النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
ورخَّص فيه عقبةُ بن عامر، وابن المسيب، وعطاء (6)، والثوري، والشافعي، وإسحاق
(7).
_________
(1) «سنن أبي داود» (3164)، والحاكم (1/ 368)، من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن
عمرو بن دينار، عن جابر. قال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم». كذا قال، ولا يصحّ؛ فإن
محمد بن مسلم الطائفي فيه لين، ولم يُخرج له مسلم إلا حديثًا واحدًا في المتابعات.
ثم ساق له الحاكم شاهدًا من حديث أبي ذر بإسناد وصفه هو نفسه بأنه «معضل». وهو
مخرج عند عبد الرزاق (6559) من وجه آخر.
(2) انظر: «المغني» (3/ 503).
(3) الأثران أخرجهما البخاري (1387، 4240).
(4) أخرجه أحمد (24333، 26349)، وعبد الرزاق (6551).
(5) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (11952، 11955)، و «الطبقات الكبرى» لابن سعد (3/
73 - 74، 10/ 75 - 76)، و «الأوسط» لابن المنذر (5/ 510 - 511).
(6) أخرجها ابن أبي شيبة (11950، 11957)، وعبد الرزاق (6548) ولاءً.
(7) انظر: «الأم» (2/ 637)، و «الأوسط» (5/ 509)، و «المغني» (3/ 503).
(2/357)
وكرهه الحسن وأحمد في إحدى الروايتين (1).
وقد روى مسلم في «صحيحه» (2): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب يومًا فذكر
رجلًا من أصحابه قُبِض فكُفِّن في كفنٍ غير طائل (3) ودفن ليلًا، فزجر النبي - صلى
الله عليه وسلم - أن يُقبَر الرجل بالليل إلا أن يُضطرّ إنسان إلى ذلك.
والآثار في جواز الدفن بالليل أكثر. وفي الترمذي (4) من حديث الحجاج بن أرطاةَ، عن
عطاء، عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل قبرًا ليلًا، فأُسرِج له
سراج، فأخذه من قِبَل القبلة، وقال: «رحمك الله، إن كنت لأوَّاهًا تلَّاءً
للقرآن»، وكبّر عليه أربعًا. قال: وفي الباب عن جابر، ويزيد بن ثابت، وهو أخو زيدٍ
أكبر منه. قال: وحديث ابن عباس حديث حسن. قال: ورخص أكثر أهل العلم في الدفن
بالليل.
وقد نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبر ذي البِجادَين ليلًا (5).
_________
(1) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (11960)، و «المغني» (3/ 503).
(2) رقم (943) من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -.
(3) أي غير كامل الستر.
(4) رقم (1057) وأيضًا البزار (5198)، والطبراني في «الكبير» (11295/ 2)، كلهم من
طريق المنهال بن خليفة، عن الحجاج به. والإسناد ضعيف لضعف المنهال، وحجّاج مدلّس
لين الحديث، ولكن يشهد لموضع الشاهد منه حديث الباب، وحديث دفن ذي البجادين الآتي.
(5) ثبت ذلك في حديث ابن مسعود، أخرجه أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (953،
955)، والهيثم بن كليب في «مسنده» (893)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (1/ 122)،
من طرق يعتضد بعضها ببعض.
(2/358)
وفي «صحيح البخاري» (1): أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - سأل عن رجل، فقال: «من هذا؟» قالوا: فلان، دُفِن البارحةَ،
فصلَّى عليه.
وهذه الآثار أكثر وأشهر (2) من حديث مسلم. وفي «الصحيحين» (3) عن ابن عباس قال:
مات إنسان كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوده، فمات بالليل فدفنوه ليلًا،
فلما أصبح أخبروه، فقال: «ما منعكم أن تُعْلِمُوني؟» فقالوا: كان الليل، وكرهنا ــ
وكانت ظلمةٌ ــ أن نَشُقَّ عليك، فأتى قبرَه فصلَّى عليه.
قيل: وحديث النهي محمول على الكراهة والتأديب.
والذي ينبغي أن يقال في ذلك ــ والله أعلم ــ: إنه متى كان الدفن ليلًا لا يفوت به
شيءٌ من حقوق الميت والصلاةِ عليه= فلا بأس به، وعليه تدل أحاديث الجواز. وإن كان
يفوت بذلك حقوقُه والصلاة عليه وتمامُ القيام عليه= نُهي عن ذلك، وعليه يدل
الزَّجْر. وبالله التوفيق.
12 - باب القيام للجنازة
338/ 3043 - عن عامر بن ربيعة ــ يبلغ به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ــ قال:
«إذا رأيتم الجِنازةَ فقومُوا حتَّى تُخَلِّفَكم أو تُوضَع».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (4).
_________
(1) رقم (1340).
(2) (هـ): «أكثر وأبين».
(3) البخاري (1247) واللفظ له، ومسلم (954).
(4) أبو داود (3172)، والبخاري (1307)، ومسلم (958)، والترمذي (1042)، والنسائي
(1916)، وابن ماجه (1542).
(2/359)
339/ 3044 - وعن ابن أبي سعيد الخدري ــ وهو
عبد الرحمن ــ عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تَبِعتُم
الجنازة فلا تجلسوا حتَّى تُوضَع» (1).
وقد أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (2) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف عن أبي سعيد بنحوه.
وأخرجه مسلم (3) من حديث أبي صالح السمان عن أبي سعيد.
قال أبو داود: روى هذا الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه: «حتى
توضع بالأرض» (4)، ورواه أبو معاوية عن سهيل قال: «حتى توضع في اللَّحْدِ»، وسفيان
أحفظ من أبي معاوية.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وحديث أبي معاوية رواه ابن حبان في «صحيحه» (5)
ولفظه: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان مع الجنازة لم يجلس حتى
توضع في اللحد، أو تدفن ــ شكَّ أبو معاوية ــ».
ويدل على أن المراد بالوضعِ الوضعُ بالأرض عن الأعناق حديثُ البراء بن عازب:
«خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجلٍ من الأنصار فانتهينا
إلى القبر، ولمَّا يُلحدْ بعدُ، فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجلسنا معه
... ». وهو
_________
(1) برقم (3173) من طريق زهير بن معاوية، عن سهيل بن أبي صالح، عن ابن أبي سعيد
الخدري. وقد اختلف عن زهير وعن سهيل في إسناده ومتنه، كما سيأتي.
(2) البخاري (1310)، ومسلم (959/ 77)، والترمذي (1043)، والنسائي (1914).
(3) برقم (959/ 76) من طريق زهير عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه.
(4) وصله البيهقي (4/ 26).
(5) رقم (3105).
(2/360)
حديث صحيح، وسيأتي إن شاء الله تعالى (1).
340/ 3045 - وعن جابر ــ وهو ابن عبد الله ــ قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه
وسلم - إذ مرَّت بنا جنازة، فقام لها، فلما ذهبنا لنحمل إذا هي جنازة يهودي،
فقلنا: يا رسول الله، إنما هي جنازة يهودي، فقال: «إنَّ الموت فَزَع، فإذا رأيتم
الجنازة فقُوموا».
وأخرجاه والنسائي (2)، وليس في حديثهم: «فلما ذهبنا لنحمل».
341/ 3046 - وعن علي بن أبي طالب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام في الجنائز،
ثم قعد بعدُ.
وأخرجه مسلم والثلاثة (3).
342/ 3047 - وعن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم
في الجنازة حتى توضَع في اللَّحْدِ، فمَرَّ حَبْرٌ من اليهود، فقال: هكذا نفعل،
فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «اجْلسوا، خالِفوهم».
وأخرجه وابن ماجه والترمذي (4)، وقال: غريب، وبِشْر بن رافع ليس بالقوي في الحديث.
_________
(1) (3/ 319).
(2) أبو داود (3174)، والبخاري (1311)، ومسلم (960)، والنسائي (1922).
(3) أبو داود (3175)، ومسلم (962)، والترمذي (1044)، والنسائي (1999)، وابن ماجه
(1544).
(4) أبو داود (3176)، وابن ماجه (1545)، والترمذي (1020)، كلهم من طريق بِشر بن
رافع الحارثي، عن عبد الله بن سليمان بن جنادة، عن أبيه، عن جدّه، عن عُبادة بن
الصامت.
(2/361)
وقال أبو بكر الهَمَذاني (1): ولو صح لكان
صريحًا في النسخ، غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت، فلا يقاومه هذا الإسناد.
وقال غيره: النسخ ثابت بحديث علي (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا هو الذي نحاه الشافعي، قال ــ وقد روى حديث
عامر بن ربيعة ــ (3): «وهذا لا يعدو أن يكون منسوخًا، أو يكون النبي - صلى الله
عليه وسلم - قام لها لعلةٍ قد رواها بعض المُحدِّثين مِن أن جنازة يهودي مُرَّ بها
على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام لها كراهية أن تَطُوله (4). وأيهما كان،
فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تركُه بعد فعله، والحجة في الآخر من
أمره؛ إن كان الأول واجبًا فالآخِر من أمره ناسخ، وإن كان استحبابًا فالآخِر هو
الاستحباب، وإن كان مباحًا فلا بأس في القيام، والقعودُ أحب إلي، لأنه الآخر من
فعله». ثم ذكر حديث علي.
اختلف أهل العلم في القيام [ق 167] للجنازة وعلى القبر على أربعة أقوال:
_________
(1) في كتابه: «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» (ص 477).
(2) كلام المنذري على هذه الأحاديث من (هـ)، وفيه تصرّف يسير من المؤلف.
(3) «اختلاف الحديث» (10/ 210 - ضمن الأم)، وعنه البيهقي في «معرفة السنن» (5/ 267
- 280) بإسناده إليه.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة (12039)، والبيهقي في «معرفة السنن» (5/ 279) من طريق جعفر
(الصادق)، عن أبيه (محمد الباقر) قال: كان الحسن بن علي جالسًا في نفر فمُرَّ عليه
بجنازة فقام الناس حين طلعت، فقال الحسن: «إنه مُرَّ بجنازة يهودي على رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - ــ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - على طريقها ــ فقام حين
طلعت كراهية أن تعلُو على رأسه». إسناده ضعيف، لأن رواية محمد عن الحسن مُرسلة.
(2/362)
أحدها: أن ذلك كلَّه منسوخ؛ قيام تابِعها،
وقيام من مرَّت عليه، وقيام المشيّع على القبر. قال هؤلاء: وما جاء من القعود
نَسْخٌ لهذا كلِّه.
وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن شرطَ النسخِ المعارضةُ والتأخر، وكلاهما منتفٍ في القيام على القبر بعد
الدفن، وفي استمرار قيام المشيّعين حتى توضع، وإنما يمكن دعوى النسخ في قيام
القاعد الذي تمر به الجنازة على ما فيه.
الثاني: أن أحاديث القيام كثيرة صحيحة صريحة في معناها، فمنها حديث عامر بن ربيعة،
وهو في «الصحيحين»، وفي بعض طرقه: «إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيًا معها
فليَقُم حتى تخلِّفَه، أو توضع مِن قَبل أن تخلفه» (1). وفي لفظ: «إذا رأى أحدكم
الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلِّفه» (2).
ومنها: حديث أبي سعيد، وهو متفق عليه، ولفظهما (3): «إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا
حتى توضع». وفي لفظ لهما (4): «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلسْ حتى
توضع». وهو دليل على القيام في المسألتين.
ومنها: حديث جابر في قيامه لجنازة يهودي، وهو في «الصحيحين» (5).
_________
(1) هذا لفظ مسلم (958/ 74)، وبنحوه عند البخاري (1308).
(2) «صحيح مسلم» (958/ 75).
(3) سبق تخريجه.
(4) البخاري (1310) ومسلم (959/ 77).
(5) وقد سبق في أحاديث الباب.
(2/363)
وتعليله بأن ذلك كراهية أن تَطُولَه تعليل
باطل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّل بخلافه. وعنه في ذلك ثلاث علل:
إحداها (1): قوله: «إن الموت فزع»، ذكره مسلم في حديث جابر، وقال: «إن الموت فزع
فإذا رأيتم الجنازة فقوموا».
الثانية: أنه قام للملائكة، كما روى النسائي (2) عن أنس: أن جنازة مرت برسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فقام، فقيل: إنها جنازة يهودي، فقال: «إنما قمنا
للملائكة».
الثالثة: التعليل بكونها نَفْسًا، وهذا في «الصحيحين» (3) من حديث قيس بن سعد وسهل
بن حُنَيف قالا: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرت به جنازة فقام، فقيل:
إنه يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟».
فهذه هي العلل الثابتة عنه. وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله، فلم يأت في شيء من
طرق هذا الحديث الصحيحة. ولو قُدِّر ثبوتها فهي ظن من الراوي، وتعليل النبي - صلى
الله عليه وسلم - الذي ذكره بلفظه أولى.
فهذه الأحاديث مع كثرتها وصحتها كيف يقدَّم عليها حديثُ عبادة مع ضعفه؟!
وحديث علي، وإن كان في «صحيح مسلم»، فهو حكاية فعلٍ لا عموم له، وليس فيه لفظ
عامٌّ يحتج به على النسخ، وإنما فيه أنه قام وقعد، وهذا
_________
(1) في الأصل وط. المعارف: «أحدها».
(2) في «المجتبى» (1929) و «الكبرى» (2066)، وصححه الحاكم على شرط مسلم (1/ 357)،
واختاره الضياء (7/ 130 - 131).
(3) البخاري (1312) ومسلم (961).
(2/364)
يدل على أحد أمرين:
إما أن يكون كل منهما جائزًا، والأمر بالقيام ليس على الوجوب، وهذا أولى من النسخ.
قال الإمام أحمد (1): إن قام لم أَعِبْه، وإن قعد فلا بأس. وقال القاضي وابن أبي
موسى: القيام مستحب، ولم يرياه منسوخًا (2). وقال بالتخيير إسحاقُ، وعبد الملك بن
حبيب، وابن الماجشون (3). وبه تأتلف الأدلة.
أو يدلَّ على نسخ قيام القاعد الذي يُمَرّ عليه بالجنازة، دون استمرار قيام
مُشَيِّعِها، كما هو المعروف من مذهب أحمد عند أصحابه (4)، وهو مذهب مالك (5) وأبي
حنيفة (6).
الثالث: أن أحاديث القيام لفظ صريح، وأحاديث الترك إنما هي فِعْل مُحتمِل لما
ذكرنا من الأمرين، فدعوى النسخ غير بينة، والله أعلم.
وقد عمل الصحابة بالأمرين بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقعد علي وأبو هريرة
ومروان، وقام أبو سعيد (7)، ولكن هذا في قيام التابع، والله أعلم.
_________
(1) «مسائل أحمد وإسحاق» رواية الكوسج (1/ 328)، وقال إسحاق: كما قال.
(2) «المغني» (3/ 404).
(3) سبق قول إسحاق، وقول الآخرَين في «والنوادر والزيادات» (1/ 580 - 581).
(4) انظر: «الإنصاف» (6/ 212 - 213).
(5) ظاهر ما في «المدونة» (1/ 177) و «البيان والتحصيل» (2/ 274 - 275) أن مذهب
مالك جواز جلوس المشيع قبل أن توضع، فليُحرّر.
(6) انظر: «كتاب الآثار» للشيباني (ص 51)، و «تبيين الحقائق» (1/ 244).
(7) أثر علي أخرجه عبد الرزاق (6312)، وابن أبي شيبة (12041، 12042، 12044) من طرق
عنه. أما أبو هريرة ومروان وأبو سعيد، فلهم قصة، أخرجها البخاري (1309) ــ واللفظ
له ــ، وأبو يعلى (6455)، والطبري في «تهذيب الآثار» (806، 807 - مسند عمر)،
والحاكم (1/ 356 - 357)، أنهم كانوا في جنازة «فأخذ أبو هريرة بيد مروان فجلسا قبل
أن توضع، فجاء أبو سعيد - رضي الله عنه - فأخذ بيد مروان فقال: قُمْ فواللهِ لقد
علم هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهانا عن ذلك! فقال أبو هريرة: صدق».
وزاد غير البخاري بإسناد صحيح: « ... قال [مروان]: فما منعك أن تخبرني؟ قال: كنتَ
إمامًا فجلستَ فجلستُ».
(2/365)
13 - باب المشي
أمام الجنازة
343/ 3050 - عن سالم ــ وهو ابن عبد الله بن عمر ــ عن أبيه قال: رأيت النبي - صلى
الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - يمشون أمام الجنازة.
وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (1)، وقال: وأهل الحديث كأنّهم يرون الحديث
المرسل في ذلك أصح. وحَكى (2) أن البخاري قال: والحديث هو هذا ــ يعني المرسل ــ.
قال الترمذي (3): رواه معمر ويونس ومالك وغير واحد من الحفاظ عن الزهري: أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - كان يمشي أمام الجنازة. قال الزهري، وأخبرني سالم أن أباه
كان يمشي أمام الجنازة. وسمعت يحيى بن موسى يقول: قال عبد الرزاق: قال
_________
(1) أبو داود (3179)، والنسائي (1944)، وابن ماجه (1482)، والترمذي (1007)، كلهم
من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم به.
ورواه مالك ومعمر وغيرهما عن الزهري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه
مرسلًا، إما مقتصرًا عليه، أو مُدرجًا في روايته عن سالم عن أبيه موقوفًا: أنه كان
يمشي بين يدي الجنازة، وسيأتي.
(2) في «الجامع» عقب الحديث (1010)، وفي «العلل الكبير» (ص 144).
(3) عقب الحديث (1009).
(2/366)
ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسلًا أصح
من حديث ابن عيينة.
وقال النسائي (1): هذا خطأ، والصواب مرسل.
وقالت طائفة من متأخرِّي المحدثين: هذا غير مؤثِّر، ووصله صحيح.
قال البيهقي (2): من وصله واستقرَّ على وصله ولم يُختلف عليه فيه ــ وهو سفيان بن
عيينة ــ حجة ثقة.
وقال غيره (3): سفيان بن عيينة من الأثبات الحفاظ، وقد أتى بزيادة على من أرسل،
فوجب تقديمه (4).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ومثل هذا لا يعبأ به أئمةُ الحديث شيئًا، ولم يخفَ
عليهم أن سفيان حجة ثقة، وأنه قد وصله، فلم يستدرك عليهم المتأخرون شيئًا لم
يعرفوه.
وقال آخرون: قد تابع ابنَ عيينة على روايته إياه عن الزهري عن سالم عن أبيه: يحيى
بن سعيد، وموسى بن عقبة (5)، وزياد بن سعد، وبكر، ومنصور (6)،
_________
(1) «السنن الكبرى» عقب الحديث (2083)، و «المجتبى» عقب الحديث (1945).
(2) «سنن البيهقي» (4/ 24).
(3) كابن حزم في «المحلى» (5/ 165)، وابن الجوزي في «التحقيق» (2/ 11).
(4) كلام المنذري من (هـ)، وفيه تصرّف وزيادة يسيرة من المؤلف.
(5) أخرج روايتهما ابن عبد البر في «التمهيد» (12/ 88)، عن الزهري، عن سالم: «أن
ابن عمر كان يمشي أمام الجنازة، وقال: قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يمشي بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان». وهذا ليس صريحًا في الوصل، بل الظاهر أن
آخره كلام الزهري مُرسلًا. وانظر: «العلل» للدارقطني (2716).
(6) أخرج رواية هؤلاء الثلاثة الترمذي (1008)، والنسائي (1945)، من طريق همّام بن
يحيى عنهم.
(2/367)
وابن جريج (1)، وغيرهم. ورواه عن الزهري
مرسلًا: مالك، ويونس، ومعمر (2). وليس هؤلاء الذين وصلوه بدون الذين أرسلوه.
فهذا كلام على طريقة أئمة الحديث، وفيه استدراك وفائدة تُستفاد.
قال المصححون لإرساله: الحديث هو لسفيان، وابن جريج أخذه عن سفيان. قال الترمذي
(3): قال ابن المبارك: وأرى ابن جريج أخذه عن سفيان.
قالوا: وأما رواية منصور وزياد بن سعد وبكر، فإنها من رواية همام. وقد قال الترمذي
في «الجامع» (4): «وروى همام بن يحيى هذا الحديث عن زياد بن سعد ومنصور وبكر
وسفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وإنما هو سفيان بن عيينة روى عنه همام»،
يعني أن الحديث لسفيان وحده، روى عنه همام كذلك. وفي هذا نظر لا يخفى، فإن همامًا
قد رواه عن هؤلاء
_________
(1) أخرج روايته أحمد (4939، 4940)، والرواية الثانية تبيّن أن ابن جريج لم يسمعه
من الزهري، وإنما سمعه من زياد بن سعد عن الزهري. ثم إنه أيضًا ليس صريحًا في وصل
الجزء المرفوع منه، بل الظاهر أنه مدرج مِن قول الزهري مرسلًا. انظر: «مسائل أحمد»
رواية عبد الله (ص 142 - 143)، و «العلل» للدارقطني (2716)، و «الفصل للوصل المدرج
في النقل» للخطيب (1/ 330 - 334).
(2) رواية مالك في «الموطأ» (600). ورواية يونس ذكرها الترمذي (1010) عن البخاري،
وأخرجها الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 379). ورواية معمر أخرجها عبد الرزاق
(6259)، ومن طريقه الترمذي (1009).
(3) عقب الحديث (1009).
(4) الموضع السابق.
(2/368)
عن الزهري ويبعد أن يكونوا كلهم دلَّسوه عن
سفيان ولم يسمعوه من الزهري. وهذا يحيى بن سعيد مع تثبته وإتقانه [ق 168] يرويه
كذلك عن الزهري، وكذلك موسى بن عقبة (1)، فلأي شيءٍ يحكم للمُرسِلين على الواصلين؟
وقد كان ابن عيينة مُصرًّا على وصله، ونوظر فيه فقال: الزهري حدَّثنيه مرارًا،
فسمعته مِن فيه، يُعيده ويُبديه: عن سالم، عن أبيه (2).
وقد روى الترمذي في «جامعه» (3) من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس: أن النبي -
صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة. قال
الترمذي: هذا غير محفوظ، وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث خطأ، أخطأ
فيه محمد بن بكر، وإنما يُروى هذا الحديث عن يونس عن الزهري: أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة، قال الزهري: وأخبرني سالم أن
أباه كان يمشي أمام الجنازة. قال محمد: والحديث الصحيح هو هذا. آخر كلام البخاري.
وسيأتي (4) بعد هذا حديث ابن مسعود: «الجنازة متبوعة، ليس معها من
_________
(1) سبق أن روايتهما عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، إنما هي موقوفة على ابن عمر من
فعله، وأما القدر المرفوع منها، فالظاهر أنه مرسل من كلام الزهري.
(2) أخرجه البيهقي (4/ 23 - 24) عن علي ابن المديني أنه ناظر سفيان في ذلك، فقاله.
(3) رقم (1010)، وفي «العلل الكبير» (ص 144)، من طريق محمد بن بكر البُرساني، عن
يونس به.
(4) في «المختصر» (3055) و «السنن» (3184) في «باب الإسراع بالجنازة»، وقد أفاض
المنذري في بيان ضعفه. ولم يرد الحديث في أصل المجرّد، ولكنه ورد في (هـ)، والكلام
فيه لا يعدو ما ذكره المنذري خلا تصرف يسير.
(2/369)
تَقَدَّمها»، وأنه ضعيف.
وذكر ابن عبد البر (1) من حديث أبي هريرة يرفعه: «امشُوا خلفَ الجنازة»، وفيه
كنانة مولى صفية، لا يحتج به.
وذكر أبو أحمد (2) عن سهل بن سعد: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي خلف
الجنازة». وهو من حديث يحيى بن سعيد الحِمصي العطار، منكر الحديث.
14 - باب الصلاة على الجنازة في المسجد
344/ 3061 - عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: «واللهِ ما صلَّى رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد».
وأخرجه مسلم (3).
345/ 3062 - وعن أبي سلمة عن عائشة قالت: «واللهِ لقد صلَّى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - على ابنَي بيضاء في المسجد: سهيلٍ وأخيه».
وأخرجه مسلم (4)، وفيه ذكر القَسَم.
346/ 3063 - وعن صالح مولى التَّوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: «مَن صَلَّى على جنازةٍ في المسجد فلا شيء عليه» (5).
_________
(1) «التمهيد» (12/ 99 - 100).
(2) في «الكامل» (7/ 193).
(3) أبو داود (3189)، ومسلم (973/ 99، 100) دون ذكر القَسَم: «واللهِ».
(4) أبو داود (3190)، ومسلم (973/ 101).
(5) «سنن أبي داود» (3191) من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة به. صالح
مولى التوأمة متكلم فيه، وقد تفرد بروايته، وقد ضعَّف الحديث الإمام أحمد، وابن
المنذر، والبيهقي في آخرين. انظر: «مسائل أحمد» برواية عبد الله (ص 142)، و
«الأوسط» (5/ 456)، و «معرفة السنن والآثار» (5/ 318 - 320).
(2/370)
قال الخطيب (1): كذا في الأصل. وأخرجه ابن
ماجه (2) ولفظه: «فليس له شيء».
قال ابن القيم - رحمه الله -: [وهو المحفوظ في كتاب «السنن» لأبي داود (3). ورواه
الإمام أحمد في «المسند» (4) ولفظه: «فلا شيء له»] (5).
هذا الحديث فيه أربعة ألفاظ:
أحدها: «فلا شيء» فقط، وهي في بعض نسخ «السنن».
اللفظ الثاني: «فلا شيء عليه»، وهي رواية الخطيب.
اللفظ الثالث: «فلا شيء له»، وهي رواية ابن ماجه (6).
_________
(1) البغدادي (ت 463) في نسخته من «سنن أبي داود» بإسناده إلى اللؤلؤي عن أبي
داود. وتتمة كلامه: «المحفوظ: فلا شيء له». هكذا في نسخة خطية من «السنن» مقروءة
على المنذري من روايته عن ابن طَبَرْزَد، عن أبي الفتح الدُّومي وأبي البدر الكرخي
عن الخطيب. وانظر: «السنن» (5/ 305) طبعة دار التأصيل.
(2) رقم (1517).
(3) كذا، وسبق قريبًا أن المحفوظ في لفظ «السنن» كما قال الخطيب: «فلا شيء له».
أخشى أن تكون هذه الجملة كانت في لحق ووضعها ناسخ (هـ) في غير محلِّها، فموضعها
الصحيح بعد ذكر رواية أحمد الآتية.
(4) رقم (9865)
(5) ما بين حاصرتين من (هـ).
(6) سبق أن هذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجه: «فليس له شيء».
(2/371)
اللفظ الرابع: «فليس له أجر»، ذكره أبو عمر
في «التمهيد» (1). وقال: هو خطأ لا إشكال فيه. قال: والصحيح: «فلا شيء له».
وهذا الذي قاله أبو عمر في حديث أبي هريرة هو الصواب، لأن فيه: «قال صالح: فرأيت
الجنازة توضع في المسجد: فرأيت أبا هريرة إذا لم يجد موضعًا إلا في المسجد انصرف
(2) ولم يُصلِّ عليها». ذكره البيهقي (3) في حديث صالح.
[وقد ضعَّف الإمام أحمد هذا الحديث وقال: «هو مما انفرد به صالح مولى التوأمة».
وقال مالك: ليس بثقة. وقال غيره: كان صالحٌ ثقةً إلا أنه اختلط في آخر عمره
فضُعِّف حديثه لأجل الاختلاط] (4).
وقد قال بعض أهل الحديث: ما رواه ابن أبي ذئب عن صالح فهو لا بأس به، لأنه روى عنه
قبل الاختلاط (5). وهذا الحديث من رواية ابن أبي
_________
(1) (21/ 221)، والحديث أخرجه بهذا اللفظ أبو القاسم البغوي في «حديث ابن الجعد»
(2752). وفي إسناده أبو حذيفة النهدي، صدوق سيئ الحفظ، وقد خالف الثقات في لفظ
الحديث.
(2) في الأصل و (هـ): «خرج انصرف»، ولعل لفظة «خرج» كان مضروبًا عليها في أصل
المؤلف، فإنها ليست في المصدر المنقول منه. وفي ط. الفقي زيد بينهما واو العطف:
«خرج وانصرف».
(3) «السنن الكبرى» (4/ 52).
(4) ما بين الحاصرتين من (هـ)، ولعل المجرِّد لم يُثبته لأن أوّله (تضعيف أحمد
للحديث) مما ذكره المنذري في «المختصر»، ولكن ما بعده من زيادات المؤلف.
(5) هكذا قال ابن معين والجوزجاني وابن عدي، وخالفهم البخاري فقال: «ما أرى أنه
سمع منه قديمًا، يروي عنه مناكير». انظر: «تهذيب الكمال» (3/ 439)، و «العلل
الكبير» للترمذي (ص 34، 292).
(2/372)
ذئب عنه. وقال ابن عدي (1): وممن سمع من
صالح قديمًا: ابن أبي ذئب، وابن جريج، وزياد بن سعد وغيرهم، ولحقه مالك والثوري
وغيرهم بعد الاختلاط.
[وقد ذهب الطحاوي (2) إلى أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء
في المسجد منسوخة، وأن ترك ذلك آخرُ الفعلين منه بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على
عائشة، وما كانوا ليفعلوه إلا لِما علموا خلاف ما فعلتْ (3).
وقال البيهقي (4): لو كان عند أبي هريرة نسخ ما رَوَتْه عائشةُ لذكره يوم صُلِّي
على أبي بكر في المسجد، ويوم صُلِّي على عمر في المسجد (5)، ولَذكره مَن أنكر على
عائشة أَمْرَها بإدخاله المسجد، ولَذكره أبو هريرة يوم روت فيه الخبر المنسوخ،
وإنما أنكره مَن لم يكن عنده علم بجوازه، فلما روت لهم عائشة الحديث سكتوا وصدروا
عنه ولم ينكروه ولا عارضوه.
قال الخطابي (6): وقد ثبت أن أبا بكر وعمر صلِّي عليهما في المسجد،
_________
(1) في «الكامل» (4/ 58).
(2) «شرح معاني الآثار» (1/ 492 - 493).
(3) من الأمر بإدخال جنازة سعد بن أبي وقّاص في المسجد حتى تصلي عليه، فأنكروا
عليها فاستشهدت بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابن البيضاء في المسجد.
جاء ذلك في رواية مسلم وغيره لحديث الباب.
(4) «معرفة السنن والآثار» (5/ 320).
(5) صحّ الصلاة عليهما في المسجد عند عبد الرزاق (6576، 6577)، وابن أبي شيبة
(12092 - 12096).
(6) «معالم السنن» (4/ 324 - 325).
(2/373)
ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا
الصلاة عليهما، وفي تركهم إنكارَه الدليلُ على جوازه. وقد يحتمل أن يكون معنى حديث
أبي هريرة ــ إن ثبت ــ نقصان الأجر، لأن من صلّى عليها في المسجد الغالبُ أنه
ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، ومن سعى إلى الجنازة فصلّى عليها بحضرة المقابر شهد
دفنها وأحرز أجر القيراطين، وقد يؤجر أيضًا على كثرة خُطاه، فصار الذي يصلِّي
عليها في المسجد منقوصَ الأجر بالإضافة إلى هذا.
وقال بعضهم: «لا شيء له» أي: لا شيء عليه، كقوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ
فَلَهَا} [الإسراء: 7]. وهذا والذي قبله ضعيفان] (1).
15 - باب الصلاة على القبر
347/ 3074 - عن أبي هريرة أن امرأة سوداء أو رجلًا كان يَقُمُّ المسجدَ، ففقده
النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل عنه؟ فقيل: مات، فقال: «ألّا آذنتموني به؟»
قال: «دُلُّوني على قبره»، فدلُّوه، فصلَّى عليه.
وأخرجاه (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى البخاري (3) عن ابن عباس: أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قام على قبر منبوذ فأَمَّهم وصَلَّوا خلفه.
قال الترمذي (4): وفي الباب عن أنس، وبريدة، ويزيد بن ثابت، وأبي
_________
(1) ما بين الحاصرتين من (هـ)، ولعل المجرّد لم ينقله لأنه مما نقله المؤلف من
كلام المنذري، عدا قوله: «وهذا والذي قبله ضعيفان»، فهو من تعقيب المؤلف.
(2) أبو داود (3203)، والبخاري (458)، ومسلم (955).
(3) رقم (1336)، ورواه مسلم (954) بنحوه.
(4) عقب روايته لحديث ابن عباس السابق برقم (1037).
(2/374)
هريرة، وعامر بن ربيعة، وأبي قتادة، وسهل بن
حُنَيف (1).
قال الترمذي: «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من
أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم، وهو قول الشافعي وأحمد (2) وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم: لا يُصلَّى على القبر، وهو قول مالك بن أنس (3). وقال عبد
الله بن المبارك: إذا دُفن الميت ولم يُصَلَّ عليه صُلِّي على القبر».
وقال الإمام أحمد (4): ومن يشك في الصلاة على القبر؟ يُروى عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - من ستة وجوه كلها حسان.
وقد روى مسلم في «صحيحه» (5) عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على
قبر.
وفي «الصحيحين» (6) عن ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يعوده ــ فذكر الحديث ــ وفيه: «فأتى قبره فصلى عليه».
ولكن هذه الأحاديث إنما تدل على قول ابن المبارك، فإنها وقائع أعيان، والله تعالى
أعلم.
_________
(1) انظر لأحاديث هؤلاء: «الإرواء» (736/ 1)، و «نزهة الألباب في قول الترمذي وفي
الباب» للوائلي (3/ 1656 - 1660).
(2) انظر: «الأم» (2/ 609)، و «مسائل أحمد» برواية أبي داود (ص 222) وعبد الله (ص
140) وصالح (1/ 466).
(3) انظر: «المدونة الكبرى» (1/ 181 - 182).
(4) كما في «التمهيد» (6/ 261)، و «المغني» (3/ 445)، والمؤلف صادر عنه.
(5) رقم (955).
(6) البخاري (1247) واللفظ له، ومسلم (954).
(2/375)
16 - باب في
اللحد
348/ 3079 - عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّحْدُ
لنا، وَالشَّقُّ لِغَيرنا».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (1)، وقال الترمذي: غريب. هذا آخر كلامه. وفي
إسناده: عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، ولا يحتج بحديثه.
وأخرجه ابن ماجه (2) أيضًا من حديث جرير بن عبد الله البجَلي عن النبي - صلى الله
عليه وسلم -. وفي إسناده: أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلي الكوفي، ولا يحتج
بحديثه، وذكر ابن عدي (3) أنه لا يتابعه عليه أحد.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى مسلم في «صحيحه» (4) من حديث سعد بن أبي
وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: «الحَدُوا لي لحدًا، وانْصِبوا عليَّ اللَّبِن
نَصْبًا، كما صُنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم -».
17 - باب الجلوس عند القبر
349/ 3083 - عن البراء بن عازب، قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولم يُلْحَدْ بعدُ، فجلس النبي - صلى
الله عليه وسلم - مستقبل القبلة وجلسنا معه».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (5).
_________
(1) أبو داود (3208)، والترمذي (1045)، والنسائي (2009)، وابن ماجه (1554).
(2) رقم (1555).
(3) «الكامل» (5/ 167).
(4) برقم (966).
(5) أبو داود (3212)، والنسائي (2001)، وابن ماجه (1549) هكذا مختصرًا، كلهم من
طريق المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء.
وأخرجه أبو داود (4753) في كتاب السنة مطوّلًا بذكر موعظة النبي - صلى الله عليه
وسلم - وإخباره عمّا يكون عند نزع الروح والمسألةِ في القبر وعذابِه ونعيمه.
(2/376)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وأخرجه الإمام
أحمد والحاكم في «صحيحه» (1).
وقد أعله أبو حاتم البُستي (2) بأن قال: زاذان لم يسمعه من البراء، قال: ولذلك لم
أخرجه.
وهذه العلة فاسدة، فإن زاذان قال: سمعت البراء بن عازب يقول: (فذكره). ذكره أبو
عوانة الإسفراييني في «صحيحه» (3).
وأعله ابن حزم (4) أيضًا بضعف المنهال بن عمرو. وهى علة فاسدة، فإن المنهال ثقة
صدوق، وقد صححه أبو نُعَيم وغيره (5).
_________
(1) أحمد (18534)، والحاكم (1/ 37)، كلاهما مطوّلًا.
(2) في «صحيحه» (7/ 387) عقب الحديث (3117).
(3) ليس الحديث في القدر المطبوع منه، وقد نقله منه الحافظ في «إتحاف المهرة» (2/
459) ولكن لم يَسُق موضع الشاهد من الإسناد. وقد ورد التصريح بالسماع أيضًا عند
أحمد (18535)، وأبي داود (4754)، والحاكم (1/ 37، 39).
(4) في «المحلّى» (1/ 22).
(5) قال أبو نعيم: «هو حديث أجمع رواة الأثر على شهرته واستفاضته»، نقله شيخ
الإسلام في «شرح حديث النزول» (5/ 439 ــ مجموع الفتاوى). وصححه أيضًا أبو عبد
الله ابن منده في كتاب «الإيمان» (2/ 965)، والحاكم في «المستدرك» (1/ 39)،
والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» (ص 39).
(2/377)
18 - باب في
تسوية القبر
350/ 3088 - عن أبي هَيَّاج الأسدي، قال: بعثني عليٌّ قال: أبعثك على ما بعثني
عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن لا أدَعَ قبرًا مُشْرِفًا إلا
سَوَّيتُه، ولا تمثالًا إلا طَمَسْتُه.
وأخرجه مسلم (1).
351/ 3089 - وعن أبي علي الهَمْداني ــ وهو ثُمامة بن شُفَيٍّ، مِن تابعي أهل مصر
ــ قال: كنا مع فَضالة بن عُبيد برُودِسَ بأرض الروم، فتُوفِّي صاحب لنا، فأمر
فَضالة بقبره فَسُوِّي ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر
بتسويتها.
وأخرجه مسلم (2).
352/ 3090 - وعن القاسم ــ وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق ــ قال: دخلت على عائشة
فقلت: يا أُمَّه، اكشِفي لي عن قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه - رضي
الله عنهما -، فكشفتْ لي عن ثلاثة قبور، لا مُشْرِفة ولا لاطِئة، مَبْطوحة
بِبَطْحاء العَرْصة الحمراء. قال أبو علي: يقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
مُقَدَّم، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رِجلَي رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: [وفي «صحيح البخاري» (4) عن سفيان التمَّار أنه رأى
قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مُسنَّمًا] (5).
وهذه الآثار لا تضاد بينها، والأمر بتسوية القبور إنما هو [ق 169]
_________
(1) أبو داود (3218)، ومسلم (969).
(2) أبو داود (3219)، ومسلم (968).
(3) «سنن أبي داود» (3220). وأبو علي هو اللؤلؤي راوي «السنن» عن أبي داود.
(4) كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(5) ما بين الحاصرتين من (هـ)، ولم يذكره المجرّد مع أن الكلام الآتي يتوقف فهمه
عليه.
(2/378)
تسويتها بالأرض، وأن لا تُرفَع مشرِفةً
عالية، وهذا لا يناقض تسنيمها شيئًا يسيرًا عن الأرض.
ولو قُدِّر تعارضها فحديث سفيان التمَّار أصحّ من حديث القاسم.
وقال البيهقي (1): «وحديث القاسم بن محمد في هذا الباب أصح وأولى أن يكون
محفوظًا». وليس الأمر كذلك، فحديث سفيان رواه البخاري في «صحيحه»، وحديث القاسم لم
يروه أحد من أصحاب الصحيح.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي (2): حديث سفيان التمار أثبت وأصح، فكان العمل به
أولى.
قال البيهقي (3) في حديث سفيان: وصحت رؤية سفيان له مسنَّمًا، فكأنه غُيِّرَ ــ
يعني القبر ــ عما كان عليه في القديم، فقد سقط جداره في زمن الوليد بن عبد الملك،
ثم أُصلِح.
19 - باب الميت يُصَلَّى على قبره بعد حين
353/ 3093 - عن عقبة بن عامر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يومًا
فصلّى على أهل أُحُدٍ صلاته على الميت، ثم انصرف.
354/ 3094 - وفي رواية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أُحُدٍ بعدَ
ثمان سنين، كالمُودِّع للأحياء والأموات.
_________
(1) «السنن الكبرى» (4/ 4).
(2) في «المغني» (3/ 437).
(3) «السنن الكبرى» (4/ 4).
(2/379)
وأخرجاه والنسائي (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وتبويب أبي داود وذِكرُه هذا الحديثَ يدل على أن ذلك
لا يتقيد عنده بوقت، لا شهر ولا غيره.
وقد روى سعيد بن المسيب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على أمِّ سعدٍ
بعد موتها بشهر (2). وهذا مرسل صحيح.
وصلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، وصلى على غير واحد في القبر لِدُون الشهر، ولم
يأت في التحديد نص.
وصلاته على أم سعد بعد شهر لا ينفي الصلاة بعد أزيدَ منه. وكونُ الميت في الغالب
لا يبقى أكثر من شهر لا معنى له، فإن هذا يختلف باختلاف الأرض، والعظامُ تبقى مدة
طويلة، ولا تأثير لتمزُّق اللحوم.
20 - باب كراهية اتخاذ القبور مساجد (3)
355/ 3097 - وعن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «قاتَل
اللهُ اليهودَ اتَّخذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ».
_________
(1) أبو داود (3224)، والبخاري (4042)، ومسلم (2296)، والنسائي (1954).
(2) أخرجه الترمذي (1038)، وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 452، 453)، والطبراني في
«الكبير» (5378)، والبيهقي (4/ 48) من طرق عن قتادة، عن سعيد مرسلًا.
(3) لا يوجد باب بهذه الترجمة في «السنن» ولا في «المختصر»، وإنما هناك: «باب
البناء على القبر» وفيه ثلاثة أحاديث: روايتان لحديث جابر: أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - نهى أن يُقعد على القبر وأن يُقصَّص ويُبنى عليه، وحديث أبي هريرة
الآتي. فإما أن المؤلف غيّر ترجمة الباب إلى ما ترى، أو أبقاه وزاد هذه الترجمة
عند حديث أبي هريرة الآتي.
(2/380)
وأخرجاه والنسائي (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي «صحيح أبي حاتم بن حبان» (2) من حديث عاصم، عن
أبي وائل، عن عبد الله قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مِن
شرار الناس مَن تدركهم الساعةُ وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد».
وفي «صحيح مسلم» (3) عن جندب بن عبد الله البَجَلي قال: سمعت رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل،
فإن الله عز وجل قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا. ولو كنت متخذًا من
أمتي خليلًا لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلًا. وإن مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور
أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إني أنهاكم عن ذلك».
وفي «الصحيحين» (4) عن عائشة: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرَتا كنيسةً رأتاها بالحبشة
فيها تصاوير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «إن أولئكِ إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بَنَوا على قبره مسجدًا
وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئكِ شرار الخلق عند الله يوم القيامة». وزاد البخاري
(5): أن هذه
_________
(1) أبو داود (3227)، والبخاري (437)، ومسلم (530)، والنسائي (2047).
(2) رقم (6847)، وأخرجه أحمد (3844) وابن خزيمة (789) من الطريق نفسه، وإسناده
حسن. وعلّقه البخاري في «صحيحه» (7067) بصيغة الجزم عن أبي عوانة، عن عاصم به، دون
قوله: «ومن يتخذ القبور مساجد».
(3) رقم (532).
(4) البخاري (427)، ومسلم (528).
(5) برقم (1341)، وورد في رواية لمسلم (528/ 17) أيضًا.
(2/381)
الكنيسة ذُكرت للنبي - صلى الله عليه وسلم -
في مرضه الذي مات فيه.
وفي «الصحيحين» (1) عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد»، قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يُتَّخذ مسجدًا.
وفي «صحيح مسلم» (2) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
وفي «الصحيحين» (3) عن عائشة وابن عباس قالا: لما نُزِل برسول الله - صلى الله
عليه وسلم - طَفِق يطرَح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها عن وجهه، فقال وهو
كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذِّر مثل
ما صنعوا.
وفي «صحيح أبي حاتم» (4) عن أبي صالح عن ابن عباس قال: «لعن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - زائرات القبور، والمتّخذات عليها المساجد والسرج». قال أبو حاتم: أبو
صالح هذا اسمه ميزان (5) ثقة، وليس بصاحب الكلبي، ذاك
_________
(1) البخاري (1330، 1390، 4441)، ومسلم (529).
(2) رقم (530).
(3) البخاري (435)، ومسلم (531).
(4) رقم (3179، 3180)، وأخرجه أحمد (2030)، وأبو داود (3236)، والترمذي (320)،
والنسائي (2043)، والحاكم (1/ 374)، كلهم من طريق محمد بن جحادة، عن أبي صالح، عن
ابن عباس.
قال الترمذي: «حديث حسن»، وصححه ابن حبان، والحاكم.
(5) في الأصل و (هـ) وط. الفقي: «مهران»، تصحيف.
(2/382)
اسمه باذام.
وقال الإشبيلي (1): هو باذام صاحب الكلبي، وهو عندهم ضعيف جدًّا. وكان شيخنا أبو
الحجاج المِزِّي يرجح هذا أيضًا (2).
21 - باب المشي في الحذاء بين القبور
356/ 3100 - عن بشير مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ وكان اسمه في
الجاهلية: زَحْم بن مَعْبد، فهاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما
اسمك؟» فقال: زحم، قال: «بل أنت بشير» ــ قال: بينما أنا أُماشي رسولَ الله - صلى
الله عليه وسلم - مَرَّ بقبورِ المشركين، فقال: «لقد سَبَقَ هؤلاء خيرًا كثيرًا»
ــ ثلاثًا ــ ثم مَرَّ بقبور المسلمين، فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا».
وحانت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظرةٌ، فإذا رجلٌ يمشي في القبور عليه
نعلان، فقال: «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَين، وَيحَك! أَلْقِ سِبْتِيَّتَيك»، فنظر
الرجل، فلما عرف رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خلعهما فرمى بهما.
وأخرجه النسائي وابن ماجه (3).
وبشير هذا هو: ابن الخَصاصيَّة، وهي أمه.
_________
(1) «الأحكام الوسطى» (2/ 151).
(2) كما نصّ عليه في «تحفة الأشراف» (4/ 368). وهذا الذي قاله عبد الحق الإشبيلي