النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
ببعض، فنفسِّر كلامَه بكلامه فنقول: نظير هذا نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن
صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة. فروى سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
مسعود عن أبيه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صفقتين في صفقة (1).
وفي «السنن» (2) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من باع بيعتين في
بيعةٍ فله أوكسهما أو الربا».
وقد فُسِّرت البيعتان في البيعة بأن يقول: أبيعك بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئةً،
وهذا بعيد من معنى الحديث من وجهين:
أحدهما: أنه لا يدخل الربا في هذا العقد.
الثاني: أن هذا ليس بصفقتين، إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين؛ وقد ردَّده بين
الأَوكَس (3) أو الربا، ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن
ربا، فليس هذا معنى الحديث.
وفُسِّر بأن يقول: خُذ هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي
مسألة العينة بعَينها. وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كان مقصوده
الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله، وهو
_________
(1) سبق تخريجه (ص 470).
(2) أي «سنن أبي داود»، وقد سبق تخريجه (ص 458).
(3) في الأصل وط. الفقي: «الأوليين»، وفي ط. المعارف: «الأوكسين»، كلاهما تحريف.
(2/518)
أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن
أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا؛ فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا.
ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى. وهذا هو بعينه الشرطان في بيع، فإن الشرط يطلق
على العقد نفسه لأنهما تشارطا على الوفاء به فهو مشروط، والشرط يُطلَق على المشروط
كثيرًا، كالضرب (1) على المضروب، والحلق على المحلوق، والنسخ على المنسوخ.
فالشرطان كالصفقتين سواء، فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة.
وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن
عمر عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع ــ رواه أحمد (2) ــ، ونَهْيَه في هذا الحديث
عن شرطين في بيع، وعن سلف وبيع (3)؛ فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع، ومع
البيعتين في البيعة.
وسرُّ ذلك: أن كِلا الأمرين يؤول إلى الربا، وهو ذريعة إليه. أما البيعتان في بيعة
فظاهر، فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرط له، كان قد باع بما
شرط له بعشرة (4) نسيئة. ولهذا المعنى حرم الله ورسوله العينة.
_________
(1) في الطبعتين بعده: «يُطلق» خلافًا للأصل.
(2) رقم (6628) من حديث عبد الله بن عمرو، وليس ابن عمر، وقد سبق التنبيه على ذلك.
وهو نفس حديث الباب إلا أن لفظه: «بيعتين في بيعة»، والذي في حديث الباب ــ وهو
لفظ أكثر الروايات ــ: «شرطين في بيع»، وهما بمعنى.
(3) النهي عن سلف وبيع هو الحكم الثاني من الأحكام الأربعة التي ذكرها المؤلف في
مطلع كلامه (ص 513).
(4) ط. المعارف: «لعُسرة»، تصحيف.
(2/519)
وأما السلف والبيع، فلأنه إذا أقرضه مائة
إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعةً إلى الزيادة في
القرض الذي موجَبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما
اشترى ذلك. فظهر سرُّ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان
في بيع»، وقولِ ابن عمر: «نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع»، واقترانِ إحدى
الجملتين بالأخرى لمّا كانا سُلَّمًا إلى الربا.
ومن نظر في الواقع وأحاط به علمًا فهم مرادَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من
كلامه، ونزّله عليه. وعلم أنه كلامُ من جُمِعت له الحكمة، وأوتي جوامع الكلم،
فصلوات الله وسلامه عليه، وجزاه أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته. وقد قال بعض السلف:
اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولما كان موجب عقد القرض رد المثل من غير زيادة كانت الزيادة ربا. قال ابن المنذر
(1): أجمعوا على أن المُسْلِف إذا شرط على المستسلف زيادةً أو هديةً فأسلف على
ذلك= أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. وقد روي عن ابن مسعود وأبيّ بن كعب وابن عباس
أنهم نَهَوا عن قرضٍ جرَّ منفعة (2).
وكذلك إن شرط أن يُؤَجِّره داره أو يبيعه شيئًا لم يَجُزْ، لأنه سُلَّم إلى الربا،
ولهذا نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولهذا منع السلف - رضي الله عنهم - من قَبول هدية المقترض إلا أن يحتسبها
_________
(1) في «الإشراف» (6/ 142)، و «الأوسط» (10/ 407)، والمؤلف صادر عن «المغني» (6/
436).
(2) أسند هذه الآثار ابن المنذر في «الأوسط» (10/ 407 - 408). وأخرجها أيضًا ابن
أبي شيبة (21058، 21059، 21068).
(2/520)
المُقرِض من الدين، فروى الأثرم (1): أن
رجلًا كان له على سمّاك عشرون درهمًا، فجعل يهدي إليه [ق 194] السمك، ويُقَوِّمه
حتى بلغ ثلاثة عشر درهمًا، فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم.
وروي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أُبيَّ بن كعب عشرة آلاف درهم، فأهدى إليه أبيُّ بن
كعب من ثمرة أرضه، فردَّها عليه ولم يقبلها (2)، فأتاه أُبي فقال: لقد علم أهل
المدينة أني من أطيبهم ثمرة، وأنه لا حاجة لنا، فبِمَ منعتَ هديتنا؟ ثم أهدى إليه
بعد ذلك فقبل (3). فردّه عمر لما توهَّم أن يكون بسبب القرض، فلما تيقَّن أنه ليس
بسبب القرض قبله. وهذا فصل النزاع في مسألة هدية المقترض.
وقال زِرّ بن حُبَيش: قلت لأُبي بن كعب: إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى
العراق، فقال: إنك تأتي أرضًا فاشٍ بها الربا، فإن أقرضتَ رجلًا قرضًا، فأتاك
بقرضك ليؤدي إليك قرضك ومعه هدية، فاقبض قرضك واردُد عليه هديته (4). ذكرهن
الأثرم.
_________
(1) كما في «المغني» (6/ 437)، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق (14651)، وابن المنذر في
«الأوسط» (10/ 407)، والبيهقي (5/ 349 - 350).
(2) في الأصل وط. المعارف: «يقبله»، والتصويب من مصدر النقل.
(3) ذكره في «المغني» (6/ 437) وعزاه إلى الأثرم، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق
(14647)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (11/ 114 - 115)، والبيهقي (5/ 349) وقال:
«هذا منقطع»، أي لأن ابن سيرين لم يُدرك القصة.
(4) أخرجه عبد الرزاق (14652)، وابن أبي شيبة (21059)، وابن المنذر في «الأوسط»
(10/ 408)، والبيهقي (5/ 349).
(2/521)
وفي «صحيح البخاري» (1) عن أبي بردة بن أبي
موسى قال: قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام ــ فذكر الحديث، وفيه: ثم قال لي:
إنك بأرض فيها الربا فاشٍ، فإذا كان لك على رجل دين، فأهدى إليك حِمْل تِبْن، أو
حمل قَتٍّ، أو حمل شعير، فلا تأخذه فإنه ربا.
قال ابن أبي موسى (2): ولو أقرضه قرضًا ثم استعمله عملًا، لم يكن يستعمله مثله قبل
القرض، كان قرضًا جرّ منفعة. قال: ولو استضاف غريمَه، ولم تكن العادة جرت بينهما
بذلك= حسب له ما أكله.
واحتج له صاحب «المغني» بما روى ابن ماجه في «سننه» (3) عن أنس قال: قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقْرَضَ (4) أحدكم قرضًا فأَهدى إليه، أو حمله على
دابته، فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك».
واختلفت الرواية عن أحمد فيما لو أقرضه دراهم، وشرط عليه أن يوفّيه إياها ببلد آخر
ولا مؤنة لحملها، فروي عنه أنه لا يجوز (5). وكرهه الحسن وجماعة (6)،
_________
(1) برقم (3814).
(2) في «الإرشاد» (ص 236)، والمؤلف صادر عن «المغني» (6/ 438).
(3) رقم (2432) من طريق عتبة بن حميد الضبي، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس. إسناده
ضعيف لضعف عتبة بن حميد، وقد روي عن أنس موقوفًا، وهو أشبه. أخرجه الطحاوي في
«معاني الآثار» (11/ 116) والبيهقي في «شعب الإيمان» (5144). وانظر: «سنن البيهقي»
(5/ 350).
(4) ط. الفقي: «اقترض»، خطأ.
(5) انظر: «المغني» (6/ 436).
(6) منهم ميمون بن أبي شبيب، أخرجه ابن أبي شيبة (21428، 21429) عنه وعن الحسن
البصري. وانظر: «الأوسط» (10/ 417).
(2/522)
ومالك والأوزاعي والشافعي (1).
وروي عنه الجواز، نقله ابن المنذر (2)؛ لأنه مصلحة لهما، فلم ينفرد المُقرض (3)
بالمنفعة، وحكاه (4) عن علي، وابن عباس، والحسن بن علي، وابن الزبير، وابن سيرين،
وعبد الرحمن بن الأسود، وأيوب، والثوري، وإسحاق. واختاره القاضي (5).
ونظير هذا: لو أفلس غريمه فأقرضه دراهم يوفيه كلَّ شهر شيئًا معلومًا من ربحها
جاز، لأن المُقرض لم ينفرد بالمنفعة.
ونظيره: لو كان له عليه حنطة، فأقرضه دراهم يشتري له بها حنطة ويوفيه إياها.
ونظير ذلك أيضًا: إذا أقرض فلّاحه ما يشتري به بقرًا يعمل بها في أرضه، أو بَذْرًا
يَبْذُره فيها. ومنعه ابن أبي موسى (6)، والصحيح جوازه، وهو اختيار صاحب «المغني»
(7)؛ وذلك لأن المستقرض إنما يقصد نفع نفسه،
_________
(1) انظر: «الكافي» لابن عبد البر (2/ 728 - 729)، و «الأوسط» (10/ 417)، و «الأم»
(4/ 65).
(2) في «الأوسط» (10/ 417) عنه وعن إسحاق، وانظر: «مسائلهما» برواية الكوسج (2/
32).
(3) في الأصل والطبعتين: «المقترض»، خطأ.
(4) أي ابن المنذر في «الأوسط» (10/ 415 - 417)، وقد أسند هذه الآثار أيضًا ابن
أبي شيبة (21418 - 21427).
(5) انظر: «المغني» (6/ 437)، وهو ما رجحه أبو محمد أيضًا.
(6) في «الإرشاد» (ص 237).
(7) (6/ 440).
(2/523)
ويحصل انتفاع المقرض ضمنًا، فأشبه أخذ
السَّفْتَجَة به وإيفاءَه إياه في بلد آخر، من حيث إنه مصلحة لهما جميعًا.
والمنفعة التي تجرّ إلى الربا في القرض، هي التي تخص المقرض كسكنى دار المقترض
وركوب دوابه، واستعماله، وقبول (1) هديته؛ فإنه لا مصلحة له في ذلك بخلاف هذه المسائل،
فإن المنفعة مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة.
وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ربح ما لم يضمن (2)، فهو كما ثبت عنه في حديث
عبد الله بن عمر حيث قال له: إني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم وآخذ الدنانير،
وأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم. فقال: «لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها وتفرقتما وليس
بينكما شيء» (3)، فجوز ذلك بشرطين:
أحدهما: أن يأخذها بسعر يوم الصرف، لئلا يربح فيها وليستقر ضمانه.
والثاني: أن لا يتفرقا إلا عن تقابض، لأنه شرط في صحة الصرف لئلا يدخله ربا
النسيئة.
والنهي عن ربح ما لم يضمن قد أشكل على بعض الفقهاء علّته. وهو من محاسن الشريعة،
فإنه لم يتم عليه استيلاء، ولم تنقطع عُلَق البائع عنه، فهو يطمع في الفسخ
والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه فإنما يقبضه على
إغماض وتأسّف على فوت الربح، فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه. وهذا معلوم
بالمشاهدة، فمِن كمال الشريعة
_________
(1) في الأصل وط. المعارف: «قبول» بدون واو العطف، والصواب إثباتها.
(2) وهو الحكم الثالث من الأحكام الأربعة التي اشتمل عليها الحديث.
(3) سبق تخريجه.
(2/524)
ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستولي
عليه ويكون من ضمانه، فييأس البائع من الفسخ وتنقطع علقه عنه.
وقد نص أحمد (1) على ذلك في الاعتياض عن دين القرض وغيره: أنه إنما يعتاض (2) عنه
بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمسألتين:
إحداهما: بيع الثمار بعد بدو صلاحها، فإنكم تجوّزون لمشتريها أن يبيعها على رؤوس
الأشجار ويربح فيها، ولو تلفت بجائحة لكانت من ضمان البائع، فيلزمكم أحد أمرين:
إما أن تمنعوا بيعها، وإما أن لا تقولوا بوضع الجوائح، كما يقول الشافعي وأبو
حنيفة، بل تكون من ضمانه، فكيف تجمعون بين هذا وهذا؟
المسألة الثانية: أنكم تجوِّزون للمستأجر أن يُؤَجِّر العين المستأجرة بمثل الأجرة
وزيادة، مع أنها لو تلفت لكانت من ضمان المؤجر، فهذا ربح ما لم يضمن.
قيل: النقض الوارد إما أن يكون بمسألة [ق 195] منصوص عليها أو مُجمَعٍ على حكمها،
وهاتان المسألتان غير منصوص عليهما ولا مجمع على حكمهما، فلا يَرِدان نقضًا، فإن
في جواز بيع المشتري ما اشتراه من الثمار على الأشجار كذلك روايتان منصوصتان عن
أحمد (3).
_________
(1) سبق عزو كلامه.
(2) في الأصل: «يعتاد»، تحريف سماعي.
(3) انظر: «الإنصاف» (12/ 191 - 192).
(2/525)
فإن مُنع البيع بطل النقض، وإن جوّزنا البيع
ــ وهو الصحيح ــ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا
كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا به، ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة
أضررنا به أيضًا، فجوَّزنا له بيعها لأنها في حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها،
وجعلناها من ضمان البائع بالجائحة، لأنها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه،
ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه. فلما كانت مقبوضة من وجه غير
مقبوضة من وجه رتّبنا على الوجهين مقتضاهما، وهذا من ألطف الفقه.
وأما مسألة الإجارة، فاختلفت الرواية عن أحمد في جواز إجارة الرجل ما استأجره
بزيادة على ثلاث روايات (1):
إحداهن: المنع مطلقًا، لئلا يربح فيما لم يضمن، وعلى هذا فالنقض مندفع.
والثانية: أنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة، وإلا فلا، لأن الزيادة لا تكون
ربحًا بل هي في مقابلة ما أحدثه من العمارة. وعلى هذه الرواية أيضًا فالنقض مندفع.
والثالثة: أنه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقًا، وهذه مذهب الشافعي (2).
وهذه الرواية أصح، فإن المستأجر لو عطَّل المكان وأتلف منافعه بعد قبضه لتلفت من
ضمانه، لأنه قبضه القبض التام، ولكن لو
_________
(1) انظر: «الإنصاف» (14/ 338 - 339).
(2) انظر: «المهذب» (15/ 306 مع تكملة المجموع).
(2/526)
انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجّر لزوال
محل المنفعة، فالمنافع مقبوضة ولهذا له استيفاؤها بنفسه وبنظيره، وإيجارُها
والتبرع بها. ولكن كونها مقبوضةً مشروط ببقاء العين، فإذا تلفت العين زال محل
الاستيفاء، فكانت من ضمان المؤجر.
وسرّ المسألة: أنه لم يربح فيما لم يضمن، وإنما ربح فيما (1) هو مضمون عليه
بالأجرة.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا تبع ما ليس عندك» (2) فمطابق لنهيه - صلى
الله عليه وسلم - عن بيع الغرر، لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس على ثقة من حصوله،
بل قد يحصل له وقد لا يحصل، فيكون غررًا، كبيع الآبق والشارد والطير في الهواء،
وما تحمل ناقته ونحوه.
قال حكيم بن حزام: يا رسول الله، الرجل يأتيني يسألني البيع ليس عندي فأبيعه منه،
ثم أمضي إلى السوق، فأشتريه وأسلمه إياه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك» (3).
وقد ظنّ طائفة أن السَّلَم مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنه بيع ما ليس عنده. وليس
كما ظنوه، فإن الحديث إنما تناول بيع الأعيان، وأما السَّلَم
_________
(1) «ربح فيما» سقطت من ط. الفقي.
(2) هو الحكم الرابع والأخير.
(3) أخرجه أحمد (15311)، وأبو داود (3503)، والترمذي (1232، 1235)، والنسائي
(4613) من حديث يوسف بن ماهَك، عن حكيم بن حزام.
قال الترمذي: حديث حسن. وقد قيل: إن يوسف لم يسمع من حكيم بدليل رواية أحمد
(15316) وابن حبان (4983) وفيها: «عبد الله بن عصمة» بينهما، ولفظها: «إذا اشتريت
بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه»، وقد سبق تخريجه (ص 498 - 499).
(2/527)
فعقدٌ على ما في الذمة، بل شرطه أن يكون في
الذمة، فلو أسلم في معيَّن عنده كان فاسدًا، وما في الذمة مضمون مستقر فيها. وبيع
ما ليس عنده إنما نهي عنه لكونه غيرَ مضمون عليه، ولا ثابت في ذمته، ولا في يده.
فالمبيع لا بد أن يكون ثابتًا في ذمة المشتري أو في يده، وبيع ما ليس عنده ليس
بواحدٍ منهما، فالحديث باق على عمومه.
فإن قيل: فأنتم تجوّزون للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه من
غاصبه، وهو بيع ما ليس عنده.
قيل: لما كان البائع قادرًا على تسليمه بالبيع، والمشتري قادرًا على تسلّمه من
الغاصب، فكأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو باعه مالًا وهو عند المشتري وتحت
يده، وليس عند البائع. والعِنْدية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة، فإنه يجوز أن
يبيعه ما ليس تحت يده ومشاهدته، وإنما هي عندية الحكم والتمكين، وهذا واضح ولله
الحمد.
17 - باب من اشترى عبدًا فاستغلَّه [ثم رأى عيبًا] (1)
413/ 3365 - عن مَخلَد بن خُفاف، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الخرَاجُ بالضَّمان».
وأخرجه الترمذي والنسائي (2)، وقال الترمذي: حديث حسن.
_________
(1) في «السنن» و «المختصر»: «فاستعمله»، وكان ناسخ الأصل كتبه كذلك ثم غيَّره إلى
ما هو مثبت، وما بين الحاصرتين من «المختصر». وفي «السنن»: «ثم وجد به عيبًا».
(2) أبو داود (3508)، والترمذي (1285)، والنسائي (4490)، من طريق ابن أبي ذئب عن
مخلد بن خفاف به.
(2/528)
414/ 3366 - وعن مخلد قال: كان بيني وبين
أناس شَرِكة في عبد، فاقْتَوَيْتُه وبعضُنا غائب، فأغَلَّ عليَّ غَلَّةً، فخاصمني
في نصيبه إلى بعض القضاة، فأمرني أن أرُدَّ الغلَّة، فأتيت عروة بن الزبير
فحدثتُه، فأتاه عروة فحدثه عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قال: «الخراج بالضمان» (1).
قال البخاري (2): هذا حديث منكر، ولا أعرف لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث. قال
الترمذي: فقلت له: فقد رُوي هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؟ فقال:
إنما رواه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ذاهب الحديث.
وقال ابن أبي حاتم (3): سئل أبي عنه ــ يعني مخلد بن خفاف ــ، فقال: لم يرو عنه
غير ابن أبي ذئب، وليس هذا إسناد يقوم بمثله الحجة، يعني الحديث الذي يروي مخلد بن
خفاف عن عروة عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن الخراج بالضمان».
وقال الأزدي: مخلد بن خفاف ضعيف.
415/ 3367 - وعن مسلم بن خالد الزَّنجي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة - رضي
الله عنها - أن رجلًا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به
عيبًا، فخاصمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فردَّه عليه، فقال الرجل: يا رسول
الله، قد استغلَّ غلامي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الخراج بالضمان»
(4).
قال أبو داود: هذا إسناد ليس بذاك.
_________
(1) «سنن أبي داود» (3509)، عن ابن أبي ذئب به.
(2) كما في «العلل الكبير» للترمذي (ص 191).
(3) «الجرح والتعديل» (8/ 347).
(4) «سنن أبي داود» (3510).
(2/529)
يشير إلى ما أشار إليه البخاري من تضعيف
مسلم بن خالد الزنجي.
وقد أخرج هذا الحديث الترمذي في «جامعه» (1) من حديث عمر بن علي المُقدَّمي عن
هشام بن عروة مختصرًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى أن الخراج بالضمان.
وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث هشام بن عروة. وقال أيضًا: استغرب محمد بن
إسماعيل ــ يعني البخاري ــ هذا الحديث من حديث عمر بن علي. قلت: تراه تدليسًا؟
قال: لا.
وحكى البيهقي (2) عن الترمذي أنه ذكره لمحمد بن إسماعيل البخاري، فكأنه أعجبه. هذا
آخر كلامه.
وعمر بن علي: هو أبو حفص عمر بن علي المقدَّمي البصري. وقد اتفق البخاري ومسلم على
الاحتجاج بحديثه. ورواه عن عمر بن علي: أبو سلمة يحيى بن خَلَف الجُوباري، وهو ممن
روى عنه مسلم في «صحيحه».
وهذا إسناد جيد، ولهذا صححه الترمذي، وهو غريب كما أشار إليه البخاري والترمذي. والله
عز وجل أعلم.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد قال قتيبة فيما رواه أبو داود: «هذا الحديث في
كتابي بخطي: عن جرير عن هشام بن عروة». ذكره البيهقي (3).
_________
(1) برقم (1286).
(2) في «معرفة السنن» (8/ 123).
(3) في «معرفة السنن» (8/ 123)، وأخرجه أبو عوانة في «المستخرج» (5493) قال: حدثنا
أبو داود السِّجزي، قال سمعت قتيبة ... إلخ، ثم قال أبو عوانة: وأما جرير فإن هذا
الحديث ليس بمشهور عنه، ولا نعلم كتبناه من غير حديث قتيبة بن سعيد.
وقال الترمذي عقب الحديث (1286): ورواه جرير عن هشام أيضا، وحديث جرير يقال: تدليس،
دلس فيه جرير لم يسمعه من هشام بن عروة.
(2/530)
فهؤلاء ثلاثة: عمر بن علي، ومسلم بن خالد،
وجرير.
وقال الشافعي (1): أخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب، عن مخلد بن
خفاف قال: «ابتعتُ غلامًا، فاستغللته، ثم ظهرتُ منه على عيب، فخاصمته فيه إلى عمر
بن عبد العزيز، فقضى له برده، وقضى عليّ برد غَلَّته، فأتيت عروة بن الزبير
فأخبرته فقال: أروح إليه العَشِيَّة فأخبره أن عائشة أخبرتني: أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - قضى في مثل هذا: أن الخراج بالضمان، فعجِلت إلى عمر، فأخبرته ما
أخبرني عروة عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال عمر بن عبد العزيز:
فما أيسر عليَّ مِن قضاءٍ قضيتُه، والله يعلم أني لم أُرِد فيه إلا الحق، فبلغني
فيه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -= فأرد قضاء عمر وأُنفّذ سنة رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -. فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به
عليَّ له. [ق 196] رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (2) عن ابن أبي ذئب.
18 - باب إذا اختلف البيِّعان والمبيع قائم
416/ 3368 - عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، قال: اشترى
الأشعثُ رقيقًا من رقيق الخُمس من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل عبدُ الله إليه في
ثَمَنهم، فقال: إنما أخذتُهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاخْتَرْ رجلًا يكون بيني
وبينك، قال الأشعث: أنتَ بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يقول: «إذا اختلف البيِّعان ليس بينهما بيِّنة، فهو ما
_________
(1) في «الرسالة» (ص 448 - 449)، وأسنده عنه البيهقي في «السنن الكبرى» (5/ 321)،
و «معرفة السنن» (8/ 124).
(2) برقم (1567)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (5/ 321).
(2/531)
يقول ربُّ السِّلعة أو يتتاركان».
وأخرجه النسائي (1).
417/ 3369 - وعن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابنَ مسعود باع من الأشعث بن
قيس رقيقًا ــ فذكر معناه، والكلام يزيد وينقص.
وأخرجه ابن ماجه (2).
وأخرجه الترمذي (3) من حديث عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود.
وقال: هذا مرسل، عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود.
وفيه (4) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولا يحتج به، وعبد الرحمن ابن عبد الله
بن مسعود لم يسمع من أبيه، فهو منقطع (5).
_________
(1) أبو داود (3511)، والنسائي (4648)، وكذلك أخرجه الحاكم (2/ 45)، والبيهقي (5/
332). وعبد الرحمن بن قيس مجهول الحال، وكذلك أبوه، ولكنه يتقوى ويثبت بمجموع طرقه
كما قال البيهقي والمؤلف (كما سيأتي) وابن عبد الهادي وغيرهم. انظر: «التمهيد»
(24/ 290 - 293)، و «تنقيح التحقيق» (4/ 75)، و «البدر المنير» (6/ 593)، و «إرواء
الغليل» (1322).
(2) أبو داود (3512)، وابن ماجه (2186)، كلاهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، عن القاسم به. ولفظ ابن ماجه: «إذا اختلف البيّعان وليس بينهما بينة، والبيع
قائم بعينه، فالقول ما قال البائع أو يترادّان البيع».
فقوله: «والبيع قائم بعينه» تفرّد به ابن أبي ليلى، والظاهر أنه المقصود من قول
أبي داود: «والكلام يزيد وينقص».
(3) برقم (1270).
(4) أي في إسناد حديث أبي داود السابق حديث الباب.
(5) كلام المنذري مثبت من (هـ).
(2/532)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روي هذا
الحديث من طرق عن ابن مسعود (1) يشدّ بعضُها بعضًا، وليس فيهم مجروح ولا متّهم،
وإنما يُخاف من سوء حفظ محمد بن عبد الرحمن، ولم ينفرد به، فقد رواه الشافعي (2)
عن ابن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، ثم قال: هذا
حديث منقطع لا أعلم أحدًا يصله عن ابن مسعود، وقد جاء من غير وجه.
وقد رواه الحاكم في «المستدرك» (3) من حديث ابن جُرَيج: أن إسماعيل بن أمية أخبره
عن عبد الملك بن عُمَير (4) قال: حضرت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأتاه رجلان
تبايعا سلعة، فقال أحدهما: أخذت بكذا وكذا، وقال الآخر: بعتُ بكذا وكذا، فقال أبو
عُبَيدة: أتي عبدُ الله بن مسعود في مثل هذا فقال: حضرتُ رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - في مثل هذا، فأمر البائع أن يحلف (5)، ثم خيّر المبتاع، إن شاء أخذ
وإن شاء ترك.
_________
(1) وهذه الجملة: «وقد روي ... » إلى هنا كانت من كلام المنذري أيضًا لكنه قال
بعده: «كلّها لا تثبت»، فلم يرتضه المؤلف فاستبدل به ما تراه.
(2) في رواية المزني والزعفراني عنه، كما في «السنن» للبيهقي (5/ 332)، و «معرفة
السنن والآثار» (8/ 139 - 140). وقوله الآتي في الحكم عليه بالانقطاع في رواية
الزعفراني فقط.
(3) (2/ 48) من طريق الشافعي، عن سعيد بن سالم القدّاح، عن ابن جريج به.
(4) تحرف في الطبعة الهندية من «المستدرك» إلى «عبد الملك بن عبيد»، وهو على
الصواب في ط. دار التأصيل (3/ 242) وط. دار الميمان (3/ 100) المحقَّقتَين.
(5) كذا في الأصل و (هـ)، وفي هامش (هـ): «يستحلف فيه»، وهو موافق للفظ «المستدرك»
دون كلمة: «فيه».
(2/533)
ورواه الإمام أحمد (1) عن الشافعي، حدثنا
سعيد بن سالم القدّاح، حدثنا ابن جريج ... فذكره.
قال عبد الله بن أحمد (2)، قال أبي: أُخبِرتُ عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن
إسماعيل بن أمية، عن عبد الملك بن عبيد. قال أحمد: وقال حجاج الأعور: عبد الملك بن
عُبَيدة (3).
قال البيهقي (4): وهذا هو الصواب. وقد رواه يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن
عبد الملك بن عمير، كما قال سعيد بن سالم، ورواية هشام بن يوسف وحجّاج عن ابن جريج
أصح.
وقال البخاري في «تاريخه» (5): عبد الملك بن عبيد عن بعض ولد عبد الله بن مسعود،
روى عنه إسماعيل بن أمية، مرسل.
وذكر بعده (6) عبد الملك بن عمير قال: هو الكوفي أبو عمر القرشي مات سنة ست
وثلاثين ومائة، وكان أفصح الناس، سمع جُندبًا، ورأى المغيرة، روى عنه الثوري
وشعبة.
_________
(1) في «المسند» (4442)، والمؤلف صادر عن «معرفة السنن والآثار» (8/ 140).
(2) عقب الحديث السابق.
(3) كذا في «معرفة السنن» و «السنن الكبرى» (5/ 332). وفي «مسند أحمد» المطبوع ــ
ومن طريقه الدارقطني (2857) ــ أن هشام بن يوسف قال: «ابن عبيدة»، وأن حجَّاجًا
الأعور قال: «ابن عبيد»، أي على عكس ما هنا.
(4) «معرفة السنن والآثار» (8/ 140).
(5) (5/ 424).
(6) (5/ 426).
(2/534)
قال البيهقي (1): ورواه أبو عُمَيس، ومَعْن
بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن المسعودي، وأبان بن تَغلِب، كلهم عن القاسم عن عبد
الله منقطعًا، وليس فيه: «والمبيع قائم بعينه»، وابن أبي ليلى كان كثير الوهم في
الإسناد والمتن، وأهلُ العلم بالحديث لا يقبلون منه ما ينفرد به لكثرة أوهامه.
وأصح إسنادٍ روي في هذا الباب: رواية أبي العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن
الأشعث بن قيس (2)، عن أبيه، عن جده ... فذكر الحديث الذي في أول الباب.
19 - باب الشفعة
418/ 3370 - عن أبي الزبير، عن جابر ــ وهو ابن عبد الله ــ قال: قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: «الشُّفْعَة في كل شِرْكٍ: رَبْعَةٍ أو حائطٍ، لا يصلح أن
يبيع حتى يُؤذِن شريكه، فإن باع فهو أحق به حتى يؤذنه».
وأخرجه مسلم (3).
419/ 3371 - وعن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عنه قال: إنما جَعل رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - الشفعة في كل ما لم يُقْسَم، فإذا وَقعتِ الحدود وصُرِّفت الطّرق
فلا شفعة».
وأخرجه البخاري (4).
420/ 3372 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا
قُسِمَت
_________
(1) «معرفة السنن» (8/ 141).
(2) «بن قيس» من (هـ) و «المعرفة».
(3) أبو داود (3513)، ومسلم (1608).
(4) أبو داود (3514)، والبخاري (2213).
(2/535)
الأرض وحُدَّتْ فلا شفعةَ فيها» (1).
421/ 3373 - وعن أبي رافع ــ وهو مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ سمع
النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الجارُ أحقُّ بِسَقَبِه».
وأخرجه البخاري (2).
422/ 3374 - وعن الحسن، عن سَمُرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «جارُ
الدَّار أحقُّ بدار الجار ــ أو الأرض ــ».
وأخرجه الترمذي (3) وصححه.
423/ 3375 - وعن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: «الجارُ أحقُّ بشفعة جاره، يُنتَظَر بها وإن كان
غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا».
وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (4)، وقال: حسن غريب. ولا نعلم أحدًا روى هذا
الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر. وقد تكلم شعبة في عبد الملك
من أجل هذا الحديث. وعبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدًا تكلم فيه
غير شعبة من أجل هذا الحديث.
_________
(1) «سنن أبي داود» (3515). وأخرجه النسائي في «الكبرى» (6261، 6262)، وابن ماجه
(2497).
(2) أبو داود (3516)، والبخاري (2258).
(3) أبو داود (3517)، والترمذي (1368).
(4) أبو داود (3518)، والترمذي (1369)، والنسائي في «الكبرى» (6264)، وابن ماجه
(2494).
(2/536)
وقال الشافعي (1): سمعتُ بعض أهل العلم
بالحديث يقولون: نخاف أن لا يكون هذا الحديث محفوظًا (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: قيل له (3): ومن أين قلت؟ قال: إنما رواه عن جابر بن
عبد الله، وقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر مفسَّرًا أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - قال: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة»، وأبو
سلمة من الحفاظ. وروى أبو الزبير ــ وهو من الحفاظ ــ عن جابر ما يوافق قول أبي
سلمة، ويخالف ما روى عبد الملك بن أبي سليمان، وفيه من الفرق بين الشريك وبين
المقاسم، فكان أولى الأحاديث أن يؤخذ به عندنا ــ والله أعلم ــ لأنه أثبتُها
إسنادًا وأبيَنُها لفظًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأعرقها (4) في الفرق
بين المقاسم وغير المقاسم. آخر كلامه.
[وسئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر، ذكره البيهقي (5) وغيره
عنه. وقال يحيى بن معين (6): لم يحدّث به إلا عبد الملك،
_________
(1) في «اختلاف الحديث» (10/ 216 مع الأم)، وعنه في «معرفة السنن» (8/ 315).
(2) كلام المنذري على أحاديث الباب مثبت من (هـ)، وفيه تصرّف واختصار من المؤلف
عمّا في «المختصر»، وكان هذا النقل الأخير عن الشافعي ورد فيه مختصرًا فأثبت
المؤلف نصّ الشافعي من «معرفة السنن والآثار»، ثم أكمله إلى آخره.
(3) أي الشافعي، والنقل متصل بما سبق.
(4) كذا في الأصل مضبوطًا بالقاف، وفي مطبوعة «اختلاف الحديث» و «معرفة السنن»:
«أعرفها» بالفاء.
(5) في «السنن الكبرى» (6/ 108) و «معرفة السنن» (8/ 316). وهو في «العلل ومعرفة
الرجال» رواية عبد الله (2256).
(6) أسنده عنه الخطيب في «تاريخ بغداد» (12/ 132).
(2/537)
وقد أنكره الناس عليه.
وقال الترمذي (1): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدًا رواه
عن عطاء غير عبد الملك، تفرّد به. ورُوي عن جابر خلاف هذا.
ثم] (2) قال الترمذي: وإنما ترك شعبة حديث عبد الملك لحال هذا الحديث. تم كلامه.
وروى الحاكم (3) من طريق أمية بن خالد قال: قلت لشعبة: ما لك لا تُحدِّث عن عبد
الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركت حديثه، قال: قلت: تحدث عن محمد بن عبيد الله (4)
العَرْزَمي وتدع عبد الملك، وقد كان حسنَ الحديث؟! قال من حُسْنِها فررت!
وقال أحمد بن سعيد الدارمي سمعت مسدَّدًا وغيره من أصحابنا عن يحيى بن سعيد قال:
قال شعبة: لو أن عبد الملك جاء بمثله آخر أو اثنين لتركت حديثه، يعني حديث الشفعة
(5).
وقال (6) أبو قدامة عن يحيى القطان قولَه: لو روى عبد الملك بن أبي
_________
(1) في «العلل الكبير» (ص 216).
(2) ما بين الحاصرتين من (هـ)، ولعل المجرّد لم يذكره لأنه منقول من كلام المنذري
في «المختصر» (5/ 172) بتصرّف يسير.
(3) وعنه البيهقي في «معرفة السنن» (8/ 316 - 317). وأخرج الحكاية أيضًا ابن أبي
حاتم في «الجرح والتعديل» (1/ 146)، والعقيلي في «الضعفاء» (3/ 497)، وابن عدي في
«الكامل» (5/ 302).
(4) في الأصل و (هـ): «عبد الله» تصحيف.
(5) أسنده البيهقي في «معرفة السنن» (8/ 317).
(6) كذا في الأصل و (هـ)، فإن لم يكن تصحيفًا عن «نقل» فهو مضمَّن معناه.
(2/538)
سليمان حديثًا آخر مثل حديث الشفعة لتركتُ
حديثه (1).
وقال بعض الناس: هذا رأي لعطاء، أدرجه عبد الملك في الحديث إدراجًا.
فهذا ما رمى به الناسُ عبد الملك وحديثه.
وقال آخرون: عبد الملك أجل وأوثق من أن يُتكلّم فيه. وكان يسمى «الميزان» لإتقانه
وضبطه وحفظه (2)، ولم يتكلم فيه أحد قط إلا شعبة، وتكلم فيه من أجل هذا الحديث،
وهو كلام باطل، فإنه إذا لم يُضعِّفه إلا من أجل هذا [ق 197] الحديث كان ذلك دورًا
باطلًا، فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبد الملك؛ فلا يجوز أن يستفاد ضعفه
من ضعف الحديث الذي لم يُعلَم ضعفه إلا من جهة عبد الملك، ولم يُعلَم ضعف عبد
الملك إلا بالحديث؛ وهذا محال من الكلام، فإن الرجل من الثقات الأثبات الحفاظ
الذين لا مطمع في الطعن (3) فيهم (4).
وقد احتج به مسلم في «صحيحه»، وخرّج له عدة أحاديث، ولم ينكِر
_________
(1) أسنده ابن عدي في «الكامل» (5/ 302)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (6/
107)، وعلّقه في «معرفة السنن» (8/ 317).
(2) هكذا كان يسمّيه سفيان الثوري، انظر: «الجرح والتعديل» (5/ 366)، و «جامع
الترمذي» عقب الحديث، و «تهذيب الكمال» (4/ 556).
(3) في الأصل: «في للطعن» سهو، والتصحيح من (هـ).
(4) قد يقال: إن شعبة ضعَّف عبد الملك وحديثَه لمخالفته اللفظَ المحفوظ لحديث جابر
من رواية أبي سلمة وأبي الزبير عنه ــ وقد أشار إلى ذلك الشافعي كما سبق ــ،
وحينئذ فلا دور، فتأمل.
(2/539)
عليه (1) تصحيحَ حديثه والاحتجاج به أحدٌ من
أهل العلم، واستشهد به البخاري. ولم يروِ ما يخالف الثقات، بل روايته موافقة لحديث
أبي رافع الذي أخرجه البخاري، ولحديث سمرة الذي صححه الترمذي، فجابر ثالث ثلاثة في
هذا الحديث: أبي رافع، وسمرة، وجابر، فأي مطعن على عبد الملك في رواية حديث قد
رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة من الصحابة؟
والذين ردُّوا حديثه ظنوا أنه معارض لحديث جابر الذي رواه أبو سلمة عنه: «الشفعة
فيما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة».
وفي الحقيقة لا تعارض بينهما، فإن منطوق حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميّز
الحدود وتصريف الطرق واختصاص كل ذي مُلكٍ بطريق، ومنطوقُ حديث عبد الملك إثبات
الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق،
فمفهومه موافق لمنطوق حديث أبي سلمة وأبي الزبير، ومنطوقه غير معارض له.
وهذا بيِّن، وهو أعدل الأقوال في المسألة، فإن الناس في شفعة الجوار طرفان ووسط،
فأهل المدينة وأهل الحجاز وكثير من الفقهاء ينفونها مطلقًا، وأهل الكوفة يثبتونها
مطلقًا، وأهل البصرة يثبتونها عند الاشتراك في حق من حقوق الملك، كالطريق والماء
ونحوه، وينفونها عند تميز كل ملك بطريقه حيث لا يكون بين المُلّاك اشتراك. وعلى
هذا القول تدل أحاديث جابر منطوقُها ومفهومُها، ويزول عنها التضاد والاختلاف،
ويُعلَم أن عبد الملك لم يرو ما يخالف رواية غيره.
_________
(1) «عليه» من (هـ).
(2/540)
والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد (1)، وأعدلها
وأحسنها هذا القول الثالث، والله الموفق للصواب.
20 - باب في الرجل يُفلِس، فيجد الرجلُ متاعَه بعينه
424/ 3376 - عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيُّما رجلٍ
أَفلَس فأدرك الرجلُ متاعَه بعينِه فهو أحقُّ به من غيره».
وأخرجه الباقون (2).
425/ 3377 - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قال: «أيُّما رجلٍ باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه
من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحبُ المتاع
إسْوَةُ الغُرَماء» (3).
426/ 3378 - وفي رواية: «وإن كان قَضَى من ثمنها شيئًا فهو إسوة الغرماء» (4).
وهذا مرسل.
427/ 3379 - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي
_________
(1) انظر: «الإنصاف» (15/ 371 - 373).
(2) أبو داود (3519)، والبخاري (2402)، ومسلم (1559)، والترمذي (1262)، والنسائي
(4676)، وابن ماجه (2358)، كلهم من طريق عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد
الرحمن بن الحارث، عن أبي هريرة.
(3) «سنن أبي داود» (3520) من طريق مالك عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن
مرسلًا.
(4) «سنن أبي داود» (3521) من طريق يونس عن الزهري به.
(2/541)
- صلى الله عليه وسلم - نحوه، قال: «فإن كان
قضاه من ثمنها شيئًا فما بقي فهو إسوة الغرماء، وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ
بعينه، اقتُضي منه شيء أو لم يُقتَضَ، فهو إسوة الغرماء» (1).
قال أبو داود: «وحديث مالك أصح». يريد المرسل الذي تقدم.
وفيه إسماعيل بن عيّاش. وقال الدارقطني (2): ولا يثبت هذا عن الزهري مسندًا، وإنما
هو مرسل. آخر كلامه (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أعله الشافعي (4) بأنه كالمدرج في حديث أبي
هريرة، يعني قوله: «فإن كان قضى من ثمنها شيئًا ... » إلى آخره. قال الشافعي في
جواب من سأله: لِمَ لا تأخذ بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن هذا ــ يعني المرسل ــ
فقال: الذي أخذتُ به أولى من قِبَل أن ما أخذت به موصول يجمع فيه النبي - صلى الله
عليه وسلم - بين الموت والإفلاس (5)،
وحديث ابن شهاب منقطع،
_________
(1) «سنن أبي داود» (3522) من طريق إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي،
عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن.
(2) في «سننه» عقب الحديث (2903).
(3) كلام المنذري على أحاديث الباب مثبت من (هـ)، وفيه تصرّف يسير من المؤلف.
(4) في «الأم» (4/ 448 - 449)، ونقله عنه البيهقي في «الكبرى» (6/ 46 - 47)، و
«معرفة السنن» (8/ 249 - 250).
(5) هو حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: «أيما رجل مات أو أفلس فصاحب
المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه». أخرجه الشافعي في «الأم» (4/ 415)، وأبو داود
(3523) وغيرهما من طريق أبي المعتمر بن عمرو بن رافع، عن عمر بن خلدة، عن أبي
هريرة - رضي الله عنه -.
وفي إسناده لين، فإن أبا المعتمر مجهول لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب، وقد ضعّف
الحديث ابن المنذر وغيره. انظر: «الأوسط» (11/ 34)، و «البدر المنير» (6/ 649).
(2/542)
ولو لم يخالفه غيره لم يكن مما يُثبته أهلُ
الحديث، ولو لم يكن في تركه حجة إلا هذا انبغى لمن عرف الحديث تركُه من الوجهين،
مع أن أبا بكر بن عبد الرحمن يروي عن أبي هريرة حديثه ليس فيه ما (1) روى ابن شهاب
عنه مرسلًا؛ إن كان رواه كلَّه ــ ولا أدري عمن رواه، ولعله روى أوّل الحديث وقال
برأيه آخره ــ، وموجود في حديث أبي بكر عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - أنه انتهى فيه إلى قوله: «فهو أحق به» = أشبَهَ أن يكون ما زاد على هذا
قولًا (2) من أبي بكر لا رواية. تم كلامه.
وقد روى الليث (3) بن سعد عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم (4)، عن عمر بن عبد
العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة يرفعه: «أيما رجل أفلس ثم وجد رجل
سلعته عنده بعينها، فهو أولى بها من غيره». قال الليث: بلغَنا أن ابن شهاب قال:
«أما من مات ممن أفلس ثم وجد رجل سلعته بعينها فإنه أسوة الغرماء»، يحدث بذلك عن
أبي بكر بن عبد الرحمن.
قال البيهقي: هكذا وجدته غير مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخره، وفي
ذلك
_________
(1) في الأصل والطبعتين: «فيما»، وكذا في مطبوعة «معرفة السنن»، وهو خطأ، والتصحيح
من «الأم» و «السنن الكبرى».
(2) في الأصل وط. المعارف: «قول»، والتصحيح من المصادر.
(3) ومن طريقه البيهقي في «معرفة السنن» (8/ 250).
(4) ط. الفقي: «أبي بكر بن محمد بن حزم»، وما في الأصل صواب، فإنه منسوب إلى جدّه
الثاني، لأنه: «أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم».
(2/543)
كالدلالة على صحة ما قال الشافعي.
وقال غيره: هذا الحديث قد رواه عبد الرزاق عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد
الرحمن عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قاله ابن عبد البر (1).
وقد رواه إسماعيل بن عياش عن الزُّبَيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن
أبي هريرة. ومن هذه الطريق خرّجه أبو داود (2). والزُّبَيدي هو: محمد بن الوليد
شامي حمصي. وقد قال الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما: حديث إسماعيل بن عياش عن
الشاميين صحيح (3). فهذا الحديث ــ على هذا ــ صحيح.
وقد رواه موسى بن عقبة عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي
- صلى الله عليه وسلم -، ذكره ابن عبد البر (4).
_________
(1) في «التمهيد» (8/ 406)، لكنه ذكر أنه في جميع «الموطآت» مرسل، وكذلك رواه جميع
الرواة عن مالك، إلا عبد الرزاق، وقد اختُلِف عليه فيه، فرواه بعض الرواة عنه