النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
البول في الماء الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول. هكذا لفظ
"الصحيحين": "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم
يغتسل فيه" (2). وأنتم تجوِّزون أن يُغتسل في ماءٍ دائمٍ قدر القُلَّتين
بعدما بال فيه. وهذا خلافٌ صريح للحديث. فإن منعتم الغسل فيه، نقضتم أصلكم, وإن
جَوَّزتموه خالفتم الحديثَ. فإن جَوَّزتم البولَ والغُسل خالفتم الحديث من الوجهين
جميعًا.
ولا يقال: فهذا بعينه وارد عليكم، لأنه إذا بال في الماء اليسير ولم يتغيَّر
جوَّزتم له الغُسْل فيه؛ لأنا لم نُعلّل النهيَ بالتنجيس, وإنما عللناه بإفضائه
إلى التنجيس, كما تقدم, فلا يَرِد علينا هذا.
وأما إذا كان الماء كثيرًا، فبال في ناحيةٍ ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يَصِل إليها
البول, لم (3) يدخل في الحديث؛ لأنه لم يغتسل في الماء الذي بال فيه, وإلا لزم إذا
بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبدًا, وهو فاسد.
وأيضًا فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغسل فيه بعد البول, لما يُفْضي
إليه من إصابة البول له.
ونظير هذا: نهيه أن يبول الرجل في مستحمِّه. وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش
الماء الذي يصيب البول, فيقع في الوسواس, كما في
_________
(1) ط. الفقي: "بالرد غير الجميل" خلافًا للأصل.
(2) تقدم تخريجه.
(3) في المطبوعتين: "فلا" خلاف الأصل.
(1/68)
الحديث: "فإنّ عامّة الوَسْواس
منه" (1). حتى (2) لو كان المكان مبلّطًا لا تستقر فيه البولة, بل تذهب مع
الماء، لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء.
ونظيرُ هذا: منع البائل أن يستجمر أو يستنجي موضع بوله, لما يفضي إليه من التلوث
بالبول.
ولم يُرِد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بنهيه الإخبارَ عن نجاسة الماء الدائم
بالبول, فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة تتناول ما لم ينه عنه.
والذي يدلّ على ذلك: أنه قيل له في بئر بُضاعة: أنتوضأ منها وهي بئر يُلقى فيها
الحِيَض ولحوم الكلاب وعَذِر الناس؟ فقال: "الماء طهور لا ينجّسه شيء"
(3). فهذا نصّ صحيح صريح على أن الماء لا يَنجُس بملاقاة النجاسة, مع كونه واقفًا,
فإن بئر بُضاعة كانت واقفة, ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جارٍ أصلًا. فلا يجوز
تحريم ما أباحه وفَعَله قياسًا على ما نَهى عنه, ويُعارَضَ أحدهما بالآخر, بل
يستعمل هذا وهذا؛ هذا (4) في موضعه, وهذا في موضعه. ولا تُضرب سنةُ رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - بعضها ببعض.
فوضوؤه من بئر بضاعة ــ وحالُها ما ذكروه له ــ دليلٌ على أن الماء لا يتنجَّس
بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغيَّر. ونهيُه عن الغسل في الماء الدائم بعد
_________
(1) أخرجه أبو داود (27)، والترمذي (21)، والنسائي (36)، وابن ماجه (304)، وأحمد
(20569) وغيرهم من حديث عبد الله بن مغفّل. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا
من حديث الأشعث بن عبد الله، وصححه ابن حبان والحاكم، إلا أن قوله: "فإن عامة
الوسواس منه" موقوف لا يصح رفعه.
(2) كذا في الأصل، والسياق يقتضي: "لكن".
(3) تقدم تخريجه.
(4) عليها علامة التصحيح في الأصل، لئلا يُظن أن "هذا" مكررة.
(1/69)
البول فيه, لِمَا ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه
بالبول, كما ذكرنا عنه التعليلَ بنظيره, فاستعملنا السننَ على وجوهها.
وهذا أولى من حَمْل حديث بئر بُضاعة على أنه كان أكثر من قُلّتين؛ لأن النبي - صلى
الله عليه وسلم - لم يعلل بذلك, ولا أشار إليه, ولا دلّ كلامه عليه بوجه. وإنما
علل بطهورية الماء, وهذه عِلّة مُطَّردة في كلّ ماء، قلّ أو كثر. ولا يَرِدُ
المتغيِّر؛ لأن ظهور النجاسة فيه يدلّ على تنجّسه بها, فلا يدخل في الحديث, على
أنه محل وفاق فلا يُناقض به.
وأيضًا: فلو أراد - صلى الله عليه وسلم - النهي عن استعمال الماء الدائم اليسير
إذا وقعت فيه أيُّ نجاسةٍ كانت، لأتى بلفظٍ يدلّ عليه. ونهيه عن الغسل فيه بعد
البول لا يدلّ على مقدارٍ ولا تنجيس, فلا يُحمَّل ما لا يحتمله.
ثم إنّ كل مَن قَدَّر الماءَ المتنجِّس بقَدْرٍ خالف [ق 16] ظاهر الحديث (1)،
فأصحاب الحركة خالفوه بأن قدَّروه بما لا يتحرَّك طرفاه, وأصحاب النزح خصّوه بما
لا يمكن نزحُه, وأصحاب القلتين خصّوه بمقدار القلتين.
وأسعد الناس بالحديث مَن حَمَله على ظاهره ولم يخصّه ولم يقيّده, بل إن كان تواتر
الأبوال فيه يفضي إلى إفساده منع من جوازهما, وإلا منع من اغتساله في موضع بوله
كالبحر, ولم يمنع من بوله في مكان واغتساله في غيره.
وكلّ من استدلّ بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم لوقوع النجاسة فيه، فقد
ترك مِن ظاهر الحديث ما هو أَبْيَن دلالة مما قال به, وقال بشيءٍ لا يدلّ عليه لفظ
الحديث؛ لأنه إن عمَّم النهيَ في كلِّ ماءٍ بطل
_________
(1) يعني: حديث النهي عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال فيه.
(1/70)
استدلاله بالحديث, وإن خصَّه بقَدْرٍ خالف
ظاهره وقال ما لا دليل عليه, ولزمه أن يُجوِّز البولَ فيما عدا ذلك القَدْر، وهذا
لا يقوله أحد. فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث على التنجيس بمجرَّد الملاقاة على
كلِّ تقدير.
وأما مَن قدّره بالحركة, فيدلّ على بطلان قوله أن الحركة مختلفة اختلافًا لا
ينضبط, والبول قد يكون قليلًا وكثيرًا, ووصول النجاسة إلى الماء أمر حِسّي, وليس
تقديره بحركة الطهارة الصغرى أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركات.
فيا لله للعجب! حركة الطهارة ميزان وعيار على وصول النجاسة وسَرَيانها, مع شدة
اختلافها! ونحن نعلم بالضرورة أن حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه القطرة من
البول, ونعلم أن البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة, وما كان
هكذا لم يجز أن يُجْعَل حدًّا فاصلًا بين الحلال والحرام.
والذين قدَّروه بالنَّزْح أيضًا قولهم باطل, فإن العسكر العظيم يمكنهم نزح ما لا
يمكن الجماعة القليلة نزحُه.
وأما حديث ولوغ الكلب، فقالوا: لا يمكنكم أن تحتجوا به علينا, فإنه ما منكم إلا من
خالفه أو قَيَّده أو خصَّصه فخالف ظاهره. فإن احتجَّ به علينا من لا يوجب التسبيع
ولا التراب كان احتجاجه باطلًا، فإن الحديث إن كان حجة له في التنجيس بالملاقاة,
فهو حجة عليه في العدد والتراب. فأما أن يكون حجة له فيما وافق مذهبه, ولا يكون
حجة عليه فيما خالفه، فكلَّا.
(1/71)
ثم هم يخصّونه بالماء الذي لا تبلغ الحركة
طرفيه, وأين في الحديث ما يدل على هذا التخصيص؟!
ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر، وهو أنه إذا كان الماء رقيقًا جدًّا, وهو منبسط انبساطًا
لا تبلغه الحركة: أن يكون طاهرًا ولا يؤثر الولوغ فيه, وإذا كان عميقًا جدًّا وهو
متضايق, بحيث تبلغ الحركة طرفيه: أن يكون نجسًا, ولو كان أضعافَ أضعافِ الأول.
وهذا تناقض بيِّن لا محيدَ عنه.
قالوا: وإن احتجّ به من يقول بالقلتين فإنه يخصِّصه بما دون القلتين, ويحمل الأمر
بغسله وإراقته على هذا المقدار, ومعلومٌ أنه ليس في اللفظ ما يُشْعر بهذا بوجه ولا
يدل عليه بواحدة من الدلالات الثلاث.
وإذا كان لا بدَّ لهم من تقييد الحديث، وتخصيصه، ومخالفة ظاهره = كان أسعدُ الناس
به من حَمَله على الولوغ المعتاد في الآنية المعتادة التي يمكن إراقتها, وهو ولوغ
متتابع في آنية صغار، يتحلل مِن فم الكلب في كلِّ مرة ريق ولعاب نجس يخالط الماء,
ولا يخالف لونُه لونَه فيظهرَ فيه التغير, فتكون أعيان النجاسة قائمةً بالماء وإن
لم تُرَ, فأمر بإراقته وغسل الإناء.
فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وأَلْصَق به, وليس في حَمْله عليه ما يخالف ظاهره، بل
الظاهر أنه إنما أراد الآنية المعتادة التي تُتّخذ للاستعمال فيَلَغ فيها الكلاب.
فإن كان حمله على هذا موافَقةً للظاهر فهو المقصود. وإن كان مخالفةً للظاهر, فلا
ريب أنه أقلّ مخالفة مِن حَمْله على الأقوال المتقدمة. فيكون أولى على التقديرين.
قالوا: وأما حديث النهي عن غمس اليد في الإناء عند القيام من النوم, فالاستدلال به
أضعف من هذا كلّه, فإنه ليس في الحديث ما يدل على
(1/72)
نجاسة الماء، وجمهور الأمة على طهارته,
والقول بنجاسته من أشذّ الشاذّ, وكذا القول بصيرورته مستعملًا ضعيف أيضًا, وإن كان
إحدى الروايتين عن أحمد, واختيارَ القاضي وأتباعه, واختيار أبي بكر وأصحاب أحمد،
فإنه ليس في الحديث دليل على فساد الماء. وقد بينّا أن النهي عن البول فيه لا يدلّ
على فساده بمجرَّد البول, فكيف بغَمْس اليد فيه من (1) النوم؟
وقد اختلف في النهي عنه, فقيل: تعبُّد. ويَردّ هذا القول: أنه معلَّل في الحديث
بقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده".
وقيل: معلَّل باحتمال النجاسة, كبَثْرة في يديه, أو مباشرة اليد لمحل الاستجمار.
وهو ضعيف أيضًا، لأن النهي عام للمستنجي والمستجمرِ, والصحيحِ وصاحبِ البثرات،
فيلزمكم أن تخصوا النهي بالمستجمرِ, وصاحبِ البثور! وهذا لم يقله أحد.
وقيل ــ وهو الصحيح ــ: إنه مُعلّل بخشية مبيت الشيطان على يده, أو مبيتها عليه.
وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع [ق 17] الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم،
فإنه قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمِنْخَريه من الماء, فإن
الشيطان يبيت على خيشومه" متفق عليه (2). وقال هنا: "فإن أحدَكم لا يدري
أين باتت يده"، فعلّل بعدم الدراية بمحلّ المبيت. وهذا السبب ثابت في مبيت
الشيطان على الخيشوم، فإنّ اليد إذا باتت
_________
(1) غير محررة في الأصل وتحتمل "حين" أو ما أثبتّ، وفي المطبوعتين:
"فيه بعد القيام من ... " خلافًا للأصل.
(2) أخرجه البخاري (3295) بنحوه وذكره بلفظه معلقًا في أحد تبويباته (3/ 31)،
ومسلم (237) بلفظه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(1/73)
ملابِسةً للشيطان لم يَدْر صاحبها أين باتت.
وفي مبيت الشيطان على الخيشوم وملابسته لليد سرٌّ يعرفه من عرف أحكام الأرواح,
واقتران الشياطين بالمحالِّ التي تُلابسها, فإنّ الشيطان خبيث يناسبه الخبائث,
فإذا نام العبد لم يُرَ في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه, فيستوطنه في المبيت.
وأما ملابسته ليده، فلأنها أعمّ الجوارح كسبًا وتصرّفًا ومباشرةً لِمَا يأمر به
الشيطان من المعصية, فصاحبها كثير التصرّف والعمل بها, ولهذا سميت: جارحة؛ لأنه
يجرح بها, أي يكسب. وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء, وهي كما ترى وضوحًا
وبيانًا. وحسبك شهادة النصّ لها بالاعتبار. والمقصود أنه لا دليل لكم في الحديث
بوجه ما, والله أعلم.
وقد تبين بهذا جواب المقام الثاني والثالث. فلنرجع إلى الجواب عن تمام الوجوه
الخمسة عشر (1) , فنقول:
* وأما تقديمكم للمفهوم من حديث القلتين على القياس الجلي, فمما يخالفكم فيه كثير
من الفقهاء والأصوليين, ويقولون: القياس الجلي مقدَّم عليه, وإذا كانوا يقدمون
القياس على العموم الذي هو حجة بالاتفاق, فَلَأن يقدّم على المفهوم المختَلَف في
الاحتجاج به أولى.
ثم لو سلّمنا تقديم المفهوم على القياس في صورةٍ ما, فتقديم القياس هاهنا متعيّن
لقُوَّته, ولتأيُّده بالعمومات, ولسلامته من التناقض اللازم لمن قَدَّم المفهوم,
كما سنذكره, ولموافقته لأدلة الشرع الدالّة على عدم التحديد بالقُلّتين. فالمصير
إليه أولى لو كان وحده, فكيف بما معه من الأدلة؟
_________
(1) انظر هذه المقامات (ص 49 - 50)، والجواب عنها من (ص 50 فما بعدها).
(1/74)
وهل يُعارِض مفهومٌ واحد لهذه الأدلة من
الكتاب والسنة والقياس الجلي واستصحاب الحال وعمل أكثر الأمة، مع اضطراب أصل
منطوقه وعدم براءته من العلة والشذوذ؟
قالوا: وأما دعواكم أن المفهوم عامّ في جميع الصور المسكوت عنها, فدعوى لا دليل
عليها، فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين: التخصيص, والتعليل, كما تقدم.
ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة, لأنها دعوى
مجرَّدة, ولا لفظ معنا يدلّ عليها. وإذا عُلِم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق
انتفاؤه عن كُلّ فردٍ فردٍ من أفراد المسكوت, لجواز أن يكون فيه تفصيل، فينتفي عن
بعضها ويثبت لبعضها, ويجوز أن يكون ثابتًا لجميعها بشرطٍ ليس في المنطوق, فتكون
فائدة التخصيص به الدلالةَ على ثبوت الحكم له مطلقًا, وثبوتِه للمفهوم بشرط، فيكون
المنفيّ عنه الثبوتَ المطلق, لا مطلقَ الثبوتِ. فمن أين جاء العموم للمفهوم, وهو
من عوارض الألفاظ؟
وعلى هذا عامة المفهومات؛ فقوله تعالى: {لَا (1) تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى
تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230] لا يدلّ المفهوم على أن بمجرَّد نكاحها
الزوج الثاني تحلّ له. وكذا قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}
[النور:33] لا يدل على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقًا. وكذا قوله:
{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} [النور: 33]. ونظائره أكثر من أن تُحصى.
وكذلك إن سلكت طريقة التعليل، لم يلزم العموم أيضًا, فإنه يلزم من
_________
(1) كذا في الأصل، والتّلاوة: "فلا ... ".
(1/75)
انتفاء العلة انتفاء معلولها, ولا يلزم
انتفاء الحكم مطلقًا, لجواز ثبوته بوصفٍ آخر.
وإذا ثبت هذا، فمنطوق حديث القُلّتين لا ننازعكم (1) فيه, ومفهومه لا عموم له.
فبطل الاحتجاج به منطوقًا ومفهومًا.
وأما قولكم: إنَّ العدد خرج مخرج التحديد والتقييد ــ كنُصُب الزكوات ــ فهذا باطل
من وجوه:
أحدُها: أنه لو كان هذا مقدارًا فاصلًا بين الحلال والحرام, والطاهر والنجس, لوجبَ
على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بيانُه بيانًا عامًّا متتابعًا تعرفه الأمة,
كما بيَّن نُصُب الزكوات, وعدد الجَلْد في الحدود, ومقدار ما يستحقّه الوارث, فإن
هذا أمر يعمّ الابتلاء به كلَّ الأمة. فكيف لا يبينه حتى يتفق سؤالُ سائلٍ له عن
قضية جُزئية فيجيبه بهذا, ويكون ذلك حدًّا عامًّا للأمة كلها لا يسع أحدًا جهله,
ولا تتناقله الأمة, ولا يكون شائعًا بينهم, بل يُحالون فيه على مفهوم ضعيف, شأنه
ما ذكرناه, قد خالفَتْه العموماتُ والأدلةُ الكثيرة, ولا يعرفه أهل بلدته, ولا أحد
منهم يذهب إليه؟
الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا
بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] وقال:
{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] فلو كان الماء
الذي لم يتغيّر بالنجاسة [ق 18] منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام, لم يكن في هذا
الحديث بيان للأمة ما يتقون, ولا كان قد فَصَّل لهم ما حَرَّم عليهم. فإن المنطوقَ
من حديث القُلّتين
_________
(1) الأصل: "لا يثار علم" تحريف.
(1/76)
لا دليل فيه, والمسكوتَ عنه كثيرٌ من أهل
العلم يقولون: لا يدلّ على شيء, فلم يحصل لهم بيان ولا فَصْلُ الحلال من الحرام.
والآخرون يقولون: لا بدّ من مخالفة المسكوت للمنطوق, ومعلومٌ أن مطلق المخالفة لا
يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكلِّ فردٍ فردٍ من المسكوت عنه, فكيف يكون هذا
حدًّا فاصلًا؟ فتبيّن أنه ليس في المنطوق ولا في المسكوت فصلٌ ولا حدّ.
الثالث: أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيصَ
بالمنطوق, فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن المفهوم معتبرًا, كقوله: {وَلَا
تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31]، فذكر هذا القيد
لحاجةِ المخاطَبين إليه, إذ هو الحامل لهم على قتلهم, لا لاختصاص الحكم به.
ونظيره: {لَا (1) تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]
ونظائره كثيرة.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذِكْر القلّتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك, ولا
يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال. نعم لو أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال هذا
اللفظ ابتداءً من غير سؤال اندفع (2) هذا الاحتمال.
الرابع: أن حاجة الأمة ــ حَضَرِها وبَدْوها, على اختلاف أصنافها ــ إلى معرفة
الفَرْق بين الطاهر والنجس ضرورية, فكيف يُحالون في ذلك على ما
_________
(1) الأصل: "ولا".
(2) ط. الفقي: "لاندفع" خلاف الأصل.
(1/77)
لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟ فإن الناس لا
يكيلون (1) الماء, ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين ولا طولها, ولا عرضها, ولا
عمقها! فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب
علم الغيب, وتكليف ما لا يُطاق!
فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قُلّتان.
قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية, فإنها مضبوطة لا يُزاد عليها ولا يُنْقَص منها,
كعدد الجَلَدات, ونُصُب الزكوات, وعدد الركعات, وسائر الحدود الشرعية.
الخامس: أن خواصّ العلماء إلى اليوم لم يستقرّ لهم قَدَم على قولٍ واحد في
القُلّتين؛ فمِنْ قائل: ألف رطل بالعراقي, ومِن قائل: ستمائة رطل, ومن قائل:
خمسمائة, ومن قائل: أربعمائة.
وأعجب مِن هذا جَعْل هذا المقدار تحديدًا! فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قَدْر
القُلّتين, واضطربت أقوالُهم في ذلك, فما الظنّ بسائر الأمة؟ ومعلوم أنّ الحدود
الشرعية لا يكون هذا شأنها.
السادس: أن المُحدّدين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدًّا:
منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب يَنجُس! وإذا بال فيه لم ينجّسه!
ومنها: أن الشَّعْرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قُلّتين إلا رطلًا مثلًا =
أن يَنجُس الماء, ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجّسه! ومعلوم أن
_________
(1) في الطبعتين: "يكتالون" خلافًا للأصل.
(1/78)
تأثّر الماء بهذه النجاسة أضعافُ تأثره
بالشعرة, فمحال أن يجيء شرعٌ بتنجُّس الأول وطهارة الثاني.
وكذلك ميتة كاملة تقع في قُلّتين لا تنجّسها, وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل
أو رطلًا فتنجِّسها! إلى غير ذلك من اللوازم التي يدلّ بطلانُها على بطلان ملزوماتها.
* وأما جعلكم الشيء نصفًا ففي غاية الضعف, فإنه شكٌّ من ابن جُريج. فيا سبحان
الله! يكون شكّه حدًّا لازمًا للأمة, فاصلًا بين الحلال والحرام؟ والنبي - صلى
الله عليه وسلم - قد بيَّن لأمته الدِّين, وتركهم على (1) البيضاء ليلها كنهارها،
فيمتنع أن يقدِّر لأمته حدًّا لا سبيل لهم إلى معرفته إلا شكٌّ حادثٌ بعد عصر
الصحابة يُجعل نصفًا احتياطًا (2)! وهذا بَيِّن لمن أنصف.
والشكُّ الجزئي (3) الواقع من الأمة في طهورهم وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع
عنهم باليقين, فكيف يجعل شكّهم حدًّا فاصلًا فارقًا بين الحلال والحرام؟
ثم جَعْلكم هذا احتياطًا باطل، لأن الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك المكلَّف
منها عملًا لآخر احتياطًا. وأما (4) الأحكام الشرعية والإخبار
_________
(1) ط. الفقي زيادة "المحجّة"!
(2) في الطبعتين: "احتياطيًّا" خلافًا للأصل.
(3) رسمه في الأصل: "الجرى" وفي الطبعتين: "الجاري"، ولعل
الأقرب للرسم والسياق ما أثبت.
(4) في الأصل والطبعتين: "وإنما" والظاهر أنه تصحيف، بدليل وجود الفاء
في جوابه: "فطريق ... ".
(1/79)
عن الله ورسوله، فطريق الاحتياط فيها أن لا
يُخْبَر عنه إلا بما أخبر به, ولا يثبت إلا ما أثبته.
ثمّ إن الاحتياط في ترك هذا الاحتياط, فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قُلّة قد وقعت
فيها شعرةُ مَيْتةٍ, فتَرْكُه الوضوءَ منه منافٍ للاحتياط (1).
فهلّا أخذتم بهذا الأصل هنا, وقلتم: ما ثبت تنجيسُه بالدليل الشرعي نجّسناه, وما
شكَكْنا فيه ردَدْناه إلى أصل الطهارة. لأن هذا لمّا كان طاهرًا قطعًا وقد شككنا
هل حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتنجيسه أم لا، والأصل الطهارة.
وأيضًا: فأنتم لا تبيحون لمن شكّ في نجاسة الماء أن يعدل إلى التيمم, بل توجبون
عليه الوضوء، فكيف تحرّمون عليه الوضوء هنا بالشك؟
وأيضًا: فإنكم إذا نجّستموه بالشكّ نجّستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية,
وحرَّمتم شربَه والطبخَ به, وأَرَقْتم [ق 19] الأطعمةَ المتَّخَذةَ منه. وفي هذا
تحريم لأنواع عظيمة من الحلال بمجرّد الشكّ, وهذا مناف لأصول الشريعة. والله أعلم.
6 - باب النهي عن ذلك (2)
8/ 74 - عن حُميد الحميري قال: لقيتُ رجلًا صَحِب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
أربعَ سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أن تغتسل المرأةُ بفضل الرجل، أو يغتسل الرجلُ بفضل المرأة. ــ زاد مُسدّد ــ:
وليغترفا جميعًا".
وأخرجه النسائي (3).
_________
(1) بعده في الأصل بياض قدر سطر.
(2) قبله في "المختصر" (1/ 79): باب الوضوء بفضل المرأة.
(3) أخرجه أبو داود (81)، والنسائي (238).
(1/80)
9/ 80 - وعن أبي حاجب، عن الحَكَم بن عَمرو
ــ وهو الأقرع ــ: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتوضأ الرجلُ
بفضل طهور المرأة".
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (1). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال البخاريّ: سَوادة
بن عاصم ــ أبو حاجب العنزي ــ يُعدّ في البصريين، كَنّاه أحمد وغيره، يقال:
الغفاريّ، ولا أراه يصح عن الحكم بن عمرو.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال الترمذي في كتاب "العلل" (2):
"سألتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث ــ يعني حديث أبي
حاجب، عن الحكم بن عَمرو؟ فقال: ليس بصحيح, قال: وحديث عبد الله بن سَرْجِس في هذا
الباب, الصحيح هو موقوف, ومَن رَفَعه فهو خطأ". تم كلامُه.
وقال أبو عبيد (3): نا عليّ بن معبد، عن عبيد الله بن عَمرو، عن مَعْمر، عن عاصم
بن سليمان، عن عبد الله بن سَرْجِس أنه قال: أترون هذا الشيخ ــ يعني نفسَه ــ
فإنه قد رأى نبيَّكم - صلى الله عليه وسلم - وأكل معه, قال عاصم: فسمعته يقول:
"لا بأس بأن يغتسل الرجلُ والمرأةُ من الجنابة من الإناء الواحد، فإن خَلَت
به فلا تقرَبْه".
فهذا هو الذي رجَّحه البخاريُّ, ولعل بعضَ الرواة ظنَّ أن قوله:
_________
(1) أخرجه أبو داود (82)، والترمذي (64)، وابن ماجه (373).
(2) (1/ 134).
(3) في كتاب "الطهور" (194). وفي ط. الفقي زيادة: "في كتاب الطهور".
وليست في الأصل ولا (ش).
(1/81)
"فسمعته يقول" من كلام عبد الله
بن سرجس, فوهم فيه, وإنما هو مِن قول عاصم بن سليمان يحكيه عن عبد الله.
وقد اختلفَ الصحابةُ في ذلك؛ فقال أبو عبيد (1): ثنا حَجَّاج، عن المسعودي، عن
مهاجر أبي الحسن، قال: حدثني كُلثوم بن عامر بن الحارث (2) قال: "توضأَتْ
جُويريةُ بنت الحارث ــ وهي عمَّته ــ قال: فأردتُ أن أتوضأ بفضل وضوئها, فجذَبَت
الإناءَ ونَهَتْني وأمرتني أن أُهريقه, قال: فأهرقته".
وقال: ثنا الهيثم بن جميل، عن شَريك، عن مهاجر الصائغ، عن ابنٍ لعبد الرحمن بن
عوف: "أنه دخل على أمِّ سلمة, ففعلت به مثل ذلك".
فهؤلاء ثلاثة: عبد الله بن سرجس, وجويرية, وأم سلمة. وخالفهم في ذلك ابن عباس,
وابن عمر.
قال أبو عبيد (3): ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن أبي يزيد المديني، عن ابن
عباس: أنه سئل عن سُؤْر المرأة فقال: "هي ألطف بنانًا, وأطيب ريحًا".
حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يرى
بأسًا بسؤر المرأة, إلا أن تكون حائضًا أو جُنُبًا".
_________
(1) في كتاب "الطهور" (191، 192).
(2) الأصل: "الحرب". ولعلها كانت "الحرث" بدون ألف كما في
الرسم القديم فتصحفت، والتصويب من كتاب "الطهور" ومصادر ترجمته. ينظر
"التاريخ الكبير": (7/ 226)، و"الثقات": (5/ 336) لابن حبان.
(3) في "الطهور" (196، 197).
(1/82)
واختلف الفقهاء أيضًا في ذلك على قولين:
أحدهما: المنع من الوضوء بالماء الذي تخلو به. قال أحمد: وقد كرهه غير واحد من
الصحابة. وهذا هو المشهور من الروايتين عن أحمد (1) , وهو قول الحسن.
والقول الثاني: يجوز الوضوء به. وهو قول أكثر أهل العلم (2). واحتجُّوا بما رواه
مسلم في "صحيحه" (3) عن ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - كان يغتسل بفضل ميمونة". وفي "السنن الأربعة" (4)
, عن ابن عباس أيضًا: أن امرأة من نساء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - استحمَّت من
جنابة, فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ مِن فَضْلها. فقالت: إني اغتسلتُ
منه. فقال: "إن الماء لا ينجّسه شيء"، وفي رواية: "لا
يَجْنُب".
7 - باب الإسراف في الماء
10/ 88 - عن أبي نَعَامة ــ واسمه قيس بن عَبايَة ــ أن عبد الله بن مُغفّل سمع
_________
(1) ينظر "المستوعب": (1/ 48)، و"الإنصاف": (1/ 85 - 86).
(2) ينظر "المغني": (1/ 282 - 283)، و"المجموع": (2/ 190 -
191).
(3) (323).
(4) كذا في الأصل: "الأربعة"، وله وجه. والحديث أخرجه أبو داود (68)،
والترمذي (65)، والنسائي (325)، وابن ماجه (370 - 372)، وأحمد (2102)، وابن خزيمة
(91، 109)، وابن حبان (1241)، والحاكم (1/ 159). من طرقٍ عن سماك بن حرب عن عكرمة
عن ابن عباس به. قال أحمد: أتّقيه لحال سماك، ليس أحدٌ يرويه غيره. وقال: هذا فيه
اختلاف شديد، بعضهم يرفعه وبعضهم لا يرفعه. نقله ابن عبد الهادي في
"التنقيح": (1/ 46).
وقال علي ابن المديني وغيره: رواية سماك عن عكرمة مضطربة.
(1/83)
ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصْرَ الأبيضَ
عن يمينِ الجنة إذا دخلتُها. فقال: أيْ بُنيّ، سَلِ الله الجنة، وتعوَّذ به من
النار. فإني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنه سيكون في هذه
الأمة قومٌ يعتدون في الطهور والدعاء".
وأخرجه ابن ماجه (1) مقتصرًا منه على الدعاء.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي الباب حديث أُبيّ بن كعب عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - قال: "إنّ للوضوء شيطانًا يقال له: الوَلْهان, فاتقوا وسواس
الماء" رواه الترمذي (2) وقال: "غريب, ليس إسناده بالقويّ عند أهل
الحديث, لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة ــ يعني ابن مصعب ــ قال: وقد رُوِي هذا
الحديث من غير وجه عن الحسن قولَه، ولا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - شيء, وخارجةُ ضعيف (3) , ليس بالقوي عند أصحابنا, وضَعَّفه ابنُ المبارك.
قال: وفي الباب عن عبد الله بن عَمْرو, وعبد الله بن مُغفَّل". آخر كلامه.
والذي صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تسميته: شيطان الصلاة الذي يوسوس
للمصلي فيها "خَنْزَب"، رواه مسلم في "صحيحه" (4) من حديث
عثمان (5) بن أبي العاص الثقفي.
_________
(1) أخرجه أبو داود (96)، وابن ماجه (3864)، وأحمد (16801)، وابن حبان (6764). وقد
حسَّنه ابن كثير وابن حجر. ينظر حاشية "المسند".
(2) (57). وأخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات "المسند" (21238)، وابن
خزيمة (122)، والحاكم (1/ 162) وهو حديث ضعيف.
(3) قوله: "ضعيف" ليس في المطبوع من كتاب الترمذي.
(4) (2203).
(5) في الأصل: "عمارة" تصحيف، والمثبت من "صحيح مسلم".
(1/84)
8 - باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم –
11/ 101 - وعن زِرّ بن حُبَيش: أنه سمع عليًّا ــ وسُئل عن وضوء رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - ــ فذكر الحديث، وقال: "مسح رأسه حتى لمَّا يَقْطُر، وغسل
رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-".
قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث زِرٍّ، عن عليّ هذا فيه المنهال بن عَمرو, كان
ابن حزم يقول: "لا يُقبل في باقة بَقْل" (1)، ومِن روايته ردَّ (2)
حديثَ البراء الطويل في عذاب القبر. والمنهال قد وثقه يحيى بن معين وغيره (3).
والذي غَرَّ ابنَ حزم شيئان:
أحدهما: قول عبد الله بن أحمد، عن أبيه: تركه شعبة على عمد (4).
والثاني: أنه سمع من داره صوت طنبور. وقد صرَّح شعبةُ بهذه العلة, فقال العقيلي
(5): عن وُهيب قال: سمعت شعبة يقول: أتيتُ المنهالَ بن عَمرو, فسمعت عنده صوتَ
طنبور, فرجعتُ ولم أسأله. قيل: فهلَّا سألتَه فعسى كان لا يعلم به؟
_________
(1) نقل العبارة عن ابن حزم ابنُ القطان في "بيان الوهم" (3/ 362)، فلعل
المؤلف صادر عنه. وقد تكلم عنه ابنُ حزم في عدد من كتبه، بقوله: "متكلم
فيه" "ليس بالقوي" "ضعيف". ينظر "الجرح والتعديل
عند ابن حزم" (1063).
(2) أي ابنُ حزم في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنِحل": (4/ 57).
وسيأتي جواب المؤلف عنه.
(3) ترجمته في "تهذيب التهذيب": (10/ 319 - 320).
(4) "العلل" (942).
(5) في "الضعفاء": (4/ 237).
(1/85)
وليس في شيء مِن هذا ما يقدح فيه. وقال ابن
القطان (1): ولا أعلم لهذا الحديث علة.
12/ 104 - وعن ابن عباس قال: "دخل [علَيَّ] عليُّ بن أبي طالب ــ وقد أهْراقَ
الماء ــ فدعا بوَضوء، فأتيناه بتَوْر فيه ماء، حتى وضعناه بين يديه، فقال: يا ابن
عباس، ألا أريك كيف كان يتوضأ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قلت: بلى، قال:
فأصغَى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل
كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا، فأخذ بهما حَفْنَة من
ماء، فضرب بها على وجهه، ثم ألقَمَ إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم
الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته، فتركها
تَسْتَنُّ على وجهه، ثم غسل ذارعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح رأسه
وظهورَ أذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا، فأخذ حَفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها
النعل، ففَتَلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي
النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال:
وفي النعلين".
في هذا الحديث مقال (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا من الأحاديث المشكلة جدًّا, وقد اختلف مسالكُ
الناس في دفع إشكاله:
فطائفة ضعَّفَتْه, منهم البخاري والشافعي, قال (3): والذي خالفه أكثر
_________
(1) في "بيان الوهم والإيهام": (3/ 363).
(2) أخرجه أبو داود (117).
(3) في "اختلاف الحديث": (10/ 162 - مع الأم).
(1/86)
وأثبت منه، وأما الحديث الآخر ــ يعني هذا
ــ فليس مما يُثْبِتُ أهلُ العلم بالحديث لو انفرد.
وفي هذا المسلك نظر؛ فإن البخاريّ روى في "صحيحه" (1) حديثَ ابن عباس
كما سيأتي, وقال في آخره: "ثم أخذ غَرْفةً من ماء فرشَّ بها على رجله اليمنى
حتى غسلها, ثم أخذ غَرْفة أخرى, فغسل بها ــ يعني رجله اليسرى ــ ثم قال: هكذا
رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ".
المسلك الثاني: أنَّ هذا كان في أوّل الإسلام, ثم نُسِخ بأحاديث الغسل. وكان ابن
عباس أوّلًا يذهب إليه, بدليل ما روى الدارقطني (2): ثنا إبراهيم بن حمّاد، ثنا
العباس بن يزيد، نا سفيان بن عيينة، ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل: أن عليّ بن
الحسين أرسله إلى الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ يسألها عن وضوء النبيّ - صلى الله عليه
وسلم -، فذكر الحديث وقالت: "ثم غسل رجليه"، قالت: وقد أتاني ابن عمٍّ
لك ــ تعني ابنَ عباس ــ فأخبرتُه، فقال: "ما أجد في الكتاب إلا غَسْلتين
ومَسْحتَين (3) ". ثم رجع ابن عباس عن هذا لمَّا بلغه غسل النبي - صلى الله عليه
وسلم - رجليه, وأوجبَ الغُسلَ.
فلعلّ حديث عليّ وحديث ابن عباس كان في أول الأمر ثم نُسِخ. والذي يدلّ عليه أن
فيه: "أنه مسح عليهما بدون حائل"، كما روى هشام بن
_________
(1) (140).
(2) في "السنن" (320)، وأخرجه من طريقه البيهقي: (1/ 72)، ورواه أبو
عبيد في "الطهور" (389) قال: وبلغني عن سفيان بن عيينة، وساقه بإسناده.
(3) في الأصل والمطبوعات: "غسلين ومسحين" والتصحيح من "سنن
الدارقطني" ومصادر التخريج.
(1/87)
سعد، نا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال:
قال لنا ابن عباس: "أتحبّون أن أحدّثكم كيف كان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يتوضأ؟ " فذكر الحديث, قال: "ثم اغترف غَرفة أخرى فرشَّ على رجله
وفيها النعل, واليسرى مثل ذلك, ومسح بأسفل الكعبين" (1). وقال عبد العزيز
الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: "توضأ رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -" فذكره، قال: "ثم أخذ حفنة من ماء فرشَّ على قدميه
وهو منتعل" (2).
المسلك الثالث: أن الرواية عن علي وابن عباس مختلفة, فرُوِيَ عنهما هذا, ورُوي
عنهما الغسل, كما رواه البخاري في "الصحيح" (3) عن عطاء بن يسار، عن ابن
عباس. فذكر الحديث وقال في آخره: "أخذ غَرفةً من ماء, فرشَّ بها على رجله اليمنى
حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله، يعني اليسرى" فهذا صريح في
الغسل.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (4): ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عجلان، عن زيد
بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عباس به, وقال: "ثم غرف غرفة, ثم غسل (5) رجله
اليمنى, ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى".
وقال ورقاء، عن زيد، عن عطاء عنه: "ألا أريكم وضوءَ رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -؟ "
_________
(1) أخرجه أبو داود (137)، والحاكم: (1/ 147)، والبيهقي: (1/ 72).
(2) أخرجه أبو عبيد في "الطهور" (105)، ومن طريقه البيهقي: (1/ 72).
(3) (140).
(4) (64).
(5) في "المصنف": "فغسل".
(1/88)
فذكره, وقال فيه: "وغسل رجليه مرةً
مرةً" (1).
وقال محمد بن جعفر، عن زيد: "وأخذ حفنةً فغسل بها رجله اليمنى, وأخذ حفنة
فغسل رجله اليسرى" (2).
قالوا: والذي روى أنه رشَّ عليهما في النعل هو: هشام بن سعد, وليس بالحافظ (3) ,
فرواية الجماعة أولى من روايته. على أنَّ سفيان الثوري وهشامًا أيضًا رويا ما
يوافق الجماعة, فرويا عن زيد، عن عطاء بن يسار قال: "قال لي ابن عباس: ألا
أريكَ وضوءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فتوضأ مرةً مرةً, ثم غسل رجليه,
وعليه نعله" (4).
وأما حديث علي، فقال البيهقي (5): رُوِّينا من أوجه كثيرة عن عليّ: "أنه غسل
رجليه في الوضوء". ثم ساق منها حديثَ عبد خيرٍ عنه: "أنه دعا
بوضوء" فذكر الحديث، وفيه: "ثم صبّ بيده اليمنى ثلاث مرَّات على قدمه
اليمنى, ثم غسلها بيده اليسرى, ثم قال: هذا طُهُور نبيِّ الله - صلى الله عليه
وسلم -" (6).
ومنها: حديث زِرٍّ عنه: أنه سُئل عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فذكر
_________
(1) أخرجه البزار (5283)، والطبراني في "الكبير": (11/ 170)، والبيهقي:
(1/ 67) وقال: "هذا إسناد صحيح".
(2) أخرجه البيهقي: (1/ 73).
(3) ترجمته في "تهذيب التهذيب": (11/ 39 - 41)، و"الميزان":
(4/ 298).
(4) أخرجه البيهقي: (1/ 73). وقال عقِبه: "فهذا يدل على أنه غسل رجليه في
النعلين".
(5) (1/ 74).
(6) أخرجه البيهقي: (1/ 74).
(1/89)
الحديث, وفيه: "وغسل رجليه ثلاثًا
ثلاثًا" (1).
ومنها: حديث أبي حَيّة عنه: "رأيت عليًّا توضأ ... " الحديث, وفيه:
"وغسل قدميه إلى الكعبين", ثم قال: "أحببتُ أن أريكم كيف كان
طُهُور رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (2).
قالوا: وإذا اختلفت الروايات عن عليّ وابن عباس, وكان مع أحدها (3) رواية الجماعة,
فهي أولى.
المسلك الرابع: أن أحاديث الرشِّ والمسح إنما هي وضوءُ تجديدٍ للطاهر, لا طهارة
رَفْع حدثٍ, بدليل ما رواه شعبة، نا عبد الملك بن مَيْسرة قال: سمعت النزَّال بن
سَبْرة يُحَدِّث عن عليّ: "أنه صلى الظهر, ثم قَعَد في حوائج الناس في
رَحْبَة الكوفة, حتى حضرت صلاة العصر, ثم أُتي بكوزٍ من ماء, فأخذ منه حفنةً (4)
واحدة, فمسح بها وجهَه ويديه ورأسَه ورجليه, ثم قام فشرب فَضْلَه وهو قائم, ثم
قال: وإنَّ أُناسًا يكرهون الشُّرْب قائمًا, وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
صنع كما صنعت. وقال: هذا وضوء من لم يُحْدِث". رواه البخاري (5) بمعناه.
_________
(1) المصدر السابق: (1/ 74).
(2) المصدر السابق: (1/ 74).
(3) كذا في الأصل، وفي المطبوعتين: "أحدهما".
(4) في الأصل: "بحفنة" والتصويب من مصدر التخريج.
(5) (5616)، وهو بلفظه عند البيهقي: (1/ 75)، وأخرجه أحمد (583)، وابن حبان (1057)
وغيرهم.
(1/90)
قال البيهقي (1): في [ق 21] هذا الحديث
الثابت دلالةٌ على أنَّ الحديث الذي رُوِي عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في
المسح على الرِّجلين ــ إن صحَّ ــ فإنما عَنَى به: وهو طاهرٌ غيرُ مُحْدِث، إلا
أن بعض الرواة كأنه اختصر الحديث, فلم ينقل قولَه: "هذا وضوء مَن لم يُحْدِث".
وقال أحمد (2): حدثنا ابن الأشجعي، عن أبيه، عن سفيان، عن السُّدِّي، عن عبدِ
خَيْر، عن عليّ: "أنه دعا بكُوزٍ من ماء, ثم قال (3): ثمّ توضأ وضوءًا خفيفًا
ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم
يُحْدِث".
وفي رواية (4): "للطاهر ما لم يُحْدِث".
قال (5): وفي هذا دلالة على أن ما رُوي عن عليّ في المسح على النعلين إنما هو في
وضوءٍ مُتَطوَّع به, لا في وضوء واجبٍ عليه من حَدَثٍ يوجب الوضوء, أو أراد غَسْل
الرجلين في النعلين, أو أراد المسح (6) على
_________
(1) "السنن الكبرى": (1/ 75).
(2) في "المسند" (970)، ومن طريقه البيهقي في "السنن": (1/
75) وعنه ينقل المؤلف، وأخرجه ابن خزيمة (200).
(3) كذا في الأصل! في "المسند" والبيهقي: "ثم قال: أين هؤلاء الذين
يزعمون أنهم يكرهون الشرب قائمًا؟ قال: فأخذه فشرب وهو قائم، ثم توضأ ... "
وقد اختصر المؤلف الحديث لكنه أبقى ــ هو أو المجرِّد ــ على قوله: "ثم
قال" ولو أنها حُذِفت لما أشكل الاختصار.
(4) عند ابن خزيمة (200)، ومن طريقه البيهقي: (1/ 75).
(5) يعني البيهقي.
(6) في الأصل: "مسح" دون التعريف ودون ألف النصب في آخره. والتصويب من
"السنن الكبرى".
(1/91)
جورَبَيه ونعْلَيه, كما رواه عنه بعض
الرُّواة مقيّدًا بالجورَبَين, وأراد به جوربين مُنَعَّلين.
قلت: هذا هو المسلك الخامس: أنَّ مَسْحَه رجليه ورَشّه عليهما لأنهما كانا
مستورَين بالجوربين في النعلين.
والدليل عليه ما رواه سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس:
"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرّة مرّة, ومسح على نعليه"
(1). لكن تفرَّد به رَوَّاد بن الجرَّاح عن الثوري, والثقات رووه عن الثوري بدون
هذه الزيادة (2).
وقد رواه الطبراني (3) من حديث زيد بن الحُباب، عن سفيان، فذكره بإسناده ومتنه،
وأنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مسح على النعلين.
وروى أبو داود (4) من حديث هُشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه: أخبرني أوس بن أبي
أوس (5) الثقفي قال: "رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على
نعليه وقدميه".
_________
(1) أخرجه ابن عدي في "الكامل": (3/ 177)، والبيهقي: (1/ 286).
(2) ذكر هذه الرواية ابن عدي في "الكامل": (3/ 177) ضمن الأحاديث التي
أنكرت على روّاد في روايته عن الثوري، وانظر "ذخيرة الحفاظ": (2/ 713).
(3) لم أجده في معاجم الطبراني المطبوعة، وأخرجه من طريقه البيهقي: (1/ 286) وقال:
ليس بمحفوظ. ثم قال عقبه: والصحيح رواية الجماعة.
(4) (160).
(5) تصحفت في الأصل إلى "أويس بن ابي أويس" بالتصغير. وانظر ترجمة أوس
في "التهذيب": (1/ 382).
(1/92)
فقوله: "مسح على نعليه" كقوله:
"مسح على خُفّيه". والنعلُ لا تكون ساترة لمحلّ المسح إلا إذا كان عليها
جَورب, فلعلَّه مسَحَ على نعل الجورب فقال: "مسح على نعليه".
المسلك السادس: أن الرِّجْل لها ثلاثة أحوال:
حالٌ تكون في الخفِّ، فيجزي مسح ساترها.
وحالٌ تكون حافية, فيجب غَسلها. فهاتان مرتبتان, وهما: كشفها وسترها. ففي حال
كشفها لها أعلى مراتب الطهارة, وهي الغَسل التامّ, وفي حال استتارها لها أدناها,
وهي المسح على الحائل.
ولها حالة ثالثة, وهي حالما تكون في النَّعْل, وهي حالة متوسِّطة بين كشفها وبين
استتارها بالخفّ، فأُعْطيت حالة متوسّطة من الطهارة, وهي الرشّ, فإنه بين الغسل
والمسح. وحيث أطلق لفظ "المسح" عليها في هذه الحال فالمراد به الرَّش؛
لأنه جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى. وهذا مذهب ــ كما ترى (1) ــ لو كان يُعلَم
به قائل معيَّن، ولكن يُحْكَى عن طائفة لا أعلم منهم مُعيَّنًا.
وبالجملة فهو خير مِن مسلك الشيعة في هذا الحديث، وهو:
المسلك السابع: أنه دليل على أن فَرْض الرجلين المسح, وحُكِي عن داود الجواربي (2)
وابن عباس. وحُكِي عن ابن جرير أنه مخيَّر بين الأمرين,
_________
(1) يعني: كما ترى قوَّةً ووجاهة لو كان يُعلم من قال به على وجه التعيين.
(2) رسمه في الأصل: "الحواري" مهملًا، وفي الطبعتين:
"الجواري"، والصواب ما أثبت. قال الذهبي: رأس في الرفض والتجسيم. ترجمته
في "الميزان": (2/ 23)، و"لسان الميزان": (3/ 414).
(1/93)
فأمَّا حكايته عن ابن عباس فقد تقدمت, وأما
حكايته عن ابن جرير فغلطٌ بَيِّن, وهذه كتبه وتفسيره كلّه يكذِّب هذا النقل عليه,
وإنما دخلت الشبهةُ لأن ابنَ جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشِّيعَة,
يوافقه في اسمه واسم أبيه (1) , وقد رأيتُ له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم.
فهذه سبعة مسالكَ للناس في هذا الحديث. وبالجملة فالذين رووا وضوء النبي - صلى
الله عليه وسلم -، مثل عثمان بن عفان, وأبي هريرة, وعبد الله بن زيد بن عاصم,
وجابر بن عبد الله, والمغيرة بن شعبة, والرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ, والمقدام بن