النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
وزعموا أن هذا لأن العُوَّاد يرون في بيته ما لا يراه هو. وهذا باطل من وجوه:
أحدها: هذا الحديث.
الثاني: جواز عيادة الأعمى.
الثالث: عيادة المغمى عليه، وقد جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت جابر في
حال إغمائه حتى أفاق (2)، وهو - صلى الله عليه وسلم - الحجة.
وهذا القول في كراهة عيادة الرَّمِد إنما هو مشهور بين العوام فتلقّاه بعضهم عن
بعض (3).
3 - باب الخروج من الطاعون
326/ 2975 - عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول: «إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها، فلا
تَخرُجوا فِرارًا منه».
وأخرجه البخاري ومسلم (4) مطولًا.
_________
(1) «سنن أبي داود» (3102)، وأخرجه أحمد (19348) بسياق أتم، والحاكم (1/ 342)،
كلهم من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد. وإسناده حسن. وله شاهد من حديث
أنس عند أحمد (12586، 12636)، والحاكم (1/ 342)، والبيهقي في «شعب الإيمان»
(8758).
(2) أخرجه البخاري (5651) ومسلم (1616) من حديث جابر.
(3) ولعلّ مستندهم هو الحديث الموضوع: «ثلاث لا يُعاد صاحبهن: الرَّمِد، وصاحب
الضرس، وصاحب الدملة». انظر: «الأحاديث الضعيفة» للألباني (150).
(4) أبو داود (3103)، والبخاري (5729) ومسلم (2219). وأخرجاه أيضًا من حديث أسامة
بن زيد، البخاري (3472) ومسلم (2218).
(2/331)
واختلف السلف في ذلك، فمنهم من أخذ بظاهر
الحديث، وهم الأكثر. روي عن عائشة قالت: «هو كالفرار من الزحف» (1).
ومنهم من دخل إلى بلاد الطاعون وخرج عنها. ورُوي هذا المذهب عن عمر بن الخطاب،
وأنه ندم على رجوعه من سَرْغ (2).
وروي عن أبي موسى الأشعري، ومسروق، والأسود بن هلال: أنهم فروا من الطاعون (3)،
وروي عن عمرو بن العاص نحوه (4).
_________
(1) روي ذلك من حديثها مرفوعًا. أخرجه أحمد (24527) وابن خزيمة بإسناد حسن، كما
قال الحافظ في «الفتح» (10/ 188).
(2) أخرج ابن أبي شيبة (34540) عن ابن عمر أنه سمع أباه يقول: «اللهم اغفر لي
رجوعي من غزوة سَرْغ» يعني حين رجع من أجل الوباء. وانظر في تأويل ذلك وتوجيهه
كلام الحافظ في «الفتح» (10/ 187) فإنه كلام رصين وتوجيه متين.
(3) أما أبو موسى فأخرج الطبري في «تهذيب الآثار» (111، 112 - الجزء المتمم) أنه بعث
بِنْتَه إلى الأعراب من الطاعون، وإسناده ضعيف. وأخرج هو (113) والطحاوي في «معاني
الآثار» (4/ 305) بإسناد صحيح أنه لما وقع الطاعون في أهله أذن للناس أن يجفوا عنه
وقال: «فمن شاء منكم أن يتنزه فليتنزّه ... ». وأخرج ابن سعد في «الطبقات» (4/
104) أنه لمّا وقع الطاعون أشار عليه أخوه بالخروج فلم يوافق.
أما مسروق، فأخرج الطبري في «التهذيب» (116) عنه أنه كان يفرّ من الطاعون، ولكن
صحّ عن امرأته أنها قالت: «كلّا والله ما كان يفر، ولكنّه يقول: أيام تشاغُلٍ فأحب
أن أخلو للعبادة، فكان يتنحّى فيخلو للعبادة». أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (8/
202). أما فرار الأسود بن هلال، فصحّ عند الطبري في «التهذيب» (115).
(4) أخرجه الطبري في «تهذيب الآثار» (118 - الجزء المتمم) والطحاوي في «معاني
الآثار» (4/ 306) عنه أنه قال: «إنه رجز فتفرَّقوا عنه»، ولكنه تراجع لمّا أنكر
عليه شرحبيل ابن حسنة - رضي الله عنه -.
(2/332)
قال ابن القيم - رحمه الله -: والصواب في
ذلك: ما دل عليه النص: أنه لا ينبغي القدوم على الأرض التي هو بها، فإن ذلك
تعرُّضٌ للبلاء، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تمنّي لقاء العدو (1).
وإذا وقع في أرض هو بها، فإنه لا ينبغي له أن يفرَّ منه، وإن ظن في ذلك نجاته، بل
ينبغي له أن يصبر، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في العدو: «وإذا لقيتموهم
(2) فاصبروا»، لا سيما والطاعون قد جاء أنه وَخْزُ أعدائنا من الجن (3). فالطاعون
كالطِّعان، فلا ينبغي الفرار منهما ولا تمنِّي لقائِهما.
4 - باب تطهير ثياب الميت عند الموت
327/ 2985 - عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت دعا بثيابٍ جُدُدٍ فلبسها، ثم
قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المَيِّت يُبعَث في ثيابه التي
يموت فيها» (4).
_________
(1) أخرجه البخاري (2966) ومسلم (1742) من حديث عبد الله بن أبي أوفى بلفظ: «يا
أيها الناس، لا تتمنَّوا لقاءَ العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم
فاصبروا». وأخرجا من أبي هريرة نحوه. البخاري (3026) ومسلم (1741).
(2) في الطبعتين: «لقيتموه» خلافًا للأصل ولنص الحديث.
(3) جاء ذلك في حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا، أخرجه أحمد (19528، 19708)،
والبخاري في «التاريخ الكبير» (9/ 15 - 16)، من طرق تقوي بعضها بعضًا. وقد صححه
الحافظ في «الفتح» (10/ 181 - 182) بمجموع طرقه.
(4) «سنن أبي داود» (3114)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (7316)، والحاكم (1/ 340)، وإسناده
جيّد.
(2/333)
قال ابن القيم - رحمه الله - (1): استعمل
أبو سعيد الحديث على ظاهره، وقد رُوي في تحسين الكفن أحاديث (2). وقد تأوله بعضهم
على أن معنى الثياب العمل، كَنَى بها عنه، يريد أنه يُبعث على ما مات عليه من عمل
صالح أو سيِّئ. قال: والعرب تقول: «فلان طاهر الثياب»، إذا وصفوه بطهارة النفس
والبراءة من العيب والدَّنَس، وتقول: دَنِس الثياب إذا كان بخلاف ذلك، واستدل
بقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] وأكثر المفسرين على أن المعنى:
وعملَكَ فأصْلِح ونفسك فزَكِّ (3). قال الشاعر (4):
ثيابُ بني عوفٍ طَهارَى نقيَّةٌ
قال: وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يحشر الناس حُفاةً عُراة»
(5).
وقالت طائفة: البعث غير الحشر، فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب، والحشر مع
العُرْي والحَفا.
_________
(1) أفاد المؤلف في شرح الحديث من كلام الخطابي في «المعالم» (4/ 285).
(2) منها حديث جابر عند مسلم (943) بلفظ: «إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسّن كفنه».
وبنحوه حديث أبي قتادة عند الترمذي (995) بإسناد حسن.
(3) هو قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. انظر:
«تفسير الطبري» (23/ 405 - 409).
(4) صدر بيت لامرئ القيس في «ديوانه» (ص 83)، وعجزه: «وَأوْجُههم عند المَشاهدِ
غُرّانُ».
(5) أخرجه البخاري (3349، 6527) ومسلم (2860، 2859) عن ابن عباس وعائشة - رضي الله
عنهم -.
(2/334)
5 - باب في
التلقين
328/ 2988 - وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَقِّنُوا
مَوتاكم قولَ لا إلهَ إلا الله».
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى مسلم في «صحيحه» (2) عن أبي هريرة عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - مثله سواء.
وروى ضِمام بن إسماعيل، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال: «أكثروا مِن لا إله إلا الله قبلَ أن يُحال بينكم وبينها،
ولَقِّنوها موتاكم» ذكره أبو أحمد بن عدي (3). وضمام هذا صدوق صالح الحديث، قاله
الإشبيلي (4).
6 - باب في النَّوح
329/ 3000 - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ
الميِّتَ لَيُعذَّب ببُكاء أهلِه عليه»، فذُكر ذلك لعائشة، فقالت: وَهِلَ ــ تعني
ابنَ عمر ــ، إنما مَرَّ النبي
_________
(1) أبو داود (3117)، ومسلم (916)، والترمذي (976)، والنسائي (1826)، وابن ماجه
(1445).
(2) رقم (917).
(3) «الكامل» (4/ 104). وأخرجه أبو يعلى (6147)، والطبراني في «الدعاء» (1143)، من
طريق ضمام به.
(4) «الأحكام الوسطى» (2/ 118). وقال الذهبي في «الميزان» (2/ 329): «صالح الحديث،
ليَّنه بعضهم بلا حجة». قلت: يبقى أن شيخه في الإسناد موسى بن وردان فيه بعض
اللين. انظر: «تهذيب التهذيب» (10/ 376).
(2/335)
- صلى الله عليه وسلم - على قبر فقال: «إنّ
صاحب هذا لَيُعذَّب وأهلُه يبكون عليه»، ثم قرأَتْ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]. وفي رواية: «على قبر يهودي» (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا أحد الأحاديث التي ردَّتْها عائشة، واستدركتها،
ووهَّمت فيه ابن عمر (2).
والصواب مع ابن عمر، فإنه حفظه ولم يهم فيه. وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - أبوه عمر بن الخطاب، وهو في «الصحيحين»، وقد وافقه عليه من حضره من جماعة
الصحابة، كما خرَّجا في «الصحيحين» (3) عن ابن عمر قال: لما طُعِن عمر أغمي عليه،
فصيح عليه، فلما أفاق قال: أما علمتم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إن الميت لَيُعذَّب ببكاء الحي»؟
وأخرجا (4) أيضًا عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الميت يُعذَّب بِما
نِيح عليه».
وأخرجا في «الصحيحين» (5) أيضًا عن أبي موسى قال: لما أصيب عمر جعل صهيب يقول: وا
أخاه! فقال له عمر: يا صهيب، أما علمتَ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إن الميت ليعذب ببكاء الحي»؟
_________
(1) البخاري (1292)، ومسلم (927/ 17).
(2) البخاري (1290)، ومسلم (927/ 19).
(3) «سنن أبي داود» (3129)، وأخرجه البخاري (3978) ومسلم (931، 932) بنحوه.
(4) ذكر بدرُ الدين الزركشي (ت 794) في رسالته: «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة
على الصحابة» عشرة استدراكات على ابن عمر.
(5) البخاري (1292)، ومسلم (927/ 18) واللفظ له
(2/336)
وفي لفظ لهما (3): قال عمر: والله لقد علمت
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من يُبكَ عليه يُعذَّب».
وفي «الصحيحين» (4) عن أنس: أن عمر لما طعن عَوَّلت عليه حفصة، فقال: يا حفصة، أما
سمعتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المُعَوَّل عليه يعذب»؟
وفي «الصحيحين» (5) عن المغيرة بن شعبة: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول: «من يُنَحْ (6) عليه، فإنه يعذب بما نيح عليه».
فهؤلاء عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وابنته حفصة، وصهيب، والمغيرة بن شعبة كلهم
يروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومُحال أن يكون هؤلاء كلهم وهموا في
الحديث.
والمعارضة التي ظنتها أم المؤمنين - رضي الله عنها - بين روايتهم وبين قوله: {لَا
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164] غيرُ لازمةٍ أصلًا. ولو كانت
لازمة لزمتْ في روايتها أيضًا: «إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابًا» (7)، فإن
الله سبحانه لا يعذب أحدًا بذنب غيره الذي لا سبب له فيه. فما تجيب به أم
_________
(1) إنما هو عند مسلم (927/ 20) دون البخاري.
(2) وهو أيضًا عند مسلم (927/ 21) دون البخاري.
(3) البخاري (1291)، ومسلم (933).
(4) في الطبعتين: «نِيح» خلافًا للأصل، والمثبت من الأصل موافق لرواية أبي ذر عن
الحمُّويي والمستملي لـ «صحيح البخاري». انظر: الطبعة السلطانية (2/ 80)، و «إرشاد
الساري» (2/ 405).
(5) أخرجه البخاري (1288)، ومسلم (929).
(2/337)
المؤمنين عن قصة الكافر يجيب (1) به أبناؤها
عن الحديث الذي استدركته.
ثم سلكوا في ذلك طرقًا:
أحدها: أن ذلك خاص بمن أوصى أن يُناح عليه، فيكون النَّوح عليه بسبب فعله، ويكون
هذا جاريًا على المتعارف من عادة الجاهلية، كما قال قائلهم (2):
إذا متُّ فانْعَيني بما أنا أهله ... وشُقِّي عليَّ الجيبَ يا ابنةَ مَعْبد
وهو كثير في شعرهم. وأما من لم يتسبب إلى ذلك بوصية ولا غيرها فلا يتناوله الحديث.
وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما: أن اللفظ عام.
الثاني: أن عمر والصحابة فهموا منه حصول ذلك وإن لم يُوصِ به.
ومن وجه آخر: وهو أن الوصية بذلك حرام يستحق بها التعذيبَ نِيح عليه أم لا، والنبي
- صلى الله عليه وسلم - إنما علّق التعذيب بالنياحة لا بالوصية.
المسلك الثاني: أن ذلك خاص بمن كان النوح من عادته وعادة قومه وأهله، وهو يعلم
أنهم ينوحون عليه إذا مات. فإذا لم ينههم كان رضًى منه بفعلهم، وذلك سبب عذابه.
وهذا مسلك البخاري في «صحيحه» (3)، فإنه
_________
(1) في الأصل: «يجيبه»، تصحيف أو سبق قلم، والتصحيح من الطبعتين.
(2) هو طَرَفة بن العبد في معلّقته.
(3) كتاب الجنائز (3/ 150 - الفتح).
(2/338)
ترجم عليه وقال: «إذا كان النوح من سنَّته»،
وهو قريب من الأول.
المسلك الثالث: أن الباء ليست باء السببية، وإنما هي باء المصاحبة، والمعنى: يعذب
مع بكاء أهله عليه، أي يجتمع بكاء أهله وعذابه، كقوله: خرج زيد بسلاحه؛ قال تعالى:
{وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة:61].
وهذا المسلك باطل قطعًا، فإنه ليس كل ميت يعذَّب، ولأن هذا اللفظ لا يدل إلا على
السببية، كما فهمه أعظم الناس أفهامًا، ولهذا ردَّته عائشة لما فهمت منه السببية.
ولأن اللفظ الآخر الصحيح الذي رواه المغيرة (1) يُبطل هذا التأويل.
ولأن الإخبار بمقارنة عذاب الميت المستحق للعذاب لبكاء أهله لا فائدة فيه.
المسلك الرابع: أن المراد بالحديث ما يتألَّم به الميت ويتعذب به من بكاء الحي
عليه، وليس المراد أن الله تعالى يعاقبه ببكاء الحي عليه؛ فإن التعذيب هو من جنس
الألم الذي يناله بمن يجاوره ممن يتأذى به ونحوه. قال النبي - صلى الله عليه وسلم
-: «السفر قطعة من العذاب» (2). وليس هذا عقابًا على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألُّم،
فإذا وُبِّخ الميت على ما يناح به عليه لحقه من ذلك تألم وتعذيب.
_________
(1) وهو: «من يُنَح عليه، فإنه يعذّب بما نيح عليه».
(2) وتمامه: «يمنع أحدَكم طعامَه وشرابَه ونومَه، فإذا قضى نَهْمتَه فليُعَجِّل
إلى أهله». أخرجه البخاري (1804)، ومسلم (1927) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه
-.
(2/339)
ويدل على ذلك ما روى البخاري في «صحيحه» (1)
عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجَعلتْ أخته عَمْرةُ تبكي:
واجَبَلاه! وا كذا، وا كذا، تُعدِّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل
لي: آنْتَ كذلك؟
وقد تقدم (2) قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن ثابت: «فإذا
وجب فلا تبكينَّ باكية».
وهذا أصح ما قيل في الحديث (3). ولا ريب أن الميت يسمع بكاء الحي، ويسمع قرْعَ
نعالهم (4)، وتُعرَض عليهم (5) أعمالُ أقاربهم الأحياء (6)، فإذا رأوا فيها ما
يسوءهم تألموا له. وهذا ونحوه مما يتعذب به
_________
(1) رقم (4267). وانظر أيضًا حديث أبي موسى الأشعري بمعناه ــ وهو أصرح دلالةً ــ
عند أحمد (19716)، وابن ماجه (1594)، والحاكم (2/ 470).
(2) في «المختصر» (2982)، وهو في «السنن» (3111) بإسناد حسن.
(3) وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية في «جواب الاعتراضات المصرية» (ص 59 -
72)، و «مجموع الفتاوى» (24/ 369 - 376)، و «جامع المسائل» (3/ 138 - 141).
(4) كما في حديث أنس عند البخاري (1338) ومسلم (2870).
(5) أي: على الأموات، وفي الطبعتين: «عليه» خلافًا للأصل.
(6) روي ذلك في عدة أحاديث مرفوعة، ولا يصح منها شيء. وفي الباب آثار موقوفة مروية
من وجوه حسان، منها: عن أبي أيوب وأبي الدرداء في «الزهد» لابن المبارك (1/ 149،
2/ 42) و «المنامات» لابن أبي الدنيا (3 - 5)، وعن أبي هريرة في «تهذيب الآثار ــ
مسند عمر» للطبري (2/ 510 - 511)، وعن سعيد بن جبير في «الزهد» لابن المبارك (1/
151). وانظر: «الضعيفة» (443، 863، 864)، و «الصحيحة» (2758) كلاهما للألباني.
(2/340)
الميت ويتألم، ولا تعارض بين ذلك وبين قوله
تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} بوجهٍ ما.
[وأما الشافعي - رحمه الله - فإنه سلك في هذا الحديث مسلكَ عائشة بعينه، قال (1):
وما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشبه أن يكون محفوظًا عنه بدلالة
الكتاب ثم السنة. قال: فإن قيل: فأين دلالة الكتاب (2)؟ قيل في قوله عز وجل:
{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا
مَا سَعَى} [النجم: 38، 39]، وقولِه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]،
وقولِه: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: 15]. قال الشافعي: فإن قيل:
أين دلالة السنة؟ قيل: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل: «ابنك هذا؟»
قال: نعم، قال: «أما إنَّه لا يجني عليك ولا تجني عليه» (3)، فأَعلَمَ رسولُ الله
مثلَ ما أعلم الله من أن جناية كل امرئٍ عليه كما عملُه له لا لغيره ولا عليه.
والله أعلم] (4).
_________
(1) في «اختلاف الحديث» (10/ 218 - 219 ــ ضمن الأم).
(2) بعده في (هـ): «والسنة»، وهو سهو، فإنه ليس في كتاب الشافعي ولا المنذري،
سيأتي ذكر السنة مستقلًّا بعد هذا.
(3) أخرجه أحمد (7107)، وأبو داود (4495)، وابن حبان (5995)، والحاكم (2/ 425)
وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(4) ما بين الحاصرتين من (هـ)، والظاهر أن المجرّد لم يذكره لأنه ليس من زيادات
المؤلف بل مما نقله من «مختصر المنذري» (ق 3/ 79 - 80 - النسخة البريطانية) بتصرف
يسير.
(2/341)
7 - باب في الشهيد يُغسَّل
330/ 3008 - وعن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرَّ بحمزة وقد
مُثِّل به، ولم يُصَلِّ على أَحَدٍ من الشهداء غيرَه (1).
قال الدارقطني (2): تفردّ به أسامة بن زيد عن الزهري عن أنس بهذه الألفاظ، ورواه
عثمان بن عمر عن أسامة عن الزهري عن أنس وزاد فيه حرفًا لم يأت به غيره فقال: «ولم
يصلِّ على أحد من الشهداء غيره» يعني حمزة.
وقال في موضع آخر (3): لم يقُل هذا اللفظ غير عثمان بن عمر، وليس بمحفوظ.
وقال البخاري (4): «وحديث أسامة بن زيد هو غير محفوظ، غلط فيه أسامة بن زيد»، وهو
الليثي مولاهم المديني، احتجّ به مسلم واستشهد به البخاري. وأما عثمان بن عمر فهو
ابن فارس البصري، وقد اتفقا على الاحتجاج به.
_________
(1) «سنن أبي داود» (3137) من طريق عثمان بن عمر عن أسامة عن الزهري عن أنس. وقد
تفرّد به عثمان بن عمر بهذا اللفظ كما سيأتي، وخالفه غير واحد من الحفّاظ ــ كابن
وهب عند أبي داود (3135) ــ فرووه عن أسامة عن الزهري عن أنس: «أن شهداء أُحُد لم
يُغسَّلوا، ودُفنوا بدمائهم ولم يُصَلَّ عليهم» فلم يستثنِ حمزة ولا غيره.
(2) انظر: «العلل» (2585).
(3) في «السنن» عقب الحديث (4205).
(4) كما في «العلل الكبير» للترمذي (ص 146)، وتخطئة البخاري لأسامة إنما هو من حيث
الإسناد، لإن أسامة رواه عن الزهري عن أنس، وخالفه الليث فرواه الزهري عن عبد
الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بدفنهم
بدمائهم ولم يصلِّ عليهم ولم يغسِّلهم. أخرجه البخاري (1347).
(2/342)
وقد اختُلف في الشهيد، فقال الشافعي، ومالك،
وأحمد في الأشهر عنه (1)، وإسحاق (2): لا يغسّل ولا يُصلَّى عليه. وهو قول عطاء
(3)، والنخعي، والحَكَم، والليث بن سعد.
وقال أبو حنيفة (4) والثوري والأوزاعي ومكحول (5): لا يغسل، ويصلَّى عليه. وهو
رواية عن أحمد (6)، واختاره المزني (7). (8)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهؤلاء رأوا أن الغسل لم يأت فيه شيء يعارِض حديثَ
جابر في قتلى أحد (9)، وأما الصلاة عليه فقد أخرجا في «الصحيحين» (10) عن عقبة بن
عامر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يومًا، فصلى على
_________
(1) انظر: «الأم» (2/ 596)، و «الموطأ» (1334)، و «المدونة» (1/ 183)، و «المغني»
(3/ 467)، و «الإنصاف» (6/ 95 - 97).
(2) كذا في «المغني»، وفي «مسائله» رواية الكوسج (1/ 329) أنه قال: «لابدّ من
الصلاة على الشهداء، صُلّي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أعظم الشهداء».
(3) وفي «مصنف عبد الرزاق» (6638، 6652) أنه يرى الصلاة عليه.
(4) انظر: «الأصل» للشيباني (1/ 338 - 342)، و «المبسوط» (2/ 49).
(5) انظر: «التمهيد» (24/ 244) و «الاستذكار» (5/ 119).
(6) انظر: «مسائله» رواية الكوسج (1/ 329)، ورواية عبد الله (ص 140).
(7) انظر: «المجموع» للنووي (5/ 221 - 225).
(8) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وفيه اختصار وتصرّف من المؤلف. وهو ساقط من مطبوعة
«المختصر»، وموجود في مخطوطته (النسخة البريطانية)، وذكر المجرّد طرفه الأخير من
قوله: «وقد اختلف في الشهيد ... » إلخ.
(9) وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلِّ عليهم ولم
يغسِّلهم. أخرجه البخاري (1347)، وهو عند أبي داود في الباب (3138) عقب حديث أنس.
(10) البخاري (1344) ومسلم (2296).
(2/343)
أهل أحد صلاته على الميت.
وحديث أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على حمزة.
وحديث أبي مالك الغفاري قال: كان قتلى أحد يؤتى بتسعةٍ وعاشرُهم حمزة، فيصلي عليهم
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يُحمَلون، ثم يُؤتى بتسعة فيصلي عليهم وحمزة
مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. هذا مرسل صحيح ذكره
البيهقي (1)، [ق 165] وقال: هو أصح ما في الباب.
وروى أبو بكر بن عياش عن يزيدَ بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: أنه صلى
عليهم. رواه البيهقي (2)، وقال: لا يُحفظ إلا من حديثهما، وكانا غير حافظين، يعني:
أبا بكر، ويزيد بن أبي زياد.
وقد روى ابن إسحاق عن رجل من أصحابه، عن مقسم، عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - صلى على حمزة، فكبّر عليه سبع تكبيرات، ولم يُؤتَ بقتيل إلا صلى عليه
معه، حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة (3).
ولكن هذا الحديث له ثلاث علل:
إحداها: أن ابن إسحاق عنعنه، ولم يذكر فيه سماعًا (4).
_________
(1) «السنن الكبرى» (4/ 12)، وأخرجه أيضًا أبو داود في «المراسيل» (427).
(2) «السنن الكبرى» (4/ 12)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (1513)، والحاكم (3/ 197 -
198) من طريق أبي بكر بن عيّاش به.
(3) أخرجه البيهقي (4/ 13) وضعَّفه لإبهام الرجل من أصحاب ابن إسحاق.
(4) كذا، وهو وهم سببه أن المؤلف صادر عن «معرفة السنن والآثار» (5/ 257) حيث ذكر
فيه البيهقي طرف الإسناد معلقًا باللفظ الذي ذكره المؤلف: «ابن إسحاق عن رجل من
أصحابه ... ». وقد وصله في «السنن الكبرى» (4/ 13) بإسناده، وفيه: «عن محمد بن
إسحاق: حدثني رجل من أصحابي، عن مقسم وقد أدركه ... ».
(2/344)
الثانية: أنه رواه عمن لم يسمّه.
الثالثة: أن هذا قد روي من حديث الحسن بن عُمارة عن الحَكَم عن مِقْسم عن ابن عباس
(1). والحَسَن لا يُحتَجّ به، وقد سُئل الحَكَم: أصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه
وسلم - على قتلى أُحُد؟ قال: لا. سأله شعبة (2).
وقد روى أبو داود (3) عن أبي سلَّام عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -
وفيه: فصلَّى عليه ودفنه، فقالوا: يا رسول الله، أشهيد هو؟ قال: «نعم، وأنا له
شهيد»، وقد تقدم (4).
قالوا: وهذه آثار يقوّي بعضها بعضًا، ولم يختلف فيها، وقد اختُلِف في شهداء أحد.
فكيف يؤخذ بما اختلف فيه، وتُترَك هذه الآثار؟
والصواب في المسألة: أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء
_________
(1) أخرجه مسلم في مقدمة «صحيحه» (عند ذكر كلام الأئمة في الضعفاء والمتّهمين)
والبيهقي (4/ 13). والحسن بن عمارة متروك الحديث، ولعله هو الذي أبهمه ابن إسحاق
فلم يذكر اسمه. انظر: «الروض الأنف» (6/ 43).
(2) أخرجه مسلم في مقدمة «صحيحه» والبيهقي (4/ 13)، وبه استدل شعبة على كذب الحسن
بن عمارة، فإنه يروي عن الحَكَم أشياء لا أصل لها عنه.
(3) رقم (2539)، وفي إسناده الوليد بن مسلم، وهو مدلس، وقد عنعنه. انظر: «ضعيف أبي
داود ــ الأم» للألباني (2/ 313).
(4) «المختصر» (2428) ولم يتقدَّم معنا في التجريد. والحديث في (هـ) بتمامه، ولعل
الاقتصار في الأصل على ذكر موضع الشاهد منه من تصرّف المجرِّد، وكذا قوله: «وقد
تقدّم» فإنه ليس في (هـ).
(2/345)
الآثار بكل واحد من الأمرين. وهذا إحدى
الروايات عن الإمام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه. والذي يظهر من أمر شهداء
أُحُد: أنه لم يصلِّ عليهم عند الدفن.
وقد قُتِل معه بأُحُد سبعون نفسًا، فلا يجوز أن تخفى الصلاةُ عليهم. وحديث جابر بن
عبد الله في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح، وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ، فله
بالوقعة (1) من الخبرة ما ليس لغيره.
وقد ذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب إلى أنهم يغسَّلون ويصلى عليهم (2). وهذا
تردّه السنة المعروفة في ترك تغسيلهم.
فأصح الأقوال: أنهم (3) لا يغسلون، ويخيَّر في الصلاة عليهم. وبهذا يتفق جميع
الأحاديث، وبالله التوفيق.
8 - باب في الكفن
331/ 3022 - وعن عائشة قالت: كُفِّنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة
أثواب يمانيةٍ بِيض، ليس فيها قميصٌ ولا عمامة.
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (4).
332/ 3023 - وعنها مثله، زاد: «من كُرْسُفٍ»، قال: فذُكر لعائشة قولُهم:
_________
(1) «بالوقعة» من (هـ).
(2) أخرجه عنهما عبد الرزاق (6650) وابن أبي شيبة (11109).
(3) ط. المعارف: «أنه» خلافًا للأصل.
(4) أبو داود (3151)، والبخاري (1264)، ومسلم (941/ 45)، والترمذي (996)، والنسائي
(1899)، وابن ماجه (1469).
(2/346)
في ثوبين وبُرْدِ حِبَرة، فقالت: قد أُتي
بالبرد ولكنهم ردُّوه ولم يكفنوه فيه.
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (1)، وقال الترمذي: صحيح.
333/ 3024 - وعن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: كُفِّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- في ثلاث أثواب نَجْرَانِيةٍ: الحُلَّةُ ــ ثَوبانِ ــ، وقميصُه الذي مات فيه.
وأخرجه ابن ماجه (2).
وفيه يزيد بن أبي زياد، وقد أخرج له مسلم في المتابعات. وقال غير واحد من الأئمة:
لا يحتج بحديثه.
وقال أبو عبد الله بن أبي صُفْرَة (3): قولها: «ليس فيها قميص ولا عمامة» يدل على
أن القميص الذي غُسِّل فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - نُزِع عنه حين كُفِّن،
لأنه إنما قيل لهم: «لا تنزعوا القميص» ليُستر به ولا يُكشفَ جسده، فلما سُتر
بالكفن استغني عن القميص، فلو لم يُنزَع القميص حين كفن لخرج عن حد الوتر الذي أمر
به النبي - صلى الله عليه وسلم - واستحسنه في غير ما شيء، وكانت تكون أربعةً
بالثوب المبلول، ويُستَشنع أن يكفّن في مبلول.
فإن قيل: فقد روى يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس قال: كفن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه وحلة نجرانية.
قيل: هذا حديث تفرد به يزيد بن أبي زياد، ولا يحتج به لضعفه. وحديث
_________
(1) أبو داود (3152)، والترمذي (996)، والنسائي (1899)، وابن ماجه (1469).
(2) أبو داود (3153)، وابن ماجه (1471).
(3) هو محمد بن أحمد بن أبي صُفْرة، أخو المهلَّب (توفي قبل 420)، وكلامه هذا نقله
ابن بطّال (ت 449) في «شرح صحيح البخاري» (3/ 260).
(2/347)
عائشة أصح. آخر كلامه (1).
قال ابن القيم - رحمه الله - (2): وقد حمل الشافعي (3) قولها (4): «ليس فيها قميص
ولا عمامة» على أن ذلك ليس في الكفن بموجود، وأن عدد الكفن ثلاثة أثواب.
وحمله مالك على أنه ليس بمعدود من الكفن، بل يحتمل أن تكون الثلاثة الأثواب زيادةً
على القميص والعمامة (5).
وقال ابن القصَّار (6): لا يستحب القميص ولا العمامة عند مالك في الكفن، ونحوه عن
ابن القاسم.
قال (7): وهذا خلاف ما حكى متقدمو أصحابنا ــ يعني عن مالك.
_________
(1) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وفيه تصرّف يسير من المؤلف.
(2) الكلام الآتي ليس على شرط التجريد، إذ هو كلام المنذري في «المختصر» (4/ 302 -
303) بعينه، وليس لابن القيم فيه إلا تصرّف يسير جدًّا، ولعله كان ساقطًا من نسخة
«المختصر» التي قابل بها المجرّد «تهذيب ابن القيم»، فظنّ أنه من زيادات ابن القيم
على كلام المنذري.
(3) انظر: «الأم» (2/ 593).
(4) في الأصل: «قوله»، خطأ.
(5) انظر: «النوادر والزيادات» (1/ 558)، و «المنتقى» للباجي (2/ 7)، و «المفهم»
لأبي العباس القرطبي (2/ 599).
(6) كما في «المفهم» (2/ 599).
(7) كذا دون ذكر القائل، وفي «المختصر»: «حكى بعضهم عن ابن القصار ... وقال: وهذا
خلاف ... ». والذي حكى ذلك عن ابن القصار ثم تعقبه بقوله: «وهذا خلاف ... » إلخ=
هو القاضي عياض في «إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم» (3/ 394).
(2/348)
9 - باب في الغُسل مِن غَسل الميت
334/ 3031 - عن عائشة أنها حدثت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل من
أربع: من الجنابة، ويومَ الجمعة، ومن الحجامة، وغَسْلِ الميت (1).
قال أبو داود: حديث مصعب ــ يعني هذا ــ فيه خصال ليس العمل عليه.
وقال الخطابي (2): وفي إسناد الحديث مقال.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال الإمام أحمد في رواية أبي داود (3): حديث مصعب
هذا ضعيف، يعني حديث عائشة. وقال الترمذي (4): قال البخاري: حديث عائشة في هذا
الباب ليس بذاك. وقال ابن المنذر (5): ليس في هذا حديث يثبت، وقال الإمام أحمد
(6): وحديث أبي هريرة موقوف، وسيأتي.
_________
(1) «سنن أبي داود» (3160)، وأخرجه أحمد (25190)، وابن خزيمة (256)، والدارقطني
(399)، والحاكم (1/ 163)، كلهم من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله
بن الزبير، عن عائشة.
قال الدارقطني عقبه: «مصعب بن شيبة ليس بالقوي، ولا بالحافظ». وأسند العقيلي في «الضعفاء»
(6/ 27) عن ابن هانئ قال: ذكرت لأبي عبد الله [أحمد بن حنبل] الوضوء من الحجامة،
فقال: «ذاك حديث منكر، رواه مصعب بن شَيبة، أحاديثه مناكير ... ». وانظر: «ضعيف
أبي داود ــ الأم» (1/ 138 - 142).
(2) «معالم السنن» (4/ 306).
(3) لم أجده في «مسائله» المطبوعة، وإنما فيه (ص 422) أنه قال: «ليس يثبت فيه
حديث».
(4) «العلل الكبير» (ص 143).
(5) «الأوسط» (5/ 375).
(6) كما نقله في «المغني» (1/ 256).
(2/349)
335/ 3032 - وعن أبي هريرة أن رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - قال: «من غَسَّل الميتَ فليغتسل، ومن حمله فليتوضَّأ» (1).
وأخرجه (2) من حديث إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة بمعناه.
وقال: هذا منسوخ، سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن الغُسل من غَسل الميث فقال: يجزئه
الوضوء.
وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه (3) من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة
مرفوعًا: «من غسل ميتا فليغتسل»، ولفظ الترمذي: «مِن غَسله الغُسل، ومن حمله
الوُضوء ــ يعني الميت ــ». وقال: حديث حسن. وقد روي عن أبي هريرة موقوفًا. آخر
كلامه.
وقد روي أيضًا من حديث حذيفة بن اليمان وفيه من لا يحتجُّ به (4).
وقد اختلف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا. وقال أحمد وعلي ابن المديني: لا يصحُّ
في هذا الباب شيء (5).
وقال محمد بن يحيى (6): لا أعلم في: «من غسل ميتًا فليغتسل» حديثًا ثابتًا،
_________
(1) «سنن أبي داود» (3161) من طريق القاسم بن عباس، عن عمرو بن عمير، عن أبي
هريرة.
(2) «سنن أبي داود» (3162) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن إسحاق مولى
زائدة، عن أبي هريرة.
(3) الترمذي (993) وابن ماجه (1463).
(4) سيأتي ذكره والكلام عليه.
(5) نقله الترمذي في «العلل الكبير» (ص 143) عن البخاري عنهما.
(6) هو الذُّهْلي، الحافظ إمام أهل الحديث بخراسان (ت 258). أسنده عنه البيهقي في
«السنن الكبرى» (1/ 302).
(2/350)
ولو ثبت لزمنا استعماله.
وقال الشافعي في رواية البويطي (1): إن صح الحديث قلت بوجوبه (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال في رواية الربيع (3): «وأولى الغُسْل عندي أن
يجب بعد غسل الجنابة: الغسلُ مِن غَسْل الميت، ولا أحب تركه بحال» ثم ساق الكلام
إلى أن قال: «وإنما منعني من إيجاب الغسل من غسل الميت: أن في إسناده رجلًا لم أقع
من معرفة ثَبْتِ (4) حديثه إلى يومي [هذا] على ما يُقنعني، فإن وجدت من يُقنعني
مِن معرفة ثَبْت حديثه أوجبتُه، وأوجبت الوضوء مِن مَسِّ الميت مُفْضيًا إليه، فإنهما
في حديث واحد» (5).
وقال في غير هذه الرواية (6): «وإنما لم يَقْوَ عندي أنه يروى عن سهيل بن أبي صالح
عن أبيه عن أبي هريرة، ويُدخِل بعض الحفاظ بين أبي صالح وبين أبي هريرة: إسحاق
مولى زائدة. وقيل (7): إن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة، وليست معرفتي بإسحاق
مولى زائدة مثلَ معرفتي
_________
(1) «مختصر البويطي» (ص 313).
(2) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وذكر المجرّد طرفه الأخير فقط، من قوله: «وقال
الشافعي ... » إلخ.
(3) «الأم» (2/ 83)، والمؤلف صادر عن «معرفة السنن والآثار» (2/ 133).
(4) في الطبعتين هنا وفي الموضع الآتي: «تثبّت»، تحريف.
(5) هو حديث أبي هريرة المتقدم: «مِن غَسله الغُسل، ومِن حمله الوضوء»، والرجل
الذي لم يعرفه في إسناده هو إسحاق مولى زائدة، كما سيأتي.
(6) كما في «معرفة السنن» (2/ 133).
(7) كذا في الأصل، وفي مطبوعة «معرفة السنن»: «فدلّ»، وهو أقرب.
(2/351)
بأبي صالح، ولعله أن يكون ثقة (1)، وقد رواه
صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة».
وقال الإمام أحمد في رواية أبي داود (2): يجزئه الوضوء. قال أبو داود: أدخل أبو
صالح بينه وبين أبي هريرة فيه: إسحاق مولى زائدة، قال: وحديث مصعب ضعيف. آخر
كلامه.
وهذا الحديث فيه عدة أقوال:
أحدها: سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة (3).
الثاني: سهيل عن أبيه عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة (4).
الثالث: عن يحيى بن أبي كثير عن إسحاق عن أبي هريرة (5).
_________
(1) وهو كذلك إن شاء الله، فقد وثَّقه ابن معين والعجلي وابن حبان. انظر: «تهذيب
التهذيب» (1/ 258).
(2) في «السنن» عقب الحديث (3162) وقد سبق، وانظر: «مسائله» (ص 215، 422).
(3) هكذا أخرجه أحمد (7689)، والترمذي (993)، وابن ماجه (1463)، وابن حبان (1161)،
من طرق عن سهيل به.
(4) أخرجه أبو داود (3162) عن سفيان بن عيينة، عن سهيل به، مرفوعًا. وروي أيضًا عن
سهيل بهذا الإسناد موقوفًا على أبي هريرة. قال الدارقطني بعد حكاية الخلاف على
سهيل في إسناد الحديث ورفعه ووقفه: يُشبه أن يكون سُهَيل كان يضطرب فيه. «العلل»
(1954).
(5) ذكره البيهقي في «معرفة السنن» (2/ 134)، ولم أجد من أخرجه.
تنبيه: أما وقوعه هكذا في مطبوعة «مصنف عبد الرزاق» (6110) فهو خطأ مخالف لما في
أصله الخطّي، ولما في «مسند أحمد» (7770) و «علل ابن أبي حاتم» (1094) من طريق عبد
الرزاق.
(2/352)
الرابع: عن يحيى عن أبي إسحاق عن أبي هريرة
(1).
الخامس: عن يحيى عن رجل من بني ليث عن أبي إسحاق عن أبي هريرة (2).
السادس: عن معمر عن أبي إسحاق عن أبيه عن حذيفة (3).
السابع: عن أبي صالح عن أبي سعيد (4).
الثامن: عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا (5). قال
البيهقي - رحمه الله - (6): والموقوف أصح.
_________
(1) أخرجه أحمد (7770) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى به. وانظر التعليق
السابق.
(2) أخرجه أحمد (7771)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 397) من طريق أبان بن
يزيد العطار، عن يحيى به.
(3) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (2760)، والبيهقي (1/ 303 - 304)، من طريق يزيد بن
زريع عن معمر به.
قال أبو حاتم: هذا حديث غلط. وقال الدارقطني: لا يثبت هذا عن أبي إسحاق، والمحفوظ
قول الثوري وشعبة ومن تابعهما عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي (أنه أمره
النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل بعد ما غسّل أباه وواراه). انظر: «العلل»
لابن أبي حاتم (1046)، والدارقطني (475).
(4) كذا، والذي ذكره البيهقي في «المعرفة» هو: «عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي
سعيد». أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 397)، والبيهقي (1/ 301).
(5) أخرجه على الوجهين البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 397) ــ ومن طريقه البيهقي
(1/ 301 - 302) ــ والبزار (7992، 7993). وأخرجه ابن أبي شيبة (11264) موقوفًا
فقط. قال البخاري: إن المرفوع لا يصح، وإن الموقوف أشبه بالصواب. وكذا قال أبو
حاتم في «العلل» لابنه (1035).
(6) «معرفة السنن والآثار» (2/ 134).
(2/353)
التاسع: زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه عن
أبي هريرة مرفوعًا (1).
العاشر: عمرو بن عمير عن أبي هريرة مرفوعًا (2).
الحادي عشر: صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعًا (3).
ذكرها البيهقي، وقال (4): إنما يصح هذا الحديث عن أبي هريرة موقوفًا.
وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ. وقد روى أبو داود (5) عن علي بن أبي طالب أنه
اغتسل [ق 166] من تجهيزه أباه ومُواراته.
قال البيهقي (6): وروينا تركَ إيجاب الغسل منه عن ابن عباس في أصح
_________
(1) أخرجه البزار (8333) والبيهقي (1/ 302) من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن زهير به.
قال الدارقطني في «العلل» (1770): «ليس بمحفوظ». وذلك ــ والله أعلم ــ لأن عمرو
بن أبي سلمة فيه ضعف، لاسيما في روايته عن زهير، فإنه قد روى عنه بواطيل.
(2) أخرجه أبو داود (3161) ومن طريقه البيهقي (1/ 303). وعمرو بن عمير مجهول، لا
يُعرف إلا بهذا الحديث، وبه أعلَّه البيهقي في كتابَيه.
(3) أخرجه أحمد (9601) والبيهقي (1/ 303) وقال: «صالح مولى التوأمة ليس بالقوي»،
وقال في «معرفة السنن»: «اختلط في آخر عمره، وسقط عن حدّ الاحتجاج بروايته».
(4) «معرفة السنن» (2/ 135)، وبنحوه في «السنن الكبرى» (1/ 303).
(5) رقم (3214)، وأخرجه أحمد (759)، والنسائي (190)، وإسناده جيّد. انظر: «البدر
المنير» (5/ 237)، و «التلخيص الحبير» (2/ 114)، و «إرواء الغليل» (717).
(6) «معرفة السنن» (2/ 137). وانظر آثار هؤلاء الصحابة عند عبد الرزاق (6101 -
6107)، وابن أبي شيبة (11246 - 11256).
(2/354)
الروايتين عنه، وعن ابن عمر وعائشة، ورويناه
أيضًا عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك. آخر كلامه.
هذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن الغُسل لا يجب على غاسله، وهذا قول الأكثرين.
الثاني: أنه يجب. وهذا اختيار الجوزجاني (1). ويروى عن ابن المسيب وابن سيرين
والزهري، وهو قول أبي هريرة، ويُروى عن علي (2).
الثالث: وجوبه مِن غَسل الميت الكافر دون المسلم. وهو رواية عن الإمام أحمد (3)،
لحديث علي: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بالغسل»، وليس فيه أنه غسل أبا
طالب، مع أنه من رواية ناجيةَ بن كعب عنه، وناجية لا يُعرف أحد روى عنه غير أبي
إسحاق، قاله ابن المديني وغيره (4).
_________
(1) هو الحافظ أبو إسحاق، إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (ت 259)، هو معدود من أصحاب
أحمد عنده عن أحمد جزءان مسائل، وكان أحمد يُكاتبه ويُكرمه إكرامًا شديدًا، انظر:
«المغني» (1/ 278 - 279)، و «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (1/ 391)، و «طبقات
الحنابلة» (1/ 257 - 258).
(2) انظر آثار هؤلاء عند عبد الرزاق (6108 - 6114)، وابن أبي شيبة (11261 -
11264).
(3) «المغني» (1/ 279).
(4) كما في «معرفة السنن» (2/ 137). وقد حكى ابن أبي حاتم عن أبيه أن أبا حسّان
الأعرج ويونس بن أبي إسحاق رويا عنه أيضًا. وحكى عن ابن معين أنه قال عن ناجية:
صالح. «الجرح والتعديل» (8/ 486).
(2/355)
10 - باب في
تقبيل الميت
336/ 3033 - عن عائشة قالت: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّل عثمان
بن مَظْعون وهو ميت، حتى رأيت الدموع تَسيل.
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (1). وفي حديث ابن ماجه: «على خدَّيه». وقال الترمذي:
حسن صحيح. هذا آخر كلامه.
وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من
الأئمة.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وابن حبّان يصحح له (2)، ومن طريقه صحح حديث: «سابق (3)
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الخَيل، وجعل بينهما محلِّلًا» (4). وذكره
في «الضعفاء» (5).
11 - باب الدفن بالليل
337/ 3034 - عن جابر بن عبد الله قال: رأى ناسٌ نارًا في المقبرة فأتوها،
_________
(1) أبو داود (3163)، والترمذي (989)، وابن ماجه (1456).
(2) كذا قال، وهو وهم، فإن عاصمًا الذي يصحح له ابن حبان هو ــ كما سبق أن نصّ
عليه المؤلف نفسه في باب في المحلل ــ: عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب، أخو عبيد الله العمري، من طبقة مالك، وهو أصغر من عاصم بن عبيد الله الذي
في حديث الباب فإنه من صغار التابعين. وكلاهما ضعيف، وعن كليهما قال البخاري: منكر
الحديث.
(3) في الأصل: «سبق»، خطأ.
(4) «صحيح ابن حبان» (4689).
(5) كلاهما مذكور في كتاب «الضعفاء والمجروحين» (2/ 109).
(2/356)
فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في
القبر، وإذا هو يقول: «ناولوني صاحبَكم»، وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر
(1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذه النار كانت للإضاءة، ولهذا ترجم عليه أبو داود:
الدفن بالليل.
قال الإمام أحمد (2): لا بأس بذلك، وقال: أبو بكر دُفِن ليلًا، وعليٌّ دَفَن فاطمة
ليلًا (3)، وحديث عائشة: سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي - صلى الله
عليه وسلم - (4).
وممن دُفِن ليلا: عثمان، وعائشة، وابن مسعود (5).