النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
والمحفوظ فيه رواية سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن عمر أنه قال في أم الولد:
«أعتقها ولدُها، وإن كان سقطا» (6).
_________
(1) أخرجه أحمد (2910)، ولفظه: «أيّما أمة ولدت ... ».
(2) أخرجه الدارقطني (4229)، والحاكم (2/ 19) وصححه، وتعقبّه الذهبي بأن حسينًا متروك.
(3) انظر: «تهذيب التهذيب» (2/ 341)، وذكروا أن له أشياء منكرة لا يُتابع عليها،
وذكر ابن حبان أنه يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، وهذا الحديث من ذلك، فالثقات
إنما رووا هذا عن عكرمة عن عمر موقوفًا عليه، كما سيأتي.
(4) برقم (2516).
(5) برقم (4231)، من طريق الحسين بن عيسى الحنفي، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن
ابن عباس.
(6) أخرجه عبد الرزاق (13244)، وابن أبي شيبة (21894)، وأبو القاسم البغوي في
«حديث ابن الجعد» (1748)، ومن طريقه البيهقي (10/ 346).
ورواية عكرمة عن عمر وإن كانت مرسلة، ولكن قد صحّ قضاء عمر في تحرير أمهات الأولاد
من وجوه عنه، وسيأتي بعضها.
(3/39)
وكذلك رواه ابن عيينة عن الحكم بن أبان عن
عكرمة عن عمر (1).
ورواه خُصَيف الجَزَري عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر (2)، فعاد الحديث إلى عمر. قال
البيهقي (3): وهو الأصل في ذلك.
ومنها ما رواه الدارقطني (4) من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: «لا يُبَعْنَ ولا يُوهَبن، ولا يُورَثن، يَستمتع
بها سيدُها ما دام حيًّا، فإذا مات فهي حرّة».
[ق 216] وهذا لا يصح رفعه، بل الصواب فيه ما رواه مالك في «الموطأ» (5) عن ابن عمر
عن عمر قولَه، هكذا رواه عن نافع عبيدُ الله ومالك والناس (6).
_________
(1) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (657 - التفسير)، ومن طريقه البيهقي (10/ 346).
وكذلك رواه أبو إسحاق الشيباني، عن عكرمة، عن عمر موقوفًا عليه. أخرجه سعيد بن
منصور في «سننه» (2050) ط. الأعظمي.
(2) أخرجه سعيد بن منصور (2052)، والبيهقي (10/ 346)، وخُصيف ضعيف، وقد خالف
الثقات (سعيدًا الثوري، والحكم بن أبان، وأبا إسحاق الشيباني) بذكر ابن عباس بين
عكرمة وعمر.
(3) في «معرفة السنن» (14/ 469).
(4) برقم (4247، 4250) من طريقين عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
(5) برقم (2248) عن نافع، عن ابن عمر.
(6) رواية عبيد الله بن عمر عن نافع أخرجها سعيد بن منصور (2053)، والدارقطني
(4246)، والبيهقي (10/ 348).
ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع، أخرجه سعيد (2053).
ورواه عمر بن محمد بن زيد العُمَري عن نافع، أخرجه البيهقي (10/ 342).
ورواه أيوب عن نافع، أخرجه عبد الرزاق (13229).
(3/40)
وكذلك رواه الثوري وسليمان بن بلال وغيرهما
عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر (1).
قال البيهقي (2): وغلط فيه بعض الرواة عن عبد الله بن دينار فرفعه إلى النبي - صلى
الله عليه وسلم -، وهو وهم لا تحلّ روايته.
ومنها: ما رواه البيهقي وغيره (3) عن سعيد بن المسيب: أن عمر أعتق أمهاتِ الأولاد
وقال: «أعتقهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، فإنه ضعيف. قال البيهقي (4):
يتفرد به عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن مسلم بن يسار عن ابن المسيب، قال: والإفريقي
غير محتج به (5).
_________
(1) رواية الثوري عن ابن دينار أخرجها عبد الرزاق (13228)، وابن أبي شيبة (22016)،
والبيهقي (10/ 343).
ورواية سليمان بن بلال أخرجها البيهقي (10/ 342).
ورواه أيضًا عبد العزيز بن مسلم القَسْملي وفليح بن سليمان عن عبد الله بن دينار،
أخرجهما الدارقطني (4248، 4249).
(2) «معرفة السنن» (14/ 467).
(3) البيهقي (10/ 344) والدارقطني (4254) من طريق ابن عيينة، عن ابن أنعم
الإفريقي، عن مسلم بن يسار، عن ابن المسيب به.
(4) «معرفة السنن» (14/ 468).
(5) وأيضًا فالإفريقي قد اختلف عليه فيه إسنادًا وإرسالًا، فرواية ابن عيينة عنه
كما سبقت مسندة، وخالفه الثوري ــ كما عند عبد الرزاق (13233) ــ فجعل قوله:
«أعتقهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» من قول ابن المسيب مرسلًا.
(3/41)
ومنها: ما رواه البيهقي وغيره (1) من حديث
خَوَّات بن جبير: أن رجلًا أوصى إليه، وكان فيما ترك أمُّ ولدٍ له وامرأةٌ حرة،
فوقع بين المرأة وبين أم الولد بعضُ الشيء، فأرسلت إليها الحرة: لتُباعَنّ رقبتُكِ
يا لُكَع! فرفع ذلك خوات بن جبير إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لا
تباع» وأَمَر بها فأُعتِقَت.
قال البيهقي (2): وهذا مما يتفرد بإسناده رِشدين بن سعد وابن لَهِيعة، وهما غير
محتج بهما. وأحسن شيء روي فيه ... فذكر حديث سلامة بنت معقل، وقد تقدم، وذكرنا أنه
لا دلالة فيه.
وقد ثبت عن عَبِيدة قال: قال علي: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد، فرأيت أنا
وهو أنها عتيقة، فقضى به عمر حياته، وعثمان بعده، فلما وُلِّيتُ رأيت أنها رقيق»
(3).
وعن عَبِيدة قال: قال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر على عِتق أمهات الأولاد، ثم رأيت
بعدُ أن أُرِقَّهن في كذا وكذا. قال: فقلت: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إليَّ
مِن رأيك وحدَك في الفُرقة. وفي لفظ: في الفتنة (4).
_________
(1) البيهقي (10/ 345) والدارقطني (4241 - 4243).
(2) «معرفة السنن» (14/ 469).
(3) أخرجه الشافعي في «الأم» (8/ 440)، وابن أبي شيبة (22010)، والبيهقي (10/ 343)
بإسناد صحيح.
(4) أخرجه عبد الرزاق (13224)، وسعيد بن منصور (2048)، وابن المنذر في «الأوسط»
(11/ 606)، والبيهقي في «الكبرى» (10/ 348) وفي «المعرفة» (14/ 468)، وإسناده
صحيح.
(3/42)
فهذا يدل على أن منعَ بيعهن إنما هو رأي رآه
عمر، ووافقه عليٌّ وغيره، ولو كان عند الصحابة سنة من النبي - صلى الله عليه وسلم
- بمنع بيعهن لم يعزم علي على خلافها، ولم يقل له عبيدة: «رأيك ورأي عمر في
الجماعة أحب إلينا»، وأقره علي على أن ذلك رأي.
وقال الشافعي (1): ولا يجوز لسيدها بيعُها ولا إخراجها من ملكه بشيء غير العتق،
وإنها حرة إذا مات مِن رأس المال ... ثم ساق الكلام إلى أن قال: وهو تقليد لعمر بن
الخطاب.
وقد سلك طائفة في تحريم بيعهن مسلكًا لا يصح، فادعوا الإجماع السابق قبل الاختلاف
الحادث؛ وليس في ذلك إجماع بوجه.
قال سعيد بن منصور في «سننه» (2): حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس في
أم الولد قال: «بِعها كما تبيع شاتَك أو بعيرك».
وباعهن علي، وأباح ابن الزبير بيعهن (3).
وقال صالح بن أحمد (4): قلت لأبي: إلى أي شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد؟ قال:
أكرهه، وقد باع علي بن أبي طالب. وقال في رواية إسحاق بن منصور (5): لا يعجبني
بيعهن؛ فاختلف أصحابه على طريقتين:
_________
(1) كما في «معرفة السنن» (14/ 467).
(2) برقم (2060)، وإسناده صحيح.
(3) سبق ما روي عن علي، وأما عن ابن الزبير فأخرجه عبد الرزاق (13228، 13229)،
وابن أبي شيبة (22011، 22016)، والبيهقي (10/ 343، 348).
(4) كما في «المغني» (14/ 585)، ولم أجده في «مسائله».
(5) «مسائل أحمد» برواية إسحاق بن منصور الكوسج (1/ 400 - 401).
(3/43)
إحداهما: أن عنه في المسألة روايتين، وهذه
طريقة أبي الخطاب وغيره.
والثانية: أنها رواية واحدة، وأحمد أطلق الكراهة على التحريم، وهذه طريقة الشيخ
أبي محمد (1)، وغيره.
وقول علي: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف» ليس صريحًا في الرجوع عن
قوله: «رأيت أن أُرِقَّهن»، والله أعلم.
7 - باب فيمن أعتق عبدًا له مال
500/ 3806 - عن نافع، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: «مَن أعتق عبدًا وله مالٌ فمالُ العبدِ له، إلَّا أن
يَشتَرِطَ السَّيِّدُ» (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال المنذري في «المختصر» (3): «وأخرجه البخاري
ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه».
وهذا وهم منه، فلم يخرج أحد من أصحاب «الصحيحين» حديث العتق هذا أصلًا، ولا
تَعرَّضا له، وإنما رواه النسائي في «سننه» (4) كما رواه أبو داود، من حديث عبيد
الله بن أبي جعفر عن نافع عن ابن عمر، ورواه (5)
_________
(1) في «المغني» (14/ 585).
(2) برقم (3962) من حديث عبيد الله بن أبي جعفر، عن بُكير بن الأشج، عن نافع، عن
ابن عمر.
(3) (5/ 420).
(4) «الكبرى» (4961).
(5) برقم (4962).
(3/44)
من حديث عبيد الله بن أبي جعفر أيضًا، عن
بكير، عن نافع، عن ابن عمر، ولفظه: «من أعتق عبدًا وله مال فماله له إلا أن
يَستثنيه السيد».
وهذا الحديث يُعدّ في أفراد عبيد الله هذا، وقد أنكره عليه الأئمة. قال الإمام
أحمد ــ وقد سئل عنه (1) ــ: يرويه عبيد الله بن أبي جعفر من أهل مصر، وهو ضعيف في
الحديث، كان صاحب فقه، وأما في الحديث فليس هو فيه بالقوي.
وقال أبو الوليد: هذا الحديث خطأ. وهذا كما قاله الأئمة، فإن الحديث المحفوظ عن
سالم إنما هو في البيع: «من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع»
(2)، هذا هو المحفوظ عنه.
وقد تقدم اختلاف سالم ونافع فيه، وأن سالمًا رفعه، وكان البخاري يصححه، ونافع وقفه
على عمر، وكان مسلم والنسائي وغيره يحكمون له. وأما قصة العتق: فإنها وَهْم من ابن
أبي جعفر، خالف فيها الناس. قال البيهقي في روايته: وهي خلاف رواية الجماعة.
وقد روى البيهقي والأثرم وغيرهما (3) عن ابن مسعود أنه قال لغلامه
_________
(1) سبق عزوه في «باب في العبد يُباع وله مال»، وكذا ما يأتي من الكلام على
الحديث.
(2) هذا الحديث هو الذي يصدق عليه قول المنذري: «أخرجه البخاري (2379)، ومسلم
(1543/ 80)، والترمذي (1244)، والنسائي (4636)، وابن ماجه (2211)، من حديث سالم عن
أبيه».
(3) رواه الهيثم بن كليب في «مسنده» (823)، والبيهقي (5/ 326)، كلاهما من طريق
محمد بن عبد الله الأنصاري ــ وهو في «حديثه» (67) ــ، عن عبد الأعلى بن أبي
المُساور، عن عمران بن عُمير، عن أبيه، عن ابن مسعود.
إسناده ضعيف جدًّا، فإن ابن أبي المساور متروك الحديث. وله طريق أخرى عند ابن ماجه
(2530) من رواية إسحاق بن إبراهيم بن عمير المسعودي عن جدّه به، ولكن أعله البخاري
في «التاريخ» (1/ 379) بأن إسحاق بن إبراهيم «لا يُتابَع في رفعه». ويدل عليه أن الناس
رووه عن عمران بن عمير عن أبيه عن ابن مسعود موقوفًا عليه أنه قال: «مالُك لي ولكن
سأدعه لك». أخرجه أبو يوسف في «الآثار» (773)، وعبد الرزاق (14618)، وابن أبي شيبة
(21934، 21937)، والطبراني في «الكبير» (9/ 270)، من طرق عن عمران بن عمير به.
(3/45)
عمير: ما مالك؟ فإني أريد أن أعتقك، وإني
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أعتق عبدا فماله للذي أعتقه»،
ولفظ الأثرم (1): «أيما رجل أعتق عبده أو غلامه، فلم [ق 217] يخبره بماله فماله
لسيده».
قال البيهقي (2): وهذا أصح.
وهذا قول أنس (3)، والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وأصحابهم، والثوري (4).
_________
(1) كما في «المغني» (14/ 398).
(2) في «المعرفة» (8/ 127) بعد أن ذكر الرواية الموقوفة، فالظاهر أنه قصدها بكونها
أصح.
(3) ذكره عنه أحمد في «مسائل الكوسج» (1/ 503) وابن قدامة في «المغني» (14/ 397)،
ولكن أخرج عبد الرزاق (14619) وابن أبي شيبة (21935) بإسناد صحيح عن أنس أنه سأل
عبدًا عن ماله فأخبره بمال كثير فأعتقه وقال: «مالك لك»، فإن صحّ الأول يكون هذا
تفضُّلًا منه وإحسانًا.
(4) انظر: «الأم» (9/ 387)، و «الحاوي الكبير» (5/ 268)؛ و «بدائع الصنائع» (5/
167)، و «مسائل أحمد» برواية الكوسج (1/ 503، 2/ 482) وصالح (1/ 260)، والمغني
(14/ 397).
(3/46)
وقال الحسن، والشعبي، وعطاء، والنخعي، وأهل
المدينة مع مالك (1): المال للعبد، إلا أن يشترطه السيد.
8 - باب أي الرقاب أفضل؟
501/ 3809 - عن أبي نَجِيح السُّلَمي قال: حَاصَرنا مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بِقَصْر الطائف ــ قال معاذ (وهو ابن هشام): سمعت أبي يقول: بقصر الطائف،
بحِصْن الطائف، كل ذلك ــ فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أيُّما
رجلٍ مُسلم أعتَقَ رجلًا مسلمًا، فإن الله عز وجل جاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ من
عِظامِه عظمًا من عِظام مُحَرَّرِه من النَّار، وأيُّما امرأةٍ أعتقت امرأةً
مسلمةً، فإن الله عز وجل جاعلٌ وِقاءَ كلِّ عظمٍ من عظامها عظمًا من عظام
مُحَرَّرِهَا من النار يوم القيامة».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (2)، وحديثهم مختصر في ذكر الرمي، وفي طريق
النسائي: ذِكر الشَّيب (3)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وأبو نجيح: هو عمرو بن عَبَسة السلمي.
502/ 3810 - وعن شُرَحبيل بن السِّمْط، أنه قال لعَمْرو بن عَبَسة: حدِّثنا حديثًا
سمعتَه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يقول: «مَن أعتقَ رقبةً مؤمنة كانت فِداءَه من النار».
_________
(1) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (21939 - 21941)، و «الموطأ» (2246 - 2247)، و
«المدونة» (7/ 217).
(2) أبو داود (3965)، والترمذي (1635، 1638)، والنسائي (3142، 3143، 3145)، وابن
ماجه (2812). وأخرجه أحمد (17022) مطوّلًا، وابن حبان (4309)، والحاكم (2/ 95، 3/
50).
(3) وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من شاب شيبةً في سبيل الله كانت له نورًا
يوم القيامة».
(3/47)
وأخرجه النسائي (1).
وفي إسناده بقية بن الوليد، وفيه مقال. وقد أخرجه النسائي من طرق أخرى (2)، وفيها
ما إسناده حسن.
503/ 3811 - وعن شُرحبيل بن السِّمط أنه قال لكعب بن مُرَّة ــ أو مُرَّة بن كعب
ــ: حدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فذكر معنى معاذ
ــ يعني ابن هشام ــ إلى قوله: «أيُّما امرئ أعتق مسلمًا ... وأيما امرأة أعتقت
امرأةً ... »، زاد: «وأيُّمَا رَجُل أعتَقَ امرأتين مسلمتين إلا كانتا فِكاكَه من
النار، يَجزِي مكان كل عظمَين منهما عظمٌ من عظامه».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى الترمذي (4) عن سالم بن أبي الجعد عن أبي
أمامة وغيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ يعني عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - ــ قال: «أيما امرئ مسلمٍ أعتق امرأً مسلمًا كان فكاكَه من النار،
يَجزي كلُّ عضو [منه عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا
فكاكَه من النار، يَجزي كلُّ عضوٍ] (5) منهما عضوًا منه». قال الترمذي: حسن صحيح.
* * *
_________
(1) أبو داود (3966)، والنسائي في «المجتبى» (3142) و «الكبرى» (4335).
(2) انظر: «السنن الكبرى» (4863 - 4869).
(3) أبو داود (3967)، والنسائي في «الكبرى» (4863)، وابن ماجه (2522).
(4) برقم (1547) وقال: «حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه».
(5) ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل لانتقال النظر، وفيه موضع الشاهد لترجمة
الباب. وفي ط. الفقي أصلحه بتغيير: «منهما» الآتي إلى «منه».
(3/48)
كتاب الحمّام
504/ 3857 - وعن زُرعة بن عبد الرحمن بن جَرْهَدٍ، عن أبيه ــ قال: كان جَرْهَد
هذا من أصحاب الصُّفَّة ــ أنه قال: جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا
وفَخذي منكشفةٌ فقال: «أما علمت أن الفخذ عورة؟» (1).
أخرجه أبو داود عن القَعْنبي عن الإمام مالك، وهو عند القعنبي خارجَ «الموطأ». وهو
في موطأ مَعْن بن عيسى القزاز، ويحيى بن بكير، وسليمان بُرْدٍ، وليس هو عند غيرهم
من رواة «الموطأ». هكذا ذكر ابنُ الورد (2).
وذكر غيره (3): أن عبد الله بن نافع الصائغ رواه عن مالك فقال فيه: عن زُرعة عن
أبيه عن جده، ورواه معن وإسحاق بن الطبّاع وابن وهب وابن أبي أويس عن مالك عن أبي
النضر عن زرعة بن عبد الرحمن عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (4) وذكر الاختلاف فيه.
وقال في «الصحيح» (5): وحديث أنس أسندُ، وحديث جَرْهَد أحوط. يشير
_________
(1) «سنن أبي داود» (4014).
(2) هو عبد الله بن جعفر بن الورد (ت 351)، والجوهري (ت 381) أخرج الحديث من طريقه
وطريق غيره في «مسند الموطأ» (ص 357). والكلام الذي ذكره المنذري هو للجوهري وليس
لابن الورد، ولعله في نسخة «مسند الموطأ» التي نقل منها المنذري تصحّفت «قاله» إلى
«قال» فصار كلام الجوهري الآتي عقبها مقولًا لابن الورد.
(3) هو أحمد بن خالد الجبَّاب الحافظ (ت 322)، كما في «التعريف بمن ذكر في الموطأ
من النساء والرجال» لابن الحذّاء (ص 168).
(4) (2/ 248 - 249).
(5) كتاب الصلاة، باب ما يُذكر في الفخذ.
(3/49)
إلى حديث أنس قال: حَسَر النبي - صلى الله
عليه وسلم - عن فخذه (1).
وذكر ابن الحَذَّاء (2) أن فيه اضطرابًا في إسناده. آخر كلامه.
وأخرجه الترمذي (3) من حديث سفيان بن عيينة عن أبي النضر عن زرعة عن جدّه جرهد.
وقال: «حديث حسن، ما أرى إسناده بمتصل». وذكره أيضًا من طريقين (4)، وفيهما مقال.
505/ 3858 - وعن عاصم بن ضَمْرة، عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: «لا تكشف فخِذك، ولا تنظر إلى فخذ حيٍّ ولا ميِّت».
قال أبو داود: هذا الحديث فيه نكارة.
وأخرجه ابن ماجه (5).
وعاصم بن ضمرة قد وثَّقه يحيى بن معين وابن المديني، وتكلم فيه غير واحد.
وقال البخاري في «الصحيح»: ويروى عن ابن عباس وجرهَدٍ ومحمد بن جَحْش عن النبي -
صلى الله عليه وسلم -: «الفخذ عورة». هذا آخر كلامه.
_________
(1) أخرجه البخاري (371) ومسلم (1365/ 84).
(2) في «التعريف بمن ذكر في الموطأ» (ص 169). وابن الحذّاء هو: أبو عبد الله محمد
بن يحيى بن أحمد التميمي القرطبي (ت 416)، كان بصيرًا بالفقه والحديث، له شرح على
الموطأ سماه: «كتاب الاستنباط لمعاني السنن والأحكام من أحاديث الموطأ» ثمانون
جزءًا. انظر: «ترتيب المدارك» (8/ 5)، و «السيَر» (17/ 444).
(3) برقم (2795).
(4) برقم (2797، 2798)، وسيأتي سياق إسنادهما عند المؤلف.
(5) أبو داود (4015) وابن ماجه (1460).
(3/50)
فأما حديث ابن عباس، فأخرجه الترمذي (1)،
وقال: حسن غريب. وفيه أبو يحيى القَتّات، واسمه عبد الرحمن بن دينار، وقيل: اسمه
زاذان، وقيل: عمران، وقيل غير ذلك. وقد تكلم فيه غير واحد.
وأما حديث جرهد، فهو هذا الذي تقدَّم.
وأما حديث محمد بن جحش، فأخرجه البخاري في «تاريخه الكبير» (2)، وأشار إلى اختلاف
فيه (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وأما الطريقان اللذان ذكرهما الترمذي، فأحدهما (4)
من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أبي الزناد قال: أخبرني ابن جرهد عن أبيه ...
فذكره، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
والطريق الثانية (5): من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن جرهد
الأسلمي عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الفخذ عورة» ثم قال: حسن غريب
من هذا الوجه. قال الترمذي: وفي الباب عن علي ومحمد بن عبد الله بن جحش.
وحديث علي الذي أشار إليه الترمذي هو الذي ذكره أبو داود في هذا الباب، وقد تقدم.
_________
(1) برقم (2796).
(2) (1/ 12 - 13).
(3) كلام المنذري على الحديثين من (هـ)، وفيه تصرف يسير من المؤلف.
(4) برقم (2798).
(5) برقم (2797).
(3/51)
وحديث محمد بن جحش قد رواه الإمام أحمد في
«مسنده» (1) ولفظه: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معمر وفخذاه
مكشوفتان، فقال: «يا معمر، غطِّ فخذيك، فإن الفخذين عورة».
وفي «مسند الإمام أحمد» من حديث عائشة (2) وحفصة (3)، وهذا لفظ حديث عائشة: أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان جالسًا كاشفًا عن فخذه فاستأذن أبو بكر،
فأذن له وهو على حاله. ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان
فأرخى (4) عليه ثيابَه، فلما قاموا قلت: يا رسول الله، استأذن أبو بكر وعمر فأذِنت
لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك؟ فقال: «يا عائشة ألا
أستحْيِي من رجل واللهِ إن الملائكة
_________
(1) برقم (22495)، وكذا البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 13)، والطبراني في
«الكبير» (19/ 345 - 346)، والحاكم (4/ 180) استشهادًا، من طرق عن العلاء بن عبد
الرحمن الحُرَقي، عن أبي كثير مولى محمد بن عبد الله بن جحش، عن مولاه محمد.
رجاله ثقات، إلّا أبا كثير مولى آل جحش ففيه جهالة حال، وبه أعله ابن حزم، وقولهم:
«يقال له صحبة» لا يفيد توثيقًا لأنه قيل بسبب وهم بعض الرواة في إحدى طرق هذا
الحديث، ولكن قد روى عنه جمع من الثقات ووثقه ابن حبان، فمثله يُحسَّن حديثه
لاسيما في الشواهد، وقد صحح البيهقي إسناده. انظر: «المحلى» (3/ 214)، و «الإصابة»
(12/ 567)، و «السنن الكبرى» (2/ 228).
(2) برقم (24330)، وهو حديث صحيح رواه مسلم كما سيأتي.
(3) برقم (26466، 26467)، وفي إسناده ضعف لجهالة حال التابعي الراوي عن حفصة.
(4) في الأصل: «أرخوا» خطأ.
(3/52)
لتستحيي (1) منه».
وقد رواه مسلم في «صحيحه» (2)، ولفظه عن عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - مضطجعًا كاشفًا عن فخذيه ــ أو ساقيه ــ، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على
تلك الحال ... فذكر الحديث. فهذا فيه الشك هل كان كشْفُه عن فخذيه أو ساقيه؟ وحديث
الإمام أحمد فيه الجزم بأنه كان كاشفًا عن فخذه.
وفي «صحيح البخاري» (3) من حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم
- كان كاشفًا عن ركبتيه ــ في قصة القُفّ ــ، فلما دخل عثمان غطَّاها (4).
وطريق الجمع بين هذه الأحاديث ما ذَكَره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم (5) أن
العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة: الفخذان. ولا تنافي
بين الأمر بغضِّ البصر عنهما لكونهما عورةً، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة،
والله تعالى أعلم.
1 - باب التعرِّي
506/ 3860 - وعن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا
_________
(1) في الطبعتين: «أستحي ... لتستحي» بياء واحدة، خلافًا للأصل، وهما لغتان،
وبالياءين جاء في التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا
مَا} [البقرة: 26].
(2) برقم (2401).
(3) برقم (3695)، وهو مختصر من قصة دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - بئر أريس
وجلوسه على قُفِّها ــ أي على حافتها ــ مُدْليًا رجليه في البئر، ثم دخول أبي بكر
وعمر وعثمان عليه. أخرجها البخاري (3674) ومسلم (2402) بطولها ولكن بلفظ: «وكشف عن
ساقيه».
(4) ط. الفقي: «غطاهما» خلافًا للأصل وللفظ البخاري.
(5) انظر: «المغني» (2/ 286).
(3/53)
رسول الله، عوراتُنا ما نأتي منها وما
نَذَرُ؟ قال: «احفظ عَوْرتكَ إلا مِن زوجتك أو ما ملكت يمينُك». قال: قلت: يا رسول
الله، إذا كان القومُ بعضُهم في بعضٍ؟ قال: «إن استطَعْتَ أن لا يَرَيَنَّها أحدٌ
فلا يَرَيَنَّها». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدُنا خاليًا؟ قال: «الله
أحقُّ أن يُسْتَحْيا مِن النَّاس».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (1). وقال الترمذي: حسن. هذا آخر كلامه.
وقد تقدّم الاختلاف في بهز بن حكيم. وجدُّه هو معاوية بن حَيدة القُشَيري، له
صحبة.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد حكى الحاكم (2) الاتفاق على تصحيح حديث بهز بن
حكيم عن أبيه عن جده. ونص عليه الإمام أحمد وعلي ابن المديني وغيرهما (3). والله
أعلم.
* * *
_________
(1) أبو داود (4017). والترمذي (2769)، والنسائي في «الكبرى» (8923)، وابن ماجه
(1920). وأخرجه أحمد (20034)، والحاكم (4/ 179 - 180) وقال: صحيح الإسناد.
(2) في «المدخل إلى كتاب الإكليل» (ص 105)، وانظر: «المستدرك» (1/ 46).
(3) كابن معين وأبي داود. انظر: «تهذيب التهذيب» (1/ 498 - 499). وانظر ما سبق في
كتاب الزكاة (1/ 266).
(3/54)
كتاب
اللباس
507/ 3863 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: كان رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استَجَدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه إما قميصًا أو
عمامة، ثم يقول: «اللهم لك الحمدُ، أنت كَسَوتَنِيه. أسألك مِن خَيره وخَيرِ ما صُنِع
له، وأعوذُ بك من شرِّه وشَرِّ ما صُنِع له».
قال أبو نَضْرة: فكان أصحابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا لبس أحدهم ثوبًا
جديدًا قيل له: تُبْلي ويُخْلِفُ الله تعالى (1).
قال أبو داود: عبد الوهاب الثقفي لم يذكر فيه أبا سعيد، وحمادُ بن سلمة قال: عن
الجُرَيري عن أبي العَلاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، يعني أنهما أرسلاه.
وأخرج الترمذي والنسائي (2) المسند منه فقط، وقال الترمذي: حديث حسن.
508/ 3864 - وعن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه - رضي الله عنهما - أن رسول الله
_________
(1) «سنن أبي داود» (4020 - 4022) من طرق عن الجُرَيري، عن أبي نضرة العبدي، عن
أبي سعيد الخدري.
وإسناده ضعيف، فإن الجُرَيري كان قد اختلط، والروايات الثلاث هي عمن روى عنه بعد
الاختلاط. وقد أشار أبو داود إلى ذلك عقبه وذكر أن عبد الوهاب الثقفي وحماد بن
سلمة ــ وهما ممن روى عنه قبل الاختلاط ــ روياه عن الجُرَيري مرسلًا، على خلاف
بين روايتهما في التابعيّ المُرسِل هل هو أبو نضرة العبدي أو أبو العَلاء بن عبد
الله بن الشِّخِّير. ورواية حماد أخرجها النسائي في «الكبرى» (10069) عقب حديث أبي
سعيد الخدري، وقال: حديث حماد أولى بالصواب.
(2) الترمذي (1767)، والنسائي في «الكبرى» (10068)، وأيضًا أخرجه ابن حبان (5420،
5421)، والحاكم (4/ 192).
(3/55)
- صلى الله عليه وسلم - قال: «من أكل طعامًا
ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول منِّي ولا قوة،
غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه. ومَن لَبِس ثوبًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا
ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر».
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (1)، وقال الترمذي: حسن غريب، وليس في حديثهما: «وما
تأخر».
وسهل بن معاذ مصري ضعيف. والراوي عنه: أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، مصري أيضًا،
لا يحتج به.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وروى أبو بكر بن عاصم في «فوائده» (2) من حديث عنبسة
بن عبد الرحمن، عن رجل (3)، عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا
استجدّ ثوبًا لبسه يومَ الجمعة.
_________
(1) أبو داود (4023)، والترمذي (3458)، وابن ماجه (3285).
(2) أبو بكر بن عاصم هو محمد بن إبراهيم بن عليّ بن عاصم، الشهير بابن المقرئ،
الحافظ مسنِد أصبهان (ت 381).
والحديث ليس في القدر الذي وصلنا من «فوائده» وهو الجزءان الأول والثالث عشر فقط،
ولكنه مخرّج أيضًا في «معجمه» (458)، وأخرجه أيضًا أبو الشيخ في «أخلاق النبي -
صلى الله عليه وسلم -» (257) ــ ومن طريقه البغوي في «شرح السنة» (12/ 43 - 44)
ــ، وابن عبد البر في «التمهيد» (24/ 36)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (5/ 225)، ومن
طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (2/ 193)، كلهم من طريق عنبسة بن عبد
الرحمن، وهو متروك منكر الحديث، بل متّهم بالوضع.
(3) كذا في الأصل، وفي «معجم ابن المقرئ»: «أبان»، وهو متروك أيضًا، فلعل بعض
الرواة في إسناد «الفوائد» أبهمه لضعفه أو للشك في عَينه لأنه في الأسانيد الأخرى
عند غير ابن المقرئ: «عبد الله بن أبي الأسود» بدل «أبان».
(3/56)
1 - ما جاء في
الأقبية
509/ 3872 - وعن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تَشبَّه بقوم فهو منهم» (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وأخرجه الإمام أحمد في «المسند» (2) أتم منه ولفظه:
«بعثت بالسَّيْف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت
ظل رُمحي، وجُعِل الذلَّةُ والصغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم».
2 - باب في الحُمرة
510/ 3908 - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: هَبَطنا مع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - من ثَنِيَّة، فالتفتَ إليَّ وعليَّ رَيْطَة مُضَرَّجة بالعُصفُر،
فقال: «ما هذه الرَّيطة عليك؟» فعرفتُ ما كَره، فأتيتُ أهلي وهم يَسْجُرُون
تَنُّورًا لهم فقذَفتُها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: «يا عبد الله، ما فعلَتِ
الرَّيطةُ؟» فأخبرته، فقال: «ألا
_________
(1) «سنن أبي داود» (4031) من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن حسّان بن
عطية، عن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر.
رجاله ثقات غير عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، فإنه مختلف فيه توثيقًا وتضعيفًا،
وخلاصة القول فيه ما قاله يعقوب بن شيبة: «اختلف أصحابنا فيه، فأما ابن معين فكان
يضعّفه، وأما ابن المديني فكان حسن الرأي فيه، وكان ابن ثوبان رجل صدق لا بأس به»،
وعليه فـ «إسناده صالح» كما قال الذهبي، وصححه العراقي والألباني، وله شواهد لكنها
ضعيفة أو مرسلة. انظر: «سير أعلام النبلاء» (15/ 509)، و «المغني عن حمل الأسفار»
(1/ 217)، و «المقاصد الحسنة» (1101)، و «الإرواء» (1269، 1270).
(2) برقم (5114، 5115، 5667).
(3/57)
كَسَوتَها بعضَ أهْلِك، فإنَّهُ لا بأس به
للنساء» (1).
وحكى عن هشام بن الغازِ (2) أنه قال: المضرّجة التي ليست بِمُشبَعةٍ، ولا
الموَرَّدة. هذا آخر كلامه. وقال غيره (3): ضَرَّجْتُ الثوب، إذا صبغته بالحمرة.
وهو دون المُشْبَع، وفوق المورَّد.
وأخرجه ابن ماجه (4).
511/ 3909 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: رآني رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وعليَّ ثوبٌ مصبوغ بعُصْفُر مورَّد، فقال: «ما هذا؟»
فانطلقت فأحرقته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما صنعت بثوبك؟» فقلت:
أحرقته، قال: «أفلا كسوتَه بعضَ أهلك؟» (5).
قال أبو داود: رواه ثور عن خالد، فقال: «مُوَرَّد»، وطاوس قال: «معصفر».
فيه إسماعيل بن عيَّاش. وفيه شُرَحبيل بن مسلم الخَولاني، ضعَّفه ابن
_________
(1) «سنن أبي داود» (4066) بإسناد صحيح عن عمرو بن شعيب به. وأصل الحديث في «صحيح
مسلم»، وسيأتي نصّه في تعليق المؤلف.
(2) أسنده عنه أبو داود عقب الحديث، وهو هشام بن الغاز بن ربيعة الجُرشي الشامي،
المحدّث المقرئ الثقة، قرين الأوزاعي، توفي بضع وخمسين ومائة. وهو الراوي للحديث
المذكور عن عمرو بن شعيب.
(3) هو الجوهري في «الصحاح» (1/ 326).
(4) برقم (3603).
(5) «سنن أبي داود» (4068) من طريق إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن شفعة،
عن عبد الله بن عمرو. إسناده ضعيف لجهالة حال شُفعة، ولكن ينجبر ويعتضد بالطريق
السابق.
(3/58)
معين (1).
512/ 3910 - وعنه - رضي الله عنه - قال: مرَّ على النبي - صلى الله عليه وسلم -
رجلٌ عليه ثوبان أحمران فسَلَّم، فلم يرُدَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه.
وأخرجه الترمذي (2)، وقال: حسن غريب من هذا الوجه.
وفيه أبو يحيى القتات، وقد اختلف في اسمه، وهو كوفي لا يحتج بحديثه. وهو منسوب إلى
بيع القَتِّ (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى مسلم في «صحيحه» (4) عن علي بن أبي طالب
قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لباس القَسِّيّ والمُعَصفَر، وعن
تختُّم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع.
وروى أيضًا في «صحيحه» (5) عن عبد الله بن عمرو قال: رأى عليَّ
_________
(1) إسماعيل بن عيّاش صدوق في حديثه عن الشاميين، وشرحبيل شامي، وهو وإن ضعّفه
يحيى فقد وثّقه الإمام أحمد، بل قال: ما روى ابن عياش عن شيخ أوثق من شرحبيل بن
مسلم. «سؤلات أبي داود لأحمد» (ص 262).
(2) أبو داود» (4069)، والترمذي (2807).
(3) كلام المنذري على الحديثين مثبت من (هـ)، وفيه اختصار وتصرّف من المؤلف.
(4) برقم (2078).
(5) برقم (2077/ 28).
(3/59)
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوبين
معصفرين، فقال: «أمُّك أمرتك بهذا؟» قلت: أغسِلُهما؟ قال: «بل أحرِقْهما».
وروى أيضًا في «صحيحه» (1) عن عبد الله بن عمرو أيضًا قال: رأى عليَّ رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - ثوبين معصفَرَين، فقال: «إنّ هذه مِن لباس الكفار، فلا
تَلبسْها».
وهذه الأحاديث صريحة في التحريم، لا معارِضَ لها، فالعجب ممن تركها.
وقد عارضها بعض الناس بحديث البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - في حُلَّة حمراءَ، لم أرَ شيئًا قطُّ أحسنَ منه. متفق عليه (2).
وكان بعض المنتسبين إلى العلم يخرج إلى أصحابه في الثوب المُشْبَع (3) حمرةً، ويزعم
أنه يقصد اتباع هذا الحديث!
وهذا وهم وغلط بيِّن، فإن الحلّة هي البرود التي قد صبغ غَزْلها ونُسِج الأحمرُ مع
غيره، فهي بُرْد فيه أسود وأحمر، وهي معروفة عند أهل اليمن قديمًا وحديثًا. والحلة
إزار ورداء، مجموعهما يُسمَّى حلّةً، فإذا كان البرد [ق 218] فيه أحمر وأسود قيل:
برد أحمر، وحلة حمراء. فهذا غير المُضرَّج (4) المُشبَعِ حمرةً.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي عن المعصفر خاصة. فأما المصبوغ بغيره من الأصباغ
التي تحمّر الثوب، كالمَدَر والمَغْرَة (5)، فلا بأس به. قال الترمذي في حديث
النهي عن المعصفر (6): معناه عند أهل
_________
(1) برقم (2077/ 27).
(2) البخاري (3551)، ومسلم (2337).
(3) ط. الفقي هنا وفي الموضع الآتي: «المصبغ» تحريف.
(4) (هـ): «المصبوغ»، ولعله تصحيف.
(5) المدر: قِطَع الطين اليابس، والمَغْرَة: الطين الأحمر.
(6) برقم (2807).
(3/60)
الحديث أنه كره المعصفر. قال: ورأوا أن ما
صبغ بالحمرة من مَدَر أو غيره فلا بأس به ما لم يكن معصفرًا.
3 - باب ما جاء في إسبال الإزار (1)
513/ 3925 - عن أبي جُرَيٍّ جابر بن سُليم - رضي الله عنه - قال: رأيت رجلًا
يَصْدُر الناسُ عن رأيه، لا يقول شيئًا إلا صَدَرُوا عنه، قلت: مَن هذا؟ قالوا:
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلت: عليك السلام يا رسول الله، مرتين، قال:
«لا تَقُل: عليك السلام؛ عليك السلام تَحيّةُ الميت، قل: السلام عليك».
قال: قلت: أنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: «أنا رسولُ الله الذي إذا
أصابك ضُرٌّ فدعوتَه كشفَه عنك، وإن أصابك عامُ سَنةٍ فدَعَوتَه أنْبَتَها لك، وإن
كنتَ بأرضٍ قَفْرٍ ــ أو فلاةٍ ــ فضَلَّتْ رَاحِلتُك فدعَوتَه رَدَّها عليك».
قال: قلت: اعهَدْ إليَّ، قال: «لا تَسُبّنَّ أحَدًا»، قال: فما سببتُ بعده حُرًّا
ولا عبدًا، ولا بعيرًا ولا شاة. قال: «ولا تَحقِرَنَّ شيئًا من المعروف، وأن
تُكَلِّمَ أخاك وأنت مُنْبَسِط إليه وَجهُك إنَّ ذلك من المعروف، وارْفَعْ إزارَك
إلى نصفِ الساق، فإن أَبَيتَ فإلى الكعبين، وإيَّاكَ وإسبَالَ الإزار فإنَّها من
المَخِيلة، وإن الله لا يُحِبُّ المخيلة، وإن امرُؤ شَتَمَك وعَيَّركَ بما يعلمُ
فيك فلا تُعيِّرْه بما تعلم فيه، فإنما وبالُ ذلك عليه».
وأخرجه النسائي والترمذي (2)، وقال: حسن صحيح.
_________
(1) في الأصل: «باب في لِبسة الصمّاء» خطأ، فإن هذه الترجمة تسبق هذا الباب بثلاثة
أبواب، والتصويب من (هـ) و «السنن» و «المختصر».
(2) أبو داود (4084)، والترمذي (2721، 2722)، والنسائي في «الكبرى» (9611 - 9616،
10076 - 10079). وصححه الترمذي، وابن حبان (521)، والحاكم (4/ 186).
(3/61)
وقد أشكل هذا على طائفة، وقالوا: قد صح عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في تحيّة الموتى: «السلام عليكم دار قوم
مؤمنين» فقدم السلام على المسلَّم عليه، ثم قالوا: وهذا أصح من حديث أبي جُريّ
هذا، فالأخذ به أولى.
وهذا ليس بشيء، ولا تعارض بين الحديثين، [فإن] (1) قوله - صلى الله عليه وسلم -:
«عليك السلام تحية الموتى» إخبار عن الواقع مقرونًا بالنهي عنه، وليس إخبارًا عن
المشروع، [فإنهم كانوا في] عادة الجاهلية في تحية الأموات يقدمون اسم الميت على
الدعاء، كقول قائلهم (2):
عليك سلامُ الله قيسُ بنَ عاصمٍ ... ورحمتُه ما شاء أن يترحَّما
والسنة في السلام تقديم التحية على المدعو له في الأحياء والأموات فيقال: السلام
عليكم للميت، كما يقال للحي: سلام عليكم، وكما لا يقال في سلام الأحياء: عليكم
السلام، فكذلك لا يقال في سلام الأموات.
وكأن الذي تخيّله القوم من الفرق أن المسلِّم على [المرء] لمَّا كان يتوقع الجواب
و [أن] يقال له: عليك السلام بدأوا باسم السلام على المدعو له توقعًا لقوله: وعليك
السلام. وأما الميت فلما لم يتوقعوا منه ذلك قدّموا المدعو له على الدعاء فقالوا:
عليك السلام (3).
_________
(1) ما بين الحاصرتين هنا وفي المواضع الآتية كلمات لم تتضح لانتشار الحبر بسبب
البلل الذي أصاب (هـ)، فالمثبت إكمال مقترح يستقيم به الكلام.
(2) هو عبدة بن الطَّبيب (من مخضرمي الجاهلية والاسلام) في أبيات يرثي بها الصحابي
قيس بن عاصم - رضي الله عنه -. انظر: «حماسة أبي تمّام» (1/ 387).
(3) الكلام السابق كلّه من (هـ)، ولم يذكره المجرّد وإنما قال: إن المؤلف ذكر
«كلام المنذري إلى آخره». وليس كذلك، بل إن الكلام السابق متضمّن لبعض ما ذكره
المنذري في «المختصر» (المخطوط) مع زيادة وتهذيب من المؤلف.
(3/62)
قال ابن القيم - رحمه الله - (1): وهذا
الفرق إن صح فهو دليل على التسوية بين الأحياء والأموات في السلام، فإن المُسَلِّم
على أخيه الميت يتوقع جوابه أيضًا. قال ابن عبد البر (2): ثبت عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - أنه قال: «ما من رجلٍ يمرُّ بقبرِ أخيه كان يعرفه في الدنيا فيُسلِّم
عليه إلا ردَّ الله عليه روحَه حتى يردَّ عليه السلام».
وفيه أيضًا نكتة حسنة، وهي أن الدعاء بالسلام دعاء بخير، والأحسن في دعاء الخير أن
يُقدَّم الدعاء على المدعو له، كقوله تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} [هود: 73]، وقوله: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ
وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ} [مريم: 15]، وقوله: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا
صَبَرْتُمْ} [الرعد: 24]، وأما الدعاء بالشر: فيقدَّم فيه المدعو عليه على الدعاء
غالبًا، كقوله لإبليس: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي} [ص: 78]، {وَإِنَّ عَلَيْكَ
اللَّعْنَةَ} [الحجر: 35]، وقوله: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} [التوبة: 98]،
وقوله: {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (3)} [الشورى: 16].
وسِرُّه أنه في الدعاء بالخير يُقَدَّم اسم الدعاء المحبوب المطلوب الذي
_________
(1) وقد بحث المؤلف هذه المسألة أيضًا في «بدائع الفوائد» (2/ 660 - 663).
(2) أخرج الحديث في «الاستذكار» (1/ 185)، وليس فيه تثبيته له. وقد صححه عبد الحق
الإشبيلي في «الأحكام الوسطى» (2/ 152 - 153)، وتعقبّه ابن رجب في «أهوال القبور»
(ص 141) بأنه غريب، بل منكر. انظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (4493).
(3) في الأصل و (هـ): «أليم» سهو.
(3/63)
تشتهيه النفوس فيَبْدَهُ (1) القلبَ والسمعَ
ذكرُ الاسمِ المحبوب المطلوب، ثم يتبعه بذكر المدعو له.
وأما في الدعاء عليه ففي تقديم المدعو عليه إيذان باختصاصه بذلك الدعاء، كأنه قيل
له: هذا لك وحدك، لا يَشْرَكُك فيه السامع (2)، بخلاف الدعاء بالخير، فإن المطلوب
عمومه، وكلما عمَّم به الداعي كان أفضل، فلما كان التقديم مؤذنًا بالاختصاص تُرِك،
ولهذا يُقدَّم إذا أريد الاختصاص، كقوله: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ
رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] والله أعلم.
514/ 3927 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما رجلٌ يُصلِّي مُسْبِلًا
إزاره، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اذهب فتوضأْ». فذهب فتوضأ، ثم
جاء، ثم قال: «اذهب فتوضأ». فقال له رجل: يا رسول الله، ما لَك أمرتَه أن يتوضأ،
ثم سكتَّ عنه؟ فقال: «إنه كان يصلي وهو مُسبِل إزارَه، وإنَّ الله لا يقبلُ صلاةَ
رجل مُسبِل» (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ووجه هذا الحديث ــ والله أعلم ــ أن إسبال الإزار
معصية، وكل مَن واقع معصيةً فإنه يؤمر بالوضوء والصلاة، فإن الوضوء
_________
(1) ط. المعارف: «فسرَّه» خطأ. و «يبدَه» أي يفجأ، والمراد أن أوّل ما يَطْرق
القلب والسمع هو كلمة الدعاء.
(2) غير محرر في الأصل، رسمه: «النانع»، فحرّفه ناسخ (ش) إلى: «النافع»! والمثبت
من (هـ)، وهو كذلك في ط. المعارف. وفي ط. الفقي: «الداعي ولا غيره». وفي
«البدائع»: «السامعون».
(3) «سنن أبي داود» (4086) من طريق أبي جعفر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. وأبو
جعفر هذا مدني لا يُعرف اسمه وتُجهل حاله. انظر: «ضعيف سنن أبي داود ــ الأم» (1/
218 - 221).
(3/64)
يطفئ حريق المعصية.
وأحسن ما حمل عليه حديث الأمر بالوضوء من القهقهة في الصلاة (1) هذا الوجه، فإن
القهقهة في الصلاة معصية فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - مَن فعلها بأن يحدث
وضوءًا يمحو به أثرها. ومنه حديث علي عن أبي بكر: «ما مِن مُسْلم يذنب ذنبًا ثمّ
يتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له ذنبَه» (2).
4 - باب من روى أن لا يُنتفع من الميتة بإهاب
515/ 3964 - عن عبد الله بن عُكَيم قال: قرئ علينا كتابُ رسول الله - صلى الله