افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم. افتتاح البرنامج الدعوي السبت القادم، ٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ بعد صلاة الفجر مباشرة مسجد محمد بن إبراهيم، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ د. هيثم بن محمد سرحان دورة اليوم الواحد، وختم كتاب كل سبت بإذن الله حياكم الله ونفع بكم.
Islamic Reads · IslamHouse.com

الحديث وشروحه وعلومه

يعمل الصوت والفيديو من المصدر. يبدأ التحميل عند الضغط على التشغيل.

العربية

تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته

ابن القيم · عطاءات العلم

النص المتاح من المصدر

هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.

و «جملوها»: يعني أذابوها [ق 182] وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويَحدُث لها اسم آخر وهو الوَدَك، وذلك لا يفيد الحِلَّ، فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدَّل بتبدُّل الاسم. وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يَزُل تحريم الشحم بتبدل الاسم بصورة الجَمْل والإذابة، وهذا واضح بحمد الله. وأيضًا: فإن القوم (1) لم ينتفعوا بعَين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم مَن وقف مع صُوَر العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها أن لا يحرِّم ذلك، لأن الله تعالى لم ينصَّ على تحريم الثمن، وإنما حرَّم عليهم نفس الشحم. ولمّا لعنهم على استحلالهم الثمن، وإن لم ينص على تحريمه، دل على أن الواجبَ النظرُ إلى المقصود وإن اختلفت الوسائل إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يُقصد الانتفاعُ بالعَين ولا ببدلها. ونظير هذا أن يُقال: «لا تقرب مال اليتيم»، فتبيعه وتأكل عِوَضه؛ وأن يقال: «لا تشرب الخمرَ»، فتغير اسمه وتشربه؛ وأن يقال: «لا تَزْنِ بهذه المرأة»، فتعقدَ عليها عقدَ إجارةٍ وتقول: إنما أستوفي منافعها! وأمثال ذلك. قالوا: ولهذا الأصل ــ وهو تحريم الحِيَل المتضمنة إباحةَ ما حرم الله، أو إسقاطَ ما أوجبه الله عليه ــ أكثر من مائة دليل. وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن المحلِّل والمحلَّل له (2)، مع أنه أتى بصورة _________ (1) ط. الفقي: «اليهود» تغييرًا لما في الأصل. (2) أخرجه أحمد (4283)، والترمذي (1120)، والنسائي (3416)، وغيرهم من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروي أيضًا من حديث علي، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن عباس - رضي الله عنهم -، وفي أسانيدها ضعف. انظر: «بيان الدليل» (ص 318 - 322)، و «تفسير ابن كثير» (البقرة: 230)، و «التلخيص الحبير» (3/ 170 - 171). (2/464) عقد النكاح الصحيح، لمّا كان مقصوده التحليل، لا حقيقة النكاح. وقد ثبت عن الصحابة أنهم سَمَّوه زانيًا (1)، ولم ينظروا إلى صورة العقد. الدليل الثاني على تحريم العينة ما رواه أحمد في «مسنده» (2): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله= أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه عنهم حتى يُراجِعوا دينهم». ورواه أبو داود (3) بإسناد صحيح إلى حَيْوَةَ بن شُرَيحٍ المصري، عن إسحاق أبي عبد الرحمن (4) الخراساني، أن عطاءً الخراساني حدثه: أن نافعًا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (فذكره). وهذان إسنادان حسنان يشُدُّ أحدهما الآخر. _________ (1) صحَّ عن ابن عمر أنه قال: كنا نعدُّ هذا سفاحًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أخرجه وكيع ــ كما في «بيان الدليل» (ص 397) ــ، والحاكم (2/ 199) وعنه البيهقي (7/ 208)، بإسناد على شرط الشيخين. (2) رقم (4825)، وسيأتي الكلام عليه. (3) رقم (3462)، وهو حديث الباب. (4) في الأصل: «أبي عبد الله»، خطأ. (2/465) فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر (1). فالإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحَيْوة كذلك، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن (2) فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثلُ: حَيْوة، واللَّيث، ويحيى بن أيوب، وغيرهم. وله طريق ثالث: رواه السَّرِي بن سهل (3): حدثنا عبد الله بن رُشَيد، _________ (1) أما الأول فلأن الأعمش مدلس ولم يصرح بالسماع، وأما الثاني فلأنه اختلف الأئمة في سماع عطاء من ابن عمر، فأثبته أبو نعيم الفضل بن دكين، كما في «التاريخ الكبير» للبخاري (6/ 464)، وأنكره أحمد فقال: رآه ولم يسمع منه، كما في «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 154). (2) في الأصل: «أبو عبد الله»، خطأ. (3) نقله عنه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص 73) فقال: «وقد رُويناه من طريق ثالث في حديث السري بن سهل الجُندَيسابوري بإسناد مشهور إليه». وقد أخرجه أيضًا ابن أبي الدنيا في «العقوبات» (317)، والرُّوياني في «مسنده» (1422)، وأبو يعلى (5659)، والطبراني في «الكبير» (12/ 433)، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 313 - 314)، والبيهقي في «الشعب» (10373)؛ من طرق عن الليث بن أبي سليم به، إلا أن في رواية أبي يعلى والطبراني والبيهقي زيادة «عبد الملك بن أبي سليمان» في الإسناد بين الليث وعطاء. ويُشبه أن يكون هذا الاختلاف من الليث نفسه، فإنه مضطرب الحديث لسوء حفظه واختلاطه، وقد ذكر البيهقي عقب الحديث لونَين آخَرَين في الإسناد عنه. هذا، وللحديث طريق رابع: أخرجه أحمد (5007) من طريق أبي جناب الكلبي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عمر. وهو ضعيف لعنعنة أبي جناب، فإنه كثير التدليس عن الضعفاء. وطريق خامس: أخرجه ابن أبي الدنيا في «العقوبات» (24) بإسناد حسن إلى راشد أبي محمد الحِمَّاني أنه قال: قال ابن عمر ... بنحوه. إلا أنه مُرسَل فإن راشدًا هذا من صغار التابعين لم يُدرك ابن عمر. (2/466) حدثنا عبد الرحمن بن محمد، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر= أدخل الله عليهم ذُلًّا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم». وهذا يبين أن للحديث أصلًا وأنه محفوظ. الثالث: ما تقدم من حديث أنس أنه سئل عن العينة، فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله». وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع. الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله: «هذا مما حرم الله ورسوله». الخامس: ما رواه الإمام أحمد (1): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن العالية؛ ورواه حرب (2) من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدّته العالية ــ يعني جدة إسرائيل، فإنها امرأة أبي إسحاق ــ _________ (1) كما في «بيان الدليل» (ص 77) ــ والمؤلف صادر عنه ــ، وليست الرواية في «المسند»، ولعلها كانت في «مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني» كما يدل عليه الإسناد الآتي. والحديث قد سبق تخريجه في أول الباب. (2) لعله في «مسائله» عن أحمد وإسحاق، فإنه كثيرًا ما يُسند فيها الأحاديث، كما في القدر المطبوع منه، وأكثره في عداد المفقود، والله المستعان. (2/467) قالت: دخلت على عائشة في نسوة فقالت [ما] حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم مُحبّة، فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت نعم. قالت: فإني بعته جاريةً لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد أن يبيعها فابتعتُها بستمائة درهم نقدًا. فأقبلتْ عليها وهي غضبى، فقالت: بئسما شَرَيتِ وبئسما اشتريتِ، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب. وأُفحِمتْ صاحبتنا فلم تتكلم طويلًا، ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلَتْ عليها: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275]. فلولا أن عند أم المؤمنين علمًا لا تستريب فيه أن هذا محرَّم لم تستجز (1) أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يَحبَط بالردة، وأن استحلال الربا كفرٌ، وهذا منه، ولكن زيدٌ معذور لأنه لم يعلم أن هذا مُحرَّم، ولهذا قالت: «أبلغيه». ويحتمل أن تكون قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمُها ثوابَ الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنةً وسيئةً بقدرها، فكأنه لم يعمل شيئًا. وعلى التقديرين فجزمُ أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد [ق 183] والنزاعِ بين الصحابة لم تُطلِق عائشة على زيد ذلك، فإن الحسناتِ لا تَبطُل بمسائل الاجتهاد. ولا يقال: فزيد من الصحابة وقد خالفها؛ لأن زيدًا لم يقل: هذا حلال، _________ (1) في الأصل و (هـ) وط. المعارف: «تستحسن»، ولعل المُثبت من ط. الفقي هو الصواب لموافقته ما في «بيان الدليل» (ص 78) والمؤلف صادر عنه. (2/468) بل فعله، وفِعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح، لاحتمال سهوٍ أو غفلة أو تأويل أو رجوع ونحوه، وكثيرًا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته، فإذا نُبِّه لها انتبه. ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على عائشة تستفتيها، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد، ولم يُنقَل عن زيد أنه أصرَّ على ذلك. فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث، فإن أم ولد زيد مجهولة. قلنا: أم ولده لم تروِ الحديث، وإنما كانت هي صاحبة القصة، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة (1)، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها. وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة وتضعها، بل يغلب على الظن غلبةً قوية صِدقُها فيها وحفظها لها، ولهذا رواها عنها زوجها (2) ولم يتَّهِمها، ولا سيما عند من يقول رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيًا في التابعين فُشُوَّه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - _________ (1) هكذا جاء في أكثر الروايات عن أبي إسحاق: أن العالية دخلت مع أم ولد زيدٍ على عائشة، فأم الولد صاحبة القصة، والراوية عن عائشة هي العالية، إلا أن في رواية الثوري عنه عند عبد الرزاق (14813) ما ظاهره أن العالية لم تسمعه من أم المؤمنين مباشرة، وإنما روته عن امرأة أبي السفر، عن عائشة. والله أعلم. وانظر: «المحلَّى» (9/ 49). (2) بعده في الأصل: «ميمون»، وليس في (هـ)، ولا وجه له، فزوجها هو: عمرو بن عبدالله أبو إسحاق السبيعي. (2/469) ويَحتج به. فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم العينة: حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة، وحديث أنس وابن عباس أنها مما حرم الله ورسوله، وحديث عائشة هذا. والمرسل منها له ما يوافقه، وقد عمل به الصحابة والسلف، وهذا حجة باتفاق الفقهاء. السادس: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الربا». وللعلماء في تفسيره قولان: أحدهما: أن يقول: بعتك بعشرة نقدًا، أو عشرين نسيئة. وهذا هو الذي رواه أحمد (1) عن سماك، ففسره في حديث ابن مسعود قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صفقتين في صفقة. قال سماك: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو على نَساءٍ بكذا، وبنقد بكذا. وهذا التفسير ضعيف، فإنه لا يدخل الربا (2) في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني: أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالَّةً. وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله: «فله أوكسهما أو الربا»، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيُرْبي، أو الثمن الأول _________ (1) رقم (3783) من طريق شريك، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وشريك سيئ الحفظ، وقد خالفه سفيان الثوري وشعبة فروياه عن سماك به موقوفًا على ابن مسعود؛ لفظ الثوري: «صفقتان في صفقة ربا»، ولفظ شعبة: «لا تحل صفقتان في صفقة». أخرجهما ابن حبان (1053، 5025) وغيره. (2) (هـ): «لا مدخل للربا». (2/470) فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة. فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهمَ مؤجّلةٍ أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا. فتدبَّرْ مطابقة هذا التفسير لألفاظه - صلى الله عليه وسلم - وانطباقَه عليها. ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإمام أحمد (1) عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع. فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلًّا منهما يؤول إلى الربا، لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا. ومما يدل على تحريم العِينة: حديث ابن مسعود يرفعه: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهِدَيه وكاتبه والمُحِلَّ والمحلَّل له» (2). _________ (1) رقم (6628، 6918) من حديث عبد الله بن عمرو، وليس «ابن عمر» كما هنا، ولعله سهو، وهو على الصواب في «بيان الدليل» (ص 85) والمؤلف صادر عنه. والحديث إسناده حسن، فإنه من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. أخرجه أبو داود (3504)، والترمذي (1234)، والحاكم (2/ 17) بلفظ: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع». (2) أخرجه أحمد (3737) والترمذي (1206) وقال: حسن صحيح، وابن حبان (5025)، كلهم دون قوله: «والمُحِلَّ والمحلَّل له»، وصحّ ذلك عن ابن مسعود من طريق آخر، وقد سبق تخريجه. ورويت هذه الأمور مجتمعة في حديث حارث الأعور عن علي. أخرجه أحمد (671، 980، 1364)، والبزار (281)، وأبو يعلى (402) وغيرهم. (2/471) ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد (1) على عقدٍ صورته جائزةُ الكتابة والشهادِة، لا يشهد بمجرد الربا، ولا يكتبه. ولهذا قرنه بالمُحِل والمحلل له، حيث أظهرا صورة النكاح، ولا نكاح؛ كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع، ولا بيع. وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل؛ فلَعَن المعقود له، والمعينَ له على ذلك العقد، ولعن المُحِلَّ والمحلل له؛ فالمحلل له هو الذي يُعقَد التحليل لأجله، والمُحِلّ هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به؛ فصلوات الله وسلامه (2) على من أوتي جوامع الكلم. السابع: ما صحَّ عن ابن عباس أنه قال: «إذا استقمت بنقدٍ فبِعتَ بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقدٍ فبعت بنسيئة فلا خير فيه، تلك وَرِق بورق» رواه سعيد وغيره (3). ومعنى كلامه: أنّك إذا قوَّمت السلعة بنقدٍ ثم بِعتَها بنَساءٍ، كان مقصود المشتري شراء دراهم معجَّلة بدراهم مؤجَّلة، وإذا قوَّمتَها بنقد ثم بعتَها به فلا بأس، فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا. _________ (1) (هـ): «يشهد ويكتب». (2) «وسلامه» من (هـ). (3) أخرجه عبد الرزاق (15028) بإسناد صحيح. (2/472) الثامن: ما رواه ابن بطة (1) عن الأوزاعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» يعني العينة. وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو صالح للاعتضاد به، ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده. ويشهد له أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليشربنَّ [ق 184] ناسٌ من أمتي الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها» (2). وقوله أيضًا فيما رواه إبراهيم الحربي (3) من حديث أبي ثعلبة عن النبي _________ (1) عزاه إليه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص 67)، وليس في «إبطال الحيل» المطبوع. وأخرجه الخطابي في «غريب الحديث» (1/ 218) دون تفسيره بالعينة، والحديث معضل. (2) أخرجه أحمد (22900)، وأبو داود (3688)، وابن حبان (6758)، من حديث مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غَنم، عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -. في إسناده ضعف لجهالة مالك بن أبي مريم، ولكن للحديث شواهد كثيرة يصح بها، منها ما أخرجه أحمد (18073) والنسائي (5658) بإسناد صحيح عن رجلٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، بنحوه. وانظر: «الفتح» (10/ 51 - 52)، و «السلسلة الصحيحة» (89، 90، 414). (3) ليس في القدر المطبوع من «غريب الحديث» له، وقد أخرجه الدارمي (2146)، والطبراني في «الكبير» (22/ 223) وفي «مسند الشاميين» (2/ 293)، والخطابي في «الغريب» (1/ 249) من طريق مكحول عن أبي ثعلبة - رضي الله عنه -، وزاد في رواية الدارمي والخطابي: «عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة بن الجرَّاح». رجاله ثقات، إلا أن مكحولًا كثيرُ الإرسال، ونص المزي في «تهذيب الكمال» (8/ 268): أنه لم يسمع من أبي ثعلبة. ولكنه توبع، تابعه عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة ومعاذ - رضي الله عنهما -، ولفظه: «يستحلون الحرير والخمور والفروج». أخرجه إسحاق بن راهويه ــ كما في «المطالب العالية» (2092) ــ، وأبو يعلى (873)، والبيهقي (8/ 159)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو صدوق سيئ الحفظ، فبمجموع الطريقين يتقوى الحديث، لا سيما ويشهد له حديث أبي عامر ــ أو أبي مالك ــ الأشعري عند البخاري (5590): «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ... ». (2/473) - صلى الله عليه وسلم -: «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم مُلك ورحمة، ثم مُلك وجبرية، ثم ملك عَضُوض يُستَحَلّ فيه الحِرُ والحرير». و «الحِرُ» بكسر الحاء وتخفيف الراء هو: الفرج. فهذا إخبار عن استحلال المحارم، ولكنه بتغيير أسمائها، وإظهارِ صُوَرٍ تُجعَل وسيلةً إلى استباحتها، وهي الربا والخمر والزنا، فيسمَّى كل منها بغير اسمها، ويُستباح بالاسم الذي سمي به، وقد وقعت الثلاثة. وفي قول عائشة: «بئسما شريتِ، وبئسما اشتريت» دليل على بطلان العقدَين معًا، وهذا هو الصحيح من المذهب، لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه. وفيه قول آخر في المذهب: إن العقد الأول صحيح، لأنه تم بأركانه وشروطه، فطَرَيان الثاني عليه لا يبطله. وهذا ضعيف، فإنه لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرَّم، فكيف يُحكَم بصحته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب. فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟ قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب (1) على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة، لأن هذا يُتخذ وسيلةً إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي _________ (1) كما في «المغني» (6/ 263). (2/474) عكسُها صورةً. وفي الصورتين قد ترتّب في الذمة (1) دراهم مؤجلة بأقل منها نقدًا، لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته، فلا فرق بينهما. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلةً ولا مواطأةً بل وقع اتفاقًا، وفرَّقَ بينها وبين الصورة الأولى بفرقين: أحدهما: أن النص ورد فيها، فيبقى ما عداها على أصل الجواز. والثاني: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه. والفرقان ضعيفان، أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تَتقيَّد به، بل النصوص مطلقة على تحريم العينة. والعِينة فِعْلَة من العَين وهو النقد، قال الشاعر (2): أنَدَّانُ أم نَعْتَانُ، أم ينبري لنا ... فتًى مثلُ نصلِ السيف مِيزَتْ (3) مضاربُه _________ (1) الأصل: «ذمته»، والمثبت من (هـ). (2) البيت بهذه الرواية بلا نسبة في «تهذيب اللغة» (14/ 183)، ومنه في «اللسان» (دين). وهو برواية أخرى مع بيت آخر قبله في «مقاييس اللغة» (4/ 204) بلا نسبة، وفي «أساس البلاغة» (عين) منسوبًا إلى ابن مُقبل: فكيف لنا بالشرب إن لم تكن لنا ... دراهمُ عند الحانَويِّ ولا نقدُ أندَّانُ أم نعتانُ أم ينبري لنا ... فتًى مثلُ نصل السيف أبرزه الغِمْدُ وأنشدهما ابن برِّي (اللسان ــ عون) لذي الرُّمَّة برواية «شيمته الحمد» مكان «أبرزه الغمد». وهما لذي الرمة أيضًا في «قطب السرور» (ص 637) مع بيت ثالث. وقوله: «أندَّان أم نعتانُ» أي أنتداين أم نأخذ العِينَة. (3) كذا في الأصل، والرواية: «هُزَّت»، ولعلّ المؤلف صادر عن «المغني» (6/ 262). (2/475) قال الجوزجاني (1): أنا أظن أن العينة إنما اشتُقَّت من حاجة الرجل إلى العَين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعَين الذي احتاج إليه، وليست به إلى السلعة حاجة. وأما الفرق الثاني فكذلك، لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق بين الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه. فإن قيل: فما تقولون إذا لم تَعُد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عِينة؟ قيل: هذه مسألة التَوَرُّق، لأن المقصود منها الوَرِق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود (2) على أنها من العِينة، وأطلق عليها اسمها. وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: «التورق آخِيَّة الربا» (3)، ورخص فيها إياس بن معاوية (4). وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهة في إحداهما بأنه _________ (1) كما في «بيان الدليل» (ص 74). (2) (ص 263). (3) ذكره شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص 82)، ولم أجده مسندًا إليه بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن أبي شيبة (20528) بإسناد صحيح أنه كتب إلى عبد الحميد ــ وهو ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، والِيه على الكوفة ــ: «انْهَ مَن قِبَلك عن العِينة فإنها أخت الربا». «آخية الربا» فسّره شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (29/ 431) فقال: «أي: أصل الربا». والذي يظهر من رواية ابن أبي شيبة أن ضبطَه: «أُخيَّة الربا» تصغير الأخت. (4) أخرجه ابن أبي شيبة (20525). (2/476) بيع مُضطَرّ. وقد روى أبو داود (1) عن علي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع المضطر. وفي «المسند» (2) عن علي: «سيأتي على الناس زمان عضوض يَعَضُّ المُوسِر (3) على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] ويبايع المضطَرّون، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر» وذكر الحديث. فأحمد - رحمه الله - أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطَر إلى نفقة، يَضِنُّ عليه الموسِرُ بالقرض، فيُضطَرّ إلى أن يشتري منه سلعةً ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعُها كانت عِينةً، وإن باعها من غيره فهي التورق. ومقصوده في الموضعين: الثمن، فقد حصل في ذمته ثمن مؤجَّل مقابِلٌ لثمنٍ حالٍّ أنقصَ منه، ولا معنى للربا إلا هذا، لكنه ربا بسُلَّمٍ لم يحصل له صعوده إلا بمشقة، ولو لم يَصعَده (4) كان ربا بسهولة. وللعينة صورة رابعة، وهي أخف (5) صورها، وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئةٍ، ونصَّ أحمد على كراهة ذلك فقال (6): العِينة أن _________ (1) رقم (3382) من حديث شيخ من بني تميم، عن علي - رضي الله عنه -. فالإسناد ضعيف لجهالة الشيخ التميمي. (2) رقم (937)، وإسناده كسابقه. (3) في الأصل وط. الفقي: «المؤمن»، تصحيف. (4) ط. الفقي: «مقصوده ... لم يقصده»، تحريف. (5) ط. الفقي: «أخت»، تحريف. (6) كما في «مسائله» رواية الكوسج (2/ 11)، وبنحوه في «مسائله» برواية صالح (2/ 259). (2/477) يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس. وقال أيضًا (1): أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنما كَرِه ذلك لمضارَعَته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا. وعلله شيخُنا - رضي الله عنه - (2) بأنه يدخل في بيع المضطر، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان رِبحُه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرًا من التجار. وللعينة صورة خامسة، وهي أقبحُ صورها وأشدُّها تحريمًا، وهي أن المترابيين يتواطآن على الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع، فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حالٍّ ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي (3) بثمن مؤَجَّل، وهو ما اتفقا [ق 185] عليه، ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئًا. وهذه تسمى «الثُّلاثِية» لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثُّنائية. وفي الثلاثية قد أدخلا بينهما محلِّلًا يزعمان أنه يحلِّل لهما ما حرم الله من الربا، وهو كمحلل النكاح؛ فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج. والله _________ (1) كما في «المغني» (6/ 262). وفيه قول ابن عقيل الآتي. (2) انظر: «بيان الدليل» (ص 81 - 82). (3) في الأصل والطبعتين: «للمربي»، خطأ؛ فقد سبق أن المحتاج قد باعه له، والآن المربي هو البائع. ثم وجدته على الصواب في (هـ) ولله الحمد. (2/478) تعالى لا تخفى عليه خافية، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. 13 - باب وضع الجائحة (1) 398/ 3323 - عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها فكثُر دينُه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تصدَّقوا عليه»، فتصدَّق الناسُ عليه فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك». وأخرجه مسلم (2). 399/ 3324 - وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن بِعْتَ من أخيك ثمرًا فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟». وأخرجه مسلم (3). (4) قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث مسلم في الجائحة من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، وهذا صحيح. والشافعي علل حديث سفيان، عن حميد بن قيس، عن سليمان بن عتيق، عن جابر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بَيع السنين، وأمر بوضع _________ (1) هنا ورد هذا الباب في الأصل، وفي «السنن» و «المختصر» يقع بعد الباب الآتي. (2) أبو داود (3469)، ومسلم (1556). (3) أبو داود (3470)، ومسلم (1554). (4) تخريج الحديثين من (هـ)، وقد اختصره المؤلف فحذف من ذكرهم المنذري مع مسلم من أصحاب السنن الذين أخرجوا الحديث. (2/479) الجوائح»، بأن قال (1): سمعتُ سفيان يحدث هذا الحديث كثيرًا في طول مجالستي له، لا أحصي ما سمعته يحدثه من كثرته، لا يذكر فيه: «أمر بوضع الجوائح»، لا يزيد على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السنين، ثم زاد بعد ذلك: «وأمر بوضع الجوائح». قال سفيان: وكان حميد بن قيس يذكر بعد «بيع السنين» كلامًا قبل «وضع الجوائح»، إلا أني لا أدري كيف كان الكلام؟ وفي الحديث: «أمر بوضع الجوائح». وفي الباب حديث عمرة عن عائشة: ابتاع رجل ثمر حائطٍ في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،فعالجه وقام عليه، حتى تبيَّن له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع عنه، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تَألَّى أن لا يفعل خيرًا؟!»، فسمع بذلك رب المال، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله هو له. وعلله الشافعي بالإرسال (2). وقد أسنده يحيى بن سعيد عن أبي الرجال عن عَمرة عن عائشة (3)، وأسنده حارثة بن أبي الرجال عن أبيه (4). _________ (1) في «الأم» (4/ 116). (2) أخرجه الشافعي في «الأم» (4/ 117) من طريق مالك ــ وهو في «الموطأ» (1816) ــ، عن أبي الرجال، عن أمّه عَمرة مرسلًا. ثم قال الشافعي: وحديث مالك عن عمرة مرسل، وأهل الحديث ونحن لا نثبت مرسَلًا. (3) أخرجه البخاري (2705)، ومسلم (1557)، وليس فيه ذكر الثمر، وإنما فيه أن أحد الخصمين كان يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: واللهِ لا أفعل! (4) كذا ذكر البيهقي في «الكبرى» (5/ 305)، و «معرفة السنن» (8/ 89) ثم ذكر أن حارثة ضعيف لا يحتج به عند أهل العلم بالحديث. ولم أجد الحديث من طريق حارثة بن أبي الرجال، ولكن وجدته من رواية أخيه عبد الرحمن بن أبي الرجال ــ وهو صدوق ــ عن أبيه أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة. أخرجه أحمد (24405، 24742)، وابن حبان (5032). (2/480) وليس بصريح في وضع الجائحة. وقد تأوله من لا يرى [وضع] (1) الجائحة بتأويلات باطلة: أحدها: أنه محمول على ما يجتاح (2) الناسَ في الأراضي الخراجية التي خراجها للمسلمين، فيوضَع ذلك الخراج عنهم، فأما في الأشياء المبيعات فلا. وهذا كلام في غاية البطلان، ولفظ الحديث لا يحتمله بوجه. قال البيهقي (3): ولا يصح حمل الحديث عليه، لأنه لم يكن يومئذ على أراضي المسلمين خراج. ومنها: أنهم حملوه على إصابة الجائحة قبل القبض، وهو تأويل باطل، لأنه خَصَّ بهذا الحكم الثمار وعمَّ به الأحوال، ولم يقيده بقبض ولا عدمه. ومنها: أنهم حملوه على معنى حديث أنس: «أرأيت إن منع الله الثمرة، فبِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟». وهذا في بيعها قبل بدوّ صلاحها. وهذا أيضًا تأويل باطل، وسياق الحديث يبطله، فإنه علل بإصابة الجائحة لا بغير ذلك. _________ (1) زيادة لازمة. (2) في الطبعتين: «يحتاج»، تحريف. (3) «معرفة السنن» (8/ 90). (2/481) 14 - باب السلف في شيءٍ ثم يُحَوَّلُ إلى غيره 400/ 3322 - عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أسلَف في شيءٍ فلا يَصرِفْه إلى غيره». وأخرجه ابن ماجه (1)، وعطية بن سعد لا يحتج بحديثه. قال ابن القيم - رحمه الله -: اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث، وهو جواز أخذ غير المُسْلَم فيه عوضًا. وللمسألة صورتان: إحداهما: أن يعاوض عن المُسْلَم فيه مع بقاء عقد السَّلَم، فيكون قد باع دين السلم قبل قبضه. والصورة الثانية: أن ينفسخ العقد بإقالة أو غيرها، فهل يجوز أن يصرف الثمن في عوض آخر غير المسلم فيه؟ فأما المسألة الأولى، فمذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه (2): أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه، لا لمن هو في ذمته ولا لغيره. وحكى بعض أصحابنا ذلك إجماعًا، وليس بإجماع، فمذهب مالك جوازه (3)، وقد نص عليه أحمد في غير موضع، وجوز أن يأخذ عوضه عَرَضًا بقدر قيمة دين السَّلَم وقت الاعتياض ولا يربح فيه. _________ (1) أبو داود (3468)، وابن ماجه (2283). وعطية بن سعد هو العوفي، ضعيف الحديث. واستظهر أبو حاتم ــ كما في «العلل» لابنه (1158) ــ أن الصواب: عن عطية، عن ابن عباس موقوفًا عليه. (2) انظر: «الأم» (4/ 273 - 274)، و «نهاية المطلب» (5/ 193، 6/ 21)؛ و «الأصل» (2/ 381 - 382، 402)؛ و «بدائع الصنائع» (5/ 214)؛ و «الإنصاف» (12/ 292). (3) انظر: «المدونة» (9/ 33 - 35)، و «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس (2/ 757). (2/482) وطائفة من أصحابنا خصَّت هذه الرواية بالحنطة والشعير فقط، كما قال في «المستوعب» (1): ومن أسلم في شيءٍ لم يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال في إحدى الروايتين. والأخرى: يجوز أن يأخذ ما دون الحنطة من الحبوب، كالشعير ونحوه، بمقدار كيل الحنطة لا أكثر منها ولا بقيمتها، نص عليه في رواية أبي طالب: إذا أسلفت في كَرِّ حنطةٍ فأخذت شعيرًا فلا بأس، وهو دون حقك، ولا تَأخذ مكان الشعير حنطة. وطائفة ثالثة من أصحابنا جعلت المسألة رواية واحدة وأن هذا النص بناء على قوله في الحنطة والشعير أنهما جنس واحد، وهي طريقة صاحب «المغني» (2). وطائفة رابعة من أصحابنا: حكوا رواية مطلقة في المكيل والموزون وغيره. ونصوص أحمد تدل على صحة هذه الطريقة وهي طريقة أبي حفص العُكبَري (3) وغيره. قال القاضي: نقلت من خط أبي حفص في «مجموعه»: فإن كان ما أسلم فيه مما يكال أو يوزن فأخذ من غير نوعه مثلَ كيله مما هو دونه في الجودة جاز، وكذلك إن أخذ بثمنه مما لا يكال ولا يوزن كيف شاء. ونقل ابن القاسم (4) عن أحمد قلت لأبي عبد الله: إذا لم يجد ما أسلم _________ (1) (1/ 712). (2) انظره (6/ 416). (3) في الأصل: «الطبري»، تصحيف. والمَكنيُّ بأبي حفص في كتب المذهب اثنان: أبو حفص العُكبَري (ت 387)، وأبو حفص البرمكي (ت 388). والمراد هنا الأول، كما في «مجموع الفتاوى» (29/ 504)، فإن المؤلف صادر عنه. (4) ط. الفقي: «أبو القاسم»، ورسم «ابن» غير محرر في الأصل، والمثبت موافق لما في «مجموع الفتاوى» (29/ 504). وهو أحمد بن القاسم، صاحب أبي عبيد القاسم بن سلّام، حدث عن الإمام أحمد أشياء كثيرة من مسائله. انظر: «تاريخ بغداد» (5/ 573)، و «طبقات الحنابلة» (1/ 135). (2/483) فيه ووجد (1) غيرَه من جنسه أيأخذه؟ قال: نعم إذا كان دون الشيء الذي له، كأنما (2) أسلم في قفيز حنطة موصلي، فقال: يأخذ (3) مكانه سُلْتي (4) أو قفيزَ شعيرٍ بكَيلَةٍ واحدة لا يزداد، وإن كان فوقه فلا يأخذ، وذكر حديث ابن عباس رواه طاوس عنه: «إذا أسلمتَ في شيءٍ فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضًا (5) بأنقص منه، ولا تربح مرتين» (6). ونقل أحمد بن أصرم (7): سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى أجل، فإذا حلّ الأجلُ يشتري منه عقارًا أو دارًا؟ فقال: نعم يشتري منه ما لا يكال ولا يوزن. _________ (1) في الأصل: «ووجده» خطأ، وهو على الصواب في (هـ). (2) كذا في الأصل و (هـ)، وفي «مجموع الفتاوى» (29/ 504): «[قلتُ:] فإنما» وما بين الحاصرتين زيادة من مرتّبي الفتاوى. (3) في الأصل و (هـ) والطبعتين: «آخذ»، والتصحيح من مصدر النقل. (4) ط. الفقي: «شلبيا»، تصحيف. و «السُّلْت» ضرب من الشعير ليس عليه قشر، كأنه حنطة. «الصحاح» (1/ 253). (5) كذا في الأصل والطبعتين و «مجموع الفتاوى»، وسيأتي قريبًا بلفظ «عرضًا»، وهو الموافق لمصادر التخريج. (6) أخرجه عبد الرزاق (14120)، وسعيد بن منصور ــ ومن طريقه ابن حزم في «المحلّى» (9/ 4 - 5) ــ، وابن المنذر في «الأوسط» (10/ 312) بإسناد صحيح. (7) كما في «مجموع الفتاوى» (29/ 505). (2/484) وقال حرب (1): سألت أحمد فقلت: رجل أسلم إلى رجل دراهم في بر، فلما حلَّ الأجلُ لم يكن عنده بُرّ فقال (2): قَوِّم الشعيرَ بالدراهم فخذ من الشعير؟ فقال: لا يأخذ منه الشعير إلا مثل كَيلِ البر أو أنقص. قلت: إذا كان البر عشرة أجربة يأخذ الشعير عشرة أجربة؟ قال نعم. إذا عُرف هذا فاحتج المانعون بوجوه: أحدها: الحديث. والثاني: نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام قبل قبضه (3). الثالث: نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ربح ما لم يضمن (4)، وهذا غير مضمون عليه لأنه في ذمة المُسْلَم إليه. الرابع: أن هذا المبيع مضمون له على المُسلَم إليه، فلو جوَّزنا بيعه صار مضمونًا عليه للمشتري فيتوالى في المبيع ضمانان. الخامس: أن هذا إجماع، كما تقدم. هذا جملة ما احتجوا به. قال المجوزون: الصواب جواز هذا العقد، والكلام معكم في مقامين: _________ (1) كما في المصدر السابق، ومثله أيضًا في رواية رواية عبد الله (ص 288) وصالح (1/ 208). (2) أي المُسلَم إليه. (3) متفق عليه من حديث ابن عمر، وسيأتي في باب بيع الطعام قبل أن يُستوفى. (4) أخرجه أحمد (6628، 6671، 6918)، والترمذي (1234) وصححه، والنسائي (4629)، والحاكم (2/ 17)، من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه. (2/485) أحدهما: في الاستدلال على جوازه. والثاني: في الجواب عما استدللتم به على المنع. فأما الأول، فنقول: قال ابن المنذر (1): ثبت عن ابن عباس أنه قال: «إذا أسلفت في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخُذ عَرَضًا أنقص منه، ولا تربح مرتين». رواه سعيد (2). فهذا قول صحابي، وهو حجة ما لم يخالَف. قالوا: وأيضًا فلو امتنعت المعاوضة عليه، لكان ذلك لأجل كونه مبيعًا لم يتصل به القبض، وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال: «لا بأس أن تأخذَها بسِعر يومها ما لم تتفرَّقا وبينكما شيء» (3). فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه بجنس آخر (4)، فما _________ (1) في «الإشراف» (6/ 114). (2) في الأصل وط. الفقي: «شعبة»، تحريف. وقد سبق في تخريجه قريبًا أن سعيد بن منصور رواه. (3) أخرجه أحمد (4883، 5628، 6239)، وأبو داود (3354)، والترمذي (1242)، والنسائي (4582)، وابن حبان (4920)، والحاكم (2/ 44)، كلهم من طريق سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر به. والحديث أعلّه الأئمة النقاد بالوقف، فإن سماكًا قد تفردّ برفعه وهو سيئ الحفظ، وغيره يرويه موقوفًا على ابن عمر، وهو الصواب. انظر: «العلل» للدارقطني (3072)، و «معرفة السنن» (8/ 113 - 114). (4) «بجنس آخر» من (هـ)، وفي الأصل بياض قدر كلمة أو كلمتين، وكتب في الهامش: «بياض في الأصل». (2/486) الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السَّلَم بغيره؟ قالوا: وقد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره، وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو في ذمته، فقد نص عليه في مواضع؛ حكاه شيخنا أبو العباس ابن تيمية (1) عنه. والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم وقالوا: لأنه دَين فلا يجوز بيعه كدين السَّلَم. وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه. والثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه، فقد ذكرنا عن ابن عباس جوازه، ومالك يُجوِّز بيعه من غير المستسلف. والذين فرَّقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر، والقياسُ التسوية بينهما. وأما المقام الثاني، فقالوا: أما الحديث فالجواب عنه مِن وجهين: أحدهما: ضعفه كما تقدم. والثاني: أن المراد به أن لا يصرف المُسلَم فيه إلى سَلَم آخر أو يبيعه بمعيَّن مؤجل، لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين، وهو منهي عنه، وأما بيعه بعَرَضٍ (2) حاضر من غير ربح فلا محذور فيه، كما أذن فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في _________ (1) «مجموع الفتاوى» (29/ 506). (2) في الطبعتين: «بعوض»، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل (هـ). (2/487) حديث ابن عمر. فالذي نهى عنه من ذلك هو من جنس ما نهى عنه من بيع الكالئ بالكالئ (1)، والذي يجوز منه هو من جنس ما أَذِن فيه من بيع النقد لمن هو في ذمته بغيره من غير ربح. وأما نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام قبل قبضه، فهذا إنما هو في الطعام (2) المعين أو المتعلقِ به حقُّ التوفية من كيلٍ أو وزنٍ، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه. وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملك له، فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة، فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضًا أو غيرَه أسقط ما في ذمته، فكان كالمستوفي دينَه لأن بدله يقوم مقامه، ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ بحال، والبيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه. وهنا لم يَملِك شيئًا، بل سقط الدين من ذمته. ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يُقَل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع. ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها يُسمَّى بيعًا، وفي الدَّين (3) إذا وفاها _________ (1) أي بيع الدين بالدين، وقد جاء ذلك في حديث ضعيف. أخرجه عبد الرزاق (14440)، والدارقطني (3060، 3061)، والبيهقي (5/ 290). وقال الإمام أحمد وابن المنذر: ليس في هذا حديث يصح، إنما إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين. انظر: «البدر المنير» (6/ 567 - 570)، و «الأوسط» (10/ 118 - 119). (2) «الطعام» من (هـ). (3) (هـ): «الديون». (2/488) بجنسها لم يكن بيعًا فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعًا، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة. ولو حلف لَيقضينَّه حقَّه (1) غدًا فأعطاه عنه عَرَضًا، بَرَّ في أصح الوجهين. وجواب آخر: أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أُريدَ به بيعه من غير بائعه. وأما بيعه من البائع ففيه قولان معروفان. وذلك لأن العلة في المنع إن كانت توالي الضمانين اطَّرد المنع في البائع وغيره. وإن كانت عدم تمام الاستيلاء، وأن البائع لم تنقطع عُلَقُه عن المبيع بحيث ينقطع طمعه في الفسخ ولا يتمكن من الامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه= لم يطرد النهي في بيعه [ق 187] من بائعه قبل قبضه، لانتفاء هذه العلة في حقه. وهذه العلة أظهر، وتوالي الضمانين ليس بعلة مؤثرة، ولا تنافي بين كون العين الواحدة مضمونةً له من وجه وعليه من وجه آخر، فهي مضمونة له وعليه باعتبارين. وأي محذور في هذا؟ كمنافع الإجارة، فإن المستأجر له أن يُؤَاجِر (2) ما استأجره، فتكون المنفعة مضمونة له وعليه، وكالثمار بعد بدوِّ صلاحها، له أن يبيعها على الشجر، وإن أصابتها جائحة رجع على البائع فهي مضمونة له وعليه، ونظائره كثيرة. وأيضًا: فبيعه من بائعه شبيه بالإقالة، وهي جائزة قبل القبض على الصحيح (3). _________ (1) في الأصل و (هـ) وط. المعارف: «حقًّا»، ولعل المثبت من ط. الفقي هو الصواب، وهو موافق لما في «مجموع الفتاوى» (29/ 513)، والمؤلف صادر عنه. (2) في الطبعتين: «يؤجّر»، والمثبت من الأصل، وهما بمعنى.
ملفات · 4
المصدر المختار

كتابُ عِلَل ونَقْد حديثي من طراز عال، وكتاب فقه واستنباط وغوص لاستخراج اللآل، يغلب على مباحثه وعلومه هذان الفنّان، مع مباحث في فنون عديدة في الأصول والقواعد واللغة والحديث والتاريخ.

IslamHouse.com
659 مواد مطابقة

شرح جوامع الأخبار للسعدي

عبد الكريم بن عبد الله الخضير · موقع الشيخ عبد الكريم الخضير

صوت

شرح مقدمة سنن ابن ماجه

عبد الكريم بن عبد الله الخضير · موقع الشيخ عبد الكريم الخضير

صوت

شرح الأربعين النووية [ عبد الكريم الخضير ]

عبد الكريم بن عبد الله الخضير · موقع الشيخ عبد الكريم الخضير

صوت

اللوامع من الكلم الجوامع [ برنامج تعليم الحجاج بمكة 1438هـ ]

صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي · برامج الدعوة والإرشاد للشيخ صالح العصيمي

صوت

شرح صحيح مسلم [العثيمين]

محمد بن صالح العثيمين

صوت

شرح حديث جبريل عليه السلام

سعيد بن علي بن وهف القحطاني · موقع الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني

صوت

التعليق على رياض الصالحين

عبد العزيز بن باز

صوت

شرح صحيح البخاري [ العثيمين ]

محمد بن صالح العثيمين

صوت

شرح حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

تسجيلات الراية الإسلامية · سعد بن تركي الخثلان

صوت

شرح صحيح البخاري [ 1431هـ - 1434هـ ]

عبد المحسن بن حمد العباد · موقع الشيخ عبد المحسن العباد

صوت

قراءة كتاب رياض الصالحين

أبو زكريا النووي · حمد الدريهم

صوت

شرح صحيح البخاري

علي بن محمد بن عبد العزيز الهندي

صوت

شرح سنن النسائي

عبد المحسن بن حمد العباد · موقع الشيخ عبد المحسن العباد

صوت

شرح رياض الصالحين

عبد العزيز بن باز

صوت

التعليق على بعض أحاديث سنن الترمذي

عبد العزيز بن باز

صوت

التعليق على بعض أحاديث مسند أحمد

عبد العزيز بن باز

صوت

التعليق على بعض أحاديث سنن ابن ماجه

عبد العزيز بن باز

صوت

التعليق على بعض أحاديث سنن أبي داود

عبد العزيز بن باز

صوت
Shopping Basket

Loading...