النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
والمائع، مع أنه نصّ المؤلف هنا وابن حجر في «الفتح» (9/ 668) أن رواية إسحاق في
«مسنده» هي بالتفصيل على نحو رواية معمر.
(2/624)
فالجواب: أن كثيرًا من أهل الحديث جعلوا هذه
الرواية موهومة معلولة (1)، فإن الناس إنما رووه عن سفيان عن الزهري مثل ما رواه
سائر الناس عنه (2)، كمالك وغيره من غير تفصيل، كما رواه البخاري وغيره.
وقد رد أبو حاتم البُستي [ق 209] هذا، وزعم أن رواية إسحاق هذه ليست موهومة برواية
معمر عن الزهري فقال: «ذكر خبرٍ أوهم بعضَ من لم يطلب العلم مِن مَظانّه أنّ رواية
ابن عيينة هذه معلولة أو موهومة»، ثم ساق (3) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن
الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة الحديث: «إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن
كان مائعًا فلا تقربوه».
_________
(1) ومنشأ الوهم والعلة أن إسحاق بن راهويه قد روى عن عبد الرزاق عن معمر حديثه
بالتفصيل، وروى أيضًا عن ابن عُيينة حديثه فحمله على حديث معمر ــ كما أشار إليه
ابن رجب في «شرح علل الترمذي» (2/ 723) ــ دون التنبّه لاختلاف ألفاظهما، ويدل على
ذلك أيضًا أن الحديثين عنده متواليان في «مسنده» (4/ 204 - 206).
وإسحاق من أحفظ أهل زمانه، ولم يُستغرَب من حديثه البالغ سبعين ألف حديث إلا
حديثان هذا أحدهما، على أنه يَحتمِل أن يكون الوهم ممن رواهما عنه. انظر: «سير
أعلام النبلاء» (11/ 373 - 379).
(2) ممن رواه عن سفيان: أحمد (26796)، والحميدي [البخاري (5538)]، ومسدّد [أبو
داود (3841)]، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وأبو عمار المروزي [الترمذي (1798)]،
وقتيبة [النسائي (4258)]، وعلي ابن المديني [الدارمي (2128)]، وابن أبي شيبة
(24877)، وأبو خيثمة [أبو يعلى (7078)] في آخرين؛ كلهم يرويه عن سفيان باللفظ المحفوظ
من غير تفصيل.
(3) برقم (1393).
(2/625)
وهذا لا يدل على أن حديث إسحاق محفوظ، فإن
رواية معمر هذه خطأ، كما قاله البخاري وغيره، والخطأ لا يحتج به على ثبوت حديث
معلول، فكلاهما وهم.
ثم قال أبو حاتم (1): «ذكر الخبر الدال على أن الطريقين جميعًا محفوظان»: أخبرنا
(2) عبد الله بن محمد الأزدي، أخبرنا إسحاق، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن
الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره، قال: «إن كان جامدًا أَلقَى ما
حولها وأَكَله، وإن كان مائعًا لم يَقربْه». قال عبد الرزاق: وأخبرني عبد الرحمن
بن بُوذَوَيه أن معمرًا كان يذكر أيضًا عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن
ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلَه.
فهذه مثل رواية سفيان عن الزهري عن عبيد الله بالتفصيل. فتصير وجوه الحديث أربعة:
* وجهان عن معمر وهُما:
عبد الرزاق عنه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بذكر التفصيل.
الثاني: عبد الرحمن بن بُوذَوَيه عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن
ميمونة بالتفصيل أيضًا.
* ووجهان عن سفيان:
أحدهما: رواية الأكثرين عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس
_________
(1) في «صحيحه» مبوبًا على الحديث (1394).
(2) في الطبعتين هنا وفي الموضعين الآتيين: «حدثنا» خلافًا للأصل.
(2/626)
عن ميمونة بالإطلاق من غير تفصيل.
والثاني (1): رواية إسحاق عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة
بالتفصيل.
وأما رواية معمر، فإنه خالف أصحاب الزهري في حديثه المفصَّل في إسناده ومتنه في
حديث أبي هريرة، وخالف أصحاب الزهري في المتن في حديث عبيد الله عن ابن عباس،
ووافقهم في الإسناد. وهذا يدل على غلطه فيه، وأنه لم يحفظه كما حفظه (2) مالك
وسفيان وغيرُهما من أصحاب الزهري.
وأما حديث سفيان: فالمعروف عند الناس منه ما رواه البخاري في «صحيحه» (3) عن
الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن
عباس عن ميمونة ــ فذكره من غير تفصيل.
وكذلك رواه سعيد بن عبد الرحمن وأبو عمار عن سفيان (4).
قال البخاري في «صحيحه» (5): «باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب».
حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة: أنه سمع ابن عباس يحدث عن
_________
(1) في الأصل و (هـ): «والثانية»، والمثبت من الطبعتين أشبه.
(2) في الطبعتين: «حفظ»، والمثبت من الأصل.
(3) برقم (5538).
(4) أخرجه الترمذي (1798) عنهما.
(5) مبوّبًا على الأحاديث (5538 - 5540) الآتية.
(2/627)
ميمونة: أن فأرةً وقعت في سمن، فماتت، فسئل
النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها، فقال: «ألقوها وما حولَها وكلوه». قيل لسفيان:
فإن معمرًا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: ما سمعتُ الزهري
يقوله إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -،
ولقد سمعتُه منه مرارًا.
حدثنا عبدان، أخبرنا (1) عبد الله، عن يونس، عن الزهري عن الدابة تموت في الزيت
والسمن وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها؟ قال: بلغنا أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قَرُب منها فطُرِح، ثم أكل؛ عن حديث
عبيد الله بن عبد الله.
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد
الله، عن ابن عباس عن ميمونة قالت: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فأرة سقطت
في سمن، فقال: «ألقوها وما حولها وكلوه».
وأما الحديث الذي رواه ابن وهب (2)، عن عبد الجبار بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم
عن أبيه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن فأرةٍ وقعت في سمن، فقال:
«ألقوها وما حولها، وكلوا ما بقي»، فقيل: يا نبي الله، أرأيت إن كان السمن مائعًا؟
قال: «انتفعوا به ولا تأكلوه» = فعبد الجبار بن عمر ضعيف، لا يحتج به (3).
_________
(1) في الطبعتين: «حدثنا» خلافًا للأصل.
(2) في «موطئه» ــ كما في «التمهيد» (9/ 36) ــ، ومن طريقه أخرجه ابن المنذر في
«الأوسط» (2/ 429)، وابن عدي في «الكامل» (5/ 324)، والبيهقي في «الكبرى» (9/ 354)
و «معرفة السنن» (14/ 126 - 127).
(3) ضعّف حديثه هذا محمد بن يحيى الذهلي ــ كما في «التمهيد» (9/ 36) ــ، وأبو
حاتم في «العلل» (1507)، وابن المنذر، وابن عدي، والدارقطني في «العلل» (3023)،
والبيهقي.
(2/628)
وروي من وجه آخر ضعيف عن ابن جريج عن ابن
شهاب (1).
قال البيهقي (2): والصحيح عن ابن عمر من قوله في فأرة وقعت في زيت قال: «استصبحوا
به وادَّهِنوا به أُدُمكم» (3).
وقد روي هذا الحديث عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد، ولكن الصواب: أنه موقوف
عليه، ذكره البيهقي (4).
* * *
_________
(1) أخرجه الدارقطني (4789)، والبيهقي (9/ 354)، من طريق يحيى بن أيوب الغافقي ــ
وهو سيئ الحفظ ــ، عن ابن جريج به. وضعفه ابن المنذر، والدارقطني في «العلل»
(3023)، والبيهقي.
(2) «معرفة السنن» (14/ 127).
(3) أخرجه ابن أبي شيبة (24881، 24882)، وابن المنذر في «الأوسط» (10/ 11)،
والطحاوي في «بيان المشكل» (13/ 399 - 400)، والبيهقي في «الكبرى» (9/ 354)، من
طرق عن نافع عن ابن عمر
(4) في «معرفة السنن» (14/ 127)، وأسنده في «الكبرى» (9/ 354) من طريق الدارقطني
(4790)، من حديث سعيد بن بشير الأزدي، عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.
سعيد بن بشير ضعيف، وقد خالفه سفيان الثوري [عند الدارقطني (4791)]، ومعمر [عند
عبد الرزاق (281)]، فروياه عن أبي هارون عن أبي سعيد موقوفًا عليه، هو الصواب، إلا
أن أبا هارون العبدي نفسه ضعيف متروك الحديث.
(2/629)
كتاب
الطب
1 - باب في الكَيِّ
472/ 3716 - عن مُطرِّف عن عمران بن حُصين - رضي الله عنهما -، قال: نهى النبي -
صلى الله عليه وسلم - عن الكَيِّ، فاكْتَوينا، فما أَفلحْن ولا أنْجَحْن (1).
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (2) من حديث الحسن البصري عن عمران.
ولفظ الترمذي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الكي، قال: فابتُلِينا
فاكتوينا، فما أفْلَحنا ولا أنجحنا.
ولفظ ابن ماجه: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الكيّ، فاكتَوَيتُ، فما
أفلحت ولا أنجحت.
وقال الترمذي: «حسن صحيح». وفيما قاله نظر، فقد ذكر غير واحد من الأئمة أن الحسن
لم يسمع من عمران بن حصين (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (4)، ثم قال بعده:
_________
(1) «سنن أبي داود» (3865) بإسناد صحيح.
وقوله: «فما أَفلحن ولا أنْجَحن» أي: تلك الكيَّات، كما جاء عند ابن أبي شيبة
(24083) بإسناد صحيح عن أبي مِجْلَز عن عمران قال: «اكتويت كيَّةً بنار، ما أبرأتْ
من ألمٍ، ولا أَشْفَتْ من سَقَم».
(2) الترمذي (2049) وابن ماجه (3490).
(3) انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 38). ولعل الترمذي صححه لأن الحسن قد توبع
في روايته عن عمران، تابعه مطرف وأبو مِجلَز كما سبق.
(4) برقم (6081).
(2/630)
الزجر عن الكي في حديث عمران بن حصين إنما
هو عن الابتداء به من غير علةٍ تُوجبه، كما كانت العرب تفعله، تريد به الوشم،
وحديث جابر (1) فيه إباحة استعماله لعلّةٍ تحدث من غير الاتكال عليه في برئها.
وفي هذا نظر. وقالت طائفة: النهي من باب ترك الأولى، ولهذا جاء في حديث السبعين
الألف أنهم لا يكتوون ولا يسترقون (2)، وفِعلُه يدل على إباحته.
وهذا أقرب الأقوال، وحديث عمران يدل عليه، فإنه قال: «نهانا عن الكي فاكتوينا»،
فلو كان نهيه للتحريم لم يُقدِموا عليه، والله أعلم.
2 - [ق 210] باب في الأدوية المكروهة
473/ 3721 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عن الدواء الخبيث.
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (3)، وفي حديثهما: «يعني السمَّ».
قال ابن القيم - رحمه الله - (4): وذكر بعضهم أن خبث الدواء يكون من وجهين.
_________
(1) في قصة سعد بن معاذ أنه لمّا أصيب في أكْحَلِه (وهو العرق في وسط الذراع) يوم
الأحزاب حسمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنار. أخرجه ابن حبان (6083)، وهو
عند مسلم (2208) وغيره.
(2) أخرجه البخاري (5705) ومسلم (218).
(3) أبو داود (3870)، والترمذي (2045)، وابن ماجه (3459)، وأخرجه أيضًا أحمد
(8048)، والحاكم (4/ 410) وصححه وقال: «الدواء الخبيث هو الخمر بعينه بلا شك فيه».
(4) الكلام الآتي ليس على شرط المجرّد، إذ هو كلام المنذري في «المختصر» (5/ 355)
بعينه، ليس لابن القيم فيه أي تصرّف أو زيادة، ولعله كان ساقطًا من نسخة «المختصر»
التي قابل بها المجرّد «تهذيب ابن القيم» لتجريد ما فيه من الزيادات.
(2/631)
أحدهما:
خبث النجاسة، وهو أن يدخله المحرَّم، كالخمر ولحم ما لا يؤكل لحمه من الحيوان.
والثاني: أن يكون خبيثًا من جهة الطَّعْم والمذاق، ولا يُنكَر أن يكون كره ذلك لما
فيه من المشقة على الطباع، ولتكرُّه النفس إياه.
474/ 3725 - وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواءً، فتداوَوْا ولا تتداوَوا
بحرام» (1).
فيه إسماعيل بن عيّاش (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وأما حديث ابن مسعود: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما
حرم عليكم»، فذكره البخاري في «الصحيح» (3) من قول ابن مسعود.
_________
(1) «سنن أبي داود» (3874)، وإسماعيل بن عيّاش متكلّم فيه، ولكنه صدوق في روايته
عن أهل بلده خاصّة، وهذه منها
(2) كلام المنذري على تخريج الحديثين من (هـ)، وفيه اختصار من المؤلف عمّا في
«المختصر».
(3) معلّقًا مجزومًا به في كتاب الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل. ووصله عبد
الرزاق (17097، 17102)، وابن أبي شيبة (23958)، والحافظ في «تغليق التعليق» (5/ 29
- 31) بأسانيد صحيحة.
(2/632)
3 - باب في تمرة
العجوة
475/ 3727 - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه - رضي الله عنهما - أن النبي -
صلى الله عليه وسلم - قال: «من تصبَّح بسبع تمراتٍ عجوة لم يضُرَّه ذلك اليوم سمٌّ
ولا سِحر».
وأخرجاه والنسائي (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: [هذا المعني مروي من حديث سعد وعائشة. فأما حديث سعد
فإنه عامّ، وفي بعض طرق مسلم (2) فيه: «من أكل سبعَ تمراتٍ ممَّا بين لابَتَيها
حين يُصبح لم يضرَّه سمٌّ حتَّى يُمسي»] (3). وهذا ظاهره أنه مختص بتمر المدينة.
وأما حديث عائشة فرواه مسلم في «صحيحه» (4): أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: «في عجوة العالية شفاء، ــ أو أنها تِرْياق ــ أولَ البُكْرة». وظاهر هذا:
اختصاصها بعجوة العالية.
وقد روى النسائي في «سننه» (5) من حديث الأعمش، عن أبي
_________
(1) أبو داود (3876)، والبخاري (5445)، ومسلم (2047/ 155)، والنسائي في «الكبرى»
(6680).
(2) برقم (2047/ 154).
(3) ما بين الحاصرتين من (هـ)، ولم يذكره المجرّد ولا أشار إليه!
(4) برقم (2048).
(5) «الكبرى» (6683). وفي إسناده اختلاف واضطراب، فقد روي عن الأعمش، وعن جعفر بن
أبي وحشية على ألوان، وأشبهها رواية جعفر ومن تابعه، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة
ــ وهو الحديث الآتي ــ. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1698)، و «العلل» للدارقطني
(2098).
(2/633)
نضرة (1)، عن أبي سعيد وجابر، عن النبي -
صلى الله عليه وسلم -: «العجوة من الجنة، وهي شفاء من السم».
وأخرج (2) عن شهر عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.
فقيل: هذا يختص بالمدينة لعِظَم بركتها، لا أن ذلك عام في كل تمر. وقيل: مختص
بعجوة العالية. والله أعلم بالصواب (3).
4 - باب الغَيْل
476/ 3732 - عن أسماء بنت يزيد بن السَّكَن - رضي الله عنها -، قالت: سمعت رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تقتلوا أولادكم سِرًّا، فإن الغَيْل يُدرك
الفارس فيُدَعْثِرُه عن فرسه».
وأخرجه ابن ماجه (4).
_________
(1) كذا في الأصل و (هـ)، والصواب: «الأعمش، عن جعفر، عن أبي نضرة»، وذلك لأن لفظ
الإسناد في «السنن»: « ... عن الأعمش، عن جعفر، عن شهر، قال: وحدثني أبو نضرة، عن
أبي سعيد، وعن جابر»، فالقائل: «وحدثني أبو نضرة» هو جعفر بن أبي وحشية، كما يدل
عليه صنيع الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» (3/ 453) وفي «تهذيب الكمال» (7/ 226)
حيث لم يذكر الأعمش في الرواة عن أبي نضرة العبدي. فكأن المؤلف ــ والله أعلم ــ
ظنّ أن القائل هو الأعمش فأثبت الإسناد على ذلك.
(2) في «الكبرى» (6684، 6685)، وكذلك أخرجه الترمذي (2068) وحسّنه. وشهر فيه لين،
ولكن يشهد له حديث سعد بن أبي وقاص السابق، وحديث رافع بن عمرٍو المزني عند أحمد
(15508) بإسناد جيد: «العجوة والشجرة من الجنّة».
(3) ما بين الحاصرتين من (هـ).
(4) أبو داود (3881)، وابن ماجه (2012)، وكذلك ابن حبان (5984)، كلهم من حديث
المهاجر بن أبي مسلم، عن مولاته أسماء. والمهاجر لم يوثّقه غير ابن حبان، وقد
تفرّد بالخبر، ولا يُحتمل من مثله ذلك لمعارضته للأحاديث الصحيحة.
(2/634)
477/ 3733 - وعن جُدامة الأسدية - رضي الله
عنها - أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لقد هممتُ أن أنهى عن
الغِيلَة، حتى ذكرتُ أن الروم وفارسَ يفعلون ذلك فلا يضرُّ أولادَهم».
قال مالك (1): «الغِيلة» أن يمسَّ الرجل امرأته وهي ترضع.
وأخرجه مسلم والثلاثة (2).
قيل: نهى عنه أولًا لِما علم من ضرره على الصبي، ثم رأى أن ترك ذلك قد يضر الرجل
بصبره عن (3) المرأة مدة الرضاع، فأمسك عن النهي عنه. وذكر (4) فارس والروم
لِكثرتهم، وأنهم أمتان عظيمتان وأولادهم سالمون فرسان، ولأنهم أصحاب طبٍّ وحكمة،
فلو كان يضرهم لما فعلوه.
والغيل هو وطء المرضع، قيل: حَمَلتْ أو لم تحمل، وقيل: لا يضر ذلك إلا إذا حملت من
هذا الوطء، فحينئذ هذا يفسد اللبن على الصبي المرتضع فيضعفه، فيؤثِّر ذلك في
بِنْيته وقوَّته حتى إذا صار فارسًا أدركه ذلك الضعف فدَعْثَره عن فرسه وأسقطه
عنها (5).
_________
(1) في «الموطأ» عقب الحديث (1779).
(2) أبو داود (3882)، ومسلم (1442)، الترمذي (2077)، والنسائي (3326)، وابن ماجه
(2011).
(3) (هـ): «يضر ذلك بصبره على»، والتصحيح من عبارة نحوها في «زاد المعاد» (5/
135).
(4) بعده في (هـ): «أن»، والعبارة مستقيمة بدونها.
(5) الكلام على الحديث مثبت من (هـ)، وهو مأخوذ من كلام المنذري في «المختصر»
(المخطوط) بزيادة وتصرّف من المؤلف.
(2/635)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى مسلم
في «صحيحه» (1) عن سعد بن أبي وقاص: أن رجلًا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -، فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لِمَ
تفعل ذلك؟» قال: أُشفِق على ولدها، أو على أولادها، فقال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: «لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارسَ والروم».
وهذه الأحاديث أصح من حديث أسماء بنت يزيد، وهو حديث شامي يرويه عمرو بن مهاجر
(2)، عن أبيه المهاجر بن أبي مسلم (3) مولى أسماء بنت يزيد ــ يعد في الشاميين ــ
عن أسماء بنت يزيد، فإن كان صحيحًا فيكون النهي عنه أولًا إرشادًا وكراهة، لا
تحريمًا. والله تعالى أعلم.
5 - باب الرُّقى
478/ 3740 - وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «لا رُقية إلا من عينٍ أو حُمةٍ أو دم يَرْقأُ» (4).
وفي «الصحيحين» (5) عن عائشة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - رخص في الرقية من كل ذي حُمة.
_________
(1) برقم (1443) ولفظه: «عن عامر بن سعد: أن أسامة بن زيد أخبر والدَه سعدَ بن أبي
وقاص أن رجلًا ... إلخ، فالحديث من مسند أسامة، لا سعدٍ كما يوهمه سياق المؤلف له.
(2) ومن طريقه أخرجه ابن ماجه، وأما رواية أبي داود وابن حبان فمن طريق أخيه محمد
بن مهاجر، عن أبيه.
(3) في الأصل: «بن أسلم»، والتصويب من مصادر ترجمته وتخريج الحديث.
(4) «سنن أبي داود» (3889) من طريق الشعبي عن أنس. وقد اختلف على الشعبي في هذا
الحديث اختلافًا كثيرا. انظر: «العلل» للدارقطني (2490).
(5) البخاري (5741) ومسلم (2193).
(2/636)
وفي «صحيح مسلم» (1) عن أنس - رضي الله عنه
- قال: رخَّص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرقية من العين والحُمة
والنملة (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي «الصحيحين» (3) عن عائشة: أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - كان يأمرها أن تسترقي من العين.
وفي «الصحيحين» (4) عن أم سلمة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجارية في
بيت أم سلمة، رأى بوجهها سَفْعة، فقال: «بها نَظْرة، فاسترقوا لها». يعني بوجهها
صفرة.
وفي «صحيح مسلم» (5) عن جابر قال: رخَّص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لآل حزم
في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس: «ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة (6)، تصيبهم
الحاجة؟» قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال: «ارْقيهم»، قالت (7): فعرضتُ
عليه، فقال: «ارْقيهم».
وفي «صحيح مسلم» (8) أيضًا عن جابر قال «لَدَغت رجلًا منا عقرب، ونحن جلوس مع رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رجل: يا رسول الله، أرقي له؟ قال:
_________
(1) برقم (2196). وأخرجه البخاري (5719) أيضًا.
(2) كلام المنذري من (هـ)، وفيه تصرّف يسير من المؤلف.
(3) البخاري (5738) ومسلم (2195).
(4) البخاري (5739) ومسلم (2197).
(5) برقم (2198).
(6) ضارعة: أي نحيفة، والمراد أولاد جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
(7) في الأصل: «قال»، والتصحيح من «صحيح مسلم».
(8) برقم (2199/ 61).
(2/637)
«من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».
وأما ما رواه مسلم في «صحيحه» (1) من حديث جابر: أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - نهى عن الرقى، فهذا لا يعارض هذه الأحاديث، فإنه إنما نهى عن الرقى التي
تتضمَّن الشرك وتعظيمَ غيرِ الله سبحانه، كغالب رقى أهل الشرك.
والدليل على هذا ما رواه مسلم في «صحيحه» (2) من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال:
كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرِضوا علي
رُقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك».
وفي حديث النهي أيضًا ما يدل على ذلك، فإن جابرًا قال: نهى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نَرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن
الرقى، قال: «فاعرِضوها عليّ»، فعرضوها عليه، فقال: «ما أرى بأسًا، من استطاع منكم
أن ينفع أخاه فلينفعه» رواه مسلم (3).
وهذا المسلك في هذه الأحاديث وأمثالها فيما يكون المنهيُّ عنه نوعًا، والمأذون فيه
نوعًا آخر، وكلاهما داخل تحت اسم واحد= مَن تفطّن له زال عنه اضطراب كثير. يظنه من
لم يُحِط علمًا بحقيقة المنهي عنه من ذلك الجنس والمأذونِ فيه= متعارضًا، ثم يسلك
مسلك النسخ، أو تضعيف أحد الأحاديث.
_________
(1) برقم (2199/ 62).
(2) برقم (2200).
(3) برقم (2199/ 63) دون قوله: «فاعرضوها عليَّ»، فإنه عند ابن ماجه (3515)
والبيهقي (9/ 349) بنحوه.
(2/638)
وأما هذه الطريقة فلا يحتاج صاحبها إلى ركوب
طريق النسخ، ولا تعسُّف أنواع العلل. وقد يظهر في كثير من المواضع، مثل هذا
الموضع، وقد يَدِقّ ويلطُف فيقع الاختلاف بين أهل العلم. والله يُسعد بإصابة الحق
من يشاء، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
6 - باب في الطِّيَرة
479/ 3759 - وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-: «لا عَدْوَى ولا صَفَرَ ولا هَامَةَ». فقال أعرابي: ما بالُ الإبل تكون في
الرَّمْل كأنها الظِّباء، فيخالطها البعير الأجْرَبُ فيُجْربها؟ قال: «فمن أعْدَى
الأَوَّلَ؟».
قال مَعْمَر: قال الزهري: فحدثني رجل عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يقول: «لَا يورِدَنَّ مُمرضٌ على مُصِحٍّ»، قال: فراجَعه الرجل فقال:
أليس قد حَدَّثتنا أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا عَدْوى، ولا صفر،
ولا هامة»؟ قال: لم أُحَدِّثكموه. قال الزهري: قال أبو سلمة: قد حَدَّث به، وما
سمعتُ أبا هريرة نسي حديثًا قط غيرَه».
وأخرجه البخاري ومسلم مطولًا ومختصرًا (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ذهب بعضهم إلى أن قوله: «لا يورِد مُمرِض على
مُصِحّ» منسوخ بقوله «لا عدوى»، وهذا غير صحيح، وهو مما تقدم آنفًا أن المنهيَّ
عنه نوعٌ غيرُ المأذون فيه؛ فإن الذي نفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله:
«لا عدوى ولا صفر» هو ما كان عليه أهل الإشراك من اعتقادهم ثبوت ذلك على قياس
شركهم وقاعدة كفرهم. والذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن إيراد
_________
(1) أبو داود (3911)، والبخاري (5707، 5717، 5757، 5770 - 5771، 5773 - 5775)،
ومسلم (2220، 2221).
(2/639)
الممرض على المصح فيه تأويلان:
أحدهما: خشية توريط النفوس في نسبة [ق 211] ما عسى أن يقدره الله تعالى من ذلك إلى
العدوى، وفيه التشويش على من يورَد عليه وتعريضُه لاعتقاد العدوى، فلا تنافي
بينهما بحال.
والتأويل الثاني: أن هذا إنما يدل على أن إيراد الممرض على المصح قد يكون سببًا
لخلق (1) الله تعالى فيه المرض، فيكون إيراده سببًا، وقد يصرف الله سبحانه تأثيرَه
بأسباب تضاده، أو تمنعه قوةَ السببية، وهذا محض التوحيد، بخلاف ما كان عليه أهل
الشرك.
وهذا نظير نفيه سبحانه الشفاعة في القيامة بقوله: {لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ
وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254]، فإنه لا تضاد الأحاديث المتواترة المصرحة
بإثباتها، فإنه سبحانه إنما نفى الشفاعة التي كان أهل الشرك يثبتونها، وهي شفاعة
يتقدم فيها الشافع بين يدي المشفوع عنده، وإن لم يأذن له.
وأما التي أثبتها الله ورسوله فهي الشفاعة التي تكون من بعد إذنه، كقوله: {مَنْ
ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، وقوله: {وَلَا
يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، وقوله: {وَلَا تَنْفَعُ
الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]. والله الموفق
للصواب.
* * *
_________
(1) في الطبعتين: «يخلق»، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل.
(2/640)
كتاب
العتاق
1 - في المكاتَب يؤدِّي بعض كتابته فيعجِز أو يموت
480/ 3772 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«المُكاتَب عبدٌ ما بقي عليه من مُكاتَبته درهمٌ» (1).
فيه إسماعيل بن عيّاش.
481/ 3773 - وعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيُّما عبدٍ كاتَبَ على
مِائة أُوقِيَّةٍ، فأدَّاها إلا عشرةَ أواقٍ فهو عبدٌ، وأيُّما عبد كاتَبَ على
مائة دينارٍ، فأدَّاها إلا عشرةَ دنانير فهو عبدٌ».
وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (2)، وقال: غريب.
وقال الشافعي (3): لم أعلم أحدًا روى هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا
عمرو، وعلى هذا فُتيا المفتين (4).
_________
(1) «سنن أبي داود» (3926) من طريق إسماعيل بن عيّاش، عن سليمان بن سُليم، عن عمرو
بن شعيب به. وإسماعيل بن عيّاش وإن كان فيه لين لكنه صدوق في الرواية عن أهل
الشام، وهذه كذلك.
(2) أبو داود (3927)، والنسائي في «الكبرى» (5007 - 5009)، وابن ماجه (2519)،
والترمذي (1260)، وكذلك الحاكم (2/ 218) والبيهقي (10/ 323 - 324)، من طرق عن عمرو
بن شعيب به.
(3) في القديم، كما في «السنن الكبرى» (10/ 324) و «معرفة السنن» (14/ 445).
وانظر: «الأم» (9/ 385).
(4) كلام المنذري على الحديثين من (هـ)، وفيه اختصار وتصرّف من المؤلف.
(3/3)
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال الشافعي
(1): ونحن نروي عن زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة: أنه عبد ما بقي عليه شيء (2).
قال البيهقي (3): وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم».
وذكر الشافعي (4) عن الشعبي: أن عليًّا قال في المكاتب: «يَعتِق منه بحساب ما
أدَّى»، وعن الحارث الأعور عنه: «يَعتِق منه بقدر ما أدَّى، ويرث بقدر ما أدى».
قال البيهقي (5): وقد روى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي
- صلى الله عليه وسلم -: «إذا أصاب المكاتبُ حدًّا أو ميراثًا ورِث بحساب ما عَتَق
منه، وأقيم عليه الحدُّ بحساب ما عتَق منه» (6).
_________
(1) في «الأم» (8/ 460)، والمؤلف صادر عن «معرفة السنن» (14/ 446).
(2) علّقه عنهم البخاري مجزومًا به في كتاب المكاتب، باب بيع المكاتب إذا رضي.
ووصلها عبد الرزاق (باب عجز المكاتب، 8/ 405 - 408)، وابن أبي شيبة (20942 -
20949)، والبيهقي في «الكبرى» (10/ 234) وفي «المعرفة» (14/ 446 - 447).
(3) في «المعرفة» (14/ 447)، ووصله في «الكبرى» (10/ 325)، وقبله ابن أبي شيبة
(20945) بإسناد فيه انقطاع، معبد الجُهَني لم يسمع من عمر.
(4) في «الأم» (8/ 458 - 459)، ومن طريقه البيهقي في «المعرفة» (14/ 447 - 448).
وأثر عليٍّ صحيح، وقد رُوي من طرق أخرى عن عليّ، من رواية عكرمة وإبراهيم وقتادة،
إلا أنها مرسلة لعدم سماعهم منه.
(5) «معرفة السنن» (14/ 448).
(6) أخرجه أبو داود (4582)، والترمذي (1259) وحسّنه، والنسائي في «الكبرى» (7226)،
والحاكم (2/ 218 - 219) وصححه. وقال النسائي: «هذا لا يصح، وهو مختلف فيه». وسيأتي
ذكر ما يخالفه.
(3/4)
وبهذا الإسناد قال: «يُودَى المكاتَبُ (1)
بحصة ما أدَّى دِيَة حر، وما بقي ديةَ عبدٍ» (2).
وفي «المسند» (3) لأحمد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُودَى
المكاتب بقدر ما أدّى [ديةَ الحرّ]». وقد روي هذا موقوفًا عليه (4).
ورواه الترمذي (5) أتم من هذا عن ابن عباس قال: «إذا أصاب المكاتَب حدًّا أو
ميراثًا ورث بحساب ما عتق منه، ويُودَى المكاتب بحِصّة ما أدَّى دية حر، وما بقي
دية عبد». قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قال البيهقي (6): ورواه وهيب عن أيوب عن عكرمة [عن علي] مرفوعًا:
_________
(1) أي: تُدفَع ديةُ قتله أو الجنايةِ عليه. وتحرّف في ط. المعارف هنا وفي المواضع
الآتية إلى: «يؤدي»!
(2) أخرجه أحمد (3489)، والترمذي (1259)، والطحاوي في «معاني الآثار» (3/ 110)،
والبيهقي (10/ 325)، كلهم من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أيوب به.
وقد اختلف في هذا الحديث عن عكرمة، وعن أيوب اختلافًا كثيرًا، فقد روي مسندًا عن
ابن عباس وعن علي، وروي مرسلًا، وروي موقوفًا.
(3) برقم (2356) عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن هشام الدَّستوائي، عن يحيى بن
أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس.
(4) أخرجه البيهقي (10/ 326) من طريق غندر، عن هشام، به.
(5) برقم (1259) من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.
(6) في «المعرفة» (14/ 448 - 449)، وما بين الحاصرتين منه.
(3/5)
«يُودَى المكاتب بحصة ما أدّى ديةَ حرّ، وما
بقي ديةَ عبد» (1). قال: ورواية عكرمة عن علي مرسلة.
ورواه حماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - مرسلًا (2).
وروي عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا في الدية (3).
واختلف فيه على هشام الدستوائي عن يحيى؛ فرفعه عنه جماعة، ووقفه على ابن عباس
بعضهم (4).
_________
(1) أخرجه أحمد (723)، والنسائي في «الكبرى» (5003)، والبيهقي (10/ 325) وغيرهم،
من طرق عن وهيب بن خالد به.
(2) رواية حماد بن زيد أخرجها النسائي في «الكبرى» (5005، 6987) والطحاوي في
«معاني الآثار» (3/ 110).
ورواية إسماعيل بن إبراهيم ابن عليّة أخرجها ابن أبي شيبة (28440)، والنسائي في «الكبرى»
(5004)، ولكنها ليست عن عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلةً، بل عن
عكرمة عن علي موقوفةً عليه.
(3) رواه عن يحيى بن أبي كثير: هشام الدَّستوائي، وعلي بن المبارك (وستأتي
روايتهما)، وحجّاج الصوّاف [أحمد (3423) وأبو داود (4581)]، ومعاوية بن سلّام [النسائي
في الكبرى (5001)]، وأبان بن يزيد [الحاكم (2/ 218)]؛ كلهم عن يحيى، عن عكرمة، عن
ابن عباس مرفوعًا.
(4) رفعه عن هشام: ابنه معاذ، وابن علية، وأبو داود الطيالسي، ومحمد بن عبد الله
الأنصاري، والنضر بن شميل. أخرجها أحمد (1944، 2356)، وأبو داود (4581)، والنسائي
في «الكبرى» (5000)، والدارقطني (4216).
ووقفه عن هشام: محمد بن جعفر (غندر)، كما عند البيهقي (10/ 326).
(3/6)
ورواه علي بن المبارك عن يحيى مرفوعًا، ثم
قال يحيى: قال عكرمة عن ابن عباس: «يقام عليه حد المملوك» (1). وهذا يخالف رواية
حماد بن سلمة في النص، والروايةَ المرفوعة في القياس (2).
ولهذا الاضطراب ــ والله أعلم ــ ترك الإمام أحمد القول به، فإنه سئل عن هذا
الحديث؟ فقال: أنا أذهب إلى حديث بريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر
بشرائها، يعني أنها بقيت على الرِّقّ حتى أمر بشرائها (3).
وقد اختلف الناس في هذه المسألة على مذاهب:
أحدها: أنه لا يعتق منه شيء ما دام عليه شيء من كتابته. وهذا قول الأكثرين، ويُروى
عن عمر وزيد وابن عمر وعائشة وأم سلمة (4)، وجماعةٍ من التابعين (5). وهو قول مالك
والشافعي وأبي حنيفة وإسحاق (6).
_________
(1) أخرجه ابن أبي عاصم في «الديات» (242)، والطحاوي في «معاني الآثار» (3/ 111)،
والحاكم (2/ 218)، وعنه البيهقي (10/ 326).
وأخرجه النسائي في «الكبرى» (6983) دون الموقوف.
(2) في الأصل والطبعتين: «هي القياس»، والتصويب من «المعرفة»، ومن «السنن الكبرى»
حيث العبارة أصرح. وهنا ينتهي النقل عن البيهقي من «المعرفة».
(3) نقل هذه الرواية عن أحمد البيهقيُّ في «المعرفة» (14/ 449) وفي «الكبرى» (10/
326).
(4) سبق تخريج آثار عمر وزيد وابن عمر وعائشة، وأما قول أم سلمة فأخرجه عبد الرزاق
(15728).
(5) كابن المسيب، والزهري، والقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وقتادة. انظر:
«الأوسط» لابن المنذر (11/ 531، 554).
(6) انظر: «الموطأ» (2283 - 2285)، و «الأم» (8/ 460، 9/ 385)، و «الأصل» للشيباني
(5/ 211)، و «مسائل إسحاق» برواية الكوسج (2/ 481).
(3/7)
وروى سعيد بن منصور في «سننه» (1) عن أبي
قلابة قال: «كن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحتجبن من مكاتب ما بقي
عليه دينار».
وذكر سعيد في «سننه» (2) أيضًا عن عطاء: أن ابن عمر كاتب غلامًا على ألف دينار،
فأدى إليه تسعمائة دينار، وعجز عن مائة، فرده ابن عمر - رضي الله عنه - في الرق
(3).
قالوا: وهذا هو مقتضى أصول الشريعة، فإنّ عِتقه مشروط بأداء جميع العوض، فلا يقع
شيء منه قبل أدائه، كما لو علّق طلاقها على عوض فأدت بعضه.
ولأنه لو عَتَق منه شيءٌ لكان هو السبب في إعتاقه، فكان يسري إلى باقيه إذا كان
موسِرًا، كما لو باشره بالعتق. وهذا باطل قطعًا، فإنه لا يبقى للكتابة معنى، فإنه
يؤدي درهمًا مثلًا ويتنجّز عِتقُه. وهذا لم يقل به أحد، وذلك أن العتق لا يتبعض في
ملك الإنسان، فلو عَتَق منه شيء بالأداء سَرَى إلى باقيه؛ ولا سراية، فلا عتق.
_________
(1) ومن طريقه أخرجه البيهقي (10/ 325). وإسناده صحيح، وقد روي من وجوه أخرى.
(2) وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (21831) والبيهقي (10/ 341)، وعطاء عن ابن عمر
مرسل، ولكن صحت القصة من طرق أُخَر، أخرجها عبد الرزاق (15723، 15724)، وابن أبي
شيبة (21955)، والبيهقي (10/ 341 - 342).
(3) لكنه ما لبث أن أعتقه بعد ذلك، كما صحّ في عدد من الروايات في المصادر السابقة،
ولا غرو فإن ابن عمر عُرِف بكثرة الإعتاق. انظر: «الطبقات» لابن سعد (4/ 156)، و
«الزهد» لأبي داود (ص 262، 263، 268).
(3/8)
المذهب الثاني: أنه يَعتِق منه بقدر ما
أدّى، وكلما أدّى شيئا عَتَق منه بقدره. وهذا مذهب رابع الخلفاء الراشدين، وأحد
الأئمة المهديين علي بن أبي طالب.
وحجة هذا القول: حديث ابن عباس المتقدم، وهو حديث حسن، قد روي من وجوه متعددة،
ورُواته أئمة ثقات لا مطعن فيهم، ولا تَعلُّق عليهم في الحديث سوى الوقف أو
الإرسال، وقد روي موقوفًا ومرفوعًا، ومرسلًا ومسندًا، والذين رفعوه ثقات، والذين
وقفوه ثقات.
وقد أعلَّه قوم بتفرّد حماد بن سلمة به وليس كذلك، فقد رواه وهيب وحماد بن زيد
وإسماعيل بن إبراهيم عن أيوب، وله طرق قد ذكرنا بعضها (1).
المذهب الثالث: أنه إذا أدَّى شَطر الكتابة فلا رقَّ عليه ويُلزَم بأداء [ق 212]
الباقي. وهذا يروى عن عمر بن الخطاب (2)، وعن علي أيضًا (3).
_________
(1) هذه المتابعات والطرق هي لحديث: «يُودى المكاتب بقدر ما أدَّى دية الحر»، وأما
حديث أن ميراث المكاتَب وحَدَّه بحساب ما عَتَق منه، فقد تفردّ به حماد بن سلمة عن
أيوب، كما نصّ عليه البيهقي في «المعرفة» (14/ 448) و «الكبرى» (10/ 325).
(2) أخرجه عبد الرزاق (15736)، وابن أبي شيبة (20960)، والبيهقي (10/ 325)، من
طريق القاسم بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة، عن عمر. قال البيهقي: القاسم لا يثبت
سماعه من جابر، وهو إن صحّ فكأنه أراد أن الأَولى أن يُمهل حتى يكتسب ما بقي. اهـ
باختصار.
(3) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (7/ 502)، من رواية عطاء عن علي، وهي مرسلة.
(3/9)
وهو قول إبراهيم النخعي (1).
المذهب الرابع: أنه إذا أدى قيمته فهو حر. قال الشافعي (2) عن حماد بن خالد
الخياط، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: إذا أدى
المكاتب قيمته فهو حر.
المذهب الخامس: أنه إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة وعجز عن رُبعها عَتَق. وهذا قول
أبي بكر عبد العزيز والقاضي وأبي الخطاب (3)، بناءً منهم على وجوب رد ربع كتابته
إليه، فلا يُرَد إلى الرق بعجزه عن أداء شيءٍ يجب ردُّه إليه وهو حقه لا حقَّ
للسيد فيه.
المذهب السادس: أنه إذا ملك ما يؤدي عَتَق بنفس مِلْكه قبل أدائه. وهذا إحدى
الروايتين عن الإمام أحمد (4). وعلى هذا: إذا ملك ما يؤدي ثم مات قبل الأداء مات
حرًّا، يُدفَع إلى سيِّده مقدار كتابته، والباقي لورثته.
واحتج لهذا المذهب بما رواه نَبْهان مكاتب لأم سلمة قال: سمعت أم سلمة تقول: قال
لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فكان عنده ما
_________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة (20964) ولفظه: إذا أدّى الثلث، أو الربع، أو النصف فليس
لهم أن يسترقّوه.
(2) في «الأم» (8/ 460)، ومن طريقه البيهقي في «معرفة السنن» (14/ 447). إسناده
جيد، وأخرج ابن المنذر في «الأوسط» (7/ 501) نحوه من رواية إبراهيم النخعي عن ابن
مسعود.
(3) انظر: «المغني» (14/ 453).
(4) انظر: «المغني» (14/ 464).
(3/10)
يؤدي، فلتحتجب منه». رواه أبو داود والترمذي
والنسائي وابن ماجه (1)، وقال الترمذي: حسن صحيح. قال الشافعي في القديم (2): ولم
أحفظ عن سفيان أن الزهري سمعه من نبهان، ولم أر من رضيتُ من أهل العلم (3) يثبت
واحدًا من هذين الحديثين، والله أعلم. قال البيهقي: أراد هذا وحديث عمرو بن شعيب:
«المكاتب عبد ما بقي عليه درهم».
قال (4): وحديث عمرو بن شعيب قد رويناه موصولًا، وحديث نبهان قد ذكر فيه معمر سماع
الزهري من نبهان (5)، إلا أن صاحِبَي «الصحيح» لم يخرجاه، إما لأنهما لم يجدا ثقةً
يروي عنه غيرَ الزهري، فهو عندهما لا يرتفع عنه اسم الجهالة برواية واحد عنه، أو
لأنهما لم يثبت عندهما من عدالته ومعرفته ما يوجب قبول خبره. هذا آخر كلامه.
وقد ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم في موضعين من «كتابه» (6): أن محمد بن عبد الرحمن
مولى طلحة روى عن نبهان. ومحمد بن عبد الرحمن هذا ثقة، احتج به مسلم في «الصحيح».
_________
(1) أبو داود (3928)، والترمذي (1261)، والنسائي في «الكبرى» (5011 - 5016)، وابن
ماجه (2520)، وصححه الترمذي والحاكم (2/ 219)، مع أن نبهان فيه جهالة حال، وسيأتي
الكلام عليه.
(2) كما في «معرفة السنن والآثار» (14/ 450).
(3) ط. الفقي: «أهل الحديث» خلافًا للأصل ولمصدر النقل.
(4) أي البيهقي في الموضع المذكور.
(5) أخرجها عبد الرزاق (15729)، ومن طريقه أحمد (26629) والحاكم (2/ 219). وأيضًا
ورد ذكر سماع الزهري في رواية ابن عيينة عنه عند الحميدي (291).
(6) «الجرح والتعديل» في ترجمتيهما (7/ 318، 8/ 502).
(3/11)
قال الشافعي (1): وقد يجوز أن يكون أَمْرُ
رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَّ سلمة ــ إن كان أمرها بالحجاب من مكاتبها
إذا كان عنده ما يؤدي ــ على ما عظم الله به أزواجَ النبي - صلى الله عليه وسلم -
أمهاتِ المؤمنين وخصّهن منه، وفرّق بينهن وبين النساء إِن اتَّقَينَ، ثم تلا
الآيات (2) في اختصاصهن، بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين،
ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يَحرُم عليه نكاحُها ــ ثم ساق الكلام إلى
أن قال ــ: ومع هذا إنّ احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها، وقد أمر النبي -
صلى الله عليه وسلم - ــ يعني سودة ــ أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها، وذلك يشبه
أن يكون للاحتياط، وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح، والله أعلم.
فأما حديث أم سلمة فليس صريحًا في أنه يَعتِق بملك الأداء، إنما فيه أمرُ نسائه،
أو أمر النساء عامةً، باحتجابهن من مكاتبيهن إذا كان عندهم ما يؤدّون، وهذا لأنهم
بملك الأداء قد شارفوا العتق، وقوي سبب الأجنبية بينهم وبين ساداتهم، فاحتجاب
النساء ساداتهم منهم أحوط (3). والعبد ليس بمحرم لسيدته في أحد القولين، وفي الآخر
هو محرم لسيدته، للحاجة لهما إلى ذلك، وكثرة دخوله وخروجه عليها، ومِلْكها منافعَه
واستخدامَه؛
_________
(1) كما في «المعرفة» (14/ 450) و «السنن الكبرى» (10/ 327).
(2) هي قوله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ
إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ... } [الأحزاب: 32 - 33]، ولعله
تلا أيضًا: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ
حِجَابٍ ... } الآية [53].
(3) أي احتجاب النساء اللاتي هن سادات المكاتَبين منهم أحوط. وغيّر العبارة في ط.
الفقي إلى: «واحتجاب النساء عن عبيدهن أحوط».
(3/12)
وبالكتابة لم يتحقق زوال هذا المعنى، فإذا
ملك ما يؤدي، وقد ملك منافعه بالكتابة، ولم يبق في عوده في الرق مطمع غالبًا= قوي
جانب الحرّية فيه وتأكد سببُ الاحتجاب.
مع أن حديث أم سلمة في سياقه ما يدل على أنها إنما (1) احتجبت منه بعد إذنها في
دفع ما عليه لأخيها. قال الشافعي - رحمه الله - (2): أخبرنا (3) سفيان قال: سمعت
الزهري يذكر عن نبهان مولى أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان
معها وأنها سألته: كم بقي عليك من كتابتك؟ فذكر شيئا قد سماه، وأنه عنده، فأمرتْه
أن يعطيه أخاها أو ابنَ أخيها، وألقت الحجاب واستترت منه، وقالت: عليك السلام،
وذكرت (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فكان