» إشارة إلى أنه كان هكذا في
كتاب المؤلف، ولعل المؤلف أراد تعداد أسماء الصحابة الذين روي عنهم حديث النزول
ممن لم يذكرهم الترمذي فلم يستحضرهم حينها فترك بياضًا ليملأه فيما بعد. فهاكموها:
جابر بن عبد الله، وابن عباس، وعقبة بن عامر، وعمرو بن عبسة، وسلمة الأنصاري؛
وأحاديثهم مخرّجة عند الدارقطني في «كتاب النزول»، عدا حديث ابن عباس فأخرجه
الدارمي في «الرد على الجهمية» (ص 79) وابن أبي عاصم في «السنة» (525) بإسناد حسن.
(3) أسنده عبد الله في «السنة» (493)، والآجري في «الشريعة» (3/ 1126) واللفظ له،
وابن منده في «التوحيد» (523).
(4) أسنده من طريقه الآجري (3/ 1127)، وهو في «الأم» (3/ 286)، وفي سياقه تحريف
يُصحّح من «الشريعة».
(3/298)
اتباعها بفرض الله عز وجل، والمسألة بكيف في
شيء قد ثبتت فيه السنة ما لا يَسَع عالمًا.
وقال مُطرِّف: سمعت مالكًا يقول إذا ذُكر عنده الزائغون في الدين: قال عمر بن عبد
العزيز: «سنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاةُ الأمور بعده سُنَنًا،
الأخذُ بها اتباع لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحدٍ من
الخلق تغييرُها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ،
ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولى
وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا» (1).
وقال إسحاق بن منصور (2): قلت لأحمد بن حنبل: «ينزل ربنا كل ليلة حين (3) يبقى ثلث
الليل الآخر إلى سماء الدنيا»، أليس تقول بهذه الأحاديث: «ويرون أهل الجنة ربهم»،
و «لا تقبّحوا الوجه» (4)، و «اشتكت
_________
(1) أسنده الآجري (1/ 408، 3/ 1128) وعنه ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (620)،
وإسناده صحيح.
ورواه أيضًا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، أسنده عبد الله (743) والخلال (1329)
كلاهما في «السنة» عن الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي به.
ورواه أيضًا ابن القاسم عن مالك، أسنده ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (242).
(2) في «مسائله» (2/ 535)، وأسنده عنه الآجري (3/ 1127).
(3) في الأصل والطبعتين: «حتى»، تصحيف.
(4) وتمامه: «فإن الله خلق آدم على صورته»، وفي لفظ: «على صورة الرحمن». أخرجه ابن
أبي عاصم (530) وعبد الله (482) كلاهما في «السنة»، والطبراني في «الكبير» (12/
430)، والحاكم (2/ 319) من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر.
وقد اختلف فيه، فصححه إسحاق بن راهويه والحاكم، وأعله غيره بالإرسال. انظر:
«المنتخب من علل الخلال» (168)، و «علل الدارقطني» (3077). ويُغني عنه حديث أبي
هريرة عند مسلم (2612): «إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على
صورته».
(3/299)
النار إلى ربها» (1)، و «أن موسى لَطَم عين
مَلَك الموت» (2)؟ فقال أحمد: هذا كله صحيح. قال إسحاق: ولا يدعه إلا مبتدع أو
ضعيف الرأي.
فإن قيل: فكيف تصنعون فيما رواه النسائي (3): أخبرني إبراهيم بن يعقوب، حدثني عمر
بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو إسحاق، حدثنا أبو مسلم الأغر
قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري يقولان: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-: «إن الله يُمهل حتى يمضي شطرُ الليل الأول، ثم يأمر مناديًا ينادي ويقول: هل من
داعٍ يستجاب له؟ هل من مستغفر
_________
(1) تمامه كما في «المسائل» و «الشريعة»: «حتى يضع الله فيها قدمه»، وهو المعنيّ
بالسؤال. أخرجه البخاري (7449) ومسلم (2846) من حديث أبي هريرة، وأخرجاه (خ 4848،
م 2848) أيضًا من حديث أنس.
تنبيه: حديث أنس أوله: «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد ... »، حديث أبي هريرة أوله
عند البخاري: «اختصمت الجنة والنار إلى ربّهما ... »، وعند مسلم: «تحاجّت النار
والجنة ... »، فاللفظ الذي ذكره إسحاق في سؤاله (اشتكت النار ... ) هو من باب
الرواية بالمعنى، وليس مراده البتة حديث: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل
بعضي بعضًا فأذنْ لي بنفَسَين ... » كما توهّمه محقق ط. المعارف في التخريج.
(2) أخرجه البخاري (1339) ومسلم (2372) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(3) في «الكبرى» (10243)، وأخرجه أبو يعلى (5936) من طريق آخر عن حفص بن غياث به،
وفي لفظه نكارة، وهي قوله: «ثم يأمر مناديًا ينادي»، فإنه مخالف لما في سائر الطرق
عن أبي إسحاق عن الأغر، ومخالف لسائر الطرق عن أبي هريرة. انظر: «الضعيفة»
للألباني (3897).
(3/300)
يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟» ــ وهذا الإسناد
ثقات كلهم ــ؟
قلنا: وأي منافاة بين هذا وبين قوله: «ينزل ربنا، فيقول»؟ وهل يسوغ أن يقال: إن
المنادي يقول: «أنا الملِك»، ويقول: «لا أسأل عن عبادي غيري» (1)، ويقول: «من
يستغفرني فأغفر له»؟
وأي بُعد في أن يأمر الله مناديًا ينادي: «هل من سائل فيستجاب له» ثم يقول هو
سبحانه: «من يسألني فأستجيب له»؟ وهل هذا إلا أبلغُ في الكرم والإحسان أن يأمر
مناديه يقول ذلك، ويقول سبحانه بنفسه! وتتصادق الروايات كلها عن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -، ولا نصدّق بعضَها ونكذّب ما هو أصح منه، وبالله تعالى التوفيق
(2).
11 - باب في القرآن
578/ 4571 - وعن عبد الله ــ وهو ابن مسعود - رضي الله عنه - ــ قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تكلم الله بالوحي سمعَ أهلُ السماء صَلْصَلةً
كجَرِّ السِّلسِلة على الصَّفا، فيُصْعَقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريلُ،
حتى إذا جاءهم جبريل فُزِّعَ عن قلوبهم»، قال: «فيقولون: يا جبريل، ماذا قال
ربُّك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحقَّ الحقَّ» (3).
_________
(1) جاء هذا في حديث النزول من رواية رفاعة الجهني - رضي الله عنه -. أخرجه أحمد
(16215)، وابن ماجه (1367)، والنسائي في «الكبرى» (10236)، وابن حبان (212).
(2) وانظر: «شرح حديث النزول» لشيخ الإسلام (5/ 372 - الفتاوى).
(3) «سنن أبي داود» (4738)، ورواته ثقات وأخرجه ابن حبّان في «صحيحه» (37)، إلا
أنه قد اختلف في وقفه ورفعه، والموقوف هو المحفوظ كما قال الدارقطني في «العلل»
(852)، على أن له حكم الرفع لكونه مما لا مجال للرأي فيه.
(3/301)
وأخرجه البخاري (1) والترمذي وابن ماجه
بنحوه (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ورواه البخاري والترمذي (3) أيضًا من حديث الحميدي
عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم
-: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه
سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال:
الحَقّ، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، [ق 255] ومسترقو السمع هكذا بعضهم
فوق بعض ... » وذكر الحديث.
وقد رواه أبو معاوية عن الأعمش، عن مُسْلم بن صُبَيح، عن مسروق (4)، عن عبد الله
قوله: «إن الله إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صَلصَلة كجرّ السلسلة على
الصفا فيُصعقون، فلا يزالون كذلك حتى
_________
(1) علّقه في كتاب التوحيد (باب قول الله تعالى: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ
عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}) عن مسروق عن ابن مسعود موقوفًا عليه. ولم
أجده عند الترمذي وابن ماجه، وانظر التعليق الآتي.
(2) لفظ التخريج من (هـ)، وفيه اختصار وتصرّف من المؤلف، فلفظ «المختصر» (7/ 128):
« ... نحوه من حديث عكرمة مولى ابن عباس عن أبي هريرة»، وهو الحديث الآتي في تعليق
المؤلف. وحذفُ المؤلف لطرف الإسناد ظاهرُه أنهم أخرجوا حديث ابن مسعود السابق،
ويدل على أن ذلك مقصود للمؤلف أنه قال في الحديث الآتي: «ورواه البخاري والترمذي
أيضًا من حديث ... ».
(3) البخاري (4800) عن الحميدي به، والترمذي (3223) عن ابن أبي عمر العدني عن
سفيان به.
(4) «عن مسروق» ساقط من الأصل، واستدركته من (هـ) ومصادر التخريج.
(3/302)
يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فُزِّع عن
قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربك؟ قال: فيقول: الحقَّ، قال فينادون:
الحق، الحق» (1).
وقد روي هذا مرفوعًا، وليس فيه: «سمع أهل السماء للسماء» (2)، وهو الحديث الذي
ذكره أبو داود.
وروى البيهقي (3)
من حديث نعيم بن حماد: حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن
[ابن] أبي زكريا، عن رجاء بن حَيْوة، عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، وإذا تكلم بالوحي
أخذت السماوات رَجفة ــ أو قال: رَعدة ــ شديدة خوفًا من الله عز وجل، فإذا سمع
بذلك أهل السماوات صَعِقوا وخرُّوا لله سُجّدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل،
فيكلمه الله من
_________
(1) أخرجه سعيد بن منصور (1766 - تفسير)، وعبد الله في «السنة» (521)، وابن خزيمة
في «التوحيد» (281)، من طرق عن أبي معاوية به. وأخرجه عبد الله (520، 521)، وابن
خزيمة في «التوحيد» (282 - 286) من طرق أخرى عن الأعمش به. وعلّقه البخاري كما سبق
عن مسروق عن ابن مسعود.
(2) زيادة «للسماء» ليست في «المختصر»، ولكنه ثابت في مطبوعة «السنن» وأكثر نسخه
الخطية. انظر: طبعة دار التأصيل (7/ 243).
(3) في «الأسماء والصفات» (1/ 511 - 512)، وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (527)،
والطبري في «تفسيره» (19/ 278)، وابن خزيمة في «التوحيد» (279)، كلهم من طريق نعيم
بن حمّاد به.
رجال إسناده ثقات، إلا أن نُعيمًا على جلالته له أوهام وأشياء منكرة، وهذا الحديث
منها، فقد قال دُحَيم وأبو حاتم: لا أصل له عن الوليد بن مسلم. انظر: «تاريخ أبي
زرعة» (1/ 621)، و «تفسير ابن كثير» (سبأ: 23).
(3/303)
وحيه بما أراد، فيمضي جبريل على الملائكة،
كلما مرَّ بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق
وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث
أمره سبحانه من السماء والأرض».
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح (1)، عن العلاء
بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه» يعني القرآن
(2). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
وقد رواه عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن
أرطاة، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (3).
قال البيهقي: يحتمل أن يكون جبير بن نفير رواه عنهما جميعًا.
_________
(1) في الأصل و (هـ) والطبعتين: «بن أبي صالح» خطأ، وسيأتي على الصواب في الإسناد
التالي.
(2) أخرجه الحاكم (1/ 555)، وعنه البيهقي في «الصفات» (1/ 575) وقال بعد حكاية
تصحيح الحاكم: «ورواه غيره عن أحمد بن حنبل دون ذكر أبي ذر في إسناده». يعني:
مرسلًا، وهكذا أخرجه عبد الله بن أحمد في «السنة» (91، 1120) عن أبيه. وكذلك أخرجه
الترمذي (2912) عن إسحاق بن منصور، وأبو داود في «المراسيل» (538) عن محمد بن يحيى
الذهلي، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي به مرسلًا. كل ذلك يدّل على أن ذكر «أبي ذر»
في الإسناد وهم والحديث مرسل، وقد قال البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص 197 -
198): «هذا الخبر لا يصحّ لإرساله وانقطاعه».
(3) أخرجه الحاكم (2/ 441) وعنه البيهقي في «الصفات» (1/ 575)، وفيه عبد الله بن
صالح المصري كاتب الليث، وهو صدوق يخطئ ويخالف، وقد خالف هنا جبل الحفظ والإتقان
عبد الرحمن بن مهدي في رواية هذا الحديث عن معاوية بن صالح، فجعله عن جبير بن نفير
عن عقبة بن عامر، وابن مهدي يرويه من حديث جبير بن نفير مرسلًا، وهو الصواب.
(3/304)
وروى علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن
السلمي عن عثمان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم من تعلم
القرآن وعلمه، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وذلك أنه منه».
رواه البيهقي (1) من طريقين: أحدهما: من حديث الحِمّاني عن إسحاق بن سليمان
الرازي، حدثنا الجراح عن علقمة.
والثاني: من حديث يعلى بن المنهال السكوني عن إسحاق بن سليمان به.
والجراح: هو الجراح بن الضحاك الكندي (2).
ورواه (3) أيضًا من حديث حامد بن محمود عن إسحاق به.
_________
(1) في «الأسماء والصفات» (1/ 579 - 580)، وكلا الطريقين ضعيف، ففي الثاني يعلى بن
المنهال، ذكره ابن أبي حاتم في كتابه (9/ 305) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا،
فهو مجهول الحال؛ وفي الأول يحيى الحمّاني، وهو مجروح متّهم بسرقة الحديث، وقد أخذ
هذا الحديث من يعلى بن المنهال، كما قال الحافظ أبو جعفر مطيّن. انظر «الفصل للوصل
المدرج في النقل» (1/ 252 - 253).
والحديث صحيح من غير هذين الطريقين، ولكن دون قوله: «وفضل القرآن ... » إلخ، فإنه
مدرج في الحديث، ليس من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل من كلام أبي عبد
الرحمن السُّلَمي.
(2) وهو صدوق صالح الحديث. انظر: «تهذيب الكمال» (1/ 441).
(3) «الأسماء والصفات» (1/ 578)، وحامد بن محمود المقرئ ثقة كما قال الخطيب في
«المتفق والمفترق» (1/ 739)، وقد فصل في روايته بين الحديث المرفوع وبين قول أبي
عبد الرحمن السُّلَمي.
(3/305)
ورواه يحيى بن أبي طالب عن إسحاق بن سليمان
فجعل آخره من قول أبي عبد الرحمن مبيّنًا (1)، وتابعه على ذلك غيره.
وقد روى عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-: «من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيتُه أفضلَ ثواب السائلين، وفضلُ
القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (2).
وقد روي هذا المعنى ــ وهو: «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» ــ
من حديث أبي هريرة، ولكن في إسناده عمر الأَبحّ، وقد ضُعّف (3).
_________
(1) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (2019) والخطيب في «الفصل» (1/ 256). وتابعه
على فصل كلام أبي عبد الرحمن من الحديث المرفوع الحافظان الحجّتان إسحاق بن راهويه
وأبو مسعود أحمد بن الفرات. أخرجه عنهما الفريابي في «فضائل القرآن» (15، 16)، ومن
طريقه الخطيب في «الفصل» (1/ 256 - 257).
(2) أخرجه الترمذي (2926) والدارمي (3399) وغيرهما من طريق محمد بن الحسن بن أبي
يزيد الهمداني عن عمرو بن قيس به. قال أبو حاتم: هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن
ليس بالقوي. «العلل» (1738). وانظر: «الضعيفة» (1335).
(3) أخرجه أبو يعلى في «معجمه» (294)، وابن عدي في «الكامل» (5/ 48)، ومن طريقه
البيهقي في «الصفات» (1/ 583)، من طريق عمر بن سعيد الأبح، عن سعيد بن أبي عروبة،
عن قتادة، عن الأشعث الحُدّاني، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
عمر بن سعيد الأبح ضعيف حدّث عن ابن أبي عروبة بمناكير، وغيره يرويه عن ابن أبي
عروبة عن الأشعث (لا يذكر قتادة). وقد اختلف في إسناد هذا الحديث عن سعيد وعن
الأشعث على أوجه، قال الدارقطني في «العلل» (2099): أشبهها بالصواب من رواه عن
الأشعث عن شهر مرسلًا. قلتُ: من هذا الوجه أخرجه الدارمي (3400) وأبو داود في
«المراسيل» (537).
(3/306)
12 - باب في
الشفاعة
579/ 4572 - عن أشْعث الحُدَّاني، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمَّتي» (1).
وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (2) بإسناد حديث أبي داود.
وأشعث وثّقه يحيى بن معين، وقال أحمد: ما به بأس، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ. وقال
العُقيلي: في حديثه وهم (3).
وقد روي هذا من حديث زياد النُّميري عن أنس (4)، وزياد لا يُحتجّ بحديثه (5).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ورواه أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» (6) من
_________
(1) «سنن أبي داود» (4739). وأخرجه أحمد (13222)، وابن خزيمة في «التوحيد» (528)،
والحاكم (1/ 69) استشهادًا، والضياء في «المختارة» (4/ 382).
وللحديث طرق أخرى عن أنس، أكثرها لا تخلو من ضعف. انظر: «المقاصد الحسنة» (597) و
«الشفاعة» لمقبل الوادعي (56).
(2) (2/ 126).
(3) انظر: «الجرح والتعديل» (2/ 274)، و «الضعفاء» للعقيلي (1/ 135).
(4) أخرجه أبو يعلى (4304) وابن عدي في «الكامل» (3/ 187).
(5) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وفيه تصرّف واختصار من المؤلف.
(6) برقم (6467)، وأخرجه الترمذي (2623)، وابن ماجه (4310)، وابن خزيمة في
«التوحيد» (530، 531)، والحاكم (1/ 69) من طريقين ضعيفين عن جعفر بن محمد به. قال
الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه يُستغرب من حديث جعفر بن محمد.
(3/307)
حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
580/ 4573 - وعن عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يخرج قوم من
النار بشفاعة محمدٍ فيدخلون الجنة ويُسمَّون الجهنَّميين».
وأخرجه البخاري (1).
581/ 4574 - وعن جابر قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أهل الجنة
يأكلون فيها ويشربون».
وأخرجه مسلم (2). (3)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد وردت (4) أحاديث الشفاعة عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - من حديث أنس، وأبي سعيد، وجابر، وأبي هريرة، وعوف بن مالك الأشجعي،
وأبي ذر، وابن الجدعاء، ويقال: ابن أبي الجدعاء، وعتبة بن عبد السلمي، وعمران بن
حصين، وحذيفة، وكلها في «الصحيح» (5).
_________
(1) أبو داود (4740)، والبخاري (6566).
(2) أبو داود (4741)، ومسلم (2835).
(3) الحديثان وردا في (هـ)، ولم يُشر إليهما المجرّد، فكلام المؤلف الآتي متصل عنده
بما سبق.
(4) (هـ): «رويت».
(5) لعل المؤلف رحمه الله يقصد بـ «الصحيح» ما هو أعم من «الصحيحين»، فيشمل «صحيح
ابن خزيمة» و «صحيح ابن حبان» و «مستدرك الحاكم»؛ لأن أحاديث بعض هؤلاء الصحابة
المذكورين ــ وهم عوف بن مالك، وأبو ذر، وعتبة بن عبدٍ السُّلمي، وابن الجدعاء ــ
ليست في «الصحيحين»، بل عند ابن حبان (211، 6462، 7247، 7376) ولاءً، وعند الحاكم
(1/ 66 - 67)، (2/ 424)، (1/ 70 - 71) أيضًا عدا حديث عتبة بن عبدٍ. وانظر للكلام
على أسانيدها: تخريج شعيب الأرنؤوط على «صحيح ابن حبان» (الإحسان)، وكتاب
«الشفاعة» للوادعي.
(3/308)
ففي «الصحيحين» (1) عن أنس أن نبي الله -
صلى الله عليه وسلم - قال: «لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً
لأمتي يوم القيامة».
وفي «الصحيحين» (2) عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لكل
نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كل نبي دعوتَه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم
القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا»، ولفظه
لمسلم.
ورواه مسلم (3) من حديث جابر بنحوه.
وفي «صحيح البخاري» (4) عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس
بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألُني عن هذا الحديث
[أحدٌ] أوّل (5) منك لِما رأيتُ من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم
القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قِبَل نفسه».
_________
(1) البخاري (6305)، ومسلم (200) واللفظ له.
(2) البخاري (6304، 7474)، ومسلم (199).
(3) برقم (201).
(4) برقم (6570).
(5) «أحد» ساقط من الأصل، و «أول» تصحّف في الأصل إلى: «أولى».
(3/309)
وفي «صحيح البخاري» (1) عن أنس قال: سمعت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا كان يومُ القيامة شفعتُ فقلت: يا رب،
أَدخِل الجنةَ من في قلبه خردلةٌ، فيدخلون، ثم أقول (2): يا رب أدخل الجنة من في
قلبه أدنى شيء»، قال أنس: كأني أنظر إلى أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي «صحيح البخاري» (3) عن عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«يَخرج قومٌ من النار بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيدخلون الجنة،
ويُسمَّون الجهنميين».
وفي «الصحيحين» (4) عن حماد بن زيد قال: قلت لعمرو بن دينار: أسمعت جابر بن عبد
الله [ق 256] يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يخرج قومًا من
النار بالشفاعة»؟ قال: نعم.
وفي «الصحيحين» (5) عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يجمع الله
الناسَ يومَ القيامة فيهتمون لذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يُريحَنا من
مكاننا هذا ... » فذكر الحديث وفيه: «ثم أشفع فيَحُدّ لي حدًّا، فأخرجهم من النار
وأُدخِلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال لي:
ارفع رأسك يا محمد، قل تُسمع، وسَلْ تُعطَه، واشفع تُشفَّعْ، فأرفع رأسي فأحمد ربي
بتحميد يعلّمنيه ثم أشفع، فيحدّ لي حدًّا، فأخرجهم
_________
(1) برقم (7509).
(2) في الأصل: «يقول» خطأ، وهو على الصواب في (هـ).
(3) برقم (6566).
(4) البخاري (6558) ومسلم (191/ 318).
(5) البخاري (4476، 6565، 7410، 7440)، ومسلم (193/ 322) واللفظ له.
(3/310)
من النار وأدخلهم الجنة ... » وذكر باقي
الحديث.
وفي «الصحيحين» (1) أيضًا من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا
كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم ... » وذكر الحديث، وقال:
«فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من بُرّةٍ أو
شعيرةٍ من إيمان فأخرجْه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد
ثم أخِرُّ له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمعْ لك، وسل تُعطَه،
واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة
من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد
ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع
تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من
مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي في
الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل
يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله،
قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجِبريائي لأُخرجنّ من قال: لا إله
إلا الله».
وفي «الصحيحين» (2) عن أبي هريرة قال: أُتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما
بلحم فرُفع إليه الذراع وكانت تعجبه ... فذكر الحديث إلى أن قال: «فأنطلق فآتي تحت
العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده
_________
(1) البخاري (7510)، ومسلم (193/ 326).
(2) البخاري (4712)، ومسلم (194).
(3/311)
وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي،
ثم قال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تُعطَه، اشفع تشفَّع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب،
أمتي أمتي، فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من باب الأيمن من
أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب».
وفي «صحيح مسلم» (1) عن حذيفة وأبي هريرة قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تُزْلَف لهم الجنة
فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أَخرَجكم من الجنة
إلا خطيئةُ أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك ... » فذكر الحديث إلى أن قال: «فيأتون
محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فيقوم فيؤذَن له، وترسل الأمانة والرحم ... »
الحديث.
وفي «صحيح مسلم» (2) عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا أول