النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
عليه، وهو الأشبه»، وقد سبق تفصيل ذلك في التخريج.
(2) واختارها وبالغ ابنُه القاضي أبو الحسين فضمّن هذا القول في جزئه في
«الاعتقاد» (ص 34)!
(3) انظر: «مجموع الفتاوى» (24/ 372)، و «درء التعارض» (8/ 398).
(4) هذا لفظ حديث بُهيّة عن عائشة، وقد سبق، وأما حديث خديجة فلفظه: «هما في
النار». أخرجه عبد الله في زيادات «المسند» (1131)، ولا يصح، في إسناده جهالة
وانقطاع. وأخرجه أبو يعلى (7077) من طريق آخر، وفيه انقطاع أيضًا. انظر: «تفسير
ابن كثير» (الإسراء: 15)، و «سير أعلام النبلاء (2/ 113)، و «الضعيفة» (5791).
(5) انظر: «منهاج السنة» (2/ 306)، و «درء التعارض» (8/ 398 - 399).
(3/217)
وهذا حديث موضوع، وأحمد أجلّ من أن يحتج
بمثله، وإنما أراد حديث عائشة: «الله أعلم بما كانوا عاملين».
والقول الثالث: إنهم في الجنة. واحتج هؤلاء بحديث سمرة الذي رواه البخاري.
واحتجوا بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}
[الإسراء: 15]، وبقوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا
وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الملك: 8 - 9]، فهذا دليل على أن كل
فوج يُلقى فيها لا بد وأن يكونوا قد جاءهم النذير وكذبوه، وهذا ممتنع في حق
الأطفال.
واحتجوا بقوله تعالى لإبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ
مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85]، قالوا: فإذا امتلأت منه ومن أتباعه لم يبق فيها
موضع لغيرهم.
واحتجوا بقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِ} [النساء: 165]، قالوا: فالله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بذنبه، فالنار
دار عدله لا يُدخِلها أحدًا إلا بعمل، وأما الجنة فدار فضله يُدخِلها بغير عمل،
ولهذا ينشئ للفضل الذي يبقى فيها أقوامًا يُسكِنُهموه.
وأما الحديث الذي ورد في بعض طرق البخاري (1): «وأما النار فينشئ الله لها خلقًا
يسكنهم إياها» فغلط من الراوي انقلب عليه لفظه، وإنما هو:
_________
(1) برقم (7449) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(3/218)
«وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا»، وقد
ذكره البخاري (1)، وسياق الحديث يدل على ذلك.
قالوا: وأما حديث عائشة والصعب بن جَثَّامة (2)، فليس فيه أنهم في النار، وإنما
فيه أنهم «من آبائهم» تبع لهم في الحكم وأنهم إذا أصيبوا في البيات لم يُضمَنوا
بديةٍ ولا كفارة، وهذا ظاهر في حديث الصعب (3). وأما حديث عائشة فقد ضعفه غير واحد
(4).
قالوا: وحديث خديجة باطل لا يصح.
والقول الرابع: إنهم بين الجنة والنار، إذ لا معصية لهم توجب دخول النار، ولا
إسلام يوجب لهم دخول الجنة.
وهذا أيضًا ليس بشيء، فإنه لا دار للقرار إلا الجنة والنار، وأما الأعراف فإن مآل
أصحابها إلى الجنة، كما قاله الصحابة (5).
والقول الخامس: إنهم تحت المشيئة، يجوز أن يعذبهم وأن ينعمهم،
_________
(1) برقم (4850) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وأخرجه مسلم (2846/ 36)
أيضًا. وأخرجاه أيضًا من حديث أنس؛ البخاري (7384)، ومسلم (2848).
(2) في الأصل و (هـ) وط. الفقي: «الأسود بن سريع»، وهو سبق قلم كما نبّه عليه محقق
ط. المعارف، لأن الذي سبق بهذا اللفظ هو حديث الصعب بن جثّامة المتفق عليه، وأما
حديث الأسود فهو في الامتحان يوم القيامة، وسيأتي في كلام المؤلف.
(3) الأصل و (هـ) وط. الفقي: «الأسود»، وهو سبق قلم كما سبق.
(4) ضعّفه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» كما سبق بيانه والنظر فيه.
(5) كحذيفة وابن عباس وعبد الله بن الحارث. انظر: «تفسير الطبري» (10/ 212 وما
بعدها).
(3/219)
وأن يعذب بعضًا وينعم بعضًا. وهذا قول كثير
من المثبتين للقدر، وقول الجبرية ونفاة التعليل والحكم.
والقول السادس: إنهم ولدان أهل الجنة وخَدَمهم، وقد روي في ذلك حديث لا يثبت (1).
والقول السابع: إن حكمهم حكم الآباء في الدنيا والآخرة، فلا حكم لهم غير حكم
آبائهم. فكما هم معهم تبع في الدنيا فكذلك (2) في الآخرة.
والقول الثامن: إنهم يُمتحنون في الآخرة، فمن أطاع منهم أدخله الجنة، ومن عصى
عذّبه.
وقد روي في هذا من حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة وغيرهما مرفوعًا (3)، وهي
أحاديث يشد بعضُها بعضًا.
_________
(1) عن أنس وسمرة بن جندب. أما حديث أنس فأخرجه البزار (7466، 7467)، وأبو يعلى
(4090)، والطبراني في «الأوسط» (5355) من طريقين؛ من طريق يزيد الرقاشي، ومن طريق
زيد بن علي بن جدعان، كلاهما عن أنس. والحديث بمجموعهما محتمل للتحسين. وله طريق
ثالث عن أنس عند الطبراني في «الأوسط» (2972) لكنه واهٍ بمرة.
وأما حديث سمرة فأخرجه البزار (4516) والطبراني في «الكبير» (7/ 244) و «الأوسط»
(2045)، من طريق عباد بن منصور، عن أبي رجاء، عن سمرة. وعبّاد ضعيف، والمحفوظ حديث
عوف الأعرابي، عن أبي رجاء، عن سمرة في رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم -
إبراهيمَ في روضة وحوله الولدان الذين ماتوا على الفطرة، فقيل: يا رسول الله،
وأولاد المشركين؟ فقال: «وأولاد المشركين». أخرجه البخاري، وقد سبق.
(2) الأصل: «كذلك»، والمثبت من (هـ).
(3) «مرفوعًا» من (هـ). ولفظ حديث الأسود وأبي هريرة: «أربعة يوم القيامة: رجل أصم
لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هَرِم، ورجل مات في فترة ... » ثم ذكر احتجاجهم
على الله، فامتحانه إياهم. أخرجه أحمد (16301، 16302) ــ ومن طريقه الضياء في
«المختارة» (4/ 255) ــ من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن
قيس، عن الأسود؛ وقال معاذ: وحدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي
هريرة.
حديث الأسود صححه ابن حبان (7356)، على أن فيه انقطاعًا بين قتادة والأحنف. وحديث
أبي هريرة صحح البيهقي إسناده في «الاعتقاد» (ص 185) و «القضاء والقدر» (645).
وروي عن أبي هريرة من وجه آخر موقوفًا عليه. أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/
374) بإسناد صحيح.
وفي الباب حديث أنس ومعاذ وأبي سعيد الخدري، وفي حديثهم ذكر المولود الهالك
صغيرًا، وهو الشاهد لما نحن فيه، ولكن أسانيدها ضعيفة، وأمثلها حديث أبي سعيد.
انظر: «طريق الهجرتين» (2/ 867 - 872)، و «السلسلة الصحيحة» (2468).
(3/220)
وهذا أعدل الأقوال، وبه يجتمع شمل الأدلة
وتتفق الأحاديث في هذا الباب. وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة كما في حديث سمرة،
وبعضهم في النار كما دل عليه حديث عائشة. وجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل
على هذا، فإنه قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم». ومعلوم أن الله لا
يعذبهم بعلمه فيهم ما لم يقع معلومه، فهو إنما يعذب من يستحق العذاب على معلومه،
وهو متعلَّق علمه السابق فيه، لا على علمه المجرّد، وهذا العلم يظهر معلومه في
الدار الآخرة.
وفي قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا
عاملين لو عاشوا، وأن من يطيعه وقت الامتحان [ق 242] كان يطيعه لو عاش في الدنيا،
ومن يعصيه حينئذ كان ممن يعصيه لو عاش في الدنيا. فهو دليل على تعلُّق علمِه بما
لم يكن لو كان كيف كان يكون.
(3/221)
وقيل: إنما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم
- قبل أن يُعلِمه الله بمصيرهم ومستقرهم؛ وليس بشيء، فإنه لا تعرض في هذا للمستقر،
كما تقدم.
وقيل معناه الله أعلم على أي دين يميتهم لو عاشوا وبلغوا العمل، فأما إذا عدم فيهم
العمل فهم في رحمة الله؛ وهذا بعيد من دلالة اللفظ عليه، والله أعلم.
9 - باب في الرد على الجهمية
571/ 4558 - وعن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه -، قال: كنتُ في البَطْحاء
في عِصابة، فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمرَّتْ بهم سَحابة فنظر إليها
فقال: «ما تُسَمُّون هذه؟» قالوا: السحاب، قال: «والمُزْن»، قالوا: والمزن، قال:
«والعَنان»، قالوا: والعَنان ــ قال أبو داود: لم أتقن «العَنان» جيدًا ــ قال -
صلى الله عليه وسلم -: «هل تَدْرُون ما بُعْدُ ما بين السماء والأرض؟» قالوا: لا
ندري، قال: «إن بُعْدَ ما بينهما إمَّا واحدة، أو اثنتان، أو ثلاث وسبعون سنة، ثم
السماء فوقها كذلك ــ حتى عَدَّ سَبْع سماوات ــ ثم فوق السابعة بَحْرٌ بين أسفله
وأعلاه مثلُ ما بين سماءٍ إلى سماء، ثم فوقَ ذلك ثمانية أوعالٍ، بين أظلافهم
ورُكَبهم مثلُ ما بين سماء إلى سماءٍ، ثم على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه مثل
ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تبارك وتعالى فوقَ ذلك».
وأخرجه ابن ماجه والترمذي (1)، وقال: حسن غريب، وروى شريك بعض
_________
(1) أبو داود (4723)، وابن ماجه (193)، والترمذي (3320)، وأخرجه ابن خزيمة في
«التوحيد» (172، 173)، وابن منده في «التوحيد» (1/ 114)؛ من طرق عن سماك بن حرب،
عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس.
قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الجَورقاني والضياء وابن تيمية، وأعلّه الذهبي وغيره
بجهالة حال عبد الله بن عميرة وبقول البخاري فيه: «لا نعلم له سماعًا من الأحنف».
انظر: «الأباطيل والمناكير» (1/ 209 - 211)، و «مجموع الفتاوى» (3/ 192)، و «العلو
للعلي العظيم» (1/ 501 - 502)، و «ميزان الاعتدال» (2/ 469)، «الضعيفة» (1247).
وأعل الحديث أيضًا بما لا يقدح، وسيأتي ذلك والرد عليه في كلام المؤلف.
(3/222)
هذا الحديث عن سماك فوقفه.
قال ابن القيم - رحمه الله -: قد رُدَّ هذا الحديث بشيئين:
أحدهما بأن فيه الوليد بن أبي ثور، ولا يحتج به (1).
والثاني بما رواه الترمذي (2) من حديث قتادة عن الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبي
الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال النبي - صلى
الله عليه وسلم -: «هل تدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا العنان،
هذه روايا الأرض، يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه»، ثم قال: «هل
تدرون ما فوقكم؟» قالوا الله ورسوله أعلم، قال: «إنها الرقيع، سقف محفوظ، ومَوج
مكفوف». ثم قال: «هل تدرون كم بينكم وبينها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:
«بينكم وبينها [مسيرة] خمسمائة سنة»، ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله
ورسوله أعلم، قال: «فإن فوق ذلك سماءين ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة»، حتى عد سبع
سماوات، ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض، ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟»
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بعد ما بين
السماءين»، ثم قال: «هل تدرون ما الذي تحتكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم،
_________
(1) به أعله المنذري في «المختصر» (7/ 93)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/
10).
(2) برقم (3298) وضعّفه، وسيذكر المؤلف نصّ كلامه.
(3/223)
قال: «فإنها الأرض»، ثم قال: «هل تدرون ما
الذي تحت ذلك؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن تحتها أرضًا أخرى، بينهما
مسيرة خمسمائة سنة» حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال:
«والذي نفس محمد بيده لو أنّكم دَلَّيتم بحبل إلى الأرض السُّفلى لهبط على الله»،
ثم قرأ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ
شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3].
قالوا: هذا خلاف حديث العباس في موضعين: في ذكر بُعد المسافة بين السماوات، وفي
نفي اختصاص الرب بالفوقية.
قال المثبتون: أما ردُّ الحديث الأول بالوليد بن أبي ثور، ففاسد، فإن الوليد لم
ينفرد به بل تابعه عليه إبراهيم بن طَهمان، كلاهما عن سِماك، ومن طريقه رواه أبو
داود (1).
ورواه أيضًا عمرو بن أبي قيس عن سِماك، ومن حديثه رواه الترمذي (2) عن عبد بن
حُميد: حدثنا عبد الرحمن بن سعد، عن عمرو بن أبي قيس. قال الترمذي: قال عبد بن
حميد: سمعت يحيى بن معين يقول: ألا يريدُ (3) عبد الرحمن بن سعد أن يحجَّ حتى نسمع
منه هذا الحديث؟
ورواه الوليد بن أبي ثور عن سماك، ومن حديثه رواه ابن ماجه في «سننه»، فأي ذنب
للوليد في هذا؟ وأي تعلُّق عليه؟ وإنما ذنبه روايته (4) ما
_________
(1) برقم (4725)، وإبراهيم بن طهمان ثقة من رجال الشيخين.
(2) وهو عند أبي داود (4724) أيضًا، وعمرو بن أبي قيس صدوق لا بأس به يهم قليلًا.
(3) في الأصل و (هـ): «يريد بن»، وفي ط. الفقي: «تريدون»، وكلاهما تصحيف.
(4) في الأصل والطبعتين: «راويته»، تصحيف، وهو على الصواب في (هـ).
(3/224)
يخالف قول الجهمية، وهي علته المؤثرة عند
القوم!
وأما معارضته بحديث (1) الحسن عن أبي هريرة ففاسدة (2) أيضًا، فإن الترمذي ضعّف
حديث الحسن هذا، وقال فيه: «غريب» فقط، قال: ويُروى عن أيوب، ويونس بن عبيد، وعلي
بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة.
قال الترمذي: ففسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما معناه: هبط على علم
الله وقدرته وسلطانه، [وعلمُ الله] (3) وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش
كما وصف في كتابه.
وهذا التفسير الذي ذكره الترمذي يشبه التفسير الذي حكاه البيهقي عن أبي حنيفة -
رحمه الله - في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]،
فإنه قال (4): أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أخبرنا أبو محمد بن حيان (5)،
أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر، حدثنا يحيى بن مُعَلَّى (6)
قال: سمعت
_________
(1) في الطبعتين: «لحديث»، ورسم الأصل محتمل، والمثبت من (هـ) أوفق للسياق.
(2) الأصل: «ففاسد» وله وجه، والمثبت من (هـ).
(3) ساقط من الأصل و (هـ)، واستدركته من «الجامع».
(4) في كتابه «الأسماء والصفات» (2/ 337 - 338).
(5) رسمه في الأصل يشبه: «حباب»، وفي ط. الفقي: «الحباب» خطأ، وهو على الصواب في
(هـ). وهو الحافظ أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان الأصبهاني (ت 369).
(6) في الأصل و (هـ) والطبعتين: «بن يعلى»، وكذا في مطبوعة «الأسماء والصفات»، وهو
تصحيف لأنه لا يوجد في هذه الطبقة أحد بهذا الاسم، ولأنه ذكر المزّي في ترجمة ابن
معلَّى أنه يروي عن نعيم بن حماد (ت 228)، وأنه روى عنه بلديّه أحمد بن جعفر بن
نصر أبو العبّاس الجمّال (ت 314). «تهذيب الكمال» (8/ 88) ..
(3/225)
نُعَيم بن حماد يقول: سمعت نوح بن أبي مريم
يقول: كنا عند أبي حنيفة أوَّل ما ظهر، إذ جاءته امرأة من تِرمِذَ كانت تجالس
جهمًا، فدخلت الكوفة ــ فأظنني أقلُّ ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس ــ تدعو
إلى رأيها، فقيل لها: إن هاهنا رجلًا نظر في المعقول يقال له: أبو حنيفة فأْتِيه،
فأتته وقالت: أنت الذي تعلّم الناس المسائل، وقد تركتَ دينك؟! أين إلهك الذي
تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها ثم خرج إلينا وقد وضع كتابًا: إن
الله تعالى في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: {وَهُوَ
مَعَكُمْ}؟ قال: هو كما تكتب إلى الرجل: إني معك، وأنت غائب عنه (1).
قال البيهقي: فقد أصاب أبو حنيفة - رحمه الله - فيما نفى عن الله تعالى من الكون
في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع [ق 243] مطلقَ السمع في
_________
(1) رواة إسناده ثقات عدا نوح بن أبي مريم، وهو وإن كان متروكًا ذاهب الحديث يقلب
الأسانيد ويروي المناكير إلا أنه من خواص أصحاب أبي حنيفة، والحنفية لا يتهمونه
فيما ينقل عن إمامهم بل يذكرون أنه أول من جمع فقهه، وأنه كان له مجلس لأقاويل أبي
حنيفة، وأنه أحد الاثني عشر من أصحاب الإمام الذين أشار إليهم أنهم يصلحون للقضاء،
ولمّا استقضي على مَرْوٍ في حياة شيخه كتب إليه بكتاب فيه موعظة وشروط القضاء.
قلت: وعليه فروايته هذه عن شيخه ــ لاسيما وقد تضمّنت قصةً ــ مظنة الصدق والضبط،
والله أعلم.
انظر: «تهذيب التهذيب» (10/ 486)، و «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» (1/ 176)،
و «بدائع الصنائع» (1/ 270).
(3/226)
قوله: إن الله عز وجل في السماء. هذا لفظه
في كتاب «الأسماء والصفات».
قالوا: وأما اختلاف مقدار المسافة في حديثَي العباس وأبي هريرة، فهو مما يشهد
بتصديق كل منهما للآخر، فإن المسافة يختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها،
فسير البريد مثلًا يُقطَع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات، وهذا معلوم بالواقع، فما
تَسِيره الإبل سيرًا قاصدًا في عشرين يومًا يقطعه البريد في ثلاثة، فحيث قدَّر
النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد، وحيث
قدَّر بالخمسمائة أراد به السير الذي يعرفونه سير الإبل والركاب، فكل منهما يصدِّق
الآخر ويشهد بصحته، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
572/ 4559 - وعن جُبير بن محمد بن جبير بن مُطْعِم، عن أبيه، عن جده قال: أتى
رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ الله، جَهِدَتِ
الأنفُس، وضاعت العيالُ، ونُهِكَت الأموالُ، وهَلكت الأنعامُ، فاسْتَسْقِ الله
لنا، فإنَّا نَسْتَشْفِعُ بك على الله، ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: «وَيْحَك! أتدري ما تقول؟» وسَبَّح رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم
-، فما زال يُسبح حتى عُرِف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: «وَيحَك! إنه لا
يُسْتَشْفَعُ بالله على أحدٍ مِن خَلقه، شأنُ الله أعظمُ من ذلك، ويحك! أتدري ما
الله؟ إنَّ عرشه على سماواته لَهكذا ــ وقال بأصابعه مثلَ القُبَّة عليه ــ وإنه
لَيَئِطُّ به أَطِيط الرَّحل بالراكب». قال ابن بشَّار في حديثه: «إن الله فوقَ
عرشه، وعَرْشُه فوق سمواته ... » وساق الحديث (1).
_________
(1) «سنن أبي داود» (4726)، وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (577، 578)، والبزار
(3431، 3432)، وابن خزيمة في «التوحيد» (175)، وأبو عوانة في «المستخرج» (2517)،
والطبراني في «الكبير» (2/ 128)، والآجري في «الشريعة» (3/ 1091)، والدارقطني في
«الصفات» (38)، وابن منده في «التوحيد» (3/ 188) كلهم من طريق ابن إسحاق، عن يعقوب
بن عتبة عن جبير بن محمد به، إلا أنه ورد في بعض الطرق: «يعقوب بن عتبة وجبير بن
محمد»، وخطّأه أبو داود والبزار والدارقطني، وقالوا: الصواب «يعقوب بن عتبة عن
جبير بن محمد».
قال ابن منده: «هو إسناد صحيح متصل من رسم أبي عيسى والنسائي»، وقال الذهبي في
«العلو» (1/ 413 - 416): «هذا حديث غريب جدًّا فرد، وابن إسحاق حجّة في المغازي
إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فالله أعلم أقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا
أم لا ... وإنما سقناه لما فيه ممّا تواتر من علو الله تعالى فوق عرشه مما يوافق
آيات الكتاب».
(3/227)
قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه
يُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه من الوجوه، إلا من هذا الوجه. ولم
يقل فيه محمد بن إسحاق: «حدثني يعقوب بن عتبة». هذا آخر كلامه.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بوجوه:
أحدها: أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن الحديث ولم يصرِّح بالسماع، والمدلس إذا لم
يذكر سماعه لم يُحتجّ براويته.
الثاني: أنه لو صرَّح بالسماع، فابن إسحاق لا يحتجُّ بحديثه، وقد كذَّبه مالك
وغيره.
الثالث: أنه قد تفرَّد به يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي، ولم يروِ
عنه أحد من أهل «الصحيح» (1).
الرابع: أنه رواه عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، ولم يروِ عنه أحد من
_________
(1) بهذين الوجهين (الثاني والثالث) أعلَّه البيهقي في «الأسماء والصفات» (2/
319)، وقد نقل المنذري كلامه في «المختصر». وأعله بهما أيضًا الحافظ ابن عساكر مع
الوجه الآتي، كما نقله عنه المنذري، ولعله من جزء له في «حديث الأطيط». انظر: «سير
أعلام النبلاء» (20/ 560).
(3/228)
أصحاب «الصحيح» أيضًا.
الخامس: أن الحديث اضطُرب فيه على ابن إسحاق، فقال عبد الأعلى ومحمد بن المُثنَّى
ومحمد بن بشَّار: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعتُ محمد بن إسحاق يحدِّث عن
يعقوب بن عتبة و جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدِّه. وقال أحمد بن
سعيد الرِّباطي: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعتُ محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن
عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده (1).
السادس: أنه اختُلف عليه في لفظه، فرواه يحيى بن معين وغيره فلم يذكروا: «به»،
وقالوا: «إنه لَيَئِطُّ أَطِيطَ الرَّحل» (2). ورواه جماعة فقالوا: «ليئطُّ به»
(3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال أهل الإثبات: ليس في شيء من هذا مُستراح لكم في
رد الحديث!
أما حملكم فيه على ابن إسحاق، فجوابه أن ابن إسحاق بالموضع الذي
_________
(1) كلا الطريقين عند أبي داود في حديث الباب.
(2) رواية ابن معين أخرجها الدارقطني في «الصفات» (41) وابن منده في «التوحيد» (3/
188). وممن أخرج الحديث دون هذه اللفظة ابنُ أبي عاصم في «السنة» (587) من رواية
عبد الأعلى النَّرْسي ومحمد بن المثنى، كلاهما عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن ابن
إسحاق به.
(3) الكلام السابق من (هـ)، وقد لخّص ورتَّب وعدَّد فيه المؤلف وجوه الإعلال التي
ذكرها المنذري في «المختصر» (ق 4/ 146 ــ النسخة البريطانية) ضمن كلام طويل له على
الحديث من لفظه ونقلًا عن غيره. إلا الوجه الخامس، فليس عند المنذري بل هومما زاده
المؤلف.
(3/229)
جعله الله من العلم والأمانة (1) وثناءِ
أكابر الأئمة عليه، وردّهم على من طعن عليه واستنكارهم له، وشهادتهم له بالصدق
والحفظ والإمامة.
قال علي ابن المديني: حديثه عندي صحيح (2).
وقال شعبة: ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث (3)، وقال أيضًا: هو صدوق (4).
وقال علي ابن المديني أيضًا: لم أجد له سوى حديثين منكرين (5). وهذا في غاية
الثناء والمدح إذ لم يجد له على كثرة ما روى إلا حديثين منكرين.
وقال علي أيضًا: سمعت ابن عيينة يقول: ما سمعت أحدًا يتكلم في ابن إسحاق إلا في قوله
في القدر (6). ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعدهم.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال الزهري: لا يزال بهذه
الحَرَّة علم ما دام بها ذلك الأحوَل، يريد ابن
_________
(1) في (هـ): «والإمامة»، والمثبت من الأصل، وسقط منه ما بعدها إلى آخر الفقرة،
فاستُدرك من (هـ).
(2) أسنده الخطيب في «تاريخ بغداد» (2/ 27) بإسناد صحيح.
(3) أسنده الخطيب (2/ 26) من طرق عنه.
(4) أسنده ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (1/ 152، 7/ 192).
(5) ذكره يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (2/ 27 - 28)، ومن طريقه أسنده
الخطيب (2/ 28).
(6) أسنده العقيلي في «الضعفاء» (5/ 197).
(3/230)
إسحاق (1).
وقال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين: كيف ابن إسحاق؟ قال: ليس بذاك، قلت: ففي
نفسك من حديثه شيء؟ قال: لا، كان صدوقًا (2).
وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: لو كان لي سلطان لأمّرتُ ابن إسحاق على
المحدثين (3).
وقال ابن عدي (4): قد فتشت أحاديث ابن إسحاق الكثير (5)، فلم أجد في حديثه ما
يتهيأ أن يُقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ أو وهم كما يخطئ غيره، ولم يتخلف في
الرواية عنه الثقاتُ والأئمة، وهو لا بأس به.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي (6): ابن إسحاق ثقة.
وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث ذكرها لابن إسحاق في «صحيحه» (7).
_________
(1) أسنده ابن عدي في «الكامل» (6/ 105).
(2) «الكامل» (6/ 106).
(3) «الكامل» (6/ 107)، وأسنده الخطيب (2/ 26) بلفظ: «لو سُوِّد أحد في الحديث،
لسُوِّد محمد بن إسحاق».
(4) «الكامل» (6/ 112)، وكأن المؤلف صادر عن «الميزان» (3/ 474).
(5) كذا في الأصل و «الميزان»، وفي مطبوعة «الكامل»: «الكثيرة».
(6) «معرفة الثقات» (2/ 232).
(7) كذا في «الأسماء والصفات» (2/ 320)، و «ميزان الاعتدال» (3/ 475)، وقد وجدت
أنه استشهد به في سبعة أحاديث متابعةً، وهي: (480/ 213)، (830/ 292)، (873/ 52)،
(1172/ 6)، (1199/ 78)، (1656/ 28)، (1703/ 31).
(3/231)
وقد روى الترمذي في «جامعه» (1) من حديث ابن
إسحاق: حدثنا سعيد بن عُبَيد بن السبّاق، عن أبيه، عن سهل بن حُنَيف قال: «كنت
ألقى من المذي شدة فأكثِر الاغتسال منه [فسألت عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فقال: «فيه الوضوء»، قلتُ: فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ
كفًّا من ماءٍ فتَنْضحَ به ثوبَك حيث ترى أنه أصابه»] (2). قال الترمذي: «هذا حديث
صحيح، لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق». فهذا حكم قد تفرد به ابن إسحاق في الدنيا
(3)، وقد صححه الترمذي.
فإن قيل: فقد كذّبه مالك ويحيى القطان وهشام بن عروة وغيرهم (4)، فقال أبو قِلابة
الرَّقاشي: حدثني أبو داود سليمان بن داود قال: قال يحيى القطان (5): أشهد أن محمد
بن إسحاق كذّاب، قلت: وما يدريك؟ قال: قال لي وهيب (6)، فقلت لوهيب: وما يدريك؟
قال: قال لي مالك بن أنس، فقلت لمالك: وما يدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة، قال:
قلت لهشام:
_________
(1) برقم (115)، وأخرجه أيضًا أحمد (15973)، وأبو داود (210)، وابن خزيمة (291)،
وابن حبان (1103)؛ كلهم من طريق ابن إسحاق به.
(2) ما بين الحاصرتين من (هـ)، وفي الأصل: « ... الحديث» اختصارًا من المجرّد.
(3) المراد بالحكم المتفرَّد به هو أن ينضح ثوبه حيث يرى أنه أصابه المذي. وأما
الأمر بالوضوء من المذي فليس مما تفرد به، فإنه ثابت في حديث عليٍّ المتفق عليه.
(4) «ويحيى القطان» إلى هنا ساقط من الأصل، واستدرك من (هـ).
(5) الأصل: «بن القطان»، والمثبت من (هـ).
(6) في الطبعتين هنا وفي الموضع الآتي: «وهب»، خطأ مخالف للأصل، وإنما هو وهيب بن
خالد البصري.
(3/232)
وما يدريك؟ قال: حَدَّث عن امرأتي فاطمة بنت
المنذر، وأُدخِلتْ عليَّ (1)، وهي بنت تسع، وما رآها رجل حتى لقيتِ الله (2).
قيل: هذه الحكاية وأمثالها هي التي غرَّت من اتهمه بالكذب، وجوابها من وجوه:
أحدها: أن سليمان بن داود (راويها عن يحيى) هو الشاذَكُوني (3)، وقد اتُّهم
بالكذب، فلا يجوز القدح في الرجل بمثل رواية الشاذكوني.
الثاني: أن في الحكاية ما يدل على أنها كذب، فإنه قال: أُدخلتْ عليّ وهي بنت تسع،
وفاطمة أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، ولعلها لم تُزَفّ إليه إلا وقد زادت على
العشرين، ولمّا أَخَذ عنها ابنُ إسحاق كان لها نحو بضع وخمسين سنة.
الثالث: أن هشامًا إنما نفى رؤيته لها، ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من
انتفاء الرؤية انتفاء السماع. قال الإمام أحمد: لعله سمع منها في
_________
(1) في الأصل والطبعتين: «أُدخلتُ عليها» ولعله سبق قلم، والتصحيح من «الكامل»،
وسيأتي على الصواب في الوجه الثاني من أوجه الرد على الحكاية.
(2) أسنده العقيلي في «الضعفاء» (5/ 193) وابن عدي في «الكامل» (6/ 103).
(3) وكذا جزم به الذهبي في «السير» (7/ 49) فقال: «هذه الخرافة من صنعة سليمان،
وهو الشاذكوني ــ لا صبَّحه الله بخير ــ، فإنه مع تقدّمه في الحفظ متَّهم عندهم
بالكذب، وانظر كيف قد سلسل الحكاية!». ويشكل على هذا أن الشاذكوني كنيته: «أبو
أيوب»، والذي ذكر المؤلف في الحكاية: «أبو داود»، وكذا في «الميزان» (3/ 471)،
وهذه كنية الطيالسي الإمام الحافظ صاحب «المسند» (ت 204)، ولكن لعل ذكر الكنية
وهمٌ، فإنها لم ترد في «الكامل» ولا في «الضعفاء».
(3/233)
المسجد، أو دخل عليها فحدثَّتْه من وراء
حجاب، فأي شيء في هذا؟ وقد كانت امرأة قد كَبِرت وأسنَّت (1).
وقال يعقوب بن شيبة (2): سألت ابن المديني عن ابن إسحاق؟ قال: حديثه عندي صحيح،
قلت: فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه ولم يعرفه، وأي شيء حدّث بالمدينة؟!
قلت: فهشام بن عروة قد تكلم فيه؟ قال: الذي قال هشام ليس بحجة، لعله دخل على
امرأته وهو غلام فسمع منها، فإن حديثه ليتبين فيه الصدق؛ يروي مرة: حدثني أبو
الزناد، ومرة: ذكر أبو الزناد، ويقول: حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن
شعيب في سلف وبيع، وهو أروى الناس عن عمرو بن شعيب (3).
فصل
وأما قولكم: إنه لم يُصرّح بسماعه من يعقوب بن عتبة، فعلى تقدير ثبوت العلم بهذا
النفي لا يخرج الحديث عن كونه حسنًا، فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه، وفي «الصحيح»
قطعة من الاحتجاج بعنعنة المدلس، كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار،
ونظائر [ق 244] كثيرة لذلك.
وأما قولكم: تفرد به يعقوب بن عتبة، ولم يرو عنه أحد من أصحاب
_________
(1) ذكره الذهبي في «الميزان» (3/ 470) بأتم منه.
(2) أسنده عنه الخطيب في «تاريخه» (2/ 27 - 28).
(3) يعني أنه لو لم يكن من أهل الصدق لأسقط الواسطتين ــ لاسيما الحسن بن دينار
فإنه متروك ــ وجعله عن عمرو بن شعيب مباشرة.
(3/234)
«الصحيح»؛ فهذا ليس بعلة باتفاق المحدثين،
فإن يعقوب ثقة لم يضعّفه أحد، وكم من ثقة قد احتُجّ به وهو غير مخرَّج عنه في
«الصحيحين».
وهذا هو الجواب عن تفرد محمد بن جبير به (1)، فإنه ثقة (2).
وأما قولكم: إن ابن إسحاق اضطرب فيه ... إلى آخره، فقد اتفق ثلاثة من الحفاظ ــ
وهم: عبد الأعلى وابن المُثنَّى وابن بشّار ــ على وهب بن جرير عن أبيه عن ابن
إسحاق أنه حدّث به عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد عن أبيه، وخالفهم أحمد بن سعيد
الرِّباطي (3) فقال: عن وهب بن جرير عن أبيه: سمعتُ محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب
بن عتبة عن جبير= فإما أن يكون الثلاثة أولى، وإما أن يكون يعقوب رواه عن جبير بن
محمد، فسمعه منه ابن إسحاق، ثم سمعه من جبير نفسه، فحدث به على الوجهين.
وقد قيل (4): إن الواو غلط، وإن الصواب: «عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد، عن
أبيه»، والله أعلم.
وأما قولكم: إنه اختلف لفظُه، فبعضهم قال: «ليئط به»، وبعضهم لم
_________
(1) في الأصل والطبعتين: «عنه»، خطأ.
(2) الذي سبق في الوجه الرابع من وجوه الإعلال: تفرُّد جُبير بن محمد بن جُبير بن
مطعم به، وهو ابن المذكور هنا، فإنه قد تفرّد به عن أبيه. ولم أجد مَن وثَّقه سوى
ابن حبان، إلا إذا اعتبرنا أن إيراد ابن خزيمة له في «التوحيد» توثيق له بناء على
ما رسم لنفسه في مقدمة كتابه.
(3) في الأصل والطبعتين: «الدمياطي»، تحريف.
(4) قاله أبو داود والبزار والدارقطني، كما سبق في تخريج حديث الباب.
(3/235)
يذكر لفظة «به»؛ فليس في هذا اختلافٌ يوجب
رد الحديث، فإذا زاد بعض الحفاظ لفظةً لم ينفِها غيرُه ولم يرو ما يخالفها، فإنها
لا تكون موجبةً لردّ الحديث.
فهذا جواب المنتصرين لهذا الحديث. قالوا: وقد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - من غير حديث ابن إسحاق، فقال محمد بن عبد الله الكوفي المعروف
بمُطَيَّن: حدثنا عبد الله بن الحكم وعثمان قالا: حدثنا يحيى، عن إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر قال: أتت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
امرأة فقالت: ادعُ الله أن يُدخلني الجنة، فعظَّم أمرَ الرب ثم قال: «إن كرسيَّه
فوقَ السماوات والأرض، وإنه يقعُد عليه، فما يفضل منه مقدارُ أربع أصابع ــ ثم قال
بأصابعه فجمعها ــ وإن له أطيطا كأطيط الرحل ... » الحديث (1).
_________
(1) أخرجه من طريق مطيّن: ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (2718) ــ ومن طريقه ابن
الجوزي في «العلل المتناهية» (1/ 4) والدَّشتي في «إثبات الحدّ لله» (36) ــ،
والضياء في «المختارة» (1/ 264 - 265). وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (586)،
وعبد الله في «السنة» (570، 571)، والبزار (325)، وابن خزيمة في «التوحيد» (181)،
والضياء في «المختارة» (1/ 263 - 265)، من طرق عن أبي إسحاق به، على اختلاف في
رفعه ووقفه وإرساله، والموقوف أشبه.
والحديث صححه الإمام أحمد موقوفًا وحدّث به ابنَه محتجًّا به كما في «السنة» لعبد
الله، وصححه الضياء مرفوعًا، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 159): رجاله رجال
الصحيح غير عبد الله بن خليفة الهمداني وهو ثقة.
وأعله ابن خزيمة بالإرسال، وابن الجوزي بأمور لا تقدح (وسيأتي الرد على بعضها)،
وابن كثير في «تفسيره» (آية الكرسي) بأن عبد الله بن خليفة ليس بذاك المشهور وأن
في سماعه من عمر نظرًا.
(3/236)
فإن قيل: عبد الله بن الحكم وعثمان لا
يُعرفان (1).
قيل: بل هما ثقتان مشهوران عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن الحكم القطواني، وهما
من رجال الصحيح (2).
وفي «الصحيحين» (3) من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: «لمّا قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق عرشه: إن
رحمتي غلبت غضبي».
وفي لفظ البخاري (4): «وهو وَضْعٌ عنده على العرش». وفي لفظ له (5) أيضًا: «فهو
مكتوب فوق العرش». و «وضْع» بمعنى موضوع، مصدر بمعنى المفعول، كنظائره.
وفي «صحيح البخاري» (6) أيضًا من حديث حماد بن زيد عن ثابت البُناني عن أنس قال:
كانت زينب تفخَر على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقول: زوجكنّ أهاليكنّ
وزوجني الله من فوق سبع سماوات!
وفي لفظ للبخاري (7): كانت تقول: أنكحني الله في السماء.
_________
(1) قاله ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/ 6).
(2) عثمان بن أبي شيبة من رجال «الصحيحين»، وأما عبد الله بن الحكم فروى عنه ابن
خزيمة في «صحيحه» وأصحاب السنن عدا النسائي.
(3) البخاري (3194) ومسلم (2751).
(4) برقم (7404).
(5) برقم (7554).
(6) برقم (7420).
(7) برقم (7421).
(3/237)
وفي «الصحيحين» (1) من حديث أبي صالح عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من تصدّق بعدل تمرةٍ من كسب
طيب، ــ ولا يصعَد إلى الله إلا الطيب ــ فإن الله يتقبّلها بيمينه، ثم يُربّيها
لصاحبها كما يُربّي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل»، لفظ البخاري.
وفي «الصحيحين» (2) من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار،
ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يَعرُج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو
أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون».
ورواه البيهقي (3) بإسناد الصحيح وقال: «ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم»، وقال:
أخرجاه في «الصحيح».
_________
(1) البخاري (7430)، ومسلم (1014).
(2) البخاري (555، 7429، 7486)، ومسلم (632).
(3) في «الأسماء والصفات» (2/ 332) من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزناد به، ثم
قال: «أخرجاه في «الصحيح» من وجهٍ آخر عن أبي الزناد». قلتُ: وهذا اللفظ: «ثم
يَعرُج إليه» ــ أي بزيادة «إليه» ــ صحيح ثابت في هذا الحديث، فقد صحّ من رواية
همام بن منبّه عن أبي هريرة، كما في «صحيفته» (8)، ومن طريقه عند أحمد (8120) وابن
حبان (1736) والبيهقي في «الصفات» (1/ 520)؛ وثبت أيضًا من رواية أبي الزناد عن
الأعرج عن أبي هريرة، رواها عنه ثلاثة: شعيب بن أبي حمزة عند البخاري (3223)،
وموسى بن عقبة عند النسائي في «الكبرى» (11872) والبيهقي كما سبق، وابن أبي الزناد
عند أبي يعلى (6342).
(3/238)
وفي «الصحيحين» (1) قصة سعد بن معاذ وحكمِه
في بني قريظة، وقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لقد حكمتَ فيهم بحكم
المَلِك». ورواه البيهقي (2) من حديث سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه، وفيه
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لقد حكم فيهم اليوم بحكم الله الذي حكم به من
فوق سبع سماوات».
وقال ابن إسحاق (3) في حديثه: «لقد حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبعة
أرقعة». والرقيع من أسماء السماء، وقد تقدم.
وروى الترمذي والإمام أحمد (4) من حديث الحسن عن عمران بن
_________
(1) البخاري (3043) ومسلم (1768) من حديث أبي سعيد الخدري.
(2) «الأسماء والصفات» (2/ 321) عن شيخه أبي عبد الله الحاكم، وهو عنده في
«المستدرك» (2/ 124)، ومن قبلهما النسائي في «الكبرى» (5906)؛ من طريق محمد بن
صالح التمّار عن سعد بن إبراهيم به.
محمد بن صالح التمّار ثقة ولكن ليس بذاك القوي، وقد خالفه شعبة في إسناده ومتنه
فرواه عن سعد بن إبراهيم، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد الخدري، وهي رواية
«الصحيحين» السابقة، قال أبو حاتم: وهو أشبه وذلك خطأ. «العلل» لابنه (971).
وانظر: «العلل» للدارقطني (573، 605).
(3) في «المغازي» (2/ 240 - سيرة ابن هشام) ــ ومن طريقه إبراهيم الحربي في
«الغريب» (3/ 1030) والطبري في «تفسيره» (19/ 78 - 79) ــ، قال: ثني عاصم بن عمر
بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن
النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا مرسل جيّد، رواته ثقات وعلقمة من كبار
التابعين.
(4) أخرجه الترمذي (3483)، وكذلك البزار (3579)، والطبراني في «الكبير» (18/ 174)
و «الأوسط» (1985)، كلهم من طريق شبيب بن شيبة، عن الحسن به. شبيب فيه لين، وقال
الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث عن عمران بن حُصَين من غير هذا
الوجه». وأخرجه ابن أبي خيثمة في «تاريخه ــ السفر الثاني» (570) بإسناد صحيح إلى
الحسن قال: بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... إلخ.
وأما أحمد فلم يُخرجه من رواية الحسن، وإنما أخرجه هو (19992)، والنسائي في
«الكبرى» (10764 - 10766)، وابن حبان (899)، والحاكم (1/ 510)، من طرق عن منصور بن
المعتمر، عن رِبْعي بن حراش، عن عمران بقصة إسلام أبيه وتعليم النبي - صلى الله
عليه وسلم - إياه الدعاء، وليس فيه موضع الشاهد.
(3/239)
حُصَين قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - لأبي: «يا حُصَين كم تعبد اليوم إلهًا؟» قال أبي: سبعة، ستة في الأرض
وواحدًا في السماء، قال: «فأيهم تُعدّ لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء، قال:
«يا حصين أما إنك لو أسلمتَ علّمتك كلمتين تنفعانك». قال: فلما أسلم حصين قال: يا
رسول الله علِّمْني الكلمتين اللَّتَين وعدتني، قال: «قُل: اللهم ألهمني رشدي،
وأَعِذني مِن شرّ نفسي».
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه شهد للجارية بالإيمان حيث أقرت بأن
الله في السماء، وحديثها في «صحيح مسلم» (1).
وثبت عنه في «الصحيح» (2) أنه جعل يشير بإصبعه إلى السماء في خطبته في حجة الوداع
ويَنْكُتها إلى الناس ويقول: «اللهم اشهد»، وكان مستشهدًا بالله حينئذ، لم يكن
داعيًا حتى يقال: السماء قبلة الدعاء (3).
_________
(1) برقم (537) من حديث معاوية بن حكم السُّلمي. وانظر لتخريجه الموسّع والرد على
الطاعنين في صحته: «تكحيل العين بجواز السؤال عن الله بأين» لصادق بن سَليم بن
صادق.
(2) «صحيح مسلم» (1218/ 147) ضمن حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي - صلى الله
عليه وسلم -.
(3) يشير المؤلف إلى قول نفاة العلو من الجهمية وأفراخهم الذين إذا احتجّ عليهم
بأن الناس على اختلاف مللهم ونحلهم يتوجّهون بقلوبهم ووجوههم وأيديهم إلى السماء
عند الدعاء= أجابوا بأن السماء قبلة الدعاء. انظر لقولهم: «الاقتصاد في الاعتقاد»
للغزالي (ص 44)، و «أساس التقديس» للرازي (ص 97 - 98)، وللرد الموسّع عليه: «بيان
تلبيس الجهمية» لشيخ الإسلام (4/ 529 - 560).
(3/240)
وفي «الصحيحين» (1) من حديث عبد الرحمن بن
أبي نُعْم قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى
الله [ق 245] عليه وسلم من اليمن بذُهَيبةٍ في أَدِيم مقروظٍ لم تُحَصَّل من
ترابها، فقسمها بين أربعة نفر، بين عُيَينةَ بن بدر، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل،
والرابع إما علقمة بن عُلاثة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا أحقَّ
بهذا من هؤلاء، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -: فقال: «ألا تأمنوني، وأنا
أمين مَن في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء».
وسيأتي إن شاء الله (2) حديث أبي الدرداء: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول: «ربنا الله الذي في السماء، تقدّس اسمك، أمرُك في السماء والأرض كما رحمتك
في السماء ... » الحديث. رواه أبو داود في الطب (3).
_________
(1) البخاري (4351) ومسلم (1064/ 144).
(2) كذا، وكتاب الطب متقدم على هذا الموضع، ولعل المؤلف هذّب هذا الباب وعلق عليه
قبل الأبواب المتقدمة عليه، ومما قد يدل على هذا قوله في البيوع (2/ 502) بصيغة
الماضي: «وقد استوفينا الكلام عليه [يعني ابن إسحاق] في الرد على الجهمية من هذا
الكتاب».
(3) برقم (3892)، وأخرجه النسائي في «الكبرى» (10809)، وابن حبان في «المجروحين» (1/
386)، وابن عدي في «الكامل» (3/ 197)، والحاكم (4/ 218 - 219)، وإسناده ضعيف، فيه
زيادة بن محمد الأنصاري منكر الحديث، وأغرب الحاكم فقال: صحيح الإسناد!
وأخرجه أحمد (23957) من حديث فضالة بن عُبَيد، والنسائي في «الكبرى» (10807) من
حديث رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي كلا الإسنادين لين، ولكن
بمجموعهما يرتقي الحديث إلى درجة الحسن إن شاء الله.
(3/241)