النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
غامضه، مِن قولهم: «فَقَر البئرَ» إذا حفرها لاستخراج مائها، و «الفُقرة»: الحفرة
في الأرض. انظر: «شرح مسلم» للنووي (1/ 155)، و «عون المعبود» (12/ 301)، و «تاج
العروس» (قفر، فقر).
(3/192)
وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدَر
خيرِه وشَرِّه». قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنَّك
تراه، فإن لم تراه فإنه يراك». قال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها
بأعلَمَ من السائل». قال: فأخبرني عن أمارَتها، قال: «أن تلدَ الأمةُ رَبَّتَها،
وأن تَرَى الحُفاةَ العُراة العالةَ رِعاءَ الشَّاءِ يتطاوَلُون في البنيان». قال:
ثم انطلقَ، فلَبِثْتُ مَليًّا، ثم قال: «يا عمر، تَدري مَن السائلُ؟» قلت: الله
ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريلُ أتاكم يُعَلِّمُكم دينَكم».
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (1).
557/ 4531 - وعن يحيى بن يَعْمَر وحُميد بن عبد الرحمن، قالا: لقينا عبد الله بن
عمر فذكرنا له القَدَر، وما يقولون فيه ــ فذكر نحوه، زاد ــ قال: وسأله رجلٌ من
مُزَينة أو جُهَينة، فقال: يا رسول الله، فيما نعملُ: أفي شيء قد خلا أو مضَى، أو
شيءٍ يُستأنف الآن؟ قال: «في شيء قد خلا ومضَى»، فقال الرجل أو بعضُ القوم: ففيمَ
العمل؟ قال: «إنَّ أهلَ الجنةِ يُيَسَّرون لعملِ أهلِ الجنة، وإنَّ أهل النار
يُيَسَّرون لعمل أهل النار» (2).
558/ 4532 - وعن ابن يعمر بهذا الحديث يزيد وينقص، قال: «فما الإسلام؟ قال: إقامُ
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحَجُّ البيتِ، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة».
قال أبو داود: علقمة مُرْجِئ. هذا آخر كلامه.
_________
(1) أبو داود (4695)، ومسلم (8)، والترمذي (2610)، والنسائي (4990)، وابن ماجه
(63).
(2) «سنن أبي داود» (4696). وأخرجه أيضًا الفريابي في «القدر» (212)، وأبو نعيم في
«الحلية» (8/ 383 - 384) وصححه، والضياء في «المختارة» (1/ 328 - 329).
(3/193)
وعلقمة هذا هو راوي هذا الحديث، وهو علقمة
بن مَرثَد الحضرمي الكوفي. وقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه.
قال ابن القيم - رحمه الله -: ورواه أبو جعفر العقيلي (1) من طريقه، وقال فيه: فما
شرائع الإسلام؟ قال: «تقيم الصلاة ... » الحديث. وتابعه على هذا اللفظ مرجئ آخر،
وهو جراح بن الضحاك، قاله العقيلي (2). وهذه زيادة مرجئ تفرد بها عن الثقات الأئمة
فلا تقبل.
ورواه ابن حبان في «صحيحه» (3) من حديث سليمان التيمي، عن
_________
(1) في «الضعفاء» (3/ 460) من طريق عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن علقمة بن مرثد
به.
(2) هذا الاختصار من المؤلف يوهم أن جرّاح بن الضحاك تابع علقمة بن مرثد، وليس
كذلك، وإنما اختُلف على علقمة في هذا الحديث، فرواه سفيان الثوري عنه بلفظ: «فما
الإسلام؟» كما سبق في حديث الباب، وخالفه ابن أبي رَوَّاد وجرّاح ــ وهو مرجئ ــ
فرواه عن علقمة بلفظ: «فما شرائع الإسلام؟»، وهذا اللفظ أوفق لاعتقاد المرجئة حيث
لم يُذكر فيه الشهادتين وجُعلت المباني شرائعَ للإسلام، لا أنها هي الإسلام نفسه
فينتفي بانتفائها.
وأخرج العقيلي هذا الحديث في ترجمة ابن أبي روَّاد بعد أن ذكر طعن الأئمة فيه
بالإرجاء، ثم قال: «وتابعه على هذه اللفظة أبو حنيفة وجرّاح بن الضحّاك، وهؤلاء
مرجئة». وذكر مسلم في «التمييز» (ص 156) راويًا رابعًا ــ وهو سعيد بن سنان الكوفي
ــ تابع هؤلاء المرجئة على زيادة هذه اللفظة، وطعَن مسلم في رواية جميعهم
لمخالفتها رواية سفيان الثوري وعطاء بن السائب عن علقمة بلفظ: «ما الإسلام؟». ولكن
ظاهر كلام أبي داود الذي تقدّم: «وعلقمة مرجئ» يقتضي أنه جعل الحمل على علقمة نفسه
في هذا الاختلاف عنه، فلعله رواه مرة بذكر الشرائع ومرة دونها، وهو الأشبه، فإنه
يَبعد أن يكون توارَد كلُّ هؤلاء المرجئة ــ وأكثرهم صدوق ــ على زيادة نفس اللفظة
دون أن يكونوا سمعوها من علقمة. والله أعلم.
(3) برقم (173)، عن شيخه ابن خزيمة، وهو أول حديث في «صحيحه». وقد أخرجه مسلم (8/
4) في المتابعات من هذا الطريق، ولكن لم يسُق لفظه بل اكتفى بقوله: «بنحو حديثهم».
(3/194)
يحيى بن يعمر، فذكر فيه ألفاظًا لم يذكرها
غيره، فقال في الإسلام: «وتحج، وتعتمر وتغتسل من (1) الجنابة وأن تتم الوضوء»،
وقال فيه: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: «نعم» وقال في الإيمان: «أن تؤمن بالله
وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالجنة والنار والميزان ... » وذكر البعث والقدر، ثم
قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: «نعم»، وقال في الإحسان: وإذا فعلت ذلك فأنا
محسن؟ قال: «نعم»، وقال في آخره: «هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه».
قال أبو حاتم: تفرد سليمان التيمي بهذه الألفاظ.
559/ 4544 - وعن عبد الله بن مسعود، قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ــ وهو الصادق المصدوق ــ: «إنَّ خلق أحدِكم يُجمَع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم
يكون عَلَقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضغَةً مثل ذلك، ثم يُبعَث إليه مَلَكٌ فيؤمَر
بأربع كلمات: فيَكتب رزقَه وأجله وعمله، ثم يكتب شَقِيٌ أو سعيد، ثم ينفخ فيه
الروح، فإنَّ أحدكم ليعملُ بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ــ أو
قِيدُ ذراع ــ فيَسبِقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار فيدخلُها، وإنَّ
أحدَكم ليعملُ بعمل أهلِ النار حتى ما يكونَ بينه وبينها إلا ذراع ــ أو قِيدُ
ذراعٍ ــ فيسبق عليه الكتاب فيعملُ بعملِ أهل الجنة فيدخلها».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه (2).
_________
(1) في الأصل: «عن»، تصحيف.
(2) أبو داود (4708)، والبخاري (3332)، ومسلم (2643)، والترمذي (2137)، وابن ماجه
(76).
(3/195)
560/ 4545 - وعن عمران بن حُصين قال: قيل
لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، أَعُلِمَ أهلُ الجنة من أهلِ
النار؟ قال: «نعم»، قال: ففيمَ يعملُ العاملون؟ قال: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق
له».
وأخرجاه (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى مسلم في «صحيحه» (2) عن حذيفة بن أُسَيد
يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يدخل الملَكُ على النطفة بعد ما
تستقرُّ في الرحم بأربعين ــ أو خمس وأربعين ــ ليلةً فيقول: يا رب، أشقي أو سعيد؟
فَيُكتَبان، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيُكتَبان، ويُكتَب عمله، وأثره، وأجله،
ورزقه، ثم تُطْوى (3) الصحف، فلا يُزاد فيها ولا يُنقَص».
وفي «الصحيحين» (4) عن أنس بن مالك ــ ورفع الحديث ــ قال: «إن الله قد وكَّل
بالرحِم ملَكًا، فيقول: أَيْ ربِّ نطفة، أَيْ رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله
أن يقضي خلقًا قال الملك: أي ربِّ ذكر أو (5) أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما
الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه».
وهذا مثل حديث ابن مسعود أن كتابة الأجل والشقاوة والسعادة والرزق في الطَّور
الرابع. وحديث حذيفة بن أسيد يدل على أن الكتابة في
_________
(1) أبو داود (4709)، والبخاري (7551)، ومسلم (2649).
(2) برقم (2644).
(3) ط. الفقي: «تكتب»، خطأ.
(4) البخاري (6595) ومسلم (2646).
(5) الأصل: «أم»، والمثبت من (هـ) موافق للفظ مسلم.
(3/196)
الطور الأول. وقد روي حديث حذيفة بلفظ آخرَ
يتبين المراد منه وأن (1) الحديثين واحد، وأنهما متصادقان لا متعارضان. فروى مسلم
في «صحيحه» (2) عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: «الشقي من شقي
في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره»، فأتى رجلًا (3) من أصحاب النبي - صلى الله
عليه وسلم - يقال له حذيفة بن (4) أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود
فقال: وكيف يشقى بغير عمل؟ فقال الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا
فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟
فيقضي ربُّك ما شاء ويكتب الملَك، ثم يقول: يا رب، أجله؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب
الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربُّك ما شاء ويكتب الملَك، ثم يخرج الملك
بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أُمِر ولا يَنقص».
وفي لفظ آخر عنه (5): سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأُذُنَيَّ هاتين
يقول: «إن النطفة تقع في الرَّحِم أربعين ليلة، ثم يَتَصوَّر عليها الملك ــ قال
زهير بن معاوية: حسبته قال: الذي يُخلِّقُها ــ فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟
فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا رب، أسوِيٌّ أو غير سوِيّ؟ فيجعله الله
سوِيًّا، أو غير
_________
(1) (هـ): «بيَّن المراد منه بأن».
(2) برقم (2645/ 3).
(3) في الطبعتين: «رجلٌ»، خطأ.
(4) الأصل: «بن أبي»، خطأ.
(5) عند مسلم (2645/ 4) أيضًا.
(3/197)
سوِيّ، ثم يقول: يا رب، ما رزقه؟ ما أجله؟
ما خلقه؟ ثم يجعله [اللهُ] شقيًا أو سعيدًا».
وفي لفظ آخر (1): «أن ملكًا موكلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلُقَ شيئًا بإذن
الله لبضع وأربعين ليلة» ثم ذكر نحوه.
فدل حديث حذيفة على أن الكتابة المذكورة وقت تصويره وخَلْقِ جلده ولحمه وعظمه،
وهذا مطابق لحديث ابن مسعود، فإن هذا التخليق هو في الطور الرابع، وفيه وقعت
الكتابة.
فإن قيل: فما تصنع بالتوقيت فيه بأربعين ليلة؟
قلت: التوقيت فيه بيان أنها قبل ذلك لا يتعرّض لها، ولا يتعلّق بها تخليق ولا
كتابة، فإذا بلغت الوقت المحدود وجاوزت الأربعين وقعت في أطوار التخليق طبقًا بعد
طبق، ووقع حينئذ التقدير والكتابة، وحديث ابن مسعود صريح بأن وقوع ذلك بعد كونه
مضغةً بعد الأربعين الثالثة، وحديث حذيفة فيه أن ذلك بعد الأربعين، ولم يُوقِّت
البَعْديّة بل أطلقها، ووقّتها في حديث ابن مسعود. وقد ذكرنا أن حديث حذيفة دال
أيضًا على ذلك.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن تكون الأربعون المذكورة في حديث [ق 238] حذيفة هي
الأربعين الثالثة، وسمّي الحملُ فيها نطفة، إذ هي مبدؤه الأول. وفيه بعد، وألفاظ
الحديث تأباه.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن التقدير والكتابة تقديران وكتابتان، فالأول منهما عند
ابتداء تعلق التحويل والتخليق في النطفة وهو إذا مضى عليها
_________
(1) بالرقم السابق.
(3/198)
أربعون، ودخلت في طور العَلَقة، وهذا أول
تخليقه. والتقدير الثاني والكتابة الثانية: إذا كَمُل تصويره وتخليقه، وتقدير
أعضائه، وكونه ذكرًا أو أنثى في الخارج، فيُكتَب مع ذلك عَمَلُه ورزقه وأجله،
وشقاوته وسعادته.
فلا تنافي بين الحديثين، والحمد لله رب العالمين، ويكون التقدير الأول تقديرًا لما
يكون للنطفة بعد الأربعين، فيقدر معه السعادة والشقاوة، والرزق والعمل، والتقدير
الثاني تقديرٌ (1) لما يكون للجنين بعد تصويره، فيقدّر معه ذلك ويكتب أيضًا، وهذا
التقدير أخص من الأول (2).
ونظير هذا: أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين
ألف سنة، ثم يقدر ليلة القدر ما يكون من العام لمثله، وهذا أخص من التقدير العام،
كما أن تقدير أمر النطفة وشأنِها يقع بعد تعلقها بالرحم، وقد قدّر أمرها قبل خلق
السموات والأرض.
ونظير هذا: رفع الأعمال وعرضها على الله تعالى، فإن عمل العام يرفع في شعبان كما
أخبر به الصادق المصدوق أنه: «شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»
(3)، ويُعرَض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس كما ثبت ذلك في «صحيح مسلم» (4)،
وعمل اليوم يُرفَع في آخره
_________
(1) كذا في الأصل، وفي الطبعتين بالنصب.
(2) ذكر المؤلف هذا المعنى أيضًا في «طريق الهجرتين» (1/ 156 - 158)، و «شفاء
العليل» (1/ 262 - 263) ط. الصميعي.
(3) أخرجه أحمد (21753)، والنسائي (2357)، وابن أبي شيبة (9858) من حديث أسامة بن
زيد. حسَّن إسناده البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (3/ 84)، واختاره الضياء (4/
108 - 109).
(4) برقم (2565/ 36) من حديث أبي هريرة.
(3/199)
قبل الليل، وعمل الليل في آخره قبل النهار
(1). فهذا الرفع في اليوم والليلة أخص من الرفع في العام، وإذا انقضى الأجل رفع
عمل العمر كله، وطويت صحيفة العمل.
وهذه المسائل من أسرار مسائل القضاء والقدر. فصلوات الله وسلامه على هادي الأمة،
وكاشفِ الغمة؛ الذي أوضح به المحجة، وأقام به الحجة؛ وأنار (2) به السبيل، وأوضح
به الدليل. ولله درُّ القائل (3):
أحيا القلوبَ محمدٌ لما أتى ... ومضى فنابت بعده أنباؤه (4)
كالوَرد رَاقَك ريحُه وشَمِيمُه ... وإذا تولى ناب عندك ماؤه (5)
وقد روى مسلم في «صحيحه» (6) عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين
ألف سنة، قال: وعرشه على الماء».
وفي «صحيحه» (7) أيضًا عنه: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن
قلوب
_________
(1) كما ثبت من حديث أبي موسى عند مسلم (179).
(2) (هـ): «أبان».
(3) «در» من (هـ). ولم أهتد إلى قائله.
(4) «فنابت» في الطبعتين: «فناءت» خلافًا لرسم الأصل، وهو يعكس المراد. «أنباؤه»
في ط. الفقي: «أمناؤه» خلافًا للأصل.
(5) «وشميمه» في ط. الفقي: «فشممته»، وط. المعارف: «وشممته» خلافًا للأصل. «عندك»
في الأصل والطبعتين: «عنه»، والمثبت يستقيم به الوزن.
(6) برقم (2653).
(7) برقم (2654).
(3/200)
بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن
كقلب واحد يُصرِّفُه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم
مصرِّفَ القلوب صرِّف قلوبَنا على طاعتك».
وفي «صحيحه» (1) أيضًا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «كل شيء بقَدَرٍ حتى العجزُ والكَيْس ــ أو الكيس والعجز ــ».
وفي «الصحيحين» (2) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن
الله كتب على ابن آدم حظَّه مِن الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر،
وزنا اللسان النطق، والنفس تَمنَّى وتشتهي، والفرج يُصَدِّق ذلك أو يكذبه».
وفي «صحيح البخاري» (3) عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما
استخلف الله خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه، وبطانة تأمره
بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله».
وفي «صحيح مسلم» (4) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«المؤمن القويّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرِص على ما
ينفعك واستعن بالله ولا تَعْجِز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ لكان كذا
وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن «لو» تفتح عملَ الشيطان».
_________
(1) برقم (2655).
(2) البخاري (6243)، ومسلم (2657).
(3) برقم (6611).
(4) برقم (2664).
(3/201)
وفي «صحيحه» (1) أيضًا عن عبد الله بن مسعود
قال: قالت أم حبيبة: «اللهم متعني بزوجي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبأبي
أبي سفيان، وبأخي معاوية»، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنك سألت
الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يُعجَّل منها شيء قبل حِلِّه،
ولا يؤخَّر منها شيء بعد حله، ولو سألتِ الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في
القبر كان خيرًا لك».
وفي «سنن ابن ماجه» (2) من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن الشعبي قال: لما قدم
عدي بن حاتم الكوفة أتيناه في نفر من فقهاء أهل الكوفة فقلنا له: حدِّثْنا ما سمعت
من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقال: «يا عدي بن حاتم أسلِمْ تسلَم»، قلت: وما الإسلام؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا
الله وأني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها، خيرِها وشرها، وحُلْوِها ومرها».
وفي «سننه» (3) أيضًا من حديث مجاهد عن سُراقة بن جُعْشُم قال: قلت: يا رسول الله،
أنعمل فيما جفَّ به القلم وجرت به المقادير، أم في أمر مستقبل؟ قال: «بل فيما جف
به القلم وجرت به [ق 239] المقادير، وكلٌّ مُيسَّر لما خلق له».
_________
(1) برقم (2663/ 33).
(2) برقم (87)، وإسناده ضعيف جدًّا، فيه عبد الأعلى بن أبي المساور متروك منكر
الحديث.
(3) برقم (91)، وفي إسناده ضعف، ولكن صحّ عند مسلم (2648) من حديث أبي الزبير عن
جابر قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله ... إلخ بنحوه.
(3/202)
وفي «صحيح البخاري» (1) عن الحسن قال: حدثنا
عمرو بن تَغلِب قال: أتى النبيَ - صلى الله عليه وسلم - مالٌ، فأعطى قومًا ومنع
آخرين، فبلغه أنهم عَتَبوا، فقال: «إني أعطي الرجل وأَدَعُ الرجل، والذي أدع أحب
إلي من الذي أعطي؛ أعطي أقوامًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِل أقوامًا
إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب»، فقال عمرو: ما
أحب أن لي بكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حُمْرَ النعم.
وفي «الصحيحين» (2) حديث عمران بن حصين قال: إني عند النبي - صلى الله عليه وسلم -
إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: «اقبَلوا البشرى يا بني تميم»، قالوا: بشَّرتَنا
فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها
بنو تميم»، قالوا: قبلنا، جئناك لنتفقّه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما
كان؟ قال: «كان الله ولم يكن شيء قبلَه، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات
والأرض وكتب في الذِّكْر كلَّ شيء ... » الحديث.
وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأشجِّ عبد القيس: «إن فيك
لخَلَّتين يحبهما الله: الحِلْمُ والأناة»، قال: يا رسول الله، خلَّتين تخلّقتُ
بهما، أم جُبِلت عليهما؟ قال: «بل جُبلتَ عليهما». قال: الحمد لله الذي جبلني على
خلَّتين يحبهما الله (3).
_________
(1) برقم (923، 3145، 7535).
(2) البخاري (7418)، ولم يُخرجه مسلم.
(3) أخرجه مسلم (17/ 25) من حديث ابن عباس مختصرًا. وأخرجه أحمد (24009/ 54) وأبو
داود (5225) بأتم منه بنحو اللفظ المذكور من حديث أم أبان هند بنت الوازع بن زارع
عن أبيها ــ أو عن جدّها ــ وكان في وفد عبد القيس. وأخرجه ابن حبان (7203) من
حديث الأشجّ نفسه. وكلا الإسنادين حسن في المتابعات.
(3/203)
وقال أبو هريرة: قال لي النبي - صلى الله
عليه وسلم -: «جفَّ القلم بما أنت لاقٍ». رواه البخاري تعليقًا (1).
وفي «صحيح مسلم» (2) عن طاوس قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «كل شيء بقَدَر، حتى العجزُ والكيس، ــ أو الكيس والعجز ــ».
وذكر البخاري (3) عن ابن عباس في قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61]، قال: «سَبَقت لهم السعادة».
وفي «الصحيحين» (4) عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: «لا يأتي ابنَ آدم النذرُ بشيءٍ لم يكن قد قدَّرْتُه، ولكن يُلقيه القَدَر،
وقد قدرتُه له، أستخرجُ به من البخيل».
_________
(1) في كتاب القدر، بابٌ: جفّ القلم على علم الله. وقد وصله البخاري في النكاح
(5076) بأطول منه. وانظر: «تغليق التعليق» (4/ 396).
(2) برقم (2655)، وقد تقدّم قريبًا.
(3) في كتاب القدر، باب: جفّ القلم على علم الله، ووصله الطبري (17/ 72) من رواية
علي بن أبي طلحة عنه.
(4) البخاري (6609). ولم يخرجه مسلم من رواية همام بن منبّه، وإنما أخرجه (1640)
من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، ومن رواية الأعرج عن أبي
هريرة - رضي الله عنه -.
(3/204)
وفي لفظ للبخاري (1): «لا يأتي ابنَ آدم
النذرُ بشيء لم يكن قُدِّر له، ولكن يلقيه النذر إلى القَدَر قد قُدِّر له (2)،
فيَستخرِج الله به من البخيل، فيؤتي عليه ما لم يكن يؤتي عليه من قبل».
وفي لفظ في «الصحيحين» (3) عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «النذر لا
يُقرِّب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدَّره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيُخرَج
بذلك من البخيل ما لم يكن البخيلُ يريد أن يُخرج».
هذه الأحاديث في النذر والقدر أدخلها البخاري في كتاب القدر، وهي إنما تدل على
القَدَر الذي لا يتعلق بقدرة العبد ومشيئته، والكلام فيه إنما هو مع (4) غلاة القدرية
المنكرين لتقدُّم العلم والكتاب.
وأما القدرية المنكرون لخلق الأفعال، فلا يُحتَجُّ عليهم بذلك، والله أعلم.
وقد نظرتُ في أدلة إثبات القدر والرد على القدرية المجوسية فإذا هي تقارب خمسمائة
دليل، وإن قدر الله تعالى أفردت لها مصنّفًا مستقلًّا (5)، وبالله عز وجل التوفيق.
_________
(1) (6694) من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
(2) في الأصل: «قد قدرته»، تصحيف.
(3) حديث ابن عمر أخرجه البخاري (6608، 6692، 6693) ومسلم (1639)، ولكن اللفظ
المذكور هو لفظ حديث أبي هريرة عند مسلم (1640/ 7).
(4) ط. الفقي: «من» خلافًا للأصل.
(5) لعله كتاب «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل»، فإن أدلة
إثبات القدر منتشرة في مباحثه.
(3/205)
8 - باب في ذَراريِّ المشركين
561/ 4546 - عن ابن عباس ــ وهو عبد الله ــ - رضي الله عنهما - أن النبيَّ - صلى
الله عليه وسلم - سُئِل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلمُ بما كانوا عاملين».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (1).
562/ 4547 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلتُ: يا رسول الله، ذَراريُّ
المؤمنين؟ فقال: «مِن آبائهم»، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما
كانوا عاملين»، قلت: يا رسول الله، فذرَارِي المشركين؟ قال: «مِن آبَائهِم»، قلت:
بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث عائشة: «قلت يا رسول الله ... » من رواية عبد
الله بن أبي قَيس مولى غُطَيف (3) عنها، وليس بذاك المشهور (4).
_________
(1) أبو داود (4711)، والبخاري (6591)، ومسلم (2660)، والنسائي (1951، 1952).
(2) «سنن أبي داود» (4712)، وكذا أخرجه أحمد (24545)، والبخاري في «التاريخ
الكبير» (1/ 58)، من طرق عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة - رضي الله عنها -.
(3) كذا في الأصل، وظنّه محقق ط. المعارف تصحيفًا، وليس كذلك إذ هو هكذا في
«المسند» (24545)، و «التاريخ الكبير» للبخاري (5/ 173)، و «الثقات» لابن حبان (5/
44)، و «العلل المتناهية» (2/ 443)، والأصول الخطية من «الإصابة» (7/ 201 -
الهامش)، ولعله هو الصواب. وفي مطبوعة كلٍّ من «الجرح والتعديل» (5/ 140)، و
«تهذيب الكمال» (4/ 246)، و «تهذيب التهذيب» (5/ 365): «عطيّة»، وكذا هو في موضعٍ
من «الإصابة» (7/ 187). وهو الذي أَثبته محقق ط. المعارف.
(4) كذا قاله ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (2/ 444)، ولعل المؤلف صادر عنه،
وفي إعلال ابن الجوزي الحديثَ به نظر، فإن عبد الله بن أبي قيس وثَّقه العجلي
والنسائي وابن حبان، وقال أبو حاتم الرازي: «صالح الحديث»، وأخرج له مسلم.
(3/206)
ورواه عمر بن ذَرّ عن يزيد بن أبي أمية: أن
البراء بن عازب (1) أرسل إلى عائشة يسألها عن الأطفال؟ فقالت: ... الحديث. هكذا
قال مسلم بن قتيبة عن عمر (2)، وقال غيره: عن عمر بن ذر عن يزيد عن رجل عن البراء
(3).
وأما ما رواه أبو عَقِيل يحيى بن (4) المتوكل عن بُهَيَّة عنها أنها سألت رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد المسلمين: أين هم؟ قال: «في الجنة»، وسألته
عن
_________
(1) كذا في الأصل والطبعتين، وكذا في «طريق الهجرتين» (2/ 847) و «أحكام أهل
الذمة» (2/ 1095)، وهو وهم وخطأ، والصواب: «عن يزيد بن أمية أن عازبًا»، كما في
«التاريخ الكبير» (8/ 319)، و «العلل المتناهية» (2/ 442). وعازب هذا ليس والد
البراء، بل والدُ غُطيفٍ مولى عبد الله بن أبي قيس مِن فوق، فهو «غُطَيف بن عازب
بن عُفَيف»، وقيل: إن عازبًا وعُفيفًا اسمان لأبيه، فقد روى البخاري في «التاريخ
الكبير» (5/ 173) أنه كان اسمه «عازبًا» وسمّاه النبي - صلى الله عليه وسلم -
«عُفيفًا». والظاهر أن قوله: «أن عازبًا أرسل إلى عائشة» أيضًا وهم من بعض الرواة
في اسم المرسِل، فإن المرسَل هو عبد الله بن أبي قيس، والذي أرسله هو مولاه غُطيف
بن عازبٍ، لا أبوه عازب، والله أعلم. وانظر: «الإصابة» (7/ 201).
(2) أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (2/ 442) من هذا الطريق. و «مسلم» هكذا
في الأصل و «العلل»، وهو خطأ وصوابه: «سَلْم» كما يتبيّن بمراجعة كتب الرجال،
وشرحه يطول. وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (8/ 319) من طريق أبي نُعيم
(الفضل بن دكين) عن عمر بن ذر به.
(3) أخرجه البخاري في «التاريخ» (8/ 320) من طريق عبد الله بن داود الخُرَيبي، عن
عمر بن ذر به. قال البخاري: «والأول أصح»، يعني رواية أبي نعيم عن عمر السابقة.
(4) في الأصل: «عن ابن»، تصحيف، وهو على الصواب في «أحكام أهل الذمة» (2/ 1092) و
«طريق الهجرتين» (2/ 846) للمؤلف.
(3/207)
أولاد المشركين أين هم يوم القيامة؟ قال:
«في النار»، فقلت: لم يدركوا الأعمال، ولم تجرِ عليهم الأقلام؟ قال: «ربك أعلم بما
كانوا عاملين، والذي نفسي بيده، لو شئتِ أسمعتك تَضاغِيَهم في النار» (1) = فحديث
واهٍ، يُعرَف به واهٍ، وهو أبو عَقِيل.
563/ 4548 - وعنها - رضي الله عنها - قالت: أُتِيَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -
بصَبي من الأنصار يُصلِّي عليه، قلتُ: يا رسولَ الله، طُوبى لهذا، لم يعمل شرًا
ولم يدرِ به، فقال: «أَوَ غير ذلكِ يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا،
وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا، وخلقها لهم وهم في
أصلاب آبائهم».
وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه (2).
564/ 4549 - وعن الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «كُلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه
ويُنصِّرانه، كما تَناتَجُ الإبلُ من بهيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ فيها مِن
جدْعَاءَ؟» قالوا: يا رسول الله أفرأيت مَن يموت وهو صغير؟ قال: «الله أعلم بما
كانوا عاملين».
وأخرجه البخاري ومسلم (3) بمعناه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
565/ 4550 - وعن ابن وهب ــ وهو عبد الله ــ قال: سمعت مالكًا قيل له: إن أهل
الأهواء يحتجُّون علينا بهذا الحديث، قال مالك: احتجَّ عليهم بآخره:
_________
(1) أخرجه أحمد (25743) مختصرًا، وابن عدي في «الكامل» (2/ 71، 7/ 206)، ومن طريقه
ابنُ الجوزي في «العلل المتناهية» (2/ 422)، من طرق عن أبي عَقيل به.
(2) أبو داود (4713)، ومسلم (2662)، والنسائي (1947)، وابن ماجه (82).
(3) أبو داود (4714)، والبخاري (1359)، ومسلم (2658).
(3/208)
«قالوا: أرأيتَ مَن يموت وهو صغير؟ قال:
الله أعلم بما كانوا عاملين» (1).
566/ 4551 - وعن حجَّاج بن المنهال، قال: سمعت حمَّاد بن سلمة يُفسِّر حديثَ: «كل
مولودٍ يولَد على الفطرة» قال: هذا عندنا حيث أخذَ الله عليهم العهد في أصلابِ
آبائهم، حيث قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] (2).
567/ 4552 - وعن عامر ــ وهو الشَّعبي ــ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-: «الوائدةُ والموءودة في النار». قال يحيى ــ وهو ابن زكريا بن أبي زائدة ــ قال
أبي: فحدثني أبو إسحاق ــ يعني السبيعي ــ: أن عامرًا حدثه بذلك عن علقمة عن ابن
مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (3).
568/ 4553 - وعن أنس ــ وهو ابن مالك - رضي الله عنه - ــ أن رجلًا قال: يا رسول
الله، أين أبي؟ قال: «أبوك في النار»، فلما قَفَّى قال: «إن أبي وأباكَ في النار».
وأخرجه مسلم (4).
_________
(1) «سنن أبي داود» (4715).
(2) «سنن أبي داود» (4716).
(3) «سنن أبي داود» (4717). وفي إسناده اضطراب واختلاف كما في «علل الدارقطني»
(794)، والأشبه: عن الشعبي عن علقمة عن سلمة بن يزيد الجعفي - رضي الله عنه -، كما
عند أحمد (15923) والنسائي في «الكبرى» (11585)، وحسَّن ابن كثير إسناده في
«تفسيره» (الإسراء: 15)، وقال المؤلف في «طريق الهجرتين» (2/ 849): لا بأس به.
وانظر فيه (2/ 862) وفي «أحكام أهل الذمة» (2/ 1121) وجه كون الموءودة في النار.
(4) أبو داود (4718) ومسلم (203).
(3/209)
569/ 4554 - وعنه قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرَى الدَّم».
وأخرجه مسلم (1) بطوله. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (2) من حديث صفية
بنت حُيَيٍّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد تقدم في كتاب الصيام.
570/ 4555 - وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال: «لا تُجالِسُوا أهل القَدَر ولا تفاتحوهم» الحديث (3)، وقد تقدم.
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا ما ذكره أبو داود في الباب.
حديث: «كل مولود يولد على الفطرة ... » لفظ «الصحيحين» (4) فيه: «ما من مولود إلا
ويولد على الفطرة، وأبواه يهودانه ... » الحديث.
وفي لفظ آخر (5): «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه
ويُشرِّكانه»، فقال رجل: أرأيت يا رسول الله، لو مات قبل ذلك؟ قال: «الله أعلم بما
كانوا عاملين».
وفي لفظ آخر (6): «ما من مولود يولد إلا وهو على الملة».
_________
(1) أبو داود (4719) ومسلم (2174).
(2) البخاري (2038)، ومسلم (2175)، والنسائي في «الكبرى» (3343)، وابن ماجه
(1779)، وتقدّم في «سنن أبي داود» (2470) ولم يتقدّم معنا في التجريد.
(3) «سنن أبي داود» (4720)، وتقدّم فيه في «باب في القدر» (4710). وإسناده ضعيف،
وإنما يصحّ نحوه موقوفًا على بعض التابعين كأبي قلابة وغيره.
(4) البخاري (1359، 4775، 6599)، ومسلم (2658/ 22).
(5) «صحيح مسلم» (2658/ 23).
(6) «صحيح مسلم» (2658/ 23).
(3/210)
وفي لفظ آخر (1): «على هذه الملة حتى
يُبِينَ عنه لسانه».
وفي لفظ آخر (2): «ليس مِن مولود يولد إلا على هذه الفطرة، حتى يعبّر عنه لسانه».
وفي لفظ آخر (3): «من يولد يولد على [هذه] الفطرة».
وفي لفظ آخر (4): «كل إنسان تَلِده أمُّه على الفطرة، وأبواه بعدُ يُهوّدانه أو
ينصّرانه أو يمجِّسانه، فإن كانا مسلمين فمسلم».
وهذه الألفاظ كلها في «الصحيحين» إلا لفظ «الملة» فهو لمسلم، وكذا لفظ:
«يُشرِّكانه» له أيضًا، وكذا قوله: «حتى يُعبّر عنه لسانه»، وكذا لفظ: «فإن كانا
مسلمين فمسلم» لمسلم وحده.
[ق 240] وإنما سقنا هذه الألفاظ لنبين بها أن الكلام جملتان، لا جملة واحدة، وأن
قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» جملة مستقلة، وقوله: «أبواه يهودانه ... » إلى
آخره جملة أخرى. وهو يبين غلط من زعم أن الكلام جملة واحدة، وأن المعنى: كل مولود
يولد بهذه الصفة فأبواه يهودانه، وجعل الخبر عند قوله «يهودانه» إلى آخره. وألفاظ
الحديث تدل على خطأ هذا القائل، وتدل أيضًا على أن الفطرة هي فطرة الإسلام، ليست
الفطرة العامة التي فُطِر عليها من الشقاوة والسعادة، لقوله: «على هذه الفطرة»،
وقولهِ: «على هذه الملة».
_________
(1) بالرقم السابق.
(2) بالرقم السابق.
(3) «صحيح مسلم» (2658/ 24)، وما بين الحاصرتين منه.
(4) «صحيح مسلم» (2658/ 25).
(3/211)
وسياقه أيضًا يدل على أنها هي المراد،
لإخباره بأن الأبوين هما اللذان يغيّرانها، ولو كانت الفطرة هي فطرة الشقاوة
والسعادة في قوله (1): «على هذه الفطرة» لكان الأبوان مقرِّرَين (2) لها.
ولأن قراءةَ قوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] عقب الحديثِ
(3) صريحٌ في أن المراد بها فطرةُ الإسلام.
ولأن تشبيهَ المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء ــ وهي الكاملة الخلق ــ،
ثم تشبيهَه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جَدَعها أهلُها فقطعوا آذانها (4) = دليل
على أن الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة، وما يطرأ على المولود من التهويد
والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير في ولد البهيمة.
ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقةً معرَّفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد
والإسلام، وهي الفطرة الممدوحة، ولهذا جاء في حديث الإسراء لمّا أخذ النبي - صلى
الله عليه وسلم - اللبن قيل له: «أصبتَ الفطرة» (5)، ولمّا سمع النبي - صلى الله
عليه وسلم - المؤذن يقول: الله أكبر الله أكبر، قال: «على الفطرة» (6). وحيث جاءت
_________
(1) في الأصل والطبعتين: «لقوله»، ولعله تصحيف ما أثبت فإن المعنى عليه.
(2) في الطبعتين: «مقدرين» خلافًا للأصل وعكسًا للمعنى المقصود.
(3) قرأها أبو هريرة - رضي الله عنه - كما في البخاري (1359، 4775) ومسلم (2658/
22).
(4) في الطبعتين: «أذنها» خلافًا للأصل.
(5) أخرجه البخاري (3437) ومسلم (168، 164) من حديث أبي هريرة وحديث أنس - رضي
الله عنهما -.
(6) أخرجه مسلم (382) من حديث أنس - رضي الله عنه -.
(3/212)
الفطرة في كلام رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فالمراد بها فطرة الإسلام لا غير، ولم يجئ قط في كلامه مرادًا بها فطرة
الشقاوة وابتداءُ الخِلقة في موضع واحد.
ولفظ الحديث يدل على أنه غير منسوخ وأنه يستحيل فيه النسخ كما قال بعضهم، لأنه خبر
محض، وليس حكمًا يدخل تحت الأمر والنهي، فلا يدخله نسخ.
وأما حديث عائشة في قصة الصبيّ من الأنصار، فرده الإمام أحمد (1) وطعن فيه، وقال:
من يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟! وقال أيضًا: إنهم لا اختلاف فيهم.
وأما مسلم فأورده في «صحيحه» كما تقدم.
ومن انتصر للحديث وصححه يقول: الإنكار من النبي - صلى الله عليه وسلم - على عائشة إنما
كان لشهادتها للطفل المعيّن بأنه في الجنة، كالشهادة للمسلم المعين، فإن الطفل تبع
لأبويه، فإذا كان أبواه لا يُشهد لهما بالجنة، فكيف يُشهد للطفل التابع لهما؟
والإجماع إنما هو على أن أطفال المسلمين من حيث الجملة مع آبائهم، فيجب الفرق بين
المعين والمطلق.
_________
(1) كما في «كتاب أهل الملل والردّة» من «الجامع» للخلال (1/ 66 - 68) , و
«المنتخب من علل الخلّال» لابن قدامة (ص 53)، وذلك أنه رواه طلحة بن يحيى بن طلحة
بن عبيد الله، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة، وطلحة ضعّفه أحمد وأنكر عليه هذا
الحديث. وله طريق أخرى ــ كما عند مسلم (2662/ 30) ــ عن عائشة بنت طلحة، ولكن يرى
أحمد أن مردّها أيضًا إلى طلحة بن يحيى. انظر: «العلل» برواية عبد الله (1380).
(3/213)
وفي «صحيح أبي حاتم» (1) من حديث عبد الله
بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ذراريُّ
المؤمنين يكفلهم إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - في الجنة».
وقد روى البخاري في «صحيحه» (2) عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رؤيا»، قال: فيَقُصُّ
عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: «أتاني الليلة آتيان ... » فذكر
حديث الرؤيا بطوله إلى أن قال: «فأتينا على روضة مُعتَمَّة (3) مِن كل لون الربيع،
وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حولَ الرجل
أكثرُ ولدانٍ رأيتهم قط ... »، وقال فيه: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه
إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وأما الولدان الذين حوله فكلُّ مولود مات على
الفطرة»، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: «وأولاد المشركين».
وفي «الصحيحين» (4) عن ابن عباس: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد
المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم».
_________
(1) برقم (7446)، وأخرجه أيضًا أحمد (8324)، والحاكم (2/ 370) وقال: «صحيح
الإسناد»، مع أن في إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو ضعيف، ولكن قد صحّ عن
أبي هريرة نحوه من وجه آخر أخرجه ابن أبي شيبة (12052) والحاكم (1/ 384) على
اختلاف في رفعه ووقفه، والصواب الوقف كما قال الدارقطني في «العلل» (2211)، ويثبت
له حكم الرفع لأنه مما لا مجال للرأي فيه، ويشهد له أيضًا حديث سمرة الآتي.
(2) برقم (7047).
(3) أي كثيرة النبات وطويلته.
(4) البخاري (1383)، ومسلم (2660) واللفظ له.
(3/214)
وفي «الصحيحين» (1) عن أبي بن كعب قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو
عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا».
وفي «الصحيحين» (2) عن الصعب بن جثّامة قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
عن الدار من المشركين يُبَيَّتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: «هم منهم».
وفي لفظ (3) لهما: «هم من آبائهم».
وهذه الأحاديث لا تَناقض بينها، بل يصدّق بعضها بعضًا. وقد اختلف العلماء في
الأطفال على ثمانية أقوال (4):
أحدها: الوَقْفُ فيهم وتركُ الكلام في مستقرهم، ويوكل علمهم إلى الله تعالى. قال
هؤلاء: وظواهر السنن وأجوبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس وأبي
هريرة تدل على ذلك، إذ وَكَل عِلمَهم إلى الله وقال: «الله أعلم بما كانوا
عاملين».
قالوا: وقد روى ابن حبان في «صحيحه» (5) من حديث جرير بن حازم
_________
(1) البخاري (4301) ومسلم (2661) واللفظ له.
(2) البخاري (3012)، ومسلم (1745).
(3) البخاري (3013)، ومسلم (1745/ 28).
(4) وقد بحث المؤلف هذه المسألة في الطبقة الرابعة عشرة من طبقات المكلفين في كتابه
«طريق الهجرتين» (2/ 840 - 877)، كما عقد فصلًا طويلًا في كتابه «أحكام أهل
الذمّة» (2/ 1086 - 1158) وذكر فيه لأهل العلم عشرة مذاهب في المسألة.
(5) برقم (6724)، ومن طريقه الضياء في «المختارة» (13/ 3)، وأخرجه أيضًا الفريابي
في «القدر» (ص 174 - 175)، والحاكم (1/ 33)، والبيهقي في «القدر» (445)، من طرق عن
جرير بن حازم به.
قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين ولا نعلم له علّة». بلى له علّة، وهي أنه خالف
هؤلاء الرواةَ عن جرير مَن هو أثبت منهم كوكيع وأبي أسامة ويزيد بن هارون، فرووه
عن جرير بن حازم فوقفوه على ابن عباس من قوله. ولذا قال البيهقي: إن المرفوع ليس
بمحفوظ، وإن الموقوف هو الصحيح. والموقوف قد أخرجه عبد الله في «السنة» (846)،
والفريابي (ص 175)، والخطابي في «الغريب» (2/ 465)، والبيهقي في «القدر» (446 -
448).
(3/215)
قال: سمعت أبا رجاء العطاردي قال: سمعت ابن
عباس يقول وهو على المنبر: قال [ق 241] رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا
يزال أمر هذه الأمة مؤَامًّا (1) ــ أو مقارِبًا ــ، ما لم يتكلموا في الوِلدان
والقدر». قال أبو حاتم: الولدان أراد به أطفال المشركين.
وفيما استدلت به هذه الطائفة نظر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُجِبْ فيهم
بالوقف، وإنما وكل عِلْمَ ما كانوا يعملونه لو عاشوا إلى الله، وهذا جواب عن
سؤالهم: «كيف يكونون مع آبائهم بغير عمل؟» وهو طرف من الحديث.
_________
(1) كذا في الأصل و (هـ)، وهو الصواب، وفي ط. الفقي: «قوامًا»، وفي ط. المعارف
وبعض مصادر التخريج: «مواتيًا»، وفي مطبوعة «صحيح ابن حبان» (الإحسان - ط.
الرسالة) وبعض المصادر الأخرى: «موائمًا»، وكلّ ذلك تحريف، وقد جاء رسمه على
الصواب في «التقاسيم والأنواع» (4878) ط. ابن حزم، و «المختارة»، والنسخة الخطّية
من «السنة» لعبد الله.
قال الخطابي: «قوله: مؤامًّا ــ مثقّلة الميم ــ أي مقاربًا، من قولِك: أمر أَمَم:
أي قصدٌ قريب، ونظرتُ إليه من أمم: أي مِن قُرب. وقال بعض أهل اللغة: أمم هو ما
بين القرب والبُعد». «غريب الحديث» (2/ 465)، وانظر: «الفائق» (1/ 58) و «النهاية»
(مأم). قلت: ويتأيّد الصواب برواية الفريابي: «لا يزال أمر هذه الأمة أَمَمًا ...
»، أي قصدًا ووسطًا.
(3/216)
ويدل عليه حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في
أول الباب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - وَكَل العلمَ بعملهم إلى الله، ولم يقل:
«الله أعلم حيث يستقرون وأين يكونون». فالدليل غير مطابق لمذهب هذه الطائفة.
وأما حديث ابن عباس في المنع من الكلام فيهم، ففي القلب من رفعه شيء (1)، وبالجملة
فإنما يدل على ذم من تكلّم فيهم بغير علم، أو ضَرَب الأحاديث فيهم بعضها ببعض، كما
فعل الذين أنكر عليهم كلامَهم في القَدَر. وأما من تكلم فيهم بعلمٍ وحقٍّ فلا يُذم.
القول الثاني: إن أطفال المشركين في النار. وهذا مذهب طائفة، وحكاه القاضي أبو
يعلى روايةً عن أحمد (2)، قال شيخنا (3): وهو غلط منه على أحمد، وسبب غلطه أن أحمد
سئل عنهم فقال: هم على الحديث، قال القاضي: أراد حديث خديجة إذ سألت النبي - صلى
الله عليه وسلم - عن أولادها الذين ماتوا قبل الإسلام فقال: «إن شئتِ أسمعتك
تضاغيهم في النار» (4). قال شيخنا (5):
_________
(1) زاد المؤلف في «أحكام أهل الذمة» (2/ 1090) فقال: «والناس إنما رووه موقوفًا