النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
معديكَرِب, ومعاوية بن أبي سفيان, وجدّ طلحة بن مصرِّف, وأنس بن مالك, وأبي أمامة
الباهلي, وغيرهم لم يذكر أحدٌ منهم ما ذُكِرَ في حديث عليّ وابن عباس, مع الاختلاف
المذكور عليهما. والله أعلم.
13/ 119 - وعن طلحة بن مُصَرّف، عن أبيه، عن جده ــ وجده هو كعب بن عمرو، ويقال:
عمرو بن كعب الهَمْداني اليَاميُّ، له صحبة، ومنهم من ينكرها ــ قال: "رأيت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه مرة واحدة، حتى بلغ القَذَال، وهو أول
القفا".
وقال مسدَّد: "مسح رأسه مِن مُقَدَّمه إلى مُؤَخَّره، حتى أخرج يديه من تحت
أذنيه". قال مسدد: فحدَّثتُ به يحيى، فأنكره.
قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ابن عيينة ــ زعموا ــ كان ينكره، ويقول: أيشٍ هذا:
طلحة، عن أبيه، عن جده؟
_________
(1) هو محمد بن جرير بن رستم الطبري. ترجمته في "الميزان": (3/ 499)،
و"لسان الميزان": (7/ 29).
(1/94)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال عثمان بن
سعيد الدارمي: سمعت عليّ ابن المديني يقول: قلت لسفيان: إن ليثًا روى عن طلحة بن
مصرِّف، عن أبيه، عن جدّه: "أنه رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
توضأ"؟ فأنكر سفيانُ ذلك وعَجِب أن يكون جدُّ طلحةَ لقي النبيَّ - صلى الله
عليه وسلم -.
قال عليٌّ: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن نسب جَدِّ طلحة؟ فقال: عَمرو بن كعب, أو
كعب بن عَمرو, وكانت له صحبة (1).
وقال عباس الدوري (2): قلت ليحيى بن معين: طلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عن جدّه, رأى
جدُّه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال يحيى: المحدِّثون يقولون: قد رآه.
وأهلُ بيت طلحة يقولون: ليست له صحبة.
9 - باب تخليل اللحية
14/ 132 - عن أنس بن مالك: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا
توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله تحت حَنَكه، فخلَّل به لحيتَه، وقال: هكذا أمرني
ربي".
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال أبو محمد بن حزم (3): لا يصح حديث أنس هذا، لأنه
من طريق الوليد بن زوران (4) , وهو مجهول, وكذلك أعلَّه ابنُ القطان (5) بأنّ
الوليد هذا مجهول الحال. وفي هذا التعليل نظر, فإن الوليد
_________
(1) ذكره ابن عبد الهادي في "تعليقه على العلل" (ص 150).
(2) "تاريخ الدوري" (129).
(3) في "المحلى": (2/ 35).
(4) في الأصل: "روقان"، والتصويب من "المحلى"،
و"التهذيب": (11/ 133) وقيل: زروان.
(5) في "بيان الوهم والإيهام": (5/ 17).
(1/95)
هذا روى عنه جعفرُ بن بَرْقان، وحجَّاجُ بن
منهال، وأبو المليح الحسن بن عمر الرّقِّي وغيرهم, [ق 22] ولم يُعْلم فيه جرح (1).
وقد روى هذا الحديث محمدُ بن يحيى الذُّهلي في كتاب "علل حديث الزهري"
(2) , فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفَّار من أصله ــ وكان صدوقًا ــ
ثنا محمد بن حرب، نا الزُّبيدي، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - توضأ فأدخل أصابعه تحت لحيته فخلَّلها بأصابعه, ثم قال:
"هكذا أمرني ربي عز وجل". وهذا إسناد صحيح.
وفي الباب حديث عثمان: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخلِّل
لحيته". رواه الترمذي وابن ماجه (3) , وقال الترمذي: حسن صحيح, وصححه ابن
خزيمة, وأبو عبد الله الحاكم, وقال أحمد: هو أحسن شيء في الباب. وقال (4): قال
محمد بن إسماعيل: "أصحُّ شيء في هذا الباب: حديث عامر بن شقيق، عن أبي وائل،
عن عثمان". يريد هذا الحديث.
وقد أعلَّه ابن حزم (5) , فقال: هو من طريق إسرائيل وليس بالقويّ, عن
_________
(1) وذكره ابن حبان في "الثقات": (7/ 550).
(2) نقله عنه ابن القطان في "بيان الوهم": (5/ 220) وصحح إسناده، كما
سينقله المؤلف.
(3) أخرجه الترمذي (31)، وابن ماجه (430). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وذكر في
"العلل الكبير" (19) كلام البخاري الذي أورده المؤلف، وزاد: "قلتُ:
إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن". وصححه ابنُ حبان (1081).
(4) أي الترمذي، في الموضع السالف من "الجامع".
(5) في "المحلى": (2/ 36).
(1/96)
عامرِ بن شَقيق وليس مشهورًا بقوَّة النقل.
وقال في موضع آخر (1): عامر بن شَقيق ضعيف.
وهذا تعليل باطل, فإن إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق, احتجَّ به الشيخان وبقية
الستة, ووثقه الأئمة الكبار. وقال فيه أبو حاتم: ثقة متقن من أتقن أصحاب أبي
إسحاق، ووثقه ابن معين وأحمد, وكان يتعجَّب من حفظه (2). والذي غَرَّ أبا محمد
قولُ أحمدَ في رواية ابنه صالح (3): إسرائيل عن أبي إسحاق: فيه لِين, سمع منه
بأخَرَة. وهذا الحديث ليس من روايته عن أبي إسحاق, فلا يحتاج إلى جواب.
وأما عامر بن شقيق، فقال النسائي: ليس به بأس, وروي عن ابن معين تضعيفه, روى له
أهل السنن الأربعة (4).
وفي الباب: حديث عائشة, رواه أبو عُبيد (5)، عن حجاج، عن شُعْبة، عن عمرو بن أبي
وهب الخزاعي، عن موسى بن ثروان العجلي (6)، عن طلحة بن عبيد الله بن كُرَيز عنها,
قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ خلَّل
_________
(1) من "المحلى": (5/ 125).
(2) تنظر ترجمته في "الجرح والتعديل": (2/ 330 - 331)، و"تهذيب
التهذيب": (1/ 263).
(3) (ص 262).
(4) ترجمته في "تهذيب التهذيب": (5/ 69).
(5) في "الطهور" (314)، وأخرجه أحمد في "المسند" (25970)،
والحاكم: (1/ 150). قال الهيثمي: "رجاله موثقون"، وحسَّنه الحافظ في
"التلخيص": (1/ 97).
(6) في الأصل: "البجلي" تصحيف. وتنظر ترجمته في "التهذيب":
(10/ 338).
(1/97)
لحيته".
وفي الباب حديث عمار بن ياسر, رواه الطبراني (1)، عن الدَّبَري، عن عبد الرزاق، عن
ابن عيينة، عن عبد الكريم، عن حسَّان بن بلال أن عمار بن ياسر توضأ فخلَّل لحيتَه,
فقيل له: ما هذا؟ قال: "رأيت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يخلِّل
لحيتَه".
وقد أعلَّه ابنُ حزم (2) بعلتين:
إحداهما أنه قال: حسان بن بلال مجهول.
والثانية قال: لا نعرف له لقاءً لعمَّار بن ياسر.
فأما العلة الأولى: فإن حسّانًا روى عنه أبو قِلابة، وجعفر بن [أبي] (3) وحشية،
وقَتادة، ويحيى بن أبي كثير، ومطر الورَّاق، وابن أبي المُخارق، وغيرهم. وروى له
الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال عليّ بن المديني: "كان ثقة". ولم
يُحفظ فيه تضعيفٌ لأحد.
_________
(1) لم أقف عليه في معاجمه بهذا الطريق، وقد أخرجه في "الأوسط" (2395)
من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي، عن ابن عيينة، عن ابن أبي عَروبة، عن قتادة، عن
حسان بن بلال، عن عمار به. وأخرجه الحميدي في "المسند" (146)، وأبو عبيد
في "الطهور" (310)، وابن أبي شيبة (98) جميعًا عن سفيان بن عيينة به.
وفي إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف، وقتادة لم يسمع من حسان بن بلال،
فالإسناد ضعيف.
(2) في "المحلى": (2/ 36).
(3) سقط من الأصل. وتنظر ترجمة جعفر في "التاريخ الكبير": (2/ 186)،
و"الجرح والتعديل": (2/ 473).
(1/98)
وأما العلة الثانية، فباطلة أيضًا. فإنّ
الترمذي رواه من طريقين (1) إلى حسَّان, أحدهما: عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن
سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن حسَّان، عن عمَّار. والثاني: عن ابن أبي عُمر،
عن سفيان بن عُيينة، عن عبد الكريم بن أبي المُخارق، عن حسّان قال: رأيت عمّارًا توضأ
فخلَّل لحيته, وفيه: "ولقد رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخلِّل
لحيته".
وعلّة هذا الحديث المؤثِّرة هي ما قاله الإمام أحمد في رواية ابن منصور (2) عنه,
قال: قال ابن عيينة: لم يسمع عبدُالكريم من حسّان بن بلال حديثَ التخليل.
قال الترمذي (3): سمعت إسحاق بن منصور يقول: سمعت أحمد بن حنبل فذكره. وذكر الحافظ
ابن عساكر عن البخاري (4) مثل ذلك. وقال الإمام أحمد: لا يثبتُ في تخليل اللحية
حديث (5).
وفي الباب: حديث ابن أبي أوفى. رواه أبو عُبيد (6)، عن مروان بن معاوية، عن أبي
الورقاء عنه أنه قال: "رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخلِّل
لحيتَه".
_________
(1) (29، 30).
(2) نقله عنه الترمذي في "جامعه" كما سيأتي. وليس في المطبوع من
"مسائله". وذكره عن أحمد أبو داود في "مسائله" (ص 450)، وعبد
الله في "العلل": (1/ 455).
(3) في "الجامع": (1/ 44).
(4) كلام البخاري في "التاريخ الكبير": (3/ 31).
(5) نقله أبو داود في "مسائله" (ص 13).
(6) في "الطهور" (311).
(1/99)
وفيه: حديث أبي أيوب. رواه أبو عُبيد (1)،
عن محمد بن ربيعة، عن واصل بن السائب الرَّقاشي، عن أبي سَوْرة، عنه قال:
"رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فخلَّل لحيته".
قلت: وتصحيح ابن القطان لحديث أنس من طريق الذُّهلي فيه نظر, فإن الذُّهليّ
أعلَّه, فقال (2): وثنا يزيد بن عبد ربّه، ثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيدي: أنه
بلغه عن أنس بن مالك فذكره.
قال الذّهلي: هذا هو المحفوظ. قال ابن القطان: وهذا لا يضرُّه, فإنه ليس من لم
يحفظ حجّة على من حفظ، والصفَّار قد عَيَّن شيخَ الزبيدي فيه, وبيَّن أنه الزهري,
حتى لو قلنا: إن محمد بن حرب حدَّث به تارةً فقال فيه: "عن الزبيدي، بلغني عن
أنس", لم يضرّه ذلك, فقد يراجع كتابه فيعرف منه أن الذي حدّثه (3) به الزهري,
فيحدِّث به عنه, فأخَذَه عنه الصفَّار هكذا.
وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أئمةُ الحديث وأطباءُ علله, ويعلمون أنَّ الحديث
معلول بإرسال الزبيدي له, ولهم ذوقٌ لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات
والاحتمالات.
ولهذا الحديث طريق أخرى, رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (4) من
_________
(1) في "الطهور" (312).
(2) زاد في طبعة الفقي: "في الزهريات" ولا وجود لها في الأصل.
(3) في (ش) والطبعتين: "حدّث"، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل، وموافق لما
في (هـ) وكتاب ابن القطان.
(4) لم أقف عليه في المطبوع من "المعجم الكبير" وأخرجه في
"الأوسط" (4465) وقال: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا عمر أبو حفص
العبدي. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد": (1/ 234) فقال: "وله في
الكبير أيضًا: قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح الماء
على لحيته ورجليه" ورجاله موثقون".
(1/100)
حديث أبي حفص العبدي، عن ثابت، عن أنس قال:
"رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ" فذكره كما تقدم. وأبو
حفص وثقه أحمد، وقال: لا أعلم إلا خيرًا, ووثقه ابنُ معين، وقال عبد الصمد بن عبد
الوارث: ثقة وفوق الثقة (1). فهذه ثلاث طرق حسنة.
وذكر الحاكم في "المستدرك" (2) حديثَ عثمان في ذلك, ثم قال: "وله
شاهد صحيح من حديث أنس". ورواه ابن ماجه في "سننه" (3) من حديث [ق
23] يحيى بن كثير أبي (4) النضر، عن يزيد الرّقاشي، عن أنس قال: كان النبيّ - صلى
الله عليه وسلم - إذا توضأ خلَّل لحيتَه وفرَّج أصابعه مرتين.
قال الدارقطني: أبو النضر هذا متروك. وقال النسائي: يزيد الرقاشي
_________
(1) ذهب وَهَل المؤلّف إلى أن أبا حفص العبدي راوي الحديث هو عمر بن إبراهيم أبو
حفص العبدي، ومن ثَمّ نقل توثيقه عن أحمد وابن معين وعبد الصمد، والصحيح أن راوي
الحديث هو أبو حفص عمر بن حفص العبدي كما صرّح بذلك العقيلي في "الضعفاء":
(1/ 281)، وابن حبان في "المجروحين": (2/ 84)، وهو المعروف بالرواية عن
ثابت. وأبو حفصٍ هذا قال أحمد: تركتُ حديثَه وحرقناه، وقال ابن معين: ليس بشيء،
وقال النسائي: متروك، وأطبقوا على تضعيفه. ينظر "الكامل": (5/ 49 - 50)،
و"المجروحين": (2/ 84)، و"العلل" (5333) لأحمد،
و"اللسان": (6/ 88 - 90). وعليه فالإسناد واهٍ.
(2) (1/ 149).
(3) (431).
(4) في الأصل و (ش): "بن" خطأ.
(1/101)
متروك.
ورواه ابنُ عدي (1) من حديث هاشم بن سعيد (2)، عن محمد بن زياد، عن أنس مرفوعًا,
ثم قال ابن عدي: وهاشمٌ هذا مقدار ما يرويه لا يُتابَع عليه.
ورواه البيهقيّ في "السنن" (3) من حديث إبراهيم الصائغ، عن أبي خالد
(4)، عن أنس مرفوعًا. وأبو خالد هذا مجهول.
فهذه ثلاث طرق ضعيفة, والثلاثة الأُوَل أقوى منها.
وأما حديث عمار, فقد تقدم تعليلُ أحمدَ والبخاريِّ له من طريق عبد الكريم. وأما
طريق ابن عُيينة، عن ابن أبي عَروبة، عن قَتادة، عن حسَّان, فقال ابن أبي حاتم في
كتاب "العلل" (5): سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة، عن سعيد بن أبي
عَروبة، فذكره؟ فقال أبي: لم يحدِّث بهذا أحدٌ سوى ابن عيينة، عن ابن أبي عَروبة.
قلت: هو صحيح؟ قال: لو كان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عَروبة, ولم يصرِّح فيه
ابن عيينة بالتحديث, وهذا مما يوهِّنه. يريد بذلك أنه لعله دَلَّسه.
قلت: وقد سُئل الإمام أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: إما أن يكون
_________
(1) في "الكامل": (7/ 115).
(2) في الأصل: "سعد"، والتصويب من "الكامل" ومصادر ترجمته.
ينظر "تهذيب التهذيب": (11/ 17).
(3) (1/ 54).
(4) في الأصل و (ش، هـ): "حازم" تصحيف، والتصحيح من كتاب البيهقي.
(5) (60).
(1/102)
الحُمَيدي اختلط, وإما أن يكون من حدَّث عنه
خَلّط (1). ولكن متابعة ابن أبي عمر له ترفع هذه العُهْدة. والله أعلم.
وقد رُويت أحاديثُ التخليل من حديث عثمان, وعلي, وأنس, وابن عباس, وابن عمر,
وعائشة, وأم سلمة, وعمار بن ياسر, وأبي أيوب, وابن أبي أوفى, وأبي أمامة, وجابر بن
عبد الله, وجرير بن عبد الله البجلي, - رضي الله عنهم -. ولكن قال عبد الله بن
أحمد (2): قال أبي: ليس يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التخليل شيء. وقال
الخلال في كتاب "العلل" (3): أنا أبو داود (4) قال: قلت لأحمد: تخليل
اللحية؟ قال: قد رُوي فيه أحاديث ليس يثبت منها حديث, وأحسنُ شيء فيه حديث شقيق،
عن عثمان.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "العلل" (5): سمعت أبي يقول: لا
يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تخليل اللحية حديث.
قلت: وحديث ابن عباس (6) من رواية نافع مولى يوسف السلمي, قال
_________
(1) أخرج الحميدي هذه الرواية في "المسند" (147). ونقل كلامَ أحمد ابنُ
دقيق العيد في "الإمام": (1/ 491) من مختصر "العلل" للخلال،
وعلّق عليه بأن عُهْدة الحميدي خرجَتْ عنه بمتابعة ابن أبي عمر، وأن أبا حاتم لم
ينكر رواية سفيان بل حكم على روايته عن ابن أبي عروبة بالوهم.
(2) لم أجده في "مسائله" المطبوعة، ونقله الحافظ في
"التلخيص": (1/ 98).
(3) ليس في "المنتخب" منه لابن قدامة.
(4) "مسائل أبي داود" (ص 13). وليس فيه قوله: "وأحسن شيء ...
عثمان". وقد نقل هذه الزيادة ابن الملقن في "البدر المنير": (2/
192).
(5) (60).
(6) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (2277) من طريق نافع أبي هرمز عن عطاء
عن ابن عباس قال: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتطهر ... وفيه:
"وخلل لحيته". قال الطبراني: "لم يرو هذه اللفظة ... في تخليل
اللحية في الوضوء إلا نافع أبو هرمز، تفرد به شيبان".
(1/103)
العقيلي (1): لا يُتابَع عليه, منكر الحديث.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث (2).
وحديث ابن عمر رواه الدارقطني (3)، وقال: الصواب أنه موقوف على ابن عمر. وكذلك قال
عبد الحق (4): الصحيح أنه من فِعْل ابن عمر غير مرفوع.
وله علّة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم (5) عن أبيه, وهي: أن الوليد بن مسلم حَدّث به
عن الأوزاعي مرسلًا, وعبد الحميد رفَعَه عنه. والصواب رواية أبي المغيرة عنه موقوف.
وذكره الخلال في كتاب "العلل" عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا
(6). ثم حكى عن جعفر بن محمد أنه قال: قال أحمد: ليس في التخليل أصح من هذا, يعني
الموقوف (7).
_________
(1) في "الضعفاء": (6/ 164).
(2) "الجرح والتعديل": (8/ 459).
(3) (374، 375).
(4) في "الأحكام الوسطى": (1/ 173).
(5) في "العلل" (58)، ونقله عنه الدارقطني في "السنن": (1/
189). ووقع في الأصل "ابن المغيرة" والتصويب من السنن.
(6) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (1363) ووقع في الأصل: "عبيد الله
بن عمر عن نافع" والتصحيح من "الأوسط" و"الإمام": (1/ 492).
(7) نقلها ابن دقيق العيد في "الإمام": (1/ 492)، وعنه ابن الملقن في
"البدر المنير": (2/ 190 - 191).
(1/104)
وأما حديث أبي أيوب، فذكره الترمذي في كتاب
"العلل" (1) , وقال: سألت محمدًا عنه؟ فقال: لا شيء. فقلت: أبو سَورة ما
اسمه؟ فقال: ما أدري، ما يُصنع به؟ عنده مناكير, ولا يُعْرف له سماع من أبي أيوب.
ورواه ابنُ ماجه في "سننه" (2) من (3) حديث ابن أبي أوفى، وراويه فائد
أبو (4) الورقاء, متروك باتفاقهم (5).
وحديث أبي أمامة رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (6) من حديث أبي غالب، عن
أبي أمامة. وأبو غالب ضعَّفه النسائي ووثقه الدارقطني. وقال ابن معين: صالح
الحديث. وصحح له الترمذي (7).
_________
(1) (1/ 33). وأخرجه أحمد (23541)، وابن ماجه (433).
(2) (416) مختصرًا ليس فيه لفظة التخليل، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده"
كما في "الإتحاف" (561) بسياق أتم وفيه: "ثم يمسح برأسه ويخلل
لحيته". وضعَّفه البوصيري في "الإتحاف" وفي "مصباح
الزجاجة": (1/ 335). وأخرجه أبو عبيد في "الطهور" (311).
(3) زاد في ط. المعارف: " [و] من حديث" وقال إنها زيادة لابد منها؛ لأن
ابن ماجه لم يخرج حديث ابن أبي أوفى. قلت: بل خرَّجه كما سلف في الحاشية السابقة،
فالزيادة مقحمة لا مبرر لها.
(4) الأصل: "ورواية فائد أبي"، وفي ط. الفقي "من رواية"
والسياق يقتضي ما أثبته.
(5) ترجمته في "الجرح والتعديل": (7/ 83)، و"تهذيب التهذيب":
(8/ 255 - 256).
(6) (112)، وأخرجه الطبراني في "الكبير": (8/ 333). قال الحافظ:
"وإسناده ضعيف" "التلخيص": (1/ 97). وحسَّنه ابن الملقن في
"البدر المنير": (2/ 190).
(7) ترجمته في "التهذيب": (12/ 197).
(1/105)
وحديث جابر ضعيف جدًّا (1).
وحديث جَرير ذكره ابنُ عدي (2) من حديث ياسين الزيّات, عن رِبْعيّ بن حراش، عن
جرير مرفوعًا. وياسين متروك عند النسائي والجماعة (3).
وحديث عائشة رواه أحمد في "مسنده" (4).
وحديث أم سلمة ذكره الترمذي في كتابه (5) معلَّقًا فقال: وفي الباب عن أم سلمة،
وذَكَر جماعةً من الصحابة (6).
10 - باب المسح على العمامة
15/ 133 - عن ثوبان - رضي الله عنه - قال: "بعثَ رسولُ الله - صلى الله عليه
وسلم - سريّة، فأصابهم البرد، فلمَّا قَدِموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- أمرَهم أن يمسحوا على العصائب
_________
(1) أخرجه ابن عدي في "الكامل": (1/ 403) في ترجمة أصرم بن غياث، وذكره
في مناكيره، وقال الحافظ في "التلخيص": (1/ 98): "وأصرم متروك
الحديث قاله النسائي، وفي الإسناد انقطاع أيضًا".
(2) في "الكامل": (7/ 184) في ترجمة ياسين الزيات وقال: "وكل
رواياته أو عامتها غير محفوظة".
(3) ترجمته في "الكامل": (7/ 183 - 184)، و"الجرح والتعديل":
(9/ 312 - 313).
(4) (25970)، وأخرجه أبو عبيد في "الطهور" (314)، والحاكم: (1/ 150).
قال الدارقطني: إسناده مجهول، حَمَله الناسُ، وقال الهيثمي في "المجمع":
"رجاله موثقون". وحسّن إسناده الحافظ في "التلخيص": (1/ 97).
(5) (1/ 45). وأخرجه الطبراني في "الكبير": (23/ 298)، وأشار إليه
البيهقي: (1/ 54). قال الحافظ: "وفي إسناده خالد بن إلياس، وهو منكر
الحديث".
(6) بعده في الأصل بياض نحو سطرين.
(1/106)
والتّسَاخين".
16/ 134 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه
وسلم - يتوضأ وعليه عمامة قِطْرِيّة، فأدخل يديه من تحت العمامة، فمسح مقدَّم
رأسه، ولم ينقُضِ العمامة" (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال ابن المنذر (2): ويَمْسح على العمامة, لثبوت ذلك
عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -. وقال
الجوزجاني (3): رَوى المسحَ على العمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سلمانُ
الفارسي، وثوبان، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شُعبة، وأبو موسى.
وفَعَله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق، وقال عمر بن الخطاب: مَن لم يطهِّره المسح
على العمامة فلا طهَّره الله.
قال: والمسح على العمامة سُنَّة مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماضية
مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار. وحكاه عن ابن أبي شيبة وأبي
خيثمة زهير، وسليمان بن داود الهاشمي (4) مذهبًا لهم.
ورواه أيضًا عَمرو بن أمية الضّمْري وبلال.
_________
(1) في الأصل نقل المجرّد الحديث بلفظ: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- ينقض العمامة". وهو اختصار يعكس المعنى.
(2) في "الإقناع": (1/ 63 - 64). وانظر "الأوسط": (2/ 119 -
123).
(3) لعله في كتابه "المترجم"، فإن ابن قدامة وغيره ينقلون منه روايات
وكلامًا في الفقه، قال ابن كثير: "فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة".
"البداية والنهاية": (14/ 545).
(4) في الأصل: "الهاشم".
(1/107)
فأما حديث سلمان (1).
11 - باب التوقيت في المسح (2)
17/ 145 - عن خُزيمة بن ثابت - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: "المسحُ على الخُفّين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يومٌ وليلة".
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (3). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
18/ 146 - وفي لفظ لأبي داود: "ولو استزَدْناه لزادنا".
وفي لفظ لابن ماجه (4): "ولو مضى السائلُ على مسألته لجعلها خمسًا".
وذَكَر الخطّابيّ: أن الحَكَم وحمادًا قد روياه عن إبراهيم، فلم يذكرا (5) فيه هذا
الكلام. ولو ثبت لم يكن فيه حجة، لأنه ظنٌّ منه وحُسْبان. والحجَّة إنما تقوم بقول
صاحب الشريعة، لا بظنِّ الراوي. وقال البيهقي: وحديث خزيمة بن ثابت إسناده مضطرب،
ومع ذلك فما لم يرد لا يصير سنة. [ق 24] هذا آخر كلام
_________
(1) كذا في الأصل، وفي الكلام نقص ظاهر؛ فلعلّ المصنف قصد الكلام على الأحاديث
واحدًا واحدًا كما صنع في أحاديث تخليل اللحية، وحديث سلمان أخرجه ابن أبي شيبة
(229)، وأحمد (23717)، وابن حبان (1344). قال الترمذي في "العلل": (1/
181 - 182): "سألتُ محمدًا عن هذا الحديث، قلت: أبو شريح ما اسمه؟ قال: لا
أدري، لا أعرف اسمه، ولا أعرف اسم أبي مسلم مولى زيد بن صوحان، ولا أعرف له غير
هذا الحديث.
(2) يعني المسح على الخُفّين.
(3) أخرجه أبو داود (157)، والترمذي (95)، وابن ماجه (554).
(4) (553).
(5) (خ): "يذكر"، وصوّبها في الهامش فقال: "في معالم السنن: يذكرا".
(1/108)
البيهقي (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أعلَّ أبو محمد بن حزم (2) حديثَ خُزيمة هذا بأن
قال: "رواه عنه أبو عبد الله الجدليّ, صاحب راية الكافر المختار, لا يعتمد
على روايته". وهذا تعليلٌ في غاية الفساد, فإن أبا عبد الله الجدليّ قد
وثَّقه الأئمة: أحمد ويحيى، وصحَّح الترمذيُّ حديثَه، ولا يُعلم أحدٌ من أئمة
الحديث طَعَن فيه (3).
وأما كونه صاحب راية المختار, فإن المختار إنما أظهر الخروج لأخْذِه بثأر الحسين
والانتصار له مِن قَتَلَته.
وقد طعن أبو محمد بن حزم (4) في أبي الطفيل, وردَّ روايته بكونه كان صاحب راية
المختار أيضًا, مع أن أبا الطفيل كان من الصحابة, ولكن لم يكونوا يعلمون ما في نفس
المختار وما يُسِرُّه, فردُّ روايةِ الصاحبِ والتابعِ الثقةِ بذلك باطلٌ.
وأيضًا: فقد روى ابن ماجه (5) هذا الحديث عن علي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان، عن
أبيه، عن إبراهيم التيمي، عن عَمرو بن ميمون، عن
_________
(1) في (خ): "آخر كلامه"، وفي الأصل و (ط المختصر) كما هو مثبت، وبقي من
كلام المنذري سياقه لحديث عليّ في مسلم، ولم نسقه لأن المجرِّد ذكر أن تعليق ابن
القيم كان عند قول المنذري "آخر كلام البيهقي".
(2) في "المحلى": (2/ 89).
(3) ترجمته في "التهذيب": (12/ 148).
(4) في "المحلى": (3/ 174).
(5) (553).
(1/109)
خزيمة. فهذا عَمرو بن ميمون قد تابع أبا عبد
الله الجَدَلي, وكلاهما ثقة صدوق.
وقد قيل: إن عَمرو بن ميمون رواه أيضًا عن أبي عبد الله الجَدَلي عن خزيمة (1)،
فإن صحَّ ذلك لم يضرّه شيئًا, فلعله سَمِعه من أبي عبد الله, فرواه عنه, ثم سمعه
من خزيمة, فرواه عنه.
19/ 147 - وعن أُبيِّ بن عِمَارة ــ وكان قد صلى مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - القِبْلَتَين ــ أنه قال: "يا رسول الله، أمْسَحُ على الخُفّين؟ قال:
نعم، قال: يومًا؟ قال: يومًا، قال: ويومين (2)؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة؟ قال:
نعم وما شئت".
20/ 148 - وفي رواية: "حتى بلغ سَبعًا ــ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- ــ: نعم، ما بَدَا لَك".
وأخرجه ابن ماجه (3).
وقال أبو داود: وقد اختلف في إسناده، وليس بالقوي. وبمعناه قال البخاري. وقال
الإمام أحمد بن حنبل: رجاله لا يعرفون. وقال الدارقطني: هذا إسنادٌ لا يثبت.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد اخْتُلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا.
وعبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قَطَن: مجهولون كلُّهم (4). وقد
_________
(1) وهي رواية الترمذي (95)، وأحمد (22201).
(2) "قال: يومًا، قال: ويومين؟ " سقطت من (خ - المختصر) والمثبت من
"سنن أبي داود" (158)، و (ط - المختصر).
(3) أخرجه أبو داود (158)، وابن ماجه (557).
(4) هذا التعليل بنصه ذكره ابن الجوزي في "التحقيق": (1/ 209). وانظر
"تنقيح التحقيق": (1/ 332 - 333)، و"البدر المنير": (3/ 41 -
43).
(1/110)
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (1)
من طريق يحيى بن عثمان بن صالح ويحيى بن معين, كلاهما عن عَمرو بن الربيع بن طارق،
أنا يحيى (2) بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد ــ قال
يحيى: شيخٌ من أهل مصر ــ عن عُبادة بن نُسَي (3) ... الحديث.
قال الحاكم: هذا إسناد مصري, لم يُنْسَب واحد منهم إلى جرح (4)، وهذا مذهب مالك,
ولم يخرجاه.
والعجب من الحاكم، كيف يكون هذا مستدركًا على "الصحيحين" ورواته لا
يعرفون بجرح ولا بتعديل؟ والله أعلم (5).
12 - باب المسح على الجورَبَين
21/ 149 - عن أبي قيسٍ الأوْدِيّ، عن هُزَيل بن شُرَحْبيل، عن المغيرة بن شعبة -
رضي الله عنه -: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على
الجوْرَبين والنعلين".
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (6)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث بهذا الحديث، لأن
_________
(1) (1/ 170 - 171).
(2) في ط. الفقي: "محمد" تحريف.
(3) رسمه في الأصل: "لس"!
(4) وتعقبه الذهبي فقال: "بل مجهول".
(5) وانظر كلام المؤلف على الحاكم ومستدركه في "الفروسية" (ص 185 - 186
و 213) و"المنار المنيف" (ص 5).
(6) أخرجه أبو داود (159)، والترمذي (99)، وابن ما جه (559).
(1/111)
المعروف عن المغيرة: "أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - مسح على الخفين".
قال أبو داود: ورُوي هذا أيضًا عن أبي موسى الأشعري، عن النبي - صلى الله عليه
وسلم -: "أنه مسح على الجَورَبين" وليس بالمتصل ولا بالقوي (1).
قال أبو داود: ومسَحَ على الجوربين: عليُّ بنُ أبي طالب، وأبو (2) مسعود، والبراء
بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعَمرو بن حُرَيث. ورُوي ذلك عن
عمر بن الخطاب، وابن عباس، - رضي الله عنهم -.
وذكر أبو بكر البيهقي حديثَ المغيرة هذا وقال: وذاك حديث منكر، ضَعّفه سفيان
الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعليّ بن المديني،
ومسلم بن الحجاج. والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخُفّين، ويُروى عن جماعة
أنهم فعلوه. والله أعلم بالصواب. هذا آخر كلامه.
وأبو قيس الأودي اسمه عبد الرحمن بن ثَرْوان الأَوْدي الكوفي. وهو وإن كان
البخاريُّ قد احتجَّ به فقد قال الإمام أحمد بن حنبل: لا يحتج بحديثه. وسئل عنه
أبو حاتم الرازي؟ فقال: ليس بقوي، هو قليل الحديث، وليس بحافظ، قيل له: كيف حديثه؟
قال: هو صالح، هو ليّن الحديث.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال النسائي (3): "ما نعلم أن أحدًا تابع
هُزَيلًا
_________
(1) ذكر المجرِّد أن تعليق ابن القيم كان عند قول المنذري "ولا بالقوي"
وذكرنا كلامه بتمامه لفائدته في الكلام على الحديث والمسألة التي علق عليها
المؤلف.
(2) في (ط- المختصر) ومطبوعات "السنن": "ابن" وهي رواية ابن
داسة. وفي نسخ "المختصر"، ونسخ عتيقة "للسنن":
"أبو".
(3) في "السنن الكبرى" (129)، وعبارته هناك: "ما نعلم أحدًا تابع
أبا قيس ... ".
(1/112)
على هذه الرواية, والصحيح عن المغيرة: أن
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخُفّين".
وقال البيهقي (1): قال أبو محمد ــ يعني يحيى بن منصور ــ رأيتُ مسلمَ بن الحجَّاج
(2) ضعَّف هذا الخبر, وقال: أبو قيس الأودي وهُزيل بن شرحبيل لا يَحْتَمِلان هذا
مع مخالفتهما جُمْلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة, فقالوا: "مَسَح على
الخفّين". وقال: لا يُتْرَك ظاهرُ القرآن بمثل أبي قيس وهُزيل.
قال: فذكرتُ هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس الدَّغولي (3)؟ فسمعته يقول: سمعت
علي بن مَخْلد بن شيبان يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن
مهدي: قلت لسفيان الثوري: لو حدَّثتني (4) بحديث أبي قيس عن هُزيل ما قَبِلتُه
منك؟ فقال سفيان: الحديث ضعيف, أو واهٍ, أو كلمة نحوها.
وقال عبد الله بن أحمد (5): حدَّثتُ أبي بهذا الحديث, فقال أبي: ليس
_________
(1) في "السنن الكبرى": (1/ 284).
(2) ينظر كلام مسلم في تعليل الخبر في "التمييز": (ص 202 - 203).
(3) الأصل: "الدغورا" خطأ. والتصويب من "سنن البيهقي" وهو
الحافظ محمد بن عبد الرحمن السَّرَخسيّ الدغولي (ت 325). ترجمته في
"السير": (14/ 557).
(4) في الأصل: "لو رجل حدثني"، وفي "سنن البيهقي" والمصادر
كما هو مثبت، وهو الصواب بدليل قوله: "ما قبلتُه منكَ".
(5) في كتاب "العلل": (3/ 366 - 367)، وقال في آخره: "يعني حديث
المغيرة هذا لا يرويه إلا من حديث أبي قيس".
(1/113)
يُرْوى هذا إلا من حديث أبي قيس. قال أبي:
أبى (1) عبدُ الرحمن بن مهدي أن يحدِّث به, يقول: هو منكر.
وقال ابن البرَّاء: قال علي بن المديني: حديث المغيرة بن شعبة في المسح، رواه عن
المغيرة أهلُ المدينة وأهلُ الكوفة وأهلُ البصرة, ورواه هُزَيل بن شرحبيل عن
المغيرة, إلا أنه قال: "ومسَحَ على الجَوْرَبين" وخالفَ الناسَ.
وقال المفضّل بن غسّان (2): سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث؟ فقال: الناس كلّهم
يروونه "على الخفين" غير أبي قيس.
قال ابن المنذر (3): يُروى المسح على الجورَبين عن تسعةٍ من أصحاب النبي - صلى
الله عليه وسلم -: عليّ, وعمَّار, وأبي مسعود الأنصاري, وأنس, وابن عمر, والبراء,
وبلال, وعبد الله بن أبي أوفى (4) , وسهل بن سعد.
وزاد أبو داود (5): أبو أمامة, وعَمرو بن حُرَيث, وعُمر, وابن عباس. فهؤلاء ثلاثة
عشر صحابيًّا. والعمدة في الجواز على هؤلاء - رضي الله عنهم - لا على
_________
(1) في مطبوعة "العلل": "أتى" تصحيف.
(2) في ط. الفقي: "الفضل بن عتبان" تصحيف.
(3) في "الأوسط": (2/ 115).
(4) في "الأوسط" بدلًا منه: "وأبي أمامة". فلعلّ المؤلف نقل
من نسخة أخرى، وقد وافق المؤلف في النقل عن ابن المنذر ابنُ قدامة في
"المغني": ــ ولعل المؤلف صادر عنه ــ (1/ 374)، وابنُ عبد الهادي في
"التنقيح": (1/ 346). وهو من حديث أبي أمامة في "مصنف ابن أبي
شيبة" (1991).
(5) في "السنن": (1/ 41).
(1/114)
حديث أبي قيس.
مع أن المنازعين في المسح متناقضون, فإنهم لو كان هذا الحديث من جانبهم لقالوا:
هذه زيادة, والزيادة من الثقة مقبولة, ولا يلتفتون إلى ما ذكروه هاهنا من تفرُّد
أبي قيس. فإذا كان الحديث مخالفًا لهم أعلّوه بتفرُّد راويه, ولم يقولوا: زيادة
الثقة مقبولة, كما هو موجود في تصرفاتهم!
والإنصاف: أن تَكْتال لمنازعك بالصاع الذي تَكْتال به لنفسك, فإنّ في كلِّ شيء
وفاءً وتَطْفيفًا. ونحن لا نرضى هذه الطريقة, ولا نعتمد على حديث أبي قيس. وقد
نصَّ أحمد على جواز المسح على الجوربين (1) , وعلَّل رواية أبي قيس. وهذا من
إنصافه وعدله رحمه الله, وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريحُ القياس, فإنه لا يظهر
بين الجوربين والخُفَّين فرقٌ مؤثِّر يصح أن يُحَال الحكم عليه. والمسح عليهما [ق
25] قولُ أكثر أهل العلم، منهم من سَمَّينا من الصحابة, وأحمد, وإسحاق بن راهويه,
وعبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري, وسعيد بن
المسيب, وأبو يوسف. ولا يُعْرَف في الصحابة مخالفٌ (2) لمن سَمَّينا.
وأما حديث أبي موسى الذي أشار إليه أبو داود, فرواه البيهقي (3) من حديث عيسى بن
يونس، عن أبي سنان عيسى بن سنان، عن الضحَّاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى قال:
"رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الجَورَبين
والنعلين".
_________
(1) كما في "مسائل ابن هانئ": (1/ 17)، و"مسائل الكوسج": (2/
287 - 288).
(2) في الطبعتين: "ولا نعرف في الصحابة مخالفًا ... " خلاف الأصل.
(3) (1/ 284).
(1/115)
وهذا الحديث له علّتان ذكرهما البيهقي:
أحدهما (1): أن الضحَّاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعُه من أبي موسى.
والثانية: أن عيسى بن سنان ضعيف.
قال البيهقي (2): وتأوَّل الأستاذُ أبو الوليد حديثَ المسح على الجَورَبين
والنعلين على أنه مسحَ على جوربين مُنَعَّلين, لا أنه جورب على الانفراد, ونعل على
الانفراد.
قلت: هذا مبنيٌّ على أنه يستحبّ مسح أعلى الخُفّ وأسفله [والاستيعابُ] (3) في ذلك.
والظاهر أنه مسَحَ على الجوربين الملبوس عليهما (4) نعلان منفصلان. هذا المفهوم
منه, فإنه فَصَل بينهما وجعلهما شيئين (5). ولو كانا جوربين مُنَعَّلَين لقال: مسح
على الجوربين المُنعَّلين.
وأيضًا: فإن الجِلْد الذي في أسفل الجورب لا يسمى نعلًا في لغة العرب, ولا أطلق
أحد عليه هذا الاسم.
_________
(1) كذا في الأصل، والوجه: "إحداهما" وقد تكرر ذلك مرارًا.
(2) (1/ 285).
(3) كلمة غير محررة في الأصل، وفي ط. الفقي: "والبيان"، وفي ط. المعارف:
"والشأن". وما أثبتناه يستقيم به المعنى.
(4) الأصل: "عنهما".
(5) في الطبعتين: "سنّتين"، والكلمة غير محرّرة النقط في الأصل، والمثبت
من (ش، هـ). وهو الموافق للمعنى.
(1/116)
وأيضًا: فالمنقول عن عمر بن الخطاب في ذلك
أنه مَسَح على سيور النعل التي على ظاهر القَدَم مع الجورب (1) , فأما أسفله
وعَقِبه فلا.
وفيه وجه آخر: أنه يمسح على الجورب وأسفل النعل وعقبه. والوجهان لأصحاب أحمد (2).
وأيضًا: فإن تجليد أسافل الجوربين لا يخرجهما عن كونهما جورَبين ولا يؤثِّر اشتراط
ذلك في المسح، وأيُّ فرقٍ بين أن يكونا مجلَّدين أو غير مجلَّدين؟
وقول مسلم - رحمه الله -: "لا يُترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهُزيل"
جوابه من وجهين:
أحدهما: أن ظاهر القرآن لا ينفي المسحَ على الجوربين إلا كما ينفي المسحَ على
الخُفّين, وما كان الجواب عن موارد الإجماع فهو الجواب في مسألة النزاع.
الثاني: أن الذين سمعوا القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وعرفوا تأويلَه
مسحوا على الجَورَبين, وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه. والله أعلم.
13 - باب كيف المسح؟
22/ 157 - عن المغيرة بن شعبة قال: "وضّأتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
في غزوة تبوك، فمسح أعلى الخفِّ وأسفَلَه".
_________
(1) لم أقف عليه.
(2) ينظر "الإنصاف": (1/ 179 - 181)، و"المبدع": (1/ 109).
(1/117)
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (1).
وضعَّف الإمام الشافعي - رضي الله عنه - حديثَ المغيرة هذا.
وقال أبو داود: بلغني أنه لم يسمع ثورٌ هذا الحديث من رجاء. وقال الترمذي: وهذا
حديث معلول. وقال: سألت أبا زرعة ومحمدًا عن هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح.
قال ابن القيم (2) - رحمه الله -: حديث المغيرة هذا قد ذُكِر له أربع علل:
أحدها (3): أن ثور بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حَيْوة, بل قال: حُدِّثت عن رجاء.
قال عبد الله بن أحمد في كتاب "العلل" (4): نا أبي قال: وقال عبد الرحمن
ابن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن ثور بن يزيد قال: حُدِّثت عن رجاء بن حَيْوة,
عن كاتب المغيرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخُفّين
وأسفلهما".
العلة الثانية: أنه مرسل, قال الترمذي (5): سألت أبا زرعة ومحمدًا عن
_________
(1) أخرجه أبو داود (165)، والترمذي (97)، وابن ماجه (550).
(2) رسمه في الأصل: "إبراهيم"، وكذا أثبت في الطبعتين. وأصلحه في هامش
(ش) إلى "ابن القيم"، وهو الصواب.
(3) كذا في الأصل، والوجه: "إحداها".
(4) لم أجده في المطبوع منه، ونقله عنه أبو داود في "السنن" (132). وذكر
مثله ابن أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل": (ص 37)، والعقيلي في
"الضعفاء": (4/ 14) عن علي ابن المديني عن سفيان.
(5) "الجامع" (97). وباقي كلامه: "لم يذكر فيه المغيرة".
وذكره في "العلل الكبير" (70) عنهما وزاد أنهما ضعّفاه.
(1/118)
هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن
المبارك روى هذا عن ثورٍ عن رجاء, قال: حُدِّثت عن كاتب المغيرة، مرسل عن (1)
النبي - صلى الله عليه وسلم -.
العلة الثالثة: أنَّ الوليد بن مسلم لم يصرِّح فيه بالسماع من ثور بن يزيد, بل قال
فيه: "عن ثور"؛ والوليد مدلِّس, فلا يُحْتجّ بعنعنته ما لم يصرِّح
بالسماع.
العلة الرابعة: أن كاتب المغيرة لم يسمَّ فيه, فهو مجهول. ذكر أبو محمد بن حزم (2)
هذه العلة.
وفي هذه العلل نظر:
أما العلة (3) الأولى وهي: أن ثورًا لم يسمعه من رجاء، فقد قال الدارقطني في
"سننه" (4): نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا داود بن رُشَيد، نا
الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد قال: نا رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة بن شعبة،
عن المغيرة، فذكره. فقد صرَّح في هذه الرواية بالتحديث وبالاتصال، فانتفى الإرسال
عنه.
وأما العلة الثالثة: وهي تدليس الوليد, وأنه لم يصرِّح بسماعه، فقد رواه
_________
(1) قوله "كاتب المغيرة مرسل عن" سقط من ط. الفقي.
(2) في "المحلى": (2/ 114).
(3) قوله: "العلة" كتبت فوق السطر وعليها علامة التصحيح. وغيّر النص في
(ط. الفقي) إلى: "أما العلتان الأولى والثانية: وهما أن ... وأنه مرسل".
وهو تصرّف بلا تنبيه، ولا حاجة إليه.
(4) (752).
(1/119)
أبو داود (1) عن محمود بن خالد الدمشقي، ثنا
الوليد، أنا ثور بن يزيد. فقد أُمِنَ تدليس الوليد في هذا.
وأما العلة الرابعة: وهي جهالة كاتب المغيرة، فقد رواه ابن ماجه في
"سننه" (2) وقال: "عن رجاء بن حَيْوة، عن ورَّاد كاتب المغيرة، عن
المغيرة".
وقال شيخنا أبو الحجاج المِزّي (3): رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد
الملك بن عُمير، عن وَرَّاد، عن المغيرة. تم كلامه.
وأيضًا: فالمعروف بكتابة المغيرة هو مولاه ورَّاد، وقد خُرِّج له في
"الصحيحين" (4) , وإنما تُرك ذِكْر اسمه في هذه الرواية لشهرته وعدم
التباسه بغيره. ومن له خبرة بالحديث ورواته لا يتمارى في أنه وَرَّاد كاتبه.
وبعد، فهذا حديث قد ضَعَّفه [ق 26] الأئمة الكبار: البخاري, وأبو زرعة, والترمذي,
وأبو داود, والشافعي, ومن المتأخرين: أبو محمد بن حزم. وهو الصواب، لأن الأحاديث
الصحيحة كلها تخالفه.
وهذه العلل وإن كان بعضها غير مؤثِّر، فمنها ما هو مؤثِّرٌ مانعٌ من صحة الحديث.
وقد تفرَّد الوليد بن مسلم بإسناده ووَصْلِه، وخالفه من هو أحفظ منه وأجلّ، وهو
الإمام الثبت عبد الله بن المبارك, فرواه عن ثور، عن رجاء
_________
(1) (165).
(2) (550).
(3) في "تحفة الأشراف": (8/ 497).
(4) خرج له البخاري أحاديث منها برقم (844، 2408، 5975)، ومسلم برقم (593، 1499).
(1/120)
قال: حُدِّثت عن كاتب المغيرة، عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - (1). وإذا اختلف عبد الله بن المبارك والوليد بن مسلم فالقول
ما قال عبد الله.
وقد قال بعض الحفاظ: أخطأ الوليد بن مسلم في هذا الحديث في موضعين: أحدهما: أن
رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة, وإنما قال: حُدِّثت عنه. والثاني: أن ثورًا لم
يسمعه من رجاء (2). وخطأ ثالث: أن الصواب إرساله. فميَّزَ الحُفّاظ ذلك كلَّه في
الحديث وبيَّنوه, ورواه الوليدُ معنعنًا من غير تبيين. والله أعلم.
14 - باب تفريق الوضوء
23/ 165 - عن قتادة قال: حدثنا أنس - رضي الله عنه -: أن رجلًا جاء إلى رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -، وقد توضأ وتركَ على قَدمه (3) مثلَ موضع الظُّفْر، فقال
له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ارجع فأحسِنْ وضوءَك".
وأخرجه ابن ماجه (4).
وقال أبو داود: وهذا الحديث ليس بمعروف (5)، ولم يروه إلا ابنُ وهب. وقد رُوي عن
معقل بن عبيد الله الجَزري، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر، عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - نحوه، قال: "ارجع فأحْسِن وضوءك".
_________
(1) ذكره الترمذي: (1/ 162). كذا قال، والصواب أن ابن المبارك يرويه عن ثور قال:
حُدّثت عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة ... كما ذكره في "العلل" (70)،