النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
وأما الخلفاء الاثنا عشر، فقد قال جماعة ــ منهم أبو حاتم بن حبان وغيره ــ: إن
آخرهم عمر بن عبد العزيز، فذكروا الخلفاء الأربعة، ثم معاوية، ثم يزيد ابنه، ثم
معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم عبد الملك ابنه، ثم الوليد بن عبد الملك،
ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، وكانت وفاته على رأس المائة، وهي
القرن المفضل الذي هو خير القرون، وكان الدين في هذا القرن في غاية العزة، ثم وقع
ما وقع.
والدليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أوقع عليهم اسم الخلافة بمعنى
المُلك
_________
(1) برقم (4635) في كتاب السنة، باب في الخلفاء. وهو في «المختصر» برقم (4470)،
وقال المنذري: «في إسناده علي بن زيد ــ وهو ابن جُدعان القرشي التَّيمي ــ، ولا
يحتجّ بحديثه». قلت: وللحديث طريق آخر يعتضد به عند أبي داود (3634) والترمذي
(2287) وحسَّنه، إلا أنه ليس فيه تأويل النبي - صلى الله عليه وسلم - للرؤيا
بالخلافة.
(2) في الأصل و (هـ): «اثني عشر»، خطأ.
(3/91)
في غير خلافة النبوة= قولُه في الحديث
الصحيح حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: «سيكون من بعدي خلفاء يعملون بما
يَعلَمُون (1) ويفعلون ما يُؤمرون، وسيكون من بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون
ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن أنكر برئ، ومن أمسك سَلِم، ولكن من رضي وتابع» (2).
* * *
_________
(1) في الأصل: «يعملون» سبق قلم، وهو على الصواب في (هـ). وفي ط. الفقي هنا وفي
الموضع الآتي: «يقولون»!
(2) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (6658)، والبيهقي في «الكبرى» (8/ 157 - 158).
وأخرجه مسلم (50، 1854) بنحوه من حديث ابن مسعود وأم سلمة - رضي الله عنهما -،
ولكن ليس فيه وصفهم بالخلفاء الذي هو موضع الشاهد هنا.
(3/92)
كتاب
الحدود
1 - باب في المحاربة
524/ 4198 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن قومًا من عُكْلٍ، أو قال: من
عُرَينة، قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاجْتَوَوا المدينةَ، فأمَر
لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِلِقَاحٍ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها
وألبانها، فانطلقوا، فلما صحُّوا قتلوا راعيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
واستاقوا النَّعَم، فبلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خبرهم في أول النهار،
فأرسل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في آثارهم، فما ارتفع النهارُ حتى جيء بهم،
فأمر بهم فقُطِعت أيديهم وأرجلُهم، وسَمَر أعينَهم. وأُلقُوا في الحَرَّة
يَستَسقُون فلا يُسقَون. قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد
إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله.
525/ 4199 - وفي رواية: فأمر بمسامير فأُحْمِيَت، فكحَلَهم، وقطع أيديَهم وأرجلهم،
وما حسَمَهم.
526/ 4200 - وفي رواية: فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبهم قَافةً،
قال: فأُتِي بهم، قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} الآية
[المائدة: 33].
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (1). (2)
_________
(1) أبو داود (4364 - 4366)، والبخاري (233، 3018، 4192، 5727 وغيرها)، ومسلم
(1671)، والنسائي (4024 - 4035).
(2) في الباب تسع روايات، أكثرها في قصة العرنيين، ولم يحدّد المجرد موضع تعليق
المؤلف منها، ويظهر من (هـ) أنه ذيّل به الباب، فاكتفيت بإثبات الروايات الثلاث
الأولى لقوة صلتها بتعليق المؤلف.
(3/93)
قال ابن القيم - رحمه الله -: قد ذكر مسلم
في «صحيحه» (1) عن أنس قال: إنما سَمَل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعيُنَ أولئك
لأنهم سملوا أعين الرِّعَاء.
وذكر ابن إسحاق (2): أن هؤلاء كانوا قد مثَّلوا بالراعي، فقطعوا يديه ورجليه،
وغرزوا الشوك في عينيه، فأُدخِل المدينة ميتًا على هذه الصفة.
وترجمة البخاري في «صحيحه» (3) تدل على ذلك، فإنه ساقه في باب «إذا حرَّق
[المشركُ] المسلم، هل يُحرَّق؟» فذكره.
وذكر البخاري (4) أيضًا أنهم كانوا من أهل الصُّفَّة، وذكر أنه لم يَحْسِمهم حتى
ماتوا.
2 - باب في الحد يُشفَع فيه
527/ 4207 - عن عائشة - رضي الله عنها - أن قريشًا أهمَّهُم شأنُ المخزومية التي
سرقتْ فقالوا: مَن يُكلِّم فيها ــ تعني: رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ــ؟
قالوا: ومن يَجترئ إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
فكلَّمه أسامة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أسامة، أتشفع في حَدٍّ
من حدود الله؟!» ثم قام فاختَطب، فقال: «إنما هَلَك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا
سَرَق فيهم الشريف تَرَكُوه، وإذا سَرقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ؛ وَايمُ
اللهِ! لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعتُ يدها».
وأخرجه الباقون (5).
_________
(1) برقم (1671/ 14).
(2) كما في «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 641).
(3) في كتاب الجهاد والسير، مبوِّبًا على الحديثين (3018، 3019).
(4) برقم (6804).
(5) أبو داود (4373)، والبخاري (3475)، ومسلم (1688/ 8)، والترمذي (1430)،
والنسائي (4899)، وابن ماجه (2547)، كلهم من طريق الليث، عن الزهري، عن عروة، عن
عائشة.
(3/94)
528/ 4208 - وعنها - رضي الله عنها - قالت:
«كانت امرأةٌ مخزومية تَستَعير المتاعَ وتَجْحَده، فأمر النبيُّ - صلى الله عليه
وسلم - بقطع يدها ... وقَصَّ نحو حديث الليثِ ــ يعني الحديث الذي قبله ــ، قال:
فقطعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يدها.
وأخرجه مسلم (1).
قال أبو داود: روى ابنُ وهبٍ هذا الحديث عن يونس عن الزهري، وقال فيه كما قال
الليث: «إن امرأةً سرقت في غزوة الفتح». وحديث ابن وهب هذا الذي علّقه أبو داود
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي (2).
وقال أيضًا: رواه الليث عن يونس عن ابن شهاب بإسناده، فقال: «استعارت امرأة». وهذا
الذي علقه أيضًا قد ذكره البخاري تعليقًا (3) ولم يذكر لفظه.
وقال أبو داود: وروى مسعود بن الأسود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا
الخبر، قال: «سرقت قطيفة من بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». وهذا الذي
علّقه أيضًا قد أخرجه ابن ماجه (4)، وفيه ابن إسحاق.
وقال أيضًا: ورواه أبو الزبير عن جابر: «أن امرأة سرقت فعاذَت بزينب بنت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (5).
_________
(1) أبو داود (4374)، ومسلم (1688/ 10) من طريق معمر عن الزهري به.
(2) البخاري (2648) ومسلم (1688/ 9) والنسائي (4902). وأخرجه البخاري (4304) أيضًا
من طريق ابن المبارك عن يونس.
(3) برقم (2648)، ووصله أبو داود نفسه برقم (4396).
(4) برقم (2548). وأخرجه أيضًا أحمد (23479) والحاكم (4/ 379 - 380) وصحح إسناده،
مع أن فيه عنعنة ابن إسحاق.
(5) هكذا ذكر أبو داود: «بزينب بنت رسول الله» معلّقًا، وأخشى أن يكون قد وقف على
رواية مصحّفة، فإن الذي رواه أحمد (15247) والحاكم (4/ 379) من طريق ابن أبي
الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر: «فعاذت برَبِيب رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -». قال ابن أبي الزناد: «وكان ربيب النبي - صلى الله عليه وسلم -
سلمة بن أبي سلمة وعمر بن أبي سلمة، فعاذت بأحدهما». وانظر: «مصنف عبد الرزاق»
(18831)، و «فتح الباري» (12/ 94).
(3/95)
وذكر مسلم في «صحيحه» والنسائي في «سننه»
(1) من حديث أبي الزبير عن جابر: «فعاذت بأم سلمة». وهذا أولى (2)، وقيل: يحتمل أن
تكون عاذت بهما (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا الحديث قد ذهب إليه الإمام أحمد وإسحاق (4).
وأعلَّ بعضُ الناس (5) الحديث بأن معمرًا تفرد من بين سائر الرواة بذكر العارية في
هذا الحديث، وأن الليث ويونس وأيوب بن موسى رووه عن الزهري وقالوا: «سرقت»، ومعمر
لا يقاومهم.
قالوا: ولو ثبت، فذِكرُ وصف جحدِ العارية للتعريف المجرد لا أنه سبب القطع.
فأما تعليله بما ذكر فباطل:
فقد رواه أبو مالك الجَنْبي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر:
_________
(1) مسلم (1689/ 11) والنسائي (4891) من طريق مَعقِل الجزري عن أبي الزبير به.
(2) هذا الترجيح من المؤلف، وليس في «مختصر المنذري».
(3) الكلام على الحديثين من (هـ)، وفيه زيادة وتصرّف من المؤلف عما في «المختصر».
(4) انظر: «مسائلهما» برواية الكوسج (2/ 231).
(5) كالبيهقي في «الكبرى» (8/ 281) والمنذري في «المختصر» (6/ 212).
(3/96)
أن امرأة كانت تستعير الحُليَّ للناس ثم
تمسكه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لِتَتُبْ هذه المرأة إلى الله
ورسوله، وتردّ ما تأخذ على القوم»، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قم
يا بلال فخُذ بيدها فاقطَعْها». ذكره النسائي (1).
ورواه شعيب بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع بنحوه سواء، ذكره النسائي (2) أيضًا
وقال فيه: «لتتب هذه المرأة ولتؤدي ما عندها» مرارًا، فلم تفعل، فأَمَر بها
فقُطِعت.
وهو يبطل قول من قال: إنَّ ذِكر هذا الوصف للتعريف المجرد.
ورواه سفيان عن أيوب بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كانت مخزومية
تستعير متاعًا وتجحده، فرُفِعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكُلِّم
فيها، فقال: «لو كانت فاطمة لقَطَعتُ يدها». ذكره النسائي (3).
ورواه بِشر بن شعيب أخبرني أبي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: استعارت امرأة
على ألسنة أناس يُعرَفون ــ وهي لا تُعْرف ــ حُليًّا، فباعته وأخذت ثمنه، فأُتي
بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر الحديث وقال في آخره: ثم قطع تلك
المرأة. ذكره النسائي (4) أيضًا.
ورواه هشام عن قتادة عن سعيد بن يزيد عن سعيد بن المسيب: أن
_________
(1) برقم (4889)، وأبو مالك الجَنْبي فيه لين، وقد توبع، تابعه شعيب بن إسحاق كما
سيأتي إلا أنه مرسل، ليس فيه ابن عمر.
(2) برقم (4890) عن نافع مرسلًا.
(3) برقم (4894) من طريق إسحاق بن راهويه عن سفيان بن عيينة به. أخرجه البخاري
(3733) من طريق علي ابن المديني عن سفيان به، ولفظه: «سرقت».
(4) برقم (4898) ورجاله ثقات كلهم.
(3/97)
امرأة من بني مخزوم استعارت حليًا على لسان
أناس فجحدته، فأمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقطعت. ذكره النسائي (1)
أيضًا.
فقد صحّ الحديث ولله الحمد.
ولا تنافي بين ذكر جحد العارية وبين السرقة، فإن ذلك داخل في اسم السرقة.
فإن هؤلاء الذين قالوا: «إنها جحدت العارية»، وذكروا أن قطعها لهذا السبب= قالوا:
«إنها سرقت»، فأطلقوا على ذلك اسم السرقة، فثبت لغة أن فاعل ذلك سارق، وثبت شرعًا
أن حدَّه قطع اليد.
وهذه الطريقة أولى من سلوك طريقة القياس في اللغة، فيُثبَت كون الخائن سارقًا لغة
قياسًا على السارق، ثم يثبت الحكم فيه.
وعلى ما ذكرناه يكون تناولُ اسم السارق للجاحد لغةً، بدليل تسمية الصحابة له
سارقًا. ونظير هذا سواء ما تقدم (2) من تسمية نبيذ التمر وغيره خمرًا لغةً لا
قياسًا، وكذلك تسمية النباش سارقًا.
وأما قولهم: إن ذكر جحد العارية للتعريف، لا أنه المؤثر؛ فكلام في غاية الفساد، لو
صح مثله ــ وحاشا وكلّا ــ لذهب من أيدينا عامة الأحكام المترتبة على الأوصاف.
وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم، ولا يردّون بمثلها السنن، وإنما
_________
(1) برقم (4892)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (18833) من طريق آخر عن ابن المسيب
مرسلًا، وإسناده صحيح.
(2) انظر: باب الخمر مما هي؟ (2/ 583 - 586).
(3/98)
يسلكها بعض المقلدين من الأتباع.
ولو ثبت أن جاحد العارية لا يسمّى سارقًا لكان قطعه بهذا الحديث جاريًا على وَفْق
القياس، فإن ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر، إذ يمكن الاحتراز من السارق بالإحراز
والحفظ.
وأما العارية فالحاجة الشديدة التي تبلغ الضرورةَ ماسَّةٌ إليها، وحاجة الناس فيما
بينهم إليها من أشد الحاجات، ولهذا ذهب مَن ذهب [مِن] العلماء إلى وجوبها، وهو
مذهب كثير من الصحابة والتابعين (1)، وأحد القولين في مذهب أحمد (2). فترتيب القطع
على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس، وتركِ باب هذا المعروف مفتوحًا.
وأما إذا علم أن الجاحد لا يقطع فإنه يُفضي إلى سدّ باب العارية في الغالب.
وسر المسألة أن السارق إنما قطع دون المنتهب والمختلس لأنه لا يمكن التحرّز منه، بخلاف
المنتهب والمختلس، فإنه إنما يفعل ذلك عند عدم احتراز المالك. وقد ذكرنا أن
العارية فيما بين الناس أمر تدعو إليه الحاجة، فلا يمكن سده والاحتراز منه، فكان
قطع اليد في جنايته كقطعها في جناية السرقة، وبالله التوفيق.
_________
(1) كابن مسعود وابن عباس وأصحابهما، فإنهم فسروا (الماعون) الذي ذم الله مانعيه
بأنه العارية التي يتعاورها الناس بينهم كالفأس والقدر والدلو وأشباهها. انظر:
«تفسير الطبري» (24/ 671 - 677).
(2) وهو اختيار شيخ الإسلام. انظر: «الفروع» (7/ 197).
(3/99)
3 - باب إذا سرق مرارًا
529/ 4248 - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: جيء بسارق إلى النبي -
صلى الله عليه وسلم - فقال: «اقْتُلُوه». فقالوا: يا رسول الله، إنما سرقَ، فقال:
«اقْطَعُوه». قال: فقُطع، ثم جيء به الثانيةَ فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول
الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه»، قال: فقطع. ثم جيء به الثالثة فقال: «اقتلوه»،
فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه». ثم أُتي به الرابعةَ فقال:
«اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه»، فأتي به الخامسة فقال:
«اقتلوه». قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا
عليه الحجارة.
وأخرجه النسائي (1) وقال: هذا منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث.
مصعب بن ثابت هذا هو: أبو عبد الله مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام،
وقد ضعَّفه غير واحدٍ من الأئمة (2).
وقال محمد بن المنكدر لمّا حُدِّث بحديث القتل في الرابعة: وقد تُرِك ذلك؛ قد أتي
النبي - صلى الله عليه وسلم - بابن النُّعَيمان فجلده ثلاثًا، ثم أتي به الرابعة
فجلده ولم يزد (3).
_________
(1) أبو داود (4410)، والنسائي في «المجتبى» (4978) و «الكبرى» (7429)، من طريق
مصعب بن ثابت، عن ابن المنكدر، عن جابر.
(2) انظر: «تهذيب التهذيب» (10/ 158 - 159).
(3) الحديث الذي حُدِّث به ابن المنكدر هو حديث قتل من شرب الخمر في المرّة
الرابعة؛ حدَّثه به معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا. أخرجه
عبد الرزاق (13549، 17081) ومن طريقه الحاكم (4/ 372).
وخبر جلد ابن النعيمان في البخاري (2316) ولكن ليس فيه أنه أتي به مرارًا، وإنما
روي ذلك عند النسائي (5284) عقب حديث رواه ابن المنكدر عن جابر مرفوعًا في قتل
شارب الخمر في الرابعة، ولم أتبيّن هل هو من قول جابر أو ابن المنكدر. وروي أيضًا
من مرسَل الزهري وزيد بن أسلم عند عبد الرزاق (13550، 13552).
(3/100)
قال الشافعي (1): والقتل منسوخ بهذا الحديث
وغيره، وهذا ما لا اختلاف فيه عند أهل العلم علمته ــ يريد: حديث قبيصة بن ذؤيب
وفيه: «ووَضَع القتلَ، وكانت رخصة» (2) ــ.
وقال أيضًا في موضع آخر (3): ثم حفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلد الشارب
هذا العدد الذي قال يقتل بعده، ثم جيء به فجلده ورفع القتل وصارت رخصة.
وقال بعضهم (4): يحتمل أن يكون ما فعله إن صحَّ الحديث فإنما فعله بوحي من الله،
ويكون معنى الحديث خاصًّا فيه. قال: وقد يخرَّج على (5) مذاهب بعض الفقهاء أن
يُباح دمه، وهو أن يكون من المفسدين في الأرض، فإن للإمام أن يجتهد في تعزيره وإن
زاد على مقدار الحدّ، وإن رأى أن يُقتل قتل. وقد يدلّ على ذلك من الحديث أنه - صلى
الله عليه وسلم - أمر بقتله لمّا جيء به أول مرة، فيحتمل أن يكون هذا مشهورًا
بالفساد معلومًا من أمره أنه سيعود إلى سوء فعله ولا ينتهي حتى تنتهي حياته.
_________
(1) في «الأم» (7/ 365).
(2) لفظ الحديث بتمامه: عن قبيصة بن ذؤيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إن شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب
فاقتلوه»، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به الثانية فجلده، ثم أتي به الثالثة
فجلده، ثم أتي به الرابعة فجلده ووَضَع القتلَ فكانت رخصة.
أخرجه الشافعي في «الأم» (7/ 264) وأبو داود (4485) بإسناد صحيح إلى قبيصة بن
ذؤيب، وهو ممن ولد عام الفتح وله رؤية.
(3) في «اختلاف الحديث» (10/ 207).
(4) هو الخطابي في «المعالم» (10/ 237 - 238).
(5) في (هـ): «عن»، والتصويب من «المعالم».
(3/101)
وقال آخرون: الحديث لا يثبت، والسنةُ
مصرِّحة بخلافه، والإجماعُ من الأمة على أنه لا يُقتل (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا المعنى قد رواه النسائي من حديث مصعب بن ثابت
عن محمد بن المنكدر عن جابر وهو المتقدم.
ورواه (2)
من حديث النضر بن شميل، حدثنا حماد، أخبرنا يوسف، عن الحارث بن حاطب: أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أُتي بلصٍّ فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما
سرق [ثم قال: «اقتلوه»، قالوا: يا رسول الله، إنما سرق]، قال: «اقطعوا يده». قال:
ثم سرق فقُطِعت رِجُله، ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق
أيضًا الخامسةَ فقال أبو بكر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم بهذا حين
قال: «اقتلوه»، ثم دفعه إلى فِتْية من قريش ليقتلوه، منهم عبد الله بن الزبير وكان
يحب الإمارة فقال: أمِّروني عليكم، فأَمَّروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه، حتى
قتلوه.
قال النسائي (3): ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا.
_________
(1) الكلام السابق كلّه من (هـ)، والمجرّد قد أشار إلى طرفه الأخير ونسبه إلى
المنذري، وهو كذلك إلا النقل عن ابن المنكدر والشافعي فيمن شرب مرارًا، فإنه ليس
في «المختصر» المخطوط، والظاهر أنه مما زاده المؤلف.
(2) «المجتبى» (4977) و «الكبرى» (7428)، وما بين الحاصرتين منه، ولعله سقط
لانتقال النظر.
والحديث رجاله ثقات، وقد استدركه الحاكم (4/ 382) واختاره الضياء (1/ 128)، ولكن
الذهبي تعقّب الحاكم فقال: بل منكر!
(3) في «الكبرى» عقب الحديث (7429).
(3/102)
وأما ما ذكره مِن قتل شارب الخمر بعد
الرابعة، فقد قال طائفة من العلماء: إن الأمر بقتله في الرابعة متروك بالإجماع،
وهذا هو الذي ذكره الترمذي (1) وغيره.
وقيل: هو منسوخ بحديث عبد الله «حمار» (2) وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم
يقتله في الرابعة (3).
وقال الإمام أحمد (4) وقد قيل له: لم تركتَه؟ فقال: لحديث عثمان: «لا يحل دم امرئ
مسلم إلا بإحدى ثلاث» (5).
وفي ذلك كله نظر. أما دعوى الإجماع على خلافه، فلا إجماع. قال عبد الله بن عمر
وعبد الله بن عمرو: «ائتوني به في الرابعة، فعلي أن أقتله» (6). وهذا مذهب بعض
السلف.
_________
(1) في «جامعه» عقب الحديث (1444).
(2) في الطبعتين هنا وفي الموضع الآتي: «عبد الله بن حمار» خلافًا للأصل، وهو خطأ
إذ إن «حمار» لقب له، وليس اسم أبيه.
(3) أخرجه البخاري (6780) من حديث عمر، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
جَلَده في الشراب فأُتي به يومًا فأمر به فَجُلِد، فقال رجل من القوم: اللهم
العَنْه، ما أكثرَ ما يؤتى به! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تلعنوه ...
» الحديث. وليس فيه التصريح بعدد مرّات المجيء.
(4) في «مسائله» رواية ابن هانئ (2/ 139 - 140).
(5) أخرجه أحمد (437، 452)، وأبو داود (4502)، والترمذي (2158) وحسّنه، والنسائي
(4019، 4057، 4058) من طرق صحاح. وهو في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود - رضي الله
عنه -.
(6) لم أجده عن ابن عمر، وأما قول عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد (6791) والطحاوي
في «شرح معاني الآثار» (3/ 159)، والطبراني في «الكبير» (14/ 16) من رواية الحسن
البصري عنه، وهي مرسلة فإن الحسن لم يسمع منه، كما جزم به علي ابن المديني. انظر:
«المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 41).
(3/103)
وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله «حمار»،
فإنما يتم بثبوت تأخُّرِه، والإتيان به بعد الرابعة (1)، ومنافاته للأمر بقتله.
وأما دعوى نسخه بحديث: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، فلا يصح، لأنه عام
وحديث القتل خاص.
والذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزيرٌ بحسب المصلحة، فإذا
أكثرَ الناسُ من الخمر، ولم ينزجروا بالحد، فرأى الإمام أن يقتل فيه= قَتَل.
ولهذا كان عمر ينفي فيه مرة (2)، ويحلق فيه الرأس [ق 223] مرة (3)، وجلد فيه
ثمانين، وقد جلد فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر أربعين. فقَتْله
في الرابعة ليس حدًّا، وإنما هو تعزيز بحسب المصلحة، وإنما على هذا يَتَخرَّجُ
حديث الأمر بقتل السارق إن صحّ، والله أعلم.
4 - باب الرجم
530/ 4266 - عن عبد الرحمن بن الصامت ابن عمِّ أبي هريرة أنه سمع
_________
(1) يشير المؤلف إلى أنه ليس صريحًا أنه أُتي به للمرّة الرابعة، وإنما فيه قول
أحد القوم: ما أكثر ما يؤتى به!
(2) صحّ عند عبد الرزاق (13557) والبيهقي (8/ 321) أن عمر أُتي بشيخ قد شرب في
رمضان فجلده ثمانين ونفاه إلى الشام. وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (17040، 17044).
(3) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (17047، 17048).
(3/104)
أبا هريرة يقول: جاء الأسلمي نبيَّ الله -
صلى الله عليه وسلم -، فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرات، كل ذلك
يُعرِض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأقبل في الخامسة فقال: «أنِكْتَها؟»
قال: نعم، قال: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟» قال: نعم، قال: «كما يغيب
المِرْوَد في المُكحُلة والرِّشاءُ في البئر؟» قال: نعم، قال: «فهل تدري ما
الزنا؟» قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا، قال: «فما
تريد بهذا القول؟» قال: أريد أن تُطهِّرَني، فأمر به فرُجم، فسمع النبي - صلى الله
عليه وسلم - رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله
عليه، فلم تَدَعْه نفسُه حتى رُجِم رجمَ الكلب، فسكت عنهما، ثم سار ساعةً حتى مرَّ
بجيفةِ حمارٍ شائلٍ برجله، فقال: «أين فلان وفلان؟» فقالا: نحن ذان يا رسول الله،
قال: «انزلا فكُلا من جيفةِ هذا الحمار»، فقالا: يا نبي الله، مَن يأكل مِن هذا؟
قال: «فما نِلتُما من عِرض أخيكما آنفًا أشدُّ مِن أكلٍ منه، والذي نفسي بيده، إنه
الآن لفي أنهار الجنة ينغمِس فيها».
وأخرجه النسائي (1)، وقال فيه: «أنكحتَها؟»
قلتُ: عبد الرحمن هذا يقال فيه: ابن الصامت، كما تقدّم، ويقال فيه: ابن هضَّاض
(2)، وابن الهضهاض، وصحّح بعضهم (3): ابن الهضهاض.
وذكره البخاري في «تاريخه» (4)، وحكى الخلاف فيه، وذكر له هذا
_________
(1) أبو داود (4428) والنسائي (7126، 7127) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن عبد
الرحمن بن الصامت ابن عم أبي هريرة.
(2) في مطبوعة «المختصر»: «ابن هضاد» تصحيف، والتصحيح من مخطوطته.
(3) كابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/ 297).
(4) (5/ 361).
(3/105)
الحديث وقال: حديثه في أهل الحجاز، ليس
يُعرف إلا بهذا الحديث الواحد (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى ابن حبان في «صحيحه» (2) من حديث زيد بن أبي
أنيسة، عن أبي الزبير، عن عبد الرحمن بن الهضهاض الدوسي، عن أبي هريرة قال: جاء
ماعز بن مالك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،فقال له: الأبعد قد زنى، فقال
له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وما يدريك ما الزنا؟»، ثم أمر به فطُرِد
وأُخرِج. ثم أتاه الثانية فقال: يا رسول الله، إن الأبعد قد زنى، فقال: «ويلك، وما
يدريك ما الزنا؟» فطرد وأخرج. ثم أتاه الثالثة، فقال يا رسول الله، إن الأبعد قد
زنى، قال: «ويلك، وما يدريك ما الزنا؟» قال: أتيتُ امرأة حرامًا مثلَ ما يأتي الرجلُ
مِن امرأته، فأمر به فطُرِد وأخرج. ثم أتاه الرابعة فقال: يا رسول الله، إن الأبعد
قد زنى، قال: «ويلك، وما يدريك ما الزنا؟» قال: «أدخلت وأخرجت؟» قال: نعم، فأمر به
أن يرجم ... فذكر الحديث، وقال فيه: «إنه الآن لفي نهر من أنهار الجنة ينغمس (3)».
وهذا صريح في تعدد الإقرار، وأن ما دون الأربع لا يستقل بإيجاب الحد، وفيه حجة لمن
اعتبر تعدد المجلس.
وقد روى ابن حبان أيضًا في «صحيحه» (4) من حديث أيوب عن أبي
_________
(1) في هذا الباب أربع وعشرون حديثًا وجلّها في قصة رجم ماعز، ولم يحدّد المجرد
موضع تعليق المؤلف منها، ولعله كان ذيَّل به الباب، فاكتفيت بإثبات هذا الحديث
منها (مع تخريج المنذري) لقوّة صلته بتعليق المؤلف.
(2) برقم (4400).
(3) كذا في الأصل، وفي «صحيح ابن حبان»: «يتقمّص»، وهما بمعنى.
(4) برقم (4401)، وكذا أبو عوانة في «المستخرج» (6267)، كلاهما من طريق محمد بن
أبي بكر المقدَّمي، عن حماد بن زيد، عن أيوب به. رجاله ثقات، إلا إني أخاف أن يكون
ثَمّ وهمٌ من المقدَّمي أو غيره على أبي الزبير بسلوك الجادّة في الرواية حيث
جعلها عنه عن جابر، والناس إنما رووها عن أبي الزبير عن عبد الرحمن بن الهضهاض عن
أبي هريرة، كما في الحديث السابق. والله أعلم.
(3/106)
الزبير عن جابر: أن النبي - صلى الله عليه
وسلم - لما رجم ماعز بن مالك قال: «لقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة».
5 - باب في المرأة التي أُمِر برجمها من جُهَينة
531/ 4276 - عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقالت: إنها زنت وهي حُبلى، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - وليًّا لها، فقال
له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أَحسِنْ إليها، فإذا وضعتْ فجئ بها»، فلما
أن وضعت جاء بها، فأمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فشُكَّت عليها ثيابُها،
ثم أمر بها فرجمت، ثم أمرهم فصلَّوا عليها، فقال عمر: يا رسول الله، تصلي عليها
وقد زنت؟ قال: «والذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً لو قُسِمت بين سبعين من أهل
المدينة لوَسِعَتْهم، وهل وجدتَ أفضلَ مِن أن جادت بنفسها؟».
وأخرجه مسلم (1).
532/ 4277 - وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه - رضي الله عنهما - أن امرأة ــ يعني
من غامِد ــ أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إنِّي قد فَجرْتُ، فقال:
«ارجعي» فرجعتْ، فلما كان الغدُ أتته فقالت: لعلك أن تُردّدني كما رَدَّدْتَ
ماعِزَ بن مالك، فوالله إني لحُبْلى، فقال لها: «ارجعي» فرجعت، فلما كان الغَدُ
أتته فقال لها: «ارْجِعي حتَّى تَلدي» فرجَعت، فلما ولدت أتته بالصَّبي فقالت: هذا
قد ولدتُه، فقال لها: «ارْجعي، فأَرْضِعِيه حتى تَفْطِميه»، فجاءت به وقد فَطَمته،
وفي يده شيء يأكله،
_________
(1) أبو داود (4440) ومسلم (1696).
(3/107)
فأمر بالصبي فدُفِعَ إلى رجل من المسلمين،
وأمرَ بها فحُفِرَ لها، وأمر بها فرُجِمَت، وكان خالد فيمن يرجمها فرجمها بحجر
فوقَعَت قطرةٌ من دمها على وَجْنته فسَبَّها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم
-: «مَهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مَكْسٍ
لَغُفِر له»، وأمرَ بها فصُلِّي عليها ودفنت.
وأخرجه مسلم أتمّ من هذا، و [حديث] النسائي (1) مختصر كالذي هنا.
وفي إسناده [بشير بن] مهاجر الغَنَوي الكوفي، وليس له في «صحيح مسلم» سوى هذا
الحديث، وقد وثَّقه ابن معين.
وقال الإمام أحمد: منكر الحديث، يجيء بالعجائب، مُرْجِئ متَّهم. وقال: في أحاديث
ماعزٍ كلِّها أن ترديده إنما كان في مجلس واحد، إلا ذاك الشيخ بشير بن مهاجر. وقال
أبو حاتم الرازي: يُكتَب حديثه ولا يُحتج به (2). وغمزه غيرهما.
ولا عيب على مسلم في إخراج هذا الحديث، فإنه أتى به في الطبقة الثانية بعدما ساق
طرق حديث ماعز، وأتى به آخِرًا، ليُبيِّن اطِّلاعَه على طرق الحديث.
وذُكِر أن حديث عمران بن حصين فيه أنه أمر برجمها حين وَضَعت ولم يستأنِ بها. وكذا
روي عن علي - رضي الله عنه - أنه فعل بشَراحة (3). وإلى هذا ذهب مالك والشافعي
وأصحاب الرأي.
_________
(1) أبو داود (4442)، ومسلم (1695/ 23)، والنسائي في «الكبرى» (7159)
(2) «الجرح والتعديل» (2/ 378 - 379)، وفيه توثيق ابن معين وبعض كلام أحمد، وبعضه
في «الضعفاء» للعقيلي (1/ 409)، ولم أجد كلامه في تعليل هذه الرواية.
(3) أخرجه عبد الرزاق (13350)، وابن أبي شيبة (29407)، والدارقطني (3233) من طرق
عن الشعبي عن علي. وهو في البخاري (6812) مختصرًا دون موضع الشاهد.
(3/108)
وقال أحمد وإسحاق: تُترك حتى تضع ما في
بطنها ثم تُترك حَولين حتى تفطمه، ويشبه أن يكونا ذهبا إلى هذا الحديث. وحديث
عمران أجود، وهذا الحديث راويه بشير بن المهاجر.
وقيل: يحتمل أن تكونا امرأتين: إحداهما وجد لولدها كفيل وقبلها، والأخرى لم يوجد
لولدها كفيل أو لم يقبل، فوجب إمهالُها حتى يستغني عنها، لئلا يهلك بهلاكها؛ ويكون
الحديثان على واقعتين ويرتفع الخلاف (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد اختلف في حديث ماعز، هل حُفِر له أم لا؟ ففي
«صحيح مسلم» (2) عن أبي سعيد الخدري قال: لمَّا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - أن نرجُمَ ماعز بن مالكٍ، خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما حفرنا له ولا
أوثقناه ولكن قام لنا فرميناه بالعظام والخَزَف، فاشتكى، فخرج يشتدّ حتى انتصب لنا
في عُرْض الحرة ... الحديث.
وفي «صحيح مسلم» (3) أيضًا عن ابن بريدة قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني قد (4) زنيت فأريد أن تطهرني،
فرَدَّه، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فرده الثانية،
فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهله، فقال: «هل تعلمون بعقله بأسًا؟
تنكرون منه شيئًا؟» فقالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل من صالحينا فيما نُرَى،
فأتاه الثالثة،
_________
(1) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وما بين المعكوفات من «المختصر».
(2) برقم (1696/ 20) بنحوه، واللفظ لأحمد (11589)، ومن طريقه أخرجه البيهقي (8/
220) أيضًا، ولعل المؤلف صادر عنه.
(3) برقم (1695/ 23) من طريق بَشير بن مهاجر، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه.
(4) «قد» من (هـ).
(3/109)
فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه، فأخبروه أنه لا
بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حَفَر له حُفرةً، ثم أمر به فرُجِم ... فذكر
الحديث.
وهذا الحديث فيه أمران سائر طرق حديث ماعز تدل على خلافهما:
أحدهما: أن الإقرارَ منه وترديدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في مجالس
متعددة، وسائر الأحاديث تدل على أن ذلك كان في مجلس واحد.
الثاني: ذكر الحفر فيه، والصحيح في حديثه: أنه لم يحفر له، والحفر فيه وهم، ويدل
عليه أنه هرب وتبعوه.
وهذا والله أعلم من سوء حفظ بشير بن مهاجر، وقد تقدم قول الإمام أحمد: إن ترديده
إنما كان في مجلس واحد، إلا ذلك الشيخ بشير بن مهاجر.
6 - باب الرجل يزني بمحارمه
533/ 4291 - عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال: بَينَما أنا أطوف على إبلٍ
لي ضَلَّت، إذ أقبل رَكْبٌ ــ أو فَوَارِسُ ــ معهم لواء، فجعل الأعراب يُطيفون بي
لمنزلتي من النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ أَتَوا قُبَّةً فاستخرجوا منها رجُلًا
فضربوا عنقه، فسألتُ عنه، فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه (1).
534/ 4292 - وعن يزيد بن البراء، عن أبيه، قال: لَقيتُ عَمِّي ومعه رايةٌ، فقلت:
أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل نكح امرأةَ أبيه،
فأمرني أن أضربَ عُنقه وآخذَ ماله.
_________
(1) «سنن أبي داود» (4456)، وكذا أخرجه أحمد (18608)، والنسائي في «الكبرى» (5466،
7182)، والحاكم (2/ 192)، كلهم من طريق مطرِّف بن طَريف، عن أبي الجهم، عن البراء.
(3/110)
وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (1)
وقال: حسن غريب.
وقد اختُلف في هذا اختلافًا كثيرًا غيرَ مؤثِّر في تعليله (2).
فروي عن البراء كما تقدم، وروي عنه عن عمه كما ذكرناه.
وروي عنه قال: مرَّ بي خالي أبو بُرْدة بن نِيار ومعه لواء. وهذا لفظ الترمذي فيه.
وروي عنه عن خاله، وسماه هشيمٌ في حديثه: الحارث بن عمرو. وهذا لفظ ابن ماجه فيه.
وروي عنه قال: مرَّ بنا ناسٌ يَنطلقون (3).
وروي عنه: إنِّي (4) لأطوِّف على إبلٍ لي ضلَّتْ في تلك الأحياء في عهد النبي -
صلى الله عليه وسلم -، إذ جاءهم رهط معهم لواء. وهذا لفظ النسائي (5).
_________
(1) أبو داود (4457)، والنسائي في «الكبرى» (5465، 7185)، من طريقين عن عدي بن
ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه.
وأخرجه الترمذي (1362)، والنسائي في «الكبرى» (5464، 7183، 7184)، وابن ماجه
(2607)، وكذا ابن حبان (4112) الحاكم (2/ 191، 192)، من طرق عن عدي بن ثابت عن
البراء (دون ذكر ابنه يزيد).
يُنظر: «العلل الكبير» للترمذي (ص 208)، و «العلل» لابن أبي حاتم (1207، 1277)،
وللدارقطني (951).
(2) قوله: «غير مؤثر في تعليله» من قول المؤلف، وليس في «المختصر».
(3) وهذا لفظ النسائي في «الكبرى» (7183).
(4) (هـ): «أنه» تصحيف.
(5) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وفيه تصرف يسير من المؤلف وزيادة سبق التنبيه
عليها.
(3/111)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا كله يدل
على أن الحديث محفوظ، ولا يوجب هذا تَرْكَه بوجه، فإن البراء بن عازب حدَّث به عن
أبي بُردة بن نِيار، واسمه الحارث بن عمرو، وأبو بردة كنيته، وهو عمّه وخاله، وهذا
واقع في النسب، وكان معه رهط؛ فاقتصر على ذكر الرهط مرة، وعيّن من بينهم أبا بردة
بن نِيار باسمه مرّة، وبكنيته أخرى، وبالعمومة تارة، وبالخؤولة أخرى. فأي علة في
هذا توجب ترك الحديث؟! والله الموفق للصواب.
والحديث له طرق حسان يؤيد بعضُها بعضًا، منها: مُطَرِّف عن أبي الجهم عن البراء.
ومنها: شعبة عن الربيع بن الرُّكين عن عدي بن ثابت عن البراء.
ومنها: الحسن بن صالح عن السُّدِّي عن عدي عن البراء.
ومنها: معمر عن أشعث عن عدي عن يزيد بن البراء عن أبيه.
وذكر النسائي في «سننه» (1) من حديث عبد الله بن إدريس: حدثنا خالد بن أبي كريمة،
عن معاوية بن قرة، عن أبيه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أباه (جدَّ
معاوية) إلى رجل عرّس بامرأة أبيه، فضرب عنقه وخمَّسَ ماله.
_________
(1) «الكبرى» (7186)، وأيضًا ابن ماجه (2608) والدارقطني (3453)، وأبو نعيم في
«معرفة الصحابة» (951) من طرق عن عبد الله بن إدريس به.
إسناده حسن، وقد أعلّه بعضهم بالإرسال، ولكن صحح ابن معين الرواية الموصولة. انظر:
«مسند البزار» (3315)، و «الإصابة» (1/ 328).
وقد اختلفت الطرق في ذكر المبعوث، فعند النسائي هو أبو قرّة (جدّ معاوية)، وأُبهِم
عند الدارقطني، وعند ابن ماجه وأبي نعيم هو قرّة بن إياس نفسه، وهذا الذي استصوبه
أبو نُعيم وقال: إن ذكر جدّ معاوية فيه وهم لا يُتابَع عليه.
(3/112)
كتاب
الديات
1 - باب ترك القَوَد بالقسامة (1)
535/ 4358 - عن سعيد بن عبيد الطائي، عن بُشَير بن يسار، زعم أن رجلًا مِنَ
الأنصار يقال له: سَهْل بن أبي حَثْمة أخبره: أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى
خَيْبرَ فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدَهم قتيلًا، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم
صاحبنا، فقالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، فانطلقنا إلى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، فقال لهم: «تأتوني بالبينة على مَن قتل؟» قالوا: ما لَنا بَيِّنَة،
قال: «فيحلفون لكم؟» قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره نبيُّ الله - صلى الله
عليه وسلم - أن يُبْطِلَ دَمَه، فَوَدَاه مائةً من إبل الصدقة.
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (2)، ولم يذكر مسلم لفظ الحديث.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وذكر النسائي (3) من حديث عبيد الله بن الأخنس عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن ابن مُحَيِّصة الأصغر أصبح قتيلًا على أبواب
خيبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [ق 224] «أقم شاهدين على من قتله
أدفعْه إليك بِرُمَّته»، قال: يا رسول الله: أين أصيب شاهدين؟ وإنما أصبح قتيلًا
على أبوابهم، قال: «فتحلف خمسين قسامةً؟» قال: يا رسول الله، وكيف أحلف على ما لا
أعلم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فتستحلف منهم خمسين قسامة؟» فقال:
يا رسول الله كيف نستحلفهم وهم اليهود؟ فقَسَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ديته عليهم وأعانهم بنصفها.
_________
(1) في الأصل: «باب ترك القسامة بالقَوَد»، مقلوب، والتصحيح من «السنن».
(2) أبو داود (4523)، والبخاري (6898)، ومسلم (1669/ 5)، والنسائي (4719).
(3) في «المجتبى» (4720)، و «الكبرى» (6896) وفيها قوله الآتي عقب الحديث.
(3/113)
قال النسائي: لا نعلم أحدًا تابع عمرو بن
شعيب على هذه الرواية، ولا سعيدَ بن عبيد على روايته عن بُشَير بن يسار، والله
أعلم.
وقال مسلم (1): رواية سعيد بن عُبَيد غلط ويحيى بن سعيد أحفظ منه (2).
وقال البيهقي (3): هذا يحتمل أن لا يخالف رواية يحيى بن سعيد عن بشير، وكأنه أراد
بالبينة هنا أيمان المدعِين مع اللَّوْث كما فسره يحيى بن سعيد، أو طالبهم بالبينة
كما في رواية سعيد بن عبيد، فلما لم يكن عندهم بينة عرض عليهم الأيمان كما في
رواية يحيى بن سعيد، فلما لم يحلفوا ردّها على اليهود كما في الروايتين جميعًا.
ويدل على ما ذكره البيهقي حديثُ النسائي عن عمرو بن شعيب.
والصواب رواية الجماعة الذين هم أئمة أثبات أنه بدأ بأيمان المدَّعِين، فلما لم
يحلفوا ثنَّى بأيمان اليهود. وهذا هو المحفوظ في هذه القصة وما سواه وهْم، وبالله
التوفيق.
536/ 4361 - وعن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يَسار، عن رجال من
الأنصار: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لليهود ــ وبدأ بهم ــ: «يَحْلِفُ
منكم خمسون رجلًا»، فأبَوا، فقال للأنصار: «اسْتَحِقُّوا». قالوا: نحلِفُ على
الغَيبِ يا
_________
(1) في كتابه «التمييز» (ص 138)، والمؤلف صادر عن «معرفة السنن» (12/ 176).
(2) رواية يحيى بن سعيد عن بُشير بن يسار أخرجها البخاري (6142) ومسلم (1669/ 1)
وأبو داود (4520)، وفيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالمدَّعين أن
يقسموا خمسين يمينًا، وليس فيها أنه - صلى الله عليه وسلم - سألهم البيّنة، على
خلاف رواية سعيد بن عبيد عن بُشير.
(3) في «المعرفة» (12/ 176 - 177)، وبنحوه في «السنن» (8/ 120).
(3/114)
رسول الله؟! فجعلها رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ديةً على يهود لأنه وُجِد بين أظهرهم (1).
قال بعضهم: وهذا ضعيف لا يُلتفَت إليه.
وقد قيل للإمام الشافعي - رحمه الله - (2): فما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب؟ قلت:
مرسل، والقتيل أنصاري، والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم إذا (3) كان
كلٌّ ثقة، وكلٌّ عندنا بنعمة الله ثقة.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا الحديث له علة، وهي أن معمرًا انفرد به عن
الزهري، وخالفه ابن جريج وغيره، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد بعينه عن أبي سلمة
وسليمان عن رجال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين ناس من
الأنصار في قتيل ادَّعَوه على اليهود. ذكره البيهقي (4). والقسامة في الجاهلية
كانت قسامةَ الدم.
وفي قول الشافعي: «إن حديث ابن شهاب مرسل» نظر، والرجال من الأنصار لا يمتنع أن
يكونوا صحابة، فإن أبا سلمة وسليمان كل منهما من
_________
(1) «سنن أبي داود» (4526).
(2) كما في «اختلاف الحديث» (10/ 296 - مع الأم) له، وعنه البيهقي في «المعرفة»
(12/ 181) و «السنن» (8/ 121).
(3) في مطبوعة «المختصر» و «المعرفة»: «إذ»، ولعل المثبت من «اختلاف الحديث» و
«سنن البيهقي» أشبه.
(4) في «المعرفة» (12/ 181)، وقد أخرجه مسلم (1670) من طريق ابن جريج وصالح بن
كيسان ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزهري به. وأخرجه أحمد (16598) والبيهقي في
«السنن» (8/ 122) من طريق عُقيل عن الزهري به.
(3/115)
التابعين، قد لقي جماعة من الصحابة، إلا أن
الحديث غير مجزوم باتصاله لاحتمال كون الأنصاريين من التابعين والله أعلم.
قال البيهقي (1): وأصح ما روي في القتل بالقسامة وأعلاه بعد حديث سهل ما رواه عبد
الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال: قَتَل رجل من
الأنصار وهو سكران رجلًا آخر من الأنصار من بني النجار في عهد معاوية، ولم يكن على
ذلك شهادة إلا لَطْخ وشبهة. قال: فاجتمع رأي الناس على أن يَحلِف ولاة المقتول ثم
يُسلَّم إليهم فيقتلوه. قال خارجة بن زيد: فركبنا إلى معاوية وقصصنا عليه القصة،
فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص ... فذكر الحديث وفيه: فقال سعيد: أنا منفّذ كتابَ
أمير المؤمنين، فاغْدُوا على بركة الله، فغدَونا عليه، فأسلمه إلينا سعيد بعد أن
حلفنا عليه خمسين يمينًا (2).
وفي بعض طرقه (3): وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن