النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
عليه وسلم - بأرض جُهينة، وأنا غلامٌ شاب: «أن لا تَستمتِعُوا من المَيتةِ بإهابٍ
ولا عَصَبٍ».
قال أبو داود: فإذا دبغ لا يقال له إهاب، إنما يسمَّى: شَنًّا وقِربة، قال النضر
بن شُمَيل: يسمَّى إهابًا ما لم يُدبَغ.
وأخرجه الترمذي وحسّنه والنسائي وابن ماجه (3).
ويُروى عن ابن عُكَيم عن أشياخٍ له هذا الحديث (4).
_________
(1) روي مسندًا من حديث أنس وأبي هريرة وجابر وغيرهم، وكلها واهية. والصواب أنه من
مرسل أبي العالية، ومراسيل غيره من التابعين ترجع إليه، فالحديث ضعيف لا يصح. انظر
طرق الحديث وعللها في «سنن الدارقطني» (باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها) (601
- 661)، و «الكامل» لابن عدي (3/ 166 - 170).
(2) أخرجه أحمد (2)، وأبو داود (1521)، والترمذي (406) وحسَّنه، والنسائي في
«الكبرى» (10175)، وصححه ابن حبان (623)، واختاره الضياء (1/ 82 - 86).
(3) أبو داود (4127، 4128)، والترمذي (1729)، والنسائي (4249 - 4251)، وابن ماجه
(3613).
(4) أخرجه ابن حبان (1279)، والطحاوي في «معاني الآثار» (1/ 468) و «مشكلها»
(3241).
(3/65)
وقال الترمذي أيضًا: وسمعت أحمد بن الحسن
يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لِما ذُكِر فيه: «قبل وفاته بشهرين»،
وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ترك أحمد بن حنبل
هذا الحديث لمّا اضطربوا في إسناده.
وقد حكى الخلّال في كتابه أن أحمد توقّف في حديث ابن عكيم لمّا رأى تزلزل الرواة
فيه. وقال بعضهم: رجع عنه (1).
وقال النسائي (2): أصح ما في هذا الباب ــ في جلود الميتة إذا دبغت ــ حديث الزهري
عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال أبو الفَرَج ابن الجوزي (3): حديث ابن عكيم
مضطرب جدًّا، فلا يقاوم الأول (4).
واختلفت مسالك الفقهاء (5) في حديث ابن عُكَيم وأحاديث الدباغ (6)،
_________
(1) هذه الفقرة من «الاعتبار» للحازمي (ص 57)، وكان المنذري قد صرّح بنقله عنه،
فحذف المؤلف العزو إليه.
(2) عقب الحديث (4251).
(3) في «إخبار أهل الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ من الحديث» (ص 21).
(4) هذا النقل عن ابن الجوزي كان قد نقله المنذري في «المختصر» بأتم منه بين كلام
الخلال والنسائي، فلمّا أخَّره المؤلف إلى ما بعد كلام النسائي مراعاةً للترتيب
الزمني ظنّ المجرّد أنه من زيادات المؤلف على كلام المنذري، وليس كذلك وإنما
اختصره وأخّره فقط.
(5) ط. الفقي: «واختلف مالك والفقهاء»، وهو غير محرر في الأصل، وكأن الناسخ كان
كتب كذلك ثم أصلحه إلى ما أُثبِت.
(6) وقد سبقت أحاديث الدباغ عند أبي داود والمنذري في «باب في أهب الميتة»، منها
حديث ابن عباس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا دُبغ الإهاب
فقد طَهُر». أخرجه أبو داود (4123) ومسلم (366).
(3/66)
فطائفة قدمت أحاديث الدباغ عليه لصحتها
وسلامتها من الاضطراب، وطعنوا في حديث ابن عكيم باضطرابه وبإرساله (1).
وطائفة قدَّمت حديث ابن عكيم لتأخُّره وثقةِ رواته، ورأوا أن هذا الاضطراب لا يمنع
الاحتجاج به. وقد رواه شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن
عكيم، فالحديث محفوظ.
قالوا: ويؤيده ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من النهي عن افتراش جلود
السباع والنمور، كما سيأتي (2).
وطائفة عَمِلت بالأحاديث كلها، ورأت أنه لا تعارض بينها، وحديث ابن عُكَيم إنما
فيه النهي عن الانتفاع بأُهُب الميتة ــ والإهاب هو الجلد الذي لم يدبغ، كما قاله
النضر بن شميل، وقال الجوهري (3): الإهاب الجلد ما لم يدبغ، والجمع: أُهُب ــ
وأحاديث الدباغ تدل على الاستمتاع بها بعد الدباغ، فلا تنافي بينهما.
وهذه الطريقة حسنة لولا أن قوله في حديث ابن عكيم: «كنتُ رخَّصتُ
_________
(1) وممن طعن فيه ابن معين كما في رواية ابن محرز (1/ 123).
(2) عند أبي داود والمنذري في «باب في جلود النمور»، وفيه عدّة أحاديث، منها
الحديث الطويل في وفود المقدام بن معديكرب على معاوية وفيه أن المقدام قال
لمعاوية: أنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لُبْس
جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم.
(3) «الصحاح» (1/ 89).
(3/67)
لكم في جلود الميتة، فإذا أتاكم كتابي فلا
تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، والذي كان رُخِّص فيه هو المدبوغ، بدليل حديث
ميمونة (1).
وقد يجاب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن هذه الزيادة لم يذكرها أحد من أهل السنن في هذا الحديث، وإنما ذكروا
قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنتفعوا من الميتة ... » الحديث، وإنما ذكرها
الدارقطني (2)،
وقد رواه خالدٌ الحذَّاء وشعبة عن الحَكَم فلم يذكرا: «كنت رخصت لكم»، فهذه اللفظة
في ثبوتها شيء.
والوجه الثاني: أن الرخصة كانت مطلقةً غير مقيدة بالدباغ، وليس في حديث الزهري ذكر
الدباغ، ولهذا كان ينكره ويقول: «يُستمتَع بالجلد على
_________
(1) عند أبي داود (4120) ولفظه: عن ابن عباس عن ميمونة قالت: أُهدي لمولاة لنا
شاةٌ من الصدقة فماتت، فمرّ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ألا دبغتُم
إهابَها واستنفعتُم به؟» الحديث. وقد أخرجه مسلم (363/ 100) من هذا الوجه. وهو عند
البخاري (1492، 2221، 5531، 5532) ومسلم (363/ 101) من مسند ابن عباس بلفظ: «هلّا
استمتعتم بإهابها؟» ونحوه دون التقييد بالدباغ، وسيأتي الكلام عليه.
(2) لعله ذكرها في «الغرائب والأفراد»، انظر: «أطرافها» (2/ 121). وأخرجها
الطبراني في «الأوسط» (104) بإسناده ضعيف، فيه فضالة بن المفضل بن فضالة، قال أبو
حاتم في «الجرح والتعديل» (7/ 79): لم يكن بأهل أن يُكتب عنه العلم!
وأخرجها أيضًا الخطيب في «تلخيص المتشابه» (665) من طريق قرة بن سليمان الجهضمي،
عن هشام بن حسّان، عن مطر الورّاق، عن الحكم، عن عبد الله بن عُكيم. قرّة بن
سليمان ضعيف الحديث كما قال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (7/ 131)، ومطر الورّاق
ليس ممن يُحتَمَل منه التفرد بهذه الزيادة دون شعبة وخالد الحذّاء.
(3/68)
كل حال» (1). فهذا هو الذي نهى عنه أخيرًا،
وأحاديث الدباغ قسم آخر لم يتناولها النهي وليست بناسخة ولا منسوخة، وهذه أحسن
الطرق.
ولا يعارض ذلك نهيه عن جلود السباع، فإنه نهى عن ملابستها باللُّبس والافتراش كما
نهى عن أكل لحومها؛ لِما في أكلها ولبس جلودها [ق 219] من المفسدة. وهذا حكم ليس
بمنسوخ، ولا ناسخ أيضًا، وإنما هو حكم ابتدائي رافع لحكم الاستصحاب الأصلي.
وبهذه الطريق تتألف السنن، وتستقر كل سنة منها في مستقرها، وبالله التوفيق.
* * *
_________
(1) قول الزهري أسنده أحمد (3452) وأبو داود (4122) من طريق عبد الرزاق ــ وهو في
«مصنفه» (185) ــ، عن معمر، عنه.
وقد اختلف عن الزهري في ذكر الدباغ في حديث ابن عباس، فذكره عنه ابنُ عيينة [مسلم
(363/ 100)]، وعُقيل، والزُّبَيدي، وسليمان بن كثير [الدارقطني (98، 101، 102)]؛
وخالفهم مالك [النسائي (4235)]، ومعمر [أبو داود (4121)]، ويونس [خ (1492)، م
(363/ 101)]، والأوزاعي [ابن حبان (1282)]، وصالح بن كيسان [خ (2221)، م (363/
101)]، فلم يذكروه عن الزهري، وروايتهم أشبه، فإن الزهري قد أنكره كما سبق.
(3/69)
كتاب
الترجّل
1 - باب في إصلاح الشعر
516/ 4000 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: «من كان له شعرٌ فَلْيُكرِمْه» (1).
وقال المنذري (2): يعارضه ظاهرُ حديث «الترجُّل إلا غِبًّا» (3) وحديثِ «البذاذة»
(4) على تقدير صحتهما، فيَحتمِل أن يُجمَع بينهما بأن يكون النهي عن الترجل
_________
(1) «سنن أبي داود» (4163) من طريق ابن أبي الزناد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. ابن أبي الزناد فيه لين، وقد تفرّد به عن سهيل دون
أصحابه الثقات الأثبات، ولذا عدّ الذهبي هذا الحديث مِن مناكيره في «الميزان» (2/
572). وفي الباب حديث عائشة بإسناد ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، ومرسل ابن المنكدر،
ومرسل سعيد بن عبد الرحمن الجحشي عن أشياخه. أخرجها البيهقي في «شعب الإيمان»
(6037 - 6040).
(2) هنا صرّح المؤلف بذكر المنذري ونسبة الكلام الآتي إليه بخلاف غالب المواضع،
لأنه لم يرتض كلامه وسيردّ عليه.
(3) وقد سبق في «السنن» (4159) في أول كتاب الترجل
من حديث الحسن عن عبد الله بن المغفّل قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
عن الترجّل إلا غبًّا. وأخرجه أيضًا أحمد (16793)، والترمذي (1756) وقال: «حسن
صحيح»، وابن حبان (5484)، كلهم من طريق هشام بن حسان عن الحسن به، وقد خولف فيه
هشام، فرواه قتادة وغيره عن الحسن مرسلًا، وهو أشبه، وله شاهد يعتضد به من حديث
فضالة بن عبيد عند أبي داود (4160) وغيره. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (502).
(4) سبق أيضًا في الترجل (4161) من حديث أبي أمامة بلفظ: «إن البذاذة من الإيمان».
وأخرجه أحمد (24009/ 58)، وابن ماجه (4118)، والطبراني (1/ 271 - 272)، والحاكم
(1/ 9) على اختلاف في إسناده، وبه أعله ابن عبد البر في «التمهيد» (24/ 12)، ولكن
الاختلاف فيه ليس قادحًا، وقد صححه الحافظ في «الفتح» (10/ 368). وانظر: «الصحيحة»
(341).
(3/70)
إلا غبًّا لمن يتأذّى بإدمان ذلك لمَرَضٍ أو
شدّة برد، فنهاه عن تكلف ما يُضِرُّ به.
ويحتمل أنه نهى مَن يعتِقد أن ما كان يفعله أبو قتادة مِن دَهْنه مرتين (1) أنه
لازم، فأعلمه أن السنة من ذلك الإغباب به ــ لاسيما لمن يمنعه ذلك من تصرفه وشغله
ــ، وأن ما زاد على ذلك ليس بلازم، وإنما يعتقد أنه مباح، من شاء فعله ومَن شاء
تركه (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا لا يُحتاج إليه، والصواب أنه لا تعارض بينهما
بحال، فإن العبد مأمور بإكرام شعره، ومنهي عن المبالغة والزيادة في الرفاهية
والتنعُّم، فيكرم شعره ولا يتخذ الرفاهية والتنعم ديدَنه، بل يترجّل غبًّا. هذا
أولى ما حمل عليه الحديثان، وبالله التوفيق.
2 - باب ما جاء في خضاب السواد (3)
517/ 4048 - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «يكون
_________
(1) أخرجه مالك في «الموطأ» (2731) عن يحيى بن سعيد الأنصاري مرسلًا، ويخالفه مرسل
ابن المنكدر عند البيهقي في «الشعب» (6040) أنه كان يَدْهنه يومًا ويدعه يومًا،
وجاء في مرسل سعيد بن عبد الرحمن الجَحْشي عند معمر في «الجامع» (20516) أنه كان
يرجله كل يوم مرّتين.
(2) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وفيه تصرّف يسير جدًّا من المؤلف عمّا في
«المختصر» (6/ 86).
(3) في الأصل: «باب الخضاب»، وهو يسبق هذا الباب بباب في «السنن» و «المختصر»،
والمثبت من (هـ)، فإن تعليق المؤلف إنما هو عليه.
(3/71)
قوم يَخضِبون في آخر الزمان بالسَّواد
كحواصل الحمام، لا يَريحُون رائحةَ الجنة»
وأخرجه النسائي (1).
في إسناده «عبد الكريم» ولم ينسبه أبو داود ولا النسائي، فذكر بعضهم (2) أنه عبد
الكريم بن أبي المخارق أبو أمية، وهو لا يحتجّ بحديثه.
وذكر بعضهم أنه عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد، وهو من الثقات، اتفقا على
الاحتجاج به. وهذا هو الصواب، فإنه قد نسبه بعض الرواة في هذا الحديث وقال: «عن
عبد الكريم الجزري». وابن أبي المخارق من أهل البصرة نزل مكة. وأيضًا فإن الذي روى
عن عبد الكريم هذا الحديث هو عبيد الله بن عمرو الرقي، وهو مشهور بالرواية عن عبد
الكريم الجزري، وهو أيضًا من أهل الجزيرة.
وقد تقدّم حديث جابر في «صحيح مسلم» (3) وقوله: «واجتنبوا السواد».
وقد اختلف السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم في الخضاب، فرأى بعضهم أن أمر النبي
- صلى الله عليه وسلم - بصبغ الشعر نَدْب، وأن تغييره أولى من تركه. وممن كان
يخضب: أبو بكر وعمر والحسن والحسين وأبو عبيدة بن الجرّاح وغيرهم؛ يخضبون بالحنّاء
والكتم.
_________
(1) أبو داود (4212)، والنسائي (5075) من طريق عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس.
(2) هو ابن الجوزي في «الموضوعات» (3/ 55). وتعقّبه الذهبي في «تلخيص الموضوعات»
(1/ 267) وصحّح الحديث.
(3) برقم (2102)، وقد تقدّم عند أبي داود في «باب في الخضاب» برقم (4204)، وهو
حديث إسلام أبي قحافة يوم الفتح ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال النبي - صلى
الله عليه وسلم -: «غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد».
(3/72)
[وروي] عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان
يخضب بالحنّاء بحتًا. وكان ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن بُسر والمغيرة بن شعبة
- رضي الله عنهم - يُصفّرون لحاهم (1).
وقال الإمام أحمد: إني لأرى الشيخ مخضوبًا فأفرح به. وذكر رجلًا لم يخضب وأنه
يستحيي فقال: سبحان الله سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -!
قال المروذي: قلتُ يُحكى عن بشر بن الحارث أنه قال: قال لي ابن داود: خضبت؟ قلتُ
أنا: لا أفرُغ لغسلها فكيف أتفرّغ لخضابها؟ فقال أحمد: قال النبي - صلى الله عليه
وسلم -: «غيِّروا الشَّيب»، وأبو بكر وعمر خضبا والمهاجرون؛ هؤلاء لم يتفرغوا
لغسلها والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالخضاب؟! فمن لم يكن على ما كان عليه
النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس من الدين في شيء؛ وحديث أبي ذر، وحديث أبي
هريرة، وحديث أبي رمثة، وحديث أم سلمة (2).
وذهب آخرون إلى أن ترك الشعر أبيض أفضل، وقالوا: توفي النبي - صلى الله عليه وسلم
- وفي عَنْفَقته ورأسه الشيبُ ولم يغيّره بشيء، ولو كان تغييره أفضل لكان قد آثر
الأفضلَ.
قال ابن جرير (3): وممن كان لا يخضب عليٌّ وأبيُّ بن كعب وجماعة من الصحابة
والتابعين.
قال (4): والصواب عندنا أن الآثار التي رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
بتغيير الشيب
_________
(1) انظر الآثار المتقدمة في «مصنف ابن أبي شيبة» (كتاب اللباس، باب في الخضاب
بالحناء، وباب في تصفير اللحية)، و «تهذيب الآثار» للطبري (ص 460 - 492 ــ الجزء
المتمم بتحقيق علي رضا).
(2) من قوله قال الإمام أحمد إلى هنا مما زاده المؤلف على كلام المنذري نقلًا عن
«المغني» (1/ 125 - 126).
(3) في «تهذيب الآثار» للطبري (ص 496 وما بعدها ــ الجزء المتمم) مُسنِدًا آثارهم.
(4) «تهذيب الآثار» للطبري (ص 516 ــ الجزء المتمم).
(3/73)
وبالنهي عن تغييره كلَّها صحاح، وليس فيها
شيء يُبطِل ما خالفه، لكن بعضها عام وبعضها خاص؛ فالمراد بأحاديث التغيير الخصوص
مثل ما كان شيبُ أبي قحافة، فأمَّا الشَّمَط ففيه النهي عن التغيير. واختلاف السلف
بحسب اختلاف أحوالهم، ولا يصح أن يقال: إن أحدها ناسخ للآخر لعدم دليل النسخ. هذا
كلامه.
وقال آخرون: ذلك دليل على اختلاف حالين، أحدهما: عادة البلد، والثاني: اختلاف
الناس، فرُبَّ شيبةٍ هي أجمل منها مصبوغة، ومنه ما يُستشنَع (1) فالصَّبْغُ فيه
أولى.
وفي الخضاب فائدتان، أحدهما: تنظيف الشعر مما تعلق به من الغبار ونحوه، والثاني:
مخالفة أهل الكتاب (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها
(3) بوجه، فإن الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من تغيير الشيب أمران،
أحدهما: نَتْفه (4)، والثاني: خضابه بالسواد، كما تقدم، والذي أذن فيه صَبْغُه
وتغييره بغير السواد، كالحنّاء والصُّفرة، وهو الذي عمله الصحابة - رضي الله عنهم
-.
قال الحَكَم بن عمرو الغفاري: دخلت أنا وأخي رافع على عمر بن
_________
(1) كذا في (هـ)، وفي «المختصر» المخطوط: «يُستبشَع».
(2) كلام المنذري من (هـ)، وما كان فيه من سقط وخرم وتصحيف فاستدرك من «المختصر»
المخطوط. وقد زاد المؤلف في أثنائه نقلًا عن «المغني» كما سبق التنبيه عليه في
موضعه.
(3) الأصل: «بينهما»، والمثبت من (هـ).
(4) يشير إلى ما سبق في «سنن أبي داود» (4202) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جدّه مرفوعًا: «لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شَيبة في الإسلام إلا كانت له
نورًا يوم القيامة».
(3/74)
الخطاب وأنا مخضوب بالحناء، وأخي مخضوب
بالصفرة، فقال عمر: هذا خضاب الإسلام، وقال لأخي: هذا خضاب الإيمان (1).
وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب لما تقدم ــ
وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله! (2) وهذه المسألة من
المسائل التي حلف عليها، وقد جمعها أبو الحسين (3) ــ، ولأنه يتضمن التلبيسَ بخلاف
الصفرة.
ورخَّص فيه آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة (4)، وروي ذلك عن الحسن والحسين وسعد بن
أبي وقاص وعبد الله بن جعفر وعقبة بن عامر (5)،
_________
(1) أخرجه أحمد في «المسند» (20660)، وابن سعد في «الطبقات الكبير» (5/ 117) من
طريق عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه، عن الحكم. وإسناده ضعيف، فإن عبد الصمد
لين الحديث، وأباه مجهول.
(2) «مسائل أحمد» رواية الكوسج (2/ 598).
(3) في الأصل وط. الفقي: «أبو الحسن»، تصحيف. وهو أبو الحسين محمد ابن القاضي أبي
يعلى محمد بن الحسين البغدادي الحنبلي (ت 526). وكتابه مطبوع، وهذه المسألة فيه (ص
32).
(4) انظر: «شرح مشكل الآثار» (9/ 313 - 314)، و «حاشية ابن عابدين» (6/ 422).
(5) آثار السِّبطين أخرجها ابن أبي شيبة (25520)، والطبري في «تهذيب الآثار» الجزء
المتمم بتحقيق علي رضا (ص 468 - 469)، والطبراني في «الكبير» (3/ 22، 98 - 99) من
طرق عنهما.
وأثر سعد بن أبي وقاص أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (3/ 132، 133)، والطبراني في
«الكبير» (1/ 138) من طرق عنه.
وأثر عبد الله بن جعفر أخرجه ابن أبي الدنيا في «العُمْر والشَّيب» (ص 52) بإسناد
ضعيف.
وأثر عُقبة أخرجه ابن أبي شيبة (25529) والطبري في «تهذيب الآثار» (ص 473) بإسناد
صحيح.
(3/75)
وفي ثبوته عنهم نظر (1)، ولو ثبت فلا قول
لأحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسنَّتُه أحقُّ بالاتباع ولو خالفها من
خالفها.
ورخص فيه آخرون للمرأة تتزين به لبعلها، دون الرجل. وهذا قول إسحاق بن راهويه (2)،
وكأنه رأى أن النهي إنما جاء في حق الرجال، وقد جُوِّز للمرأة من خضاب اليدين
والرجلين ما لم يُجوَّز للرجل، والله أعلم.
* * *
_________
(1) كذا قال المؤلف هنا، ثم تبيَّن له صحتها فقال في «زاد المعاد» (4/ 337): «صحّ
عن الحسن والحسين - رضي الله عنهما - أنهما كانا يخضبان بالسواد».
(2) بل إنه رخّص للرجل أيضًا أن يتزيّن به لأهله إذا لم يكن فيه غَرَر وخداع.
انظر: «مسائله» برواية الكوسج (2/ 557، 598).
(3/76)
كتاب
الخاتم
1 - باب ما جاء في ترك الخاتم
518/ 4057 - عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شِهاب، عن أنس - رضي الله عنه -: أنه رأى
في يد النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتمًا من وَرِقٍ يومًا واحدًا، فصنع الناسُ
فلبسوا، وطرح النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فطرح الناسُ.
وأخرجه البخاري ومسلم (1).
وقال أبو داود: رواه عن الزهري زيادُ بن سعد وشعيب وابن مسافر، كلهم قال: «من
ورِق».
وهؤلاء الذين ذكرهم أبو داود قد أشار إليهم البخاري في «صحيحه» (2).
وقد أخرجا (3) من حديث يونس بن يزيد عن الزهري وفيه: «من وَرِق»، فهؤلاء خمسة من
ثقات أصحاب الزهري رووه عنه كذلك.
وقد قيل: إن هذا عند جميع أصحاب الحديث وهمٌ مِن ابن شهاب في (4): «خاتم الذهب» ــ
يعني: أن الصواب أن الذي نبذه هو خاتم الذهب ــ (5).
_________
(1) أبو داود (4221)، والبخاري (5868)، ومسلم (2093).
(2) عقب الحديث (5868).
(3) البخاري (5868) من طريق يونس، ومسلم (2093) من طريق إبراهيم بن سعد وزياد بن
سعد؛ كلهم عن الزهري به. ولم أجد رواية يونس عند مسلم.
(4) كذا في (هـ)، وفي «المختصر»: «من».
(5) هذه الجملة التفسيرية من المؤلف، وليست في «المختصر».
(3/77)
قال المُهلَّب (1): وقد يمكن أن يُتأوَّل
لابن شهاب ما ينفي عنه الوهم ــ وإن كان الوهم أظهر ــ، وذلك يحتمل أن يكون النبي
- صلى الله عليه وسلم - لما عزم على اطِّراح خاتم الذهب اصطنع خاتمًا من فضة بدليل
أنه كان لا يستغني عن الختم به على الكتب إلى البلدان والملوك وأجوبة العُمَّال
وأمراء الأجناد، فلمّا لبس خاتم الفضة أراد الناس ذلك اليوم أن يصطنعوا مثله، فطرح
عند ذلك خاتم الذهب فطرح الناس خواتيم الذهب. والتأليف بين الأحاديث أولى من حملها
على التنافي والتضاد (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ويدل على وهم ابن شهاب: ما رواه البخاري في «صحيحه»
(3) من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
اتخذ خاتمًا من ذهب، فجعل فَصَّه مما يلي كفَّه، فاتخذه الناس، فرمى به واتخذ
خاتمًا من ورق أو فضة». فهذا يدل على أن الذي طرحه النبي - صلى الله عليه وسلم -
هو خاتم الذهب.
ويدل عليه: أن خاتم الفضة استمر في يده ولم يطرحه، ولبسه بعده أبو بكر وعمر وعثمان
صدرًا من خلافته. وقال النسائي (4): أخبرنا محمد بن
_________
(1) نقله عنه ابن بطَّال في «شرح صحيح البخاري» (9/ 130).
(2) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وفيه تصرّف يسير من المؤلف. ونقل المنذري لكلام
ابن بطال ساقط من «المختصر» المطبوع، وموجود في مخطوطته (النسخة البريطانية).
(3) برقم (5865).
(4) في «المجتبى» (5217) و «الكبرى» (9478) وفي إسناده لين من أجل المغيرة بن
زياد، وهو مُتكلَّم فيه، ولكن قد تابعه عبيد الله عن نافع بنحوه مختصرًا عند
البخاري (5866، 5873) ومسلم (2091/ 54).
(3/78)
معمر، حدثنا أبو عاصم، عن المغيرة (1) بن
زياد، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبس خاتمًا
مِن ذهب ثلاثة أيام، فلما رآه أصحابه فَشَتْ خواتيمُ الذهب، فرمى به فلا نَدْري ما
فعل، ثم أمر بخاتم من فضة فأمر أن يُنقَش فيه: «محمد رسول الله»، وكان في يد رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات، وفي يد أبي بكرٍ حتى مات، وفي يد عمر حتى
مات، وفي يد عثمان ست سنين من عمله، فلما كثُرت (2) عليه [الكتب] دفعه إلى رجل من
الأنصار فكان يَختِم به، فخرج الأنصاري إلى قَلِيب لعثمان فسقط، فالتُمِسَ فلم
يوجد، فأمر بخاتمٍ مثلِه ونَقَش فيه: «محمد رسول الله».
وفي «الصحيحين» (3) من حديث الليث عن نافع عن عبد الله: أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - اصطنع خاتمًا من ذهب، وكان يجعل فصه في باطن كفِّه إذا لبسه، فصنع
الناس، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه وقال: «إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصَّه
من داخل»، فرمى به وقال: «والله لا ألبسه أبدًا»، فنبذ الناس خواتيمهم.
فهذا الحديث متفق عليه، وله طرق عديدة في الكتابين (4).
وقد روي عن البراء بن عازب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم: أنهم لبسوا خواتيم
_________
(1) الأصل: «المعمر»، وفي (هـ): «المعمري»، كلاهما تصحيف.
(2) في الأصل: «كُذِب»، تصحيف، ولم يتضح في (هـ)، والمثبت من لفظ الحديث.
(3) البخاري (6651)، ومسلم (2091/ 53).
(4) انظر: «صحيح البخاري» (5865 - 5867، 6651، 7298) ومسلم (2091/ 53 - 55).
(3/79)
الذهب (1). وهذا إن صح عنهم فلعلهم لم
يبلغهم النهي، وهم في ذلك كمن رخَّص لبس الحرير من السلف، وقد صحت السنة بتحريمهما
على الرجال وإباحتهما للنساء.
2 - باب في الذهب للنساء
519/ 4072 - عن رِبْعيِّ بن حِراش، عن امرأته، عن أخت لحذيفة أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - قال: «يا معشرَ النساء، أما لكُنَّ في الفضة ما تَحَلَّين به،
أما إنه ليس منكن امرأة تَحَلَّى ذهبًا تُظهره إلا عُذِّبت به».
وأخرجه النسائي (2).
وامرأة ربعي مجهولة، وأخت حذيفة اسمها فاطمة، وقيل: خولة. وفي بعض طرقه: عن ربعي
عن امرأة عن أخت حذيفة ــ وكان له أخوات قد أدركن النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ
(3).
وذكرها أبو عمر النَّمَري (4) وسمَّاها: فاطمة. قال: وروي عنها حديث في كراهة
تحلّي النساء بالذهب، إن صحّ فهو منسوخ. ولحذيفة أخوات قد أدركن النبي - صلى الله
عليه وسلم -. هكذا ذكرها في حرف الفاء. وقال في حرف الخاء (5): خولة بنت
_________
(1) أخرج آثار الصحابة ابن أبي شيبة (25660 - 25663) والطحاوي في «شرح معاني
الآثار» (4/ 259)، وأما أبو بكر الحزمي فأسنده عنه ابن سعد في «الطبقات» (7/ 415).
(2) أبو داود (4237)، والنسائي (5137، 5138).
(3) أخرجه أحمد (27013) وابن سعد في «الطبقات» (10/ 307)، إلا أن لفظ أحمد: «عن
امرأته». وانظر: «تحفة الأشراف» (12/ 474).
(4) «الاستيعاب» (4/ 1902).
(5) (4/ 1834).
(3/80)
اليمان أخت حذيفة، روى عنها أبو سلمة بن عبد
الرحمن قالت: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا خير في جماعة النساء
إلا عند ميت، فإنهن إذا اجتمعن قلن وقلن» (1). فهما عنده اثنتان خلاف ما تقدّم
(2).
520/ 4073 - وعن أسماء بنت يزيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«أَيُّما امرأةٍ تَقَلَّدَتْ قِلادةً مِن ذهبٍ قُلِّدَت في عُنُقها مِثلَها مِن
النَّار يومَ القيامة، وأيُّما امرأةٍ جعلت في أُذُنها خُرْصًا من ذهبٍ جُعِل في
أُذُنها مِثلُه من النار يوم القيامة».
وأخرجه النسائي (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال ابن القطان (4): وعلّة هذا الخبر أن محمود بن
عمرٍو راويه عن أسماء مجهول الحال، وإن كان قد روى عنه جماعة.
وروى النسائي (5) عن أبي هريرة قال: كنت قاعدًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -
فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله، [ق 220] سِواران من ذهب؟ قال: «سِواران من نار»،
قالت: طوق من ذهب؟ قال: «طوق من نار». قالت: قُرطان من ذهب؟ قال: «قُرطان من نار».
قال: وكان عليها سواران من ذهب فرمت بهما (6)
_________
(1) أخرجه الطبراني في «الكبير» (24/ 246) و «الأوسط» (7130). قال الهيثمي: فيه
الوازع بن نافع وهو متروك. «مجمع الزوائد» (2/ 333).
(2) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وفيه تصرف واختصار من المؤلف.
(3) أبو داود (4238)، والنسائي (5139) من حديث محمود بن عمرو الأنصاري، عن أسماء
بن يزيد.
(4) «بيان الوهم والإيهام» (3/ 590).
(5) في «المجتبى» (5142) و «الكبرى» (9380)، من طريق أبي الجهم، عن أبي زيد، عن
أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(6) في الأصل و (هـ): «به».
(3/81)
فقالت: يا رسول الله، إن المرأة إذا لم
تَزَّيَّنْ لزوجها صَلِفَت عنده. فقال: «ما يمنع إحداكن أن تصنع قُرطين من فضة، ثم
تُصفِّره بزعفران أو بعبير؟».
قال ابن القطان (1): وعلّته أن أبا زيد راويه عن أبي هريرة مجهول، ولا يُعرف روى
عنه غير أبي الجهم، ولا يصح هذا.
وفي النسائي (2) أيضًا عن ثوبان قال: جاءت بنت هُبَيرة إلى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وفي يدها فَتَخ (3) [فجعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يضرب
يَدَها] (4)، فدخلت على فاطمة تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، قالت: هذه أهداها أبو حسن، فدخل
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والسلسلة في يدها. فقال: «يا فاطمة أيغرُّكِ أن
يقول الناس: ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي يدها سلسلة مِن نار»، ثم
خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها، واشترت بثمنها غلامًا ــ
وقال مرة: عبدًا وذكر كلمة معناها: فأعتقته ــ فحُدِّث بذلك فقال: «الحمد لله الذي
أنجى فاطمة من النار».
قال ابن القطان (5): وعلته أن الناس قد قالوا: إن رواية يحيى عن زيد بن
_________
(1) «بيان الوهم» (3/ 591).
(2) «المجتبى» (5140) و «الكبرى» (9378) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن
سلَّام، عن جدّه أبي سلَّام، عن أبي أسماء الرَحَبي، عن ثوبان.
(3) الفَتَخ جمع فَتَخة، وهي الخاتم الضخم.
(4) ما بين الحاصرتين من «المجتبى» و «الكبرى».
(5) «بيان الوهم» (3/ 588 - 589).
(3/82)
سلَّام (1) منقطعة، وعلى أن يحيى قد قال:
حدثني زيد بن سلّام (2)، وقد قيل: إنه دلس ذلك، ولعله كان أجازه زيد بن سلّام فجعل
يقول: حدثنا زيد (3).
وفي النسائي (4) أيضًا عن عقبة بن عامر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمنع
أهله الحرير والحِلية ويقول: «إن كنتم تحبّون حِلية الجنة وحريرَها فلا تلبسوها في
الدنيا».
فاختلف الناس في هذه الأحاديث وأشكلت عليهم، فطائفة سلكت بها مسلك التضعيف
وعلَّلتْها (5) كلها، كما تقدم.
وطائفة ادَّعت أن ذلك كان في (6) أول الإسلام ثم نسخ، واحتجت بحديث أبي موسى عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُحلَّ الذهب والحرير للإناث من
_________
(1) في الأصل و (هـ) والطبعتين: «عن أبي سلام» خطأ، فإن يحيى بن أبي كثير إنما
يروي عن زيد بن سلَّام، عن أبي سلَّام، وسيأتي على الصواب بعد سطرين.
(2) في الأصل و (هـ): «أبو سلّام» خطأ، وسيأتي على الصواب في السطر التالي.
(3) أثبت أبو حاتم سماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلَّام، ونفاه ابن معين وغيره
وقالوا إنما أخذ يحيى كتاب زيد من أخيه معاوية، فدلَّسه عنه ولم يسمع منه، ولكن
يشكل عليه روايته بالتحديث، فاستظهر ابن القطان أن زيدًا أجازه أحاديثَه وبلَّغه
إجازته أخوه معاوية، فحدَّث يحيى بها عنه قائلًا: «حدثنا»، وكان الأكمل أن يقول:
«إجازةً». انظر: «المراسيل» (ص 241)، و «بيان الوهم» (2/ 378 - 379).
(4) «المجتبى» (5136) و «الكبرى» (9374) بإسناد صحيح، وقد صححه ابن حبان (5486)،
والحاكم (4/ 191).
(5) في الأصل: «علّلها»، والتصويب من (هـ).
(6) «في» من (هـ).
(3/83)
أمتي، وحُرِّم على ذكورها» (1). قال
الترمذي: حديث صحيح، ورواه ابن ماجه في «سننه» من حديث علي (2) وعبد الله بن عمرٍو
(3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وطائفة حملت أحاديث الوعيد على من لم تُؤَدِّ زكاةَ حُلِيِّها، فأما من أدَّتْه
فلا يلحقها هذا الوعيد. واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة أتت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسَكتان غليظتان
مِن ذهب، فقال لها: «تُعطِين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسّرك أن يسوِّرَكِ الله
بهما يومَ القيامة سوارَين من نار؟»، قال: فخلَعَتْهما فألقتْهما إلى النبي - صلى
الله عليه وسلم - وقالت: هما لله ولرسوله (4).
وبما روى أبو داود (5) عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحًا
_________
(1) أخرجه الترمذي (1720)، وفي إسناده انقطاع، ولكنه صحيح بشواهده، وعليه يُحمل قول
الترمذي: «حسن صحيح». وانظر: «العلل» للدارقطني (2966)، و «الإرواء» (277).
(2) برقم (3595)، وأخرجه أحمد (750)، وأبو داود (4057)، والنسائي (5144 - 5147)،
وحسَّنه علي ابن المديني كما في «الأحكام الوسطى» (4/ 184)، وصححه ابن حبان
(5434).
(3) «سنن ابن ماجه» (3597) بإسناد ضعيف.
(4) أخرجه أحمد (6901)، وأبو داود (1563)، والترمذي (637)، والنسائي (2479)، من
طرق عن عمرو بن شعيب به.
ضعَّفه الترمذي لضعف الراويين عن عمرو بن شعيب، ولعله لم يعلم برواية حسين المعلّم
عن عمرو بن شعيب، وهي عند أبي داود والنسائي، وإسنادها جيد. انظر: «بيان الوهم»
(5/ 366).
(5) برقم (1564)، وأخرجه الدارقطني (1950)، والحاكم (1/ 390) كلهم من طريق ثابت بن
عجلان، عن عطاء بن أبي رباح، عن أم سلمة.
في إسناده انقطاع، فإن عطاء لم يسمع من أم سلمة شيئًا، قاله علي ابن المديني كما
في «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 155).
(3/84)
من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال:
«ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُه فزُكّي فليس بكنز». وهذا من أفراد ثابت بن عجلان (1)،
والذي قبله من أفراد عمرو بن شعيب.
وطائفة من أهل الحديث حملت أحاديث الوعيد على من أظهرت حِلْيَتَها وتبرّجت بها،
دون من تزينت بها لزوجها. قال النسائي في «سننه» (2) وقد ترجم على ذلك: «الكراهة
للنساء في إظهار الحلي والذهب»، ثم ساق أحاديث الوعيد. والله أعلم.
521/ 4074 - عن ميمون القَنَّاد، عن أبي قِلابة، عن معاوية بن أبي سفيان: أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ركوب النِّمار، وعن لُبس الذهب إلا مقطَّعًا.
وأخرجه النسائي (3).
وقال الإمام أحمد (4): ميمون القناد قد روى هذا الحديث، وليس بمعروف. وقال البخاري
(5): ميمون القنّاد عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة مرسل. وقال
_________
(1) كذا قاله البيهقي (4/ 140) فتعقبه ابن عبد الهادي في «المحرر» فقال: ولا يضرّ،
فإن ثابتًا وثَّقه ابن معين وروى له البخاري. وانظر: «بيان الوهم» (5/ 362 - 363).
(2) مبوِّبًا على الأحاديث (5136 - 5143) من «المجتبى»، وعلى الأحاديث (9374 -
9381) من «الكبرى».
(3) أبو داود (4239)، والنسائي (5149)، وقال أبو داود عقبه في غير رواية اللؤلؤي:
«أبو قلابة لم يلق معاوية».
(4) أسنده عنه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/ 236).
(5) «التاريخ الكبير» (7/ 340).
(3/85)
أبو حاتم الرازي (1): أبو قلابة لم يسمع من
معاوية. فعلى هذا فيه الانقطاع من وجهين.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد رواه النسائي (2) من حديث بَيْهَس (3) بن فهدان،
عن أبي شيخ الهُنائي، عن معاوية، وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد في الحج (4).
ورواه (5) عن أبي شيخ عن أبي حِمَّان (6) عن معاوية. ومرة قال: عن أخيه حمَّان.
ومرة قال أبو شيخ: سمعتُ معاوية. ومرة: عن حمَّان أنه سمع معاوية.
ورواه النسائي (7) أيضًا من حديث بَيْهس بن فهدان أخبرنا (8) أبو شيخ قال: سمعت
ابن عمر قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الذهب إلا مقطَّعًا.
_________
(1) «المراسيل» (ص 110).
(2) في «المجتبى» (5159) و «الكبرى» (9398) من طريق النضر بن شميل عن بَيْهَس به.
(3) في الأصل هنا: «أبي بهس»، وفي الموضع الآتي: «بهس» فقط، والتصويب من (هـ).
(4) (1/ 307 وما بعدها).
(5) أي النسائي، انظر: «الكبرى» (9390 - 9397) وفيها ألوان أخرى من الاختلاف،
ورجّح النسائي منها روايتَي قتادة وبَيهس عن أبي شيخ أنه سمع معاوية.
(6) من هنا إلى «عن حمّان» ساقط من الأصل لانتقال النظر، واستدرك من (هـ).
(7) في «المجتبى» (5160) و «الكبرى» (9399) من طريق علي بن غُراب عن بيهس به. وعلي
بن غُراب فيه ضعف، وقد خالف النضرَ بن شُميل فجعله عن ابن عمر بدل معاوية. ولذا
قال النسائي عقبه: حديث النضر بن شُمَيل أشبه بالصواب.
(8) ط. المعارف: «أنبأنا» خطأ، إذ في الأصل: «أنا» وهو اختصار «أخبرنا».
(3/86)
وقد روي في حديث آخر احتج به أحمد في رواية
الأثرم (1): «من تحلَّى بخَرْبَصِيصة (2) كُوِي بها يوم القيامة» (3)، فقال الأثرم:
فقلت: أي شيء خربصيصة؟ قال: شيء صغير مثل الشَّعِيرة، وقال غيرُه: هي (4) عين
الجرادة.
وسمعتُ شيخ الإسلام يقول: حديث معاوية في إباحة الذهب مقطَّعًا هو في التابع غير
المفرد، كالزرِّ والعَلَم ونحوه، وحديث الخربصيصة: هو في الفرد كالخاتم وغيره، فلا
تعارض بينهما (5). والله أعلم.
* * *
_________
(1) كما في «المغني» (4/ 227).
(2) ط. الفقي: «بخُرَيصة» هنا وفي الموضعين الآتيين، خلافًا للأصل ولِلَفظ الحديث،
ثم فسّره في الهامش بأنه تصغير الخُرْص وهو القُرط الصغير!
(3) أخرجه أحمد (17997، 27602) من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم مرسلًا،
وعنه عن أسماء بنت يزيد مطولًا وفيه قصة.
(4) في الأصل والطبعتين: «مِن» تصحيف، والتصحيح من (هـ). انظر: «غريب الحديث»
للخطابي (1/ 594)، و «تهذيب اللغة» (خربص).
(5) كلام شيخ الإسلام بنحوه في «مجموع الفتاوى» (21/ 87 - 88)، وهذا التفسير منه -
رحمه الله - بناءً على أن الحديثين في حكم تحلّي الرجال بالذهب، ولكن يُشكل عليه
سياق حديث الخربصيصة فإنه صريح في النساء، فليُنظر.
(3/87)
كتاب
الفتن
1 - ذكر الفتن ودلائلها
522/ 4075 - عن حذيفة ــ وهو ابن اليماني - رضي الله عنهما - ــ قال: قام فينا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا، فما ترك شيئًا يكون في مَقامه ذلك إلى
قيام الساعةِ إلا حَدَّثه؛ حَفِظَه مَن حفظه، ونسيه مَن نسيه، قد عَلِمه أصحابُه
هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء فأذكُره كما يذكر الرجل وجهَ الرجل إذا غاب عنه ثم
إذا رآه عَرَفه.
وأخرجه البخاري ومسلم (1). (2)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى مسلم في «صحيحه» (3) من حديث حذيفة قال:
والله إني لأعلم الناس بكلِّ فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة. وما بي أن لا
(4) يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يُحدِّثه
_________
(1) أبو داود (4240)، والبخاري (6604)، ومسلم (2891/ 23).
(2) لم يحدّد المجرد الموضعَ الذي كان فيه تعليقُ المؤلف الآتي المشتمل على ذكر
حديثين في الفتن لم يردا عند أبي داود، وقد تابعت ط. الفقي في وضعه هنا بعد الحديث
الأول في الباب لقوة صلتهما به، ولأن الثلاثة جميعًا من رواية حذيفة، ولأنها وردت
متتالية في «صحيح مسلم» والمؤلف كثيرًا ما يعتمد عليه في ذكر الألفاظ والشواهد
والمتابعات.
(3) برقم (2891/ 22).
(4) كذا في الأصل، وفي «الصحيح»: «وما بي إلا أن»، قال القاضي عياض: «كذا هي
الرواية عند جميع شيوخنا». وفي «مسند أحمد» (23460) و «المستدرك» (4/ 471) وغيرهما
بدون حرف الاستثناء، ولكليهما وجهٌ. انظر: «إكمال المُعلِم» (8/ 428).
(3/88)
غيري، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- قال وهو يحدث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وهو يَعُدُّ الفتن: «منهن ثلاث لا يَكَدْن يذرن شيئًا، ومنهن فِتَن كرياح الصيف;
منها صغار، ومنها كبار». قال [ق 221] حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري.
وفي «الصحيحين» (1) عن شقيق عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة كما قال؟ قال: قلت: أنا، قال: إنك لجريء!
قال: وكيف؟ قال: قلت: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «فتنة الرجل
في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفِّرُها الصيامُ والصلاة والصدقة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر» فقال عمر: ليس هذا أريد، وإنما أريد التي تَمُوج
كَمَوج البحر. قال: فقلت: وما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا
مغلقًا. قال: أفيُكسر الباب أم يفتح؟ قال قلت: لا، بل يكسر. قال: ذلك أحرى أن لا
يُغلَق أبدًا. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم مَن الباب؟ قال: نعم كما يعلم
أن دونَ غدٍ ليلة، إني حدَّثْته حديثًا ليس بالأغاليط. قال: فهِبْنا أن نسأل حذيفة
مَن الباب، فقلنا لمسروق: سَلْه، فسأله، فقال: عمر.
* * *
_________
(1) البخاري (525، 1435، 3586، 7096)، ومسلم (144) (ج 4/ 2218).
(3/89)
كتاب المهدي
523/ 4111 - عن جابر بن سَمُرة، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثني عشَرَ خليفة»، قال: فكبَّر الناس وضجُّوا، ثم
قال كلمة خَفيَّة، قلت لأبي: يا أبةِ ما قال؟ قال: «كلهم من قريش».
وأخرجه مسلم (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: فإن قيل: فكيف الجمع بين هذا وبين حديث سعيد بن
جُمهان عن سفينة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الخلافة ثلاثون سنة،
وسائِرُهم مُلُوك» رواه أبو حاتم في «صحيحه» (2) وقال في آخره: «والخلفاء والملوك
اثنا عشر»؟ (3).
قيل: لا تعارض بين الحديثين فإن الخلافة المقدرة بثلاثين سنة هي خلافةُ النبوة
(4)، كما في حديث أبي بكرة ووزنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي بكر ورجحانِه
_________
(1) أبو داود (4280)، ومسلم (1821).
(2) برقم (6657). وأخرجه أحمد (21919)، وأبو داود (4646، 4647)، والترمذي (2226)
وقال: حديث حسن، والحاكم (3/ 71، 145)، من طرق عن سعيد بن جُمْهان، عن سفينة. سعيد
بن جُمهان مختلف فيه، وقد وثَّقه الإمام أحمد وصحح حديثه هذا. انظر: «المنتخب من
العلل للخلال» (ص 217).
(3) هذه الفقرة من (هـ)، وفي الأصل لم يذكرها المجرّد بنصّها، وإنما أشار إلى طرف
الحديث ثم قال: «قال ابن القيم: فإن قيل فكيف الجمع؟ قيل ... ».
(4) وقد جاء ذلك مصرّحًا في حديث سفينة نفسه عند أبي داود والحاكم بلفظ: «خلافة
النبوة ثلاثون سنة ... ».
(3/90)
ــ وسيأتي (1) ــ، وفيه: فقال النبي - صلى
الله عليه وسلم -: «خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء».
وأما الخلفاء الاثنا عشر فلم يقل في خلافتهم: إنها خلافة نبوة، ولكن أطلق عليهم
اسمَ الخلفاء، وهو مشترك، واختُصَّ الأئمةُ الراشدون منهم بخصيصة في الخلافة وهي
«خلافة النبوة»، وهي المقدرة بثلاثين سنة: خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر واثنين
وعشرين يومًا، وخلافة عمر بن الخطاب عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، وخلافة عثمان
اثنتي عشرة (2) سنة إلا اثني عشر يومًا، وخلافة علي خمس سنين وثلاثة أشهر إلا
أربعة عشر يومًا، وقُتِل علي سنة أربعين. فهذه خلافة النبوة ثلاثون سنة.