النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
كلامه الآتي مع البسط والتحرير.
(3/141)
وقد رُوي: «الأول فالأول»، ورُوي: «الأَولى
فالأَولى» بفتح الهمزة (1)، أي الأقرب فالأقرب، وهو أولى، وبه يتبين معنى الحديث.
وأصل الحجز: المنع، ومنه الحاجز بين الشيئين، و «ينحجزوا» مطاوع حجزته فانحجز، وهو
يدل على حاجز بينهم، وهو عفوُ مَن له الدم، فإنه إذا عفا وجب عليهم أن ينحجزوا،
لأن صاحب الدم قد عفا، وهذا العفو [عن] (2) الحق يستحقه الأولى فالأولى من المقتول
وإن كان امرأةً، فإذا عفت وهي أولى بالمقتول فقد حجز عفوُها بينهم، ولا يجوز
للرجال الأباعد بعد ذلك الطلب بدمه، وقد عفا عنه الأولى منهم.
فقد اتضح بحمد الله وجهه، وأسفر صبحُ معناه. وعلى هذا فيكون «الأولى فالأولى»
فاعلُ فعلٍ دلَّ عليه المذكور، أي يحجز بينهم الأولى فالأولى، وإن كان امرأةً.
وترجمة أبي داود تشعر بهذا، والله أعلم.
5 - باب الدية كم هي
542/ 4379 - وعن خِشْف بن مالك الطائي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: «في دِيَةِ الخطأ عشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة، وعشرون بنت
مخاض، وعشرون ابنةَ لبون، وعشرون بني مخاض ذكر».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (3)، وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا
_________
(1) هكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» (2/ 492)، وعلّقه البخاري في «التاريخ
الكبير» (3/ 118) عن حصن به.
(2) زيادة لازمة ليستقيم الكلام.
(3) أبو داود (4545)، والترمذي (1386)، والنسائي في «المجتبى» (4802) و «الكبرى»
(6977)، وابن ماجه (2631)، كلهم من طريق الحجاج بن أرطاة، عن زيد بن جُبير، عن خشف
به. قال النسائي: الحجاج بن أرطاة ضعيف لا يُحتج به.
(3/142)
إلا من هذا الوجه، وقد رُوي عن عبد الله
موقوفًا.
وقال أبو بكر البزار (1): وهذا الحديث لا نعلمه روي عن عبد الله مرفوعًا إلا بهذا
الإسناد. هذا آخر كلامه.
وذكر الخطابي (2): أن خشف بن مالك مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث.
وعدل الشافعي عن القول به لما ذكرنا من العلة في راويه، ولأن فيه بني مخاض، ولا مدخل
لبني مخاض في شيء من أسنان الصدقات؛ وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في
قصة القسامة أنه ودَى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة (3)، وليس في أسنان الصدقة
ابن مخاض.
وقال الدارقطني (4): «هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث»، وبسط
الكلام في ذلك وقال: «لا نعلمه رواه إلا خِشف بن مالك عن ابن مسعود، وهو رجل مجهول
لم يروِ عنه إلا زيد بن جبير».
ثم قال: «لا نعلم أحدًا رواه عن زيد بن جبير إلا حجاج بن أرطاة، والحجاج فرجل
مشهور بالتدليس وبأنه يحدث عمن لم يَلْقَه ولم يسمع منه»، ثم ذكر أنه قد اختلف فيه
على الحجاج بن أرطاة.
وقال البيهقي (5): وخِشف بن مالك مجهول، واختلف فيه على الحجاج بن
_________
(1) عقب الحديث (1922).
(2) «معالم السنن» (6/ 346).
(3) سبق في «باب ترك القَوَد بالقسامة».
(4) عقب الحديث (3364) وما بعده.
(5) «معرفة السنن» (12/ 104).
(3/143)
أرطاة، والحجاج غير محتج به. والله أعلم.
وقال المَوْصِلي (1): خِشف بن مالك ليس بذاك، وذكر له هذا الحديث.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا الحديث قد رواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن علقمة
عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «في الخطأ أخماسًا: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون
بنات لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بني مخاض». ذكره البيهقي (2).
قال: وكذلك رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله (3)، وعن منصور
عن إبراهيم عن عبد الله (4).
وكذلك رواه أبو مجلز عن أبي عبيدة عن عبد الله (5).
_________
(1) هو ابن عمّار (ت 242)، له مؤلف في «العلل ومعرفة الرجال» لم يصلنا.
(2) في «المعرفة» (12/ 102 - 104)، والنقل الآتي كله منه.
(3) أخرجه وكيع في «مصنفه» ــ كما في «سنن البيهقي» (8/ 74) ــ، وعنه ابن أبي شيبة
(27285). وأخرجه الدارقطني (3363) من طريق وكيع عن سفيان به، لكن فيه «بني لبون»
مكان «بني مخاض»، فغلّط البيهقي رواية الدارقطني واعتبرها وهمًا منه، ثم ذكر أنه
رآه في كتاب ابن خزيمة أيضًا: «بني لبون»، فقال الحافظ: «فانتفى أن يكون الدارقطني
غيّره، فلعل الخلاف فيه مِن فوق». «التلخيص» (4/ 21 - 22).
(4) أخرجه وكيع في «مصنفه»، وعنه ابن أبي شيبة (27286). وأخرجه الدارقطني (3365)
بالخلاف السابق في لفظه.
(5) أخرجه الكوسج في «مسائله» (2/ 214) عن الإمام أحمد بإسناده، والبيهقي في
«السنن الكبرى» (8/ 75).
وأخرجه الطبري في «تفسيره» (7/ 324)، والدارقطني (3361، 3362)، إلا أن فيه: «بنو
لبون» بدل «بنو مخاض».
(3/144)
قال البيهقي: فهذا الذي قاله عبد الله بن
مسعود في السن أقل مما حكاه الشافعي عن بعض التابعين، واسم الإبل يقع عليه، وهو
قول صحابي فقيه، فهو أولى بالاتباع.
قال: ومن رغب عنه احتج بحديث سهل بن أبي حثمة في القسامة: «فوداه النبي - صلى الله
عليه وسلم - بمائة من إبل الصدقة»، وليس لبني المخاض مدخل في فرائض الصدقات.
قال: وحديث القسامة وإن كان في قتل العمد، ونحن نتكلم في دية الخطأ، فكأن النبي -
صلى الله عليه وسلم - حين لم يثبت ذلك القتل عليهم وداه بدية الخطأ متبرعًا بذلك.
وعلَّل حديث ابن مسعود بأنه منقطع، لأن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة. قال يعقوب بن
سفيان (1): حدثنا بندار، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة قال: كنت عند أبي إسحاق
الهمداني فقيل له: إن شعبة يقول: إنك لم تسمع من علقمة شيئًا؟ فقال: صدق.
وأما أبو عبيدة فلم يسمع من أبيه، قال شعبة عن عمرو بن مُرَّة: سألت أبا عبيدة
تحفظ من أبيك شيئًا؟ قال لا (2).
ثم ذكر تعليل حديث خِشْف بن مالك المرفوع.
_________
(1) في «المعرفة والتأريخ» (2/ 109، 562)، ومن طريقه أسنده البيهقي في «معرفة
السنن» (12/ 103).
(2) أسنده أحمد في «العلل» لابنه (456)، والبيهقي من طريقين عن شعبة.
(3/145)
ومراد البيهقي بقولِ (1): «إن ما في حديث
ابن مسعود أقل مما حكاه الشافعي عن بعض التابعين، والأخذ به أولى» = أن الشافعي
قال في رواية الربيع (2): «وإذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتل عمد
الخطأ: «مغلظة، منها أربعون خَلِفة في بطونها أولادها» (3)، ففي ذلك دليل على أن
دية الخطأ الذي لا يخلطه عمد مخالِفة لهذه الدية، وقد اختلف الناس فيها، فأُلزِمُ
القاتلَ مائةً من الإبل بالسُّنَّة، ثم ما لم يختلفوا فيه، فلا ألزمه من أسنان
الإبل إلا أقلَّ ما قالوا يلزمه، لأن اسم الإبل يلزم الصغار والكبار، فدية الخطأ
أخماس: عشرون ابنة مخاض، [ق 230] وعشرون ابنة لبون، وعشرون بني لبون ذكور، وعشرون
حِقَّة، وعشرون جَذَعة.
أخبرنا مالك (4) عن ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وبلغه عن سليمان بن يسار،
أنهم كانوا يقولون ذلك».
فهذا الذي ألزمه البيهقي لأجله أن يقول بما قاله ابن مسعود= لوجهين، أحدهما: أنه
أقل مما قاله هؤلاء، والثاني: أنه قول صحابي من فقهاء
_________
(1) كذا في الأصل، وهو صحيح، أي: بقولِ هذا المقال.
(2) «الأم» (7/ 278).
(3) أخرجه أحمد (4583، 6533، 15388)، وأبو داود (4588)، والنسائي (4791 - 4800)،
وابن حبان (6011)، على أوجه مختلفة في إسناده، واختلف أئمة العلل في الأصح منها،
على أن الحديث قد قواه ابن خزيمة في قصة له مع المزني، وصححه ابن حبان وابن القطان
وقال: «ولا يضره الخلاف». انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1389)، وللدارقطني (2874)،
و «السنن الكبرى» للبيهقي (8/ 44 - 45)، و «بيان الوهم» (5/ 409 - 410)، و «البدر
المنير» (8/ 355 - 360).
(4) وهو في «الموطأ» (2467).
(3/146)
الصحابة، فالأخذ به أولى من قول التابعين.
وأما تعليله بما ذكر فضعيف، فإنه قد روي من وجوه متعددة عن ابن مسعود، إذا جُمِع
بعضُها إلى بعض قوي مجموعُها على دفع العلة التي عُلِّل بها. وقد ثبت عن إبراهيم
أنه قال: إذا قلتُ: قال عبد الله، فهو ما حدثني به جماعة عنه، وإذا قلت: حدثني
فلان عن عبد الله، فهو الذي سميت (1). وأبو عبيدة شديد العناية بحديث أبيه
وفتاويه، وعنده من ذلك من العلم ما ليس عند غيره (2). وأبو إسحاق وإن لم يسمع من
علقمة، فإمامته وجلالته وعدم شهرته بالتدليس (3) تمنع أن يكون سمعه من غير ثقة
فيعَدَّ إسقاطُه تدليسًا للحديث.
وبعد، ففي المسألة مذهبان آخران:
أحدهما: أنها خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس
وعشرون بنت لبون؛ أرباعًا. حكاه الشافعي (4) فيما بلغه عن ابن مهدي عن سفيان، عن
أبي إسحاق، [عن
_________
(1) أسنده ابن سعد في «الطبقات» (8/ 390)، والترمذي في «العلل الصغير» (1/ 277 -
شرح ابن رجب)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتأريخ» (2/ 609) بإسناد صحيح إلى
إبراهيم.
(2) انظر: «شرح علل الترمذي» (1/ 298)، و «مجموع الفتاوى» (6/ 404).
(3) وهذا لا يعني أنه لم يكن يدلس قط، بل كما قال البيهقي: «ربّما دلس». «السنن
الكبرى» (1/ 202). وانظر: «ذكر المدلسين» للنسائي (ص 122)، و «المجروحين» (1/ 86)،
و «تعريف أهل التقديس» (المرتبة الثانية).
(4) في «الأم» (8/ 444)، وعنه البيهقي في «المعرفة» (12/ 102). وأخرجه أبو داود
(4553)، والدارقطني (3374) من طريقين آخرين عن سفيان به.
(3/147)
عاصم] (1) بن ضمرة، عن علي.
الثاني: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون ذكر.
رواه البيهقي (2) عن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت.
وكل هذا يدل على أنه ليس في الأسنان شيء مقدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والله أعلم.
6 - باب في دية الذمي
543/ 4416 - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال: «دِيَةُ المعاهَدِ نصفُ دِيَةِ الحُرِّ».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (3). وقال الترمذي: حسن، ولفظه: «دية عقل
الكافر نصفُ دية عقل المؤمن»، ولفظ النسائي نحوه.
ولفظ ابن ماجه: قضى أن عقل أهل الكتابين نصفُ عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى.
_________
(1) ساقط من الأصل والطبعتين، مستدرك من مصادر التخريج.
(2) «السنن الكبرى» (8/ 74)، وأخرجه ابن أبي شيبة (27289) إلا أن فيه: «جذعة» بدل
«حقَّه»، وأخرجه الطبري في «تفسيره» (7/ 326) إلا أن عنده: «جذعة» بدل «بنت لبون»؛
كلهم من حديث أبي عياض عن عثمان وزيد.
(3) أبو داود (4583)، والترمذي (1413)، والنسائي (4806، 4807)، وابن ماجه (2644)،
وأخرجه أحمد (6692)، وابن خزيمة (2280)، والدارقطني (3359)، من طرق عن عمرو بن
شعيب به.
(3/148)
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث
صحيح إلى عمرو بن شعيب، والجمهور يحتجون به، وقد احتج به الشافعي في غير موضع،
واحتج به الأئمة كلهم في الديات.
قال الشافعي (1): قضى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في دية اليهودي والنصراني بثلث
دية المسلم، وقضى عمر في دية المجوسي بثمانمائة درهم، ولم نعلم أن أحدًا قال في
دياتهم (2) أقل من هذا، وقد قيل: إن دياتهم أكثر من هذا؛ فألزمنا قاتل كلِّ واحدٍ
من هؤلاء الأقل مما أُجمِعَ عليه.
قال البيهقي (3): حديث عمرو بن شعيب قد رواه حسين المعلم عن عمرو عن أبيه عن جده،
قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة دينار=
ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك
حتى استخلف عمر فذكر خطبته في رفع الدية حين (4) غلت الإبل. قال: وترك دية أهل
الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية.
قال: فسببه ــ والله أعلم ــ أن يكون قوله: «على النصف من دية المسلمين» راجعًا
إلى ثمانية آلاف درهم، فتكون ديتهم في روايته في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -
أربعةَ آلاف درهم، ثم لم يرفعها عمر فيما رفع من الدية، فكأنه علم
_________
(1) «الأم» (7/ 259)، وعنه البيهقي في «المعرفة» (12/ 142).
(2) ط. الفقي: «حياتهم»، تحريف.
(3) «المعرفة» (12/ 146 - 147)، وأخرج الحديث أبو داود (4542)، والبيهقي في
«الكبرى» (8/ 101).
(4) في الأصل: «حتى»، تصحيف.
(3/149)
أنها في أهل الكتاب توقيف، وفي أهل الإسلام
تقويم.
قال: والذي يؤكد ما قلنا حديثُ جعفر بن عون عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده (1): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض على كل مسلم قتل رجلًا من أهل
الكتاب أربعة آلاف (2).
وليس في شيء من هذا ما يوجب ترك القول بحديث عمرو بن شعيب. أما المأخذ الأول، وهو
الأخذ بأقل ما قيل، فالشافعي - رحمه الله - كثيرًا ما يعتمده، لأنه هو المجمع
عليه، ولكن إنما يكون دليلًا عند انتفاء ما هو أولى منه، وهنا النص أولى بالاتباع.
وأما المأخذ الثاني فضعيف جدًّا، فإن حديث ابن جريج وحسين المعلّم وغيرهما عن عمرو
صريحةٌ في التنصيف، فأحدهما قال: «نصف دية المسلم»، والآخر قال: «أربعة آلاف» مع
قوله: «كانت دية المسلم ثمانية آلاف»؛ فالروايتان صريحتان في أن تنصيفها توقيف
وسنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يترك ذلك باجتهاد عمر - رضي الله
عنه - في رفع دية المسلم؟
ثم إن عمر لم يرفع الدية في القدر، وإنما رفع قيمة الإبل لما غلت، فهو - رضي الله
عنه - رأى أن الإبل هي الأصل في الدية، فلما غلت ارتفعت قيمتها، فزاد مقدار الدية
من الورِق زيادةَ تقويمٍ لا زيادةَ قدرٍ في أصل الدية.
_________
(1) كذا في الأصل: «عن أبيه عن جدّه»، والظاهر أنه وهم أو سبق قلم بسلوك الجادّة،
فإن الحديث في «معرفة السنن» وغيره من المصادر: عن عمرو بن شعيب عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - مرسلًا.
(2) وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (18474)، والدارقطني (3286)، والبيهقي في «الكبرى»
(8/ 101)، كلهم عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب مرسلًا.
(3/150)
ومعلوم أن هذا لا يبطل تنصيف دية الكافر على
دية المسلم، بل أقرها أربعة آلاف كما كانت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -،
وكانت الأربعة آلاف حينئذ هي نصف الدية.
وقوله (1): «علم أنها في أهل الكتاب توقيف»، فهو توقيفُ تنصيفٍ كما صرَّحت به
الرواية، فعُمَر أداه اجتهاده إلى ترك الأربعة الآلاف كما كانت، فصارت ثلثًا
برفعِه ديةَ المسلم لا بالنص والتوقيف. وهذا ظاهر جدًّا، والحجة إنما هي في النص.
واختلف الفقهاء في هذه المسألة، فقال الشافعي (2): دية الكتابي على الثلث من دية
المسلم في الخطأ والعمد.
وقال أبو حنيفة (3): ديته مثل دية المسلم في العمد والخطأ.
وقال مالك (4): ديته نصف دية المسلم في العمد [ق 231] والخطأ.
وقال أحمد (5): إن قتله عمدًا فديته مثل دية المسلم، وإن قتله خطأ فعنه فيه
روايتان، إحداهما: أنها النصف ــ وهي الرواية الصحيحة في مذهبه ــ، والثانية: أنها
الثلث. وإن قتله من هو على دينه عمدًا، فعنه فيه أيضًا روايتان، إحداهما: أنها نصف
دية المسلم، والثانية: ثلثها.
_________
(1) أي البيهقي.
(2) انظر: «الأم» (5/ 710، 7/ 259).
(3) انظر: «الأصل» (6/ 556).
(4) انظر: «المدونة» (16/ 395).
(5) انظر: «الإنصاف» (25/ 393 - 395، 450 - 451).
(3/151)
وأما حديث أبي سعد البقَّال عن عكرمة عن ابن
عباس قال: جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دية العامرِيَّين ديةَ الحر
المسلم، وكان لهما عهد» (1)، فقال الشافعي (2): لا يثبت مثله، وقال البيهقي: ينفرد
به أبو سعد سعيد بن المَرْزُبان البقَّال، وأهل العلم لا يحتجون بحديثه.
وأما حديث أبي كُرْزٍ الفهري عن نافع عن ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
ودى ذميًّا ديةَ مسلم (3)، فقال الدارقطني والبيهقي: أبو كُرز هذا متروك الحديث،
لم يروه عن نافع غيرُه.
7 - باب لا يُقتصَّ من الجرح قبل الاندمال (4)
عن جابر: أن رجلا جُرِح فأراد أن يستقيد، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح. رواه الدارقطني (5).
_________
(1) أخرجه الترمذي (1404)، والدارقطني (3358)، والبيهقي في «الكبرى» (8/ 102)،
وابن عدي في «الكامل» (3/ 384)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا مِن هذا
الوجه.
(2) في القديم، كما في «معرفة السنن» (12/ 145).
(3) أخرجه الدارقطني (3242، 3287)، والبيهقي في «الكبرى» (8/ 102).
(4) قال المجرد: «هذا الباب وما يليه زادهما الشيخ شمس الدين»، وسيأتي تنبيه
المؤلف نفسه على ذلك عقبهما. ويظهر أن المؤلف اعتمد على «السنن والأحكام» للضياء
المقدسي (5/ 369 - 371) في زيادة هذين البابين وما تحتهما من الأحاديث مع إضافة
بعض الأحاديث من «الأحكام والوسطى» للإشبيلي.
(5) برقم (3115، 3116)، وأخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (4068)، والبيهقي (8/
67)، وفي إسناده عبد الله بن عبد الله الأموي، ويعقوب بن عطاء بن أبي رباح، كلاهما
ضعيف.
(3/152)
وذكر أيضًا (1) من حديث مسلم بن خالد الزنجي
عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - أن يُقتصَّ من الجرح حتى ينتهي.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلًا طعن رجلًا بقَرْنٍ في ركبته فجاء إلى
النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أَقِدْني، فقال: «حتى تبرأ»، ثم جاء إليه
فقال: أقدني، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله، عرجت، فقال: «قد نهيتُك
فعصيتَني فأبعدك الله وَبطَل عَرَجُك»، ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أن يُقتَصّ من جرح حتى يبرأ صاحبه. رواه الإمام أحمد (2).
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة (3) عن إسماعيل ابن عُليَّة عن أيوب عن عمرو بن دينار
عن جابر: أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -
ليستقيد، فقيل له: «حتى تبرأ»، فأبى وعجّل واستقاد، عَنِتَتْ رِجله (4) وبرئت
_________
(1) «سنن الدارقطني» (3121)، ومسلم بن خالد فيه لين.
(2) برقم (7034) من طريق ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب به. وأخرجه الدارقطني (3114)
ــ ومن طريقه البيهقي (8/ 67 - 68) ــ من طريق ابن جريج عن عمرو بن شعيب به.
رجالهما موثّقون، إلا أن ابن إسحاق وابن جريج مدلسان، ولم يصرّحا بالسماع، ثم إن
ابن جريج قد اختلف عليه فيه، فرواه عبد الرزاق (17991) عنه عن عمرو بن شعيب
مرسلًا، وهو أشبه.
(3) في «المصنف» (28360)، ومن طريقه وطريق أخيه عثمان أخرجه الدارقطني (3117)،
وسيأتي الكلام عليه.
(4) أي شَلَّت، وفي ط. الفقي: «فيَبِسَتْ» وهو بمعناه، ولكنه خلاف الأصل ولفظ
الحديث.
(3/153)
رجل المستقاد منه، فأتى النبي - صلى الله
عليه وسلم - فقال: «ليس لك شيء؛ إنك أبيت».
ولكن لهذا الحديث علة، وهي أن أبان وسفيان روياه عن عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة
بن يزيد بن ركانة: أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ... فذكره مرسلًا
(1).
قال عبد الحق (2): وهو عندهم أصح، على أن الذي أسنده ثقة جليل، وهو ابن علية.
8 - باب من اطَّلع في بيت قوم بغير إذنهم
عن سهل بن سعد: أن رجلًا اطلع في جحر في باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِدْرًى يُرَجِّل به رأسه، فقال له رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: «لو أعلم أنك تنظر طعنت به في عَينك، إنما جعل الإذن من أجل
البصر». أخرجاه (3).
_________
(1) رواية أبان وسفيان أخرجهما أبو داود في «المراسيل» (252، 253)، وأخرجه أيضًا
(254) عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار به. وأخرجه عبد الرزاق (17986، 17987) ــ
ومن طريقه الدارقطني (3119، 3118) ــ عن ابن جريج عن عمرو بن دينار به، وعن معمر
عن أيوب عن عمرو به.
فهؤلاء الثقات (أبان، سفيان بن عيينة، حماد بن زيد، ابن جريج، أيوب برواية معمر
عنه) كلهم رووه عن عمرو بن دينار، عن ابن ركانة مرسلًا، وهو الصواب. وجاءت رواية
ابن علية عن أيوب مخالفةً لهم فسلكت الجادة: عن عمرو بن دينار، عن جابر، وهو وهم
إما مِن ابن عليّة كما ذهب إليه أبو داود في «المراسيل»، وإما من ابنَي أبي شيبة
الراويَين عن ابن علية، وبه جزم موسى بن هارون الحمّال الحافظ الناقد (ت 294) ــ
كما ذكره ابن المنذر في «الأوسط» (13/ 111) ــ والدارقطنيُّ في «السنن» عقب روايته
له، وذكر أن أحمد بن حنبل خالفهما في ذلك فرواه عن ابن علية مرسلًا. وانظر:
«العلل» لابن أبي حاتم (1391).
(2) «الأحكام الوسطى» (4/ 66).
(3) البخاري (6241)، ومسلم (2156).
(3/154)
وعن أنس: أن رجلًا اطلع في بعض حُجَر النبي
- صلى الله عليه وسلم -، فقام إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بمشقص ــ أو
بمشاقص ــ، فكأني أنظر إليه يَخْتِل الرجلَ ليطعنه. أخرجاه (1) أيضًا.
وفي «الصحيحين» (2) أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فخَذَفته بحصاة ففقأت عينَه ما كان عليك جُناح».
وعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من اطلع في بيت قومٍ بغير إذنهم، فقد
حلَّ لهم أن يفقأوا عينه». رواه مسلم (3).
وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من اطلع في بيتِ قومٍ ففقأوا
عينَه، فلا دية له ولا قِصاص». رواه النسائي (4).
ولم يذكر أبو داود هذا الباب، ولا الذي قبله، ولا أحاديثَهما، فذكرناهما للحاجة.
والله أعلم.
* * *
_________
(1) البخاري (6242)، ومسلم (2157).
(2) البخاري (6902)، ومسلم (2158/ 44).
(3) (2158/ 43).
(4) «المجتبى» (4860) و «الكبرى» (7036)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (6004).
(3/155)
كتاب
السنة
1 - باب افتراق الأمة بعد نبيها
544/ 4428 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «افترقت اليهود على إحدى ــ أو ثِنْتينِ ــ وسبعين فرقةً، وتفرَّقَتِ
النَّصارى على إحدى ــ أو ثِنْتَين ــ وسبعين فِرقة، وتَفْتَرقُ أُمَّتي على ثلاثٍ
وسبعين فرقةً».
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (1)، وحديث ابن ماجه مختصر، وقال الترمذي: حسن صحيح.
545/ 4429 - وعن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - أنه قام فقال: ألا إنَّ
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فينا فقال: «ألا إنَّ مَن قبلكم مِن أهل
الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وإن هذه الملَّة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين؛
ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة». زاد ابن يحيى (وهو محمد)
وعمرٌو (وهو ابن عثمان) في حديثيهما: «وإنه سيخرج من أمتي أقوام تَجارى بهم تلك
الأهواء كما يَتَجارى الْكَلَبُ لصاحبه ــ وقال عمرو: الكلب بصاحبه ــ، لا يبقى
منه عرق ولا مِفصَل إلا دخله» (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ورواه الترمذي (3) من حديث عبد الله بن عمرو
_________
(1) أبو داود (4596)، والترمذي (2640)، وابن ماجه (3991). وأخرجه أيضًا ابن حبان
(6247)، والحاكم (1/ 6، 128).
(2) «سنن أبي داود» (4597). وأخرجه أيضًا أحمد (16937)، والدارمي (2560)، والحاكم
(1/ 128)، وإسناده حسن.
(3) برقم (2641)، وأخرجه الحاكم (1/ 129) استشهادًا.
(3/156)
يرفعه: «ليأتينّ على أمتي ما أتى على بني
إسرائيل حذوَ النعل بالنعل، حتى لو كان منهم من أتى أمَّه علانيةً لكان في أمتي من
يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق (1) أمتي على ثلاث
وسبعين ملة، كلهم في النار إلا واحدة»، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا
عليه وأصحابي». قال الترمذي: «حديث غريب (2) لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، وفيه
الإِفريقي عبد الرحمن بن زياد (3).
وقال (4): وفي الباب عن سعد (5)، وعوف بن مالك، وعبد الله بن عمرو.
وحديث عوف الذي أشار الترمذي إليه هو: حديث نُعَيم بن حماد عن عيسى بن يونس، عن
حَرِيز (6) بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف (7). وهو
الذي تُكلِّم في نُعيمٍ لأجله.
_________
(1) في الأصل: «وتفرقت» سهو.
(2) كذا في الأصل وفي «تحفة الأشراف» (6/ 354)، وفي «نسخة الكروخي» (ق 174): «حسن
غريب».
(3) هو قاضي إفريقية وعالمها ومحدّثها، على لين في حفظه، له أحاديث لا يُتابع
عليها، ضعَّفه يحيى القطان والإمام أحمد والنسائي في آخرين، إلا أن البخاري كان
يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث. انظر: «الجرح والتعديل» (5/ 234)، و «تهذيب
التهذيب» (6/ 175).
(4) أي الترمذي - رحمه الله - عقب حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(5) أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (148)، والبزار (1199)، وفي إسناده موسى بن
عُبيدة الرَّبَذي، ضعيف منكر الحديث.
(6) في الطبعتين: «جرير» خطأ.
(7) ولفظه: «ستفترق أمتي على بضعٍ وسبعين فرقة أعظمها فتنةً على أمتي قوم يقيسون
الأمور برأيهم فيحلّون الحرام ويحرّمون الحلال». أخرجه البزار (2755)، وابن عدي في
«الكامل» (7/ 17)، والطبراني في «الكبير» (18/ 50)، والحاكم (3/ 547)، وابن عبد
البرّ في «جامع بيان العلم» (1673)، كلهم من طريق نعيم بن حمّاد به. هذا الحديث
أنكره ابن معين ودحيم وغيرهما من الأئمة على نُعَيم، وقال البزّار: لا يُتابَع
عليه، وقال ابن عبد البرّ: هذا عند أهل العلم بالحديث حديث غير صحيح، حملوا فيه
على نعيم بن حمّاد. وبالغ ابن حمّاد الدولابي فاتهم نعيمًا بوضعه ــ كما نقله عنه
ابن عدي ــ، وهي تهمة مردودة، فإن نعيمًا من أئمة السنّة الأعلام، وقد وثَّقه ابن
معين مع أنه حكم على حديثه هذا بأن ليس له الأصل، فقيل له: كيف يُحدّث ثقة بباطل؟
قال: «شُبِّه له». انظر: «تاريخ بغداد» (15/ 420)، و «التنكيل» للمعلمي (1/ 824 -
836).
(3/157)
وفي الباب أيضًا حديث أنس بن مالك يرفعه:
«إن بني إسرائيل تفرقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين
فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، قال: «وهي الجماعة». رواه أبو إسحاق الفزاري (1) عن
الأوزاعي عن يزيد [ق 232] الرقاشي عن أنس.
ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن غزوان، عن عمرو بن سعد، عن يزيد
به (2).
_________
(1) ومن طريقه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 419). وأخرجه محمد بن نصر المروزي
في «السنة» (53)، والطبري (5/ 647)، واللالكائي في «شرح السنة» (1/ 112)، وأبو
نعيم في «الحلية» (3/ 52 - 53)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (6/ 287)، من طرق عن
الأوزاعي به. وإسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي، وقد روي من طريق الأوزاعي عن قتادة
عن أنس، أخرجه ابن ماجه (3993) وغيره، لكنه وهم من بعض الرواة حيث خالف جماعة من
الثقات فجعله عن «قتادة» بدل «يزيد الرقاشي». وللحديث طرق أخرى عن أنس لا يُفرح
بها.
(2) أخرجه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 419 - 420).
(3/158)
2 - باب النهي
عن الجدال
546/ 4435 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«المِراءُ في القرآن كُفر» (1).
قال ابن القيم - رحمه الله - حديث حسن (2). وفي «الصحيحين» (3) من حديث جندب بن
عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقرأوا القرآن ما ائتلفت
عليه قلوبُكم، فإذا اختلفتم فيه (4) فقوموا».
وفي «الصحيحين» (5) عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أبغض الرجال
إلى الله الأَلَدُّ الخَصِم».
وفي «سنن ابن ماجه» (6) من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ثم تلا تلك الآية: {مَا
_________
(1) «سنن أبي داود» (4603) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(2) وذلك أن في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة، وهو صدوق حسن الحديث، على أنه قد
توبع، تابعه أبو حازم سلمة بن دينار عن أبي سلمة به، أخرجه أحمد (7989)، والنسائي
في «الكبرى» (8039)، وابن حبان (74)، وبمتابعته يرتقي الحديث إلى الصحة ولله
الحمد.
(3) البخاري (5060، 5061، 7364، 7365)، ومسلم (2667).
(4) في الأصل: «عنه»، ولعله تصحيف ما أثبت، وهو لفظ مسلم (2667/ 3)، ويحتمل أن
يكون «عنه» صحيحًا لكنه تقدم سهوًا، فإن لفظ البخاري: «فقوموا عنه».
(5) البخاري (2457)، ومسلم (2668).
(6) برقم (48)، وأخرجه أحمد (22164)، والترمذي (3253)، والحاكم (2/ 448)، وقال
الترمذي: «حسن صحيح».
(3/159)
ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ
قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58].
3 - باب في الخلفاء
547/ 4467 - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان أبو هريرة يُحَدِّثُ أن
رجلًا أتى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنِّي أرى الليلة ظُلَّةً
يَنْطِفُ منها السَّمْنُ والعَسَل، فأرى الناسَ يتكفّفون بأيديهم، فالمُستَكثِرُ
والمستَقِلُّ، وأرى سببًا واصِلًا من السماء إلى الأرض، فأراك يا رسول الله أخذتَ
به فعلوتَ، ثم أخذَ به رجلٌ آخرُ فَعَلا به، ثم أخذ به رجلٌ آخر فَعَلا به، ثم أخذ
به رجلٌ آخر فانقطع، ثم وُصِلَ فَعَلا به. قال أبو بكر: بأبي وأمي، لَتَدَعَنِّي
فَلأُعَبِّرنَّها، فقال: «اعْبُرها». قال: أما الظُّلةُ فظُلَّة الإسلام، وأما ما
يَنْطِف من السمن والعسل فهو القرآن لِينُه وحَلاوته، وأما المستكثر والمستقلُّ
فهو المستكثر من القرآن والمستَقلُّ منه، وأما السببُ الواصل من السماء إلى الأرض
فهو الحقُّ الذي أنت عليه، تأخذ به فيُعْليك الله، ثم يأخذ به بعدك رجلٌ فيعلو به،
ثم يأخذ به رجلٌ آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع، ثم يُوصَل له فيعلو به.
أيْ رسولَ الله لَتُحَدِّثَنِّي أصبتُ أم أخطأت؟ فقال: «أصبتَ بعضًا وأخطأت
بعضًا»، فقال: أقسمتُ يا رسول الله لتُحَدِّثنِّي ما الذي أخطأتُ، فقال النبي -
صلى الله عليه وسلم -: «لا تُقْسِم».
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (1).
قوله: «ثم يأخذ به بعدك» هو أبو بكر، «ثم يأخذ به رجلٌ آخر» هو عمر، «ثم يأخذ به
رجل آخر فينقطع» هو عثمان ... فجُعِل قتله قطعًا، وقوله: «ثم يوصل» يعني بولاية
علي.
_________
(1) أبو داود (4632)، ومسلم (2269)، والترمذي (2293)، والنسائي في «الكبرى»
(7593)، وابن ماجه (3918). وأخرجه البخاري (7046) أيضًا.
(3/160)
وقيل: الخطأ (1) في قوله: «له»، لأن في
الحديث: «ثم وُصِل»، ولم يذكر «له» (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا يُشكل عليه شيئان:
أحدهما: أن في نفس الرؤيا: «ثم وُصِل له فعلا به»، فتفسير الصديق لذلك مطابق لنفس
الرؤيا.
والثاني: أن قتله - رضي الله عنه - لا يمنع أن يوصل له، بدليل أن عمر قد قُتِل،
ومع هذا فأخذ به وعلا به، ولم يكن قتله مانعًا من علوه به.
وقد يجاب عنهما:
أما الأول فلفظه: «ثم وصل له» لم يذكر هذا البخاري، ولفظ حديثه: «ثم أخذ به رجل
آخر، فانقطع به، ثم وُصِلَ» فقط، وهذا لا يقتضي أن يوصل له بعد انقطاعه به، وقال
الصديق في تفسيره في نفس حديث البخاري «فينقطع به ثم يوصل له»، فهذا موضع الغلط.
وهذا مما يبين فضل معرفة البخاري، وغَورَ علمِه في إعراضه عن لفظة «له» في الأول،
وإنما انفرد بها مسلم (3).
_________
(1) أي: خطأ أبي بكر في تأويله.
(2) للمنذري كلام طويل على هذا الحديث في «المختصر» (ق 4/ 131 - النسخة
البريطانية)، ولم يحدد المجرّد موضع التعليق منه، فأوردت القدر الذي يصدق عليه
تعليق المؤلف الآتي: «هذا يُشكل عليه شيئان» دون أن يكون فيه تكرار لما سيذكره
المؤلف في ثنايا كلامه.
(3) أي من بين «الصحيحين»، وإلا فهي عند الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم أيضًا.
(3/161)
وأما الثاني فيجاب عنه بأن عمر - رضي الله
عنه - لم ينقطع به السبب من حيث علا به، وإنما انقطع به بالأجل المحتوم، كما ينقطع
الأجل بالسُّم وغيره، وأما عثمان فانقطع به من حيث وصل له من الجهة التي علا بها،
وهي الخلافة، فإنه إنما أريد منه أن يخلع نفسه، وإنما قتلوه لعدم إجابتهم إلى خلع
نفسه، فخلعوه هم بالقتل ظلمًا وعدوانًا، فانقطع به من الجهة التي أخذ به منها، ثم
وصل لغيره - رضي الله عنه -. وهذا سرُّ سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن
تعيين موضع خطأ الصديق.
فإن قيل: فلِمَ تكلَّفتم أنتم بيانه، وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - الصديق
من تَعرُّفه والسؤال عنه؟
قيل: منعه من هذا لما ذكرناه من تعلق ذلك بأمر الخلافة، وما يحصل للرابع من المحنة
وانقطاع السبب به، فأما وقد حدث ذلك ووقع، فالكلام فيه كالكلام في غيره من الوقائع
التي يُحذَر الكلام فيها قبل وقوعها سدًّا للذريعة ودرءًا للمفسدة، فإذا وقعت زال
المعنى الذي سَكت عنها لأجله.
548/ 4487 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي». فقال أبو
بكر: يا رسول الله، وَدِدتُ أني كنت معك حتى أنظرَ إليه، فقال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «أما إنك يا أبا بكر أوَّلُ من يدخل الجنة من أمتي» (1).
في إسناده أبو خالد الدَّالانيُّ يزيد بن عبد الرحمن، وثَّقه أبو حاتم الرازي،
وقال ابن معين: ليس به بأس، وعن الإمام أحمد نحوه (2).
_________
(1) «سنن أبي داود» (4652).
(2) انظر: «الجرح والتعديل» (9/ 277)، و «تهذيب التهذيب» (12/ 82).
(3/162)
وقال ابن حبان (1): لا يجوز الاحتجاج به إذا
وافق الثقات، فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات؟!
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى ابن ماجه في «سننه» (2) من حديث داود بن
عطاء المديني، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي بن كعب
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أوَّلُ مَن يصافحه الحقُّ عمرُ، وأول
من يسلِّم عليه، وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة».
وداود بن عطاء هذا ضعيف عندهم (3). وإن صح فلا تعارض بينهما، لأن الأولية في حق
الصديق مطلقة، والأوليةَ في حق عمر مقيدة بهذه الأمور في الحديث.
4 - باب في فضل الصحابة
549/ 4492 - عن زُرارة بن أوْفَى، عن عمران بن حصين - رضي الله عنهم - قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خيرُ أمَّتِي القَرْن الذي بُعِثتُ فيهم، ثم
الذين يَلُونَهم، ثم الذين يلونهم ــ والله أعلم أذكر الثالث أم لا؟ ــ ثم يظهر
قومٌ يَشهدون ولا يُستَشهَدون، ويَنْذِرُون ولا يُوفون، ويَخونون ولا يُؤتَمَنون،
ويفشو فيهم السِّمَنُ».
_________
(1) في «المجروحين» (2/ 456).
(2) برقم (104).
(3) قال أحمد: ليس بشيء لا يُحَدَّث عنه، وقال البخاري والرازيان: منكر الحديث.
انظر: «التاريخ الكبير» (3/ 243 - 244)، و «الجرح والتعديل» (3/ 420 - 421).
وقد ذكر الذهبي حديثه هذا في ترجمته في «الميزان» (2/ 12) وقال: منكر جدًّا.
وللحديث طرق أخرى ولكنها واهية. انظر: «الضعيفة» للألباني (2485).
(3/163)
وأخرجه مسلم والترمذي (1). وقد أخرجه
البخاري ومسلم والنسائي (2) من حديث زَهدَم بن مُضرِّب عن عمران بن حصين.
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث قد روي من حديث عمران بن حصين، وعبد الله
بن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، والنعمان بن بشير.
فأما حديث عمران فمتفق عليه، واختلف في لفظه، فأكثر الروايات أنه ذكر بعد قرنه
قرنين، ووقع في بعض طرقه في «الصحيح» (3): «ثم الذين يلونهم» ثلاث مرات، ولعل هذا
غير محفوظ، فإن عمران قد شك فيه وقال: «لا أدري أقال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا».
وأما حديث عبد الله بن مسعود، فأخرجاه في «الصحيحين» (4) ولفظه: «خير أمتي القرن
الذين يَلُوني (5)، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ
أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه».
وفي لفظ لهما (6): سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس خير؟ قال: «قرني،
ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
_________
(1) أبو داود (4657)، ومسلم (2535/ 214)، والترمذي (2222).
(2) البخاري (2561، 3650، 6428، 6695)، ومسلم (2535/ 215)، والنسائي (3809).
(3) «صحيح مسلم» (2535/ 214).
(4) البخاري (2652)، ومسلم (2533/ 210) واللفظ له.
(5) ط. الفقي: «يلونني» خلافًا للأصل و «صحيح مسلم».
(6) البخاري (6658)، ومسلم (2533/ 211).
(3/164)
ولم يختلف عليه في ذكر «الذين يلونهم» مرتين
(1).
وأما حديث أبي هريرة فرواه مسلم في «صحيحه» (2)، ولفظه: «خير أمتي القرن الذين
بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم»، والله أعلم: أذكر الثالث أم لا؟ قال: «ثم يخلف قوم
يحبون السَّمانة (3)، يَشهدون قبل أن يُستشهَدوا».
فهذا فيه قرن واحد بعد قرنه، وشك في الثالث، وقد حفظه عبد الله بن مسعود وعمران
وعائشة.
وأما حديث عائشة فرواه مسلم (4) أيضًا عنها قالت: سأل رجل النبي - صلى الله عليه
وسلم -: أي الناس خير؟ قال: «القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث».
وأما حديث النعمان بن بشير فرواه ابن حبان في «صحيحه» (5)، ولفظه: عنه عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - قال: [ق 233] «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
يلونهم، ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وشهادتهم أيمانهم».
فقد اتفقت الأحاديث على قرنين بعد قرنه، إلا حديث أبي هريرة فإنه شك فيه.
_________
(1) إلا أنه في طريقٍ عند مسلم (2533/ 212) شكَّ الراوي بعد ذكره مرّتين فقال:
«فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: ثم يتخلّف من بعدهم خَلْف ... » إلخ. وهو
طريق معلّ فضلًا عن كونه مخالفًا لسائر الطرق التي فيها الجزم بذكره مرّتين، ولعله
لذا أخرّه مسلم عند سياق طرق الحديث ومتابعاته. انظر: «العلل» للدارقطني (810).
(2) برقم (2534/ 213).
(3) أي السِّمَن كما في حديث عمران، وتحرّف في ط. الفقي إلى «الشَّماتة»!
(4) برقم (2536).
(5) برقم (6727)، وأخرجه أحمد (18348) أيضًا.
(3/165)
وأما ذكر القرن الرابع فلم يُذكر إلا في
رواية في حديث عمران، لكن في «الصحيحين» (1) له شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عن
النبي - صلى الله عليه وسلم -،قال: «يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس.
فيقال لهم: هل فيكم من رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم، فيفتح
لهم. ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل
فيكم من رأى مَن صحب مَن صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقولون: نعم،
فيفتح لهم». فهذا فيه ذكر قرنين بعده، كما في الأحاديث المتقدمة. ورواه مسلم (2)
فذكر ثلاثة بعده، ولفظه: «يأتي على الناس زمان يُبعَث منهم البعثُ فيقولون: انظروا
هل تجدون فيكم أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيوجد الرجل،
فيفتح لهم به. ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيكم من رأى أصحاب رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -؟ فيفتح لهم. ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا هل ترون
فيهم من رأى من رأى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيفتح لهم (3). ثم
يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى من رأى أحدًا رأى أصحاب
النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فيوجد الرجل فيفتح له (4)».
_________
(1) البخاري (2897، 3594، 3649)، ومسلم (2532/ 208).
(2) برقم (2532/ 209).
(3) «فيفتح لهم» ليس في المطبوع من «صحيح مسلم»، ولا فيما وقفت عليه من نُسَخِه
الخطية.
(4) كذا في الأصل، وهو كذلك في نسخ «صحيح مسلم» الخطية التي وقفت عليها، وفي
مطبوعته المتداولة: «فيفتح لهم به».
(3/166)
5 - باب في
التخيير بين الأنبياء
550/ 4504 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول: إنِّي خَير من يُونُسَ بنِ مَتَّى».
وأخرجه البخاري ومسلم (1).
551/ 4505 - وعن عبد الله بن جعفر - رضي الله عنهما -، قال: كان رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يقول: «ما ينبغي لنبيٍّ أن يقول: إني خيرٌ من يونسَ بن مَتَّى»
(2).
في إسناده: محمد بن إسحاق بن يسار.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي حديث ابن عباس في بعض طرق البخاري (3) فيه عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه عز وجل: «لا ينبغي لعبد ... »
الحديث.
ورواه مسلم (4) من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ــ يعني
الله عز وجل ــ: «لا ينبغي لعبدٍ لي أن يقول: أنا خير من يونس بن متى». وفي رواية:
«لعبدي».
وفي حديث ابن عباس: «نَسَبه إلى أبيه» (5).
_________
(1) أبو داود (4669)، والبخاري (3395)، ومسلم (2377).
(2) «سنن أبي داود» (4670).
(3) برقم (7539).
(4) برقم (2376)، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في البخاري (3416) أيضًا إلا
أنه ليس إلهيًّا.
(5) أي قال ابن عباس عقب الحديث كما في رواية «الصحيحين»: «نسبه إلى أبيه» يعني
نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - يونسَ إلى أبيه حين قال: «يونس بن متى».
(3/167)
وفي «صحيح البخاري» (1) عن ابن مسعود عن