النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
الشهيد: اذهب إلى الحسن فسَلْه ممن سمع حديث العقيقة؟ فذهب إليه فسأله فقال:
سمعتُه من سمرة.
وهذا يرد على من قال: إنه لم يسمع منه.
[وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رهينة بعقيقته» قال الإمام أحمد: مرتهَن عن
الشفاعة لوالِدَيه، يعني إذا مات طفلًا. وقال غيره: إنما معناه أنه مرهون بعقيقته،
أي بأذى شعره. قال: والدليل عليه قوله: «فأميطوا عنه الأذى»، وهو ما يعلَق به من
دم الرحم؛ قاله الخطابي (2).
و «رهينته» قيل: الهاء فيه للمبالغة، وإنما هو رهين بمعنى مرتهَن (3). والصواب
أنها للتأنيث، فذهب به مذهب النفس المؤنثة، فهو كقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38].
وقال آخرون: معناه (4) أن العقيقة لازمة له لا ينفكُّ منها، فشبَّهه في لزومها
وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن.
فقال بعض العلماء: وهذا يدل أن من لم (5) يعقَّ عنه أبواه عقَّ هو عن
_________
(1) أسنده عقب حديث العقيقة (5471) من رواية سلمان بن عامر الضبي - رضي الله عنه
-.
(2) أي أن القولين السابقين ذكرهما الخطابي في «معالم السنن» (4/ 126).
(3) قاله الخطابي في «المعالم»، وأبو عبيد الهروي كما في «المختصر» المخطوط و
«النهاية» (رهن).
(4) «آخرون: معناه» قراءة ظنية، فإنه أتى عليه شريط لاصق.
(5) «العلماء: وهذا يدل أن من لم» قراءة ظنية، فإنه أتى عليه شريط لاصق.
(2/277)
نفسه، ليفكَّ ما عليه من ذلك الارتهان.
واحتجَّ بذلك من يوجبها، وهو الليث وأهل الظاهر، ويُروى عن الحسن (1). واحتجُّوا
بحديث سلمان، وسيأتي.
وقوله: «ويُدمَّى» اختُلف في هذه اللفظة، فكان همَّام يقول: «يُدمَّى». قال أحمد]
(2): قال فيه ابن أبي عروبة: «ويُسمَّى»، وقال همّام: «ويُدمَّى» وما أُراه إلا
خطأ (3). تمّ كلامه (4).
وقال سلّام بن أبي مطيع عن قتادة: «ويُسمَّى» ذكره أبو داود (5)، وهو الذي صححه.
وقال إياس بن دغفل عن الحسن: «ويُسمَّى» (6).
واختلف في حكمها أيضًا، فكان قتادة يستحب تدميتَه، كما ذكر أبو داود. وهذا يدل على
أن همّامًا لم يَهِم في هذه اللفظة فإنه رواها عن قتادة وهذا مذهبه، فهو ــ والله
أعلم ــ بريء من عهدتها. وقد روي عن الحسن مثل قول قتادة (7).
_________
(1) انظر: «الإشراف» (3/ 416) و «مختصر المنذري».
(2) ما بين الحاصرتين من (هـ)، ولم يذكره المجرّد، وإنما ذكر كلام أحمد الآتي
وعزاه إلى المنذري، وليس هو في «المختصر» المخطوط، وإنما فيه بعض الكلام السابق.
(3) قول أحمد نقله ابن قدامة في «المغني» (13/ 399).
(4) «تم كلامه» من (هـ).
(5) عقب الحديث (2838) معلّقًا، وأخرجه الطبراني في «الكبير» (6829).
(6) رواية إياس عن الحسن ذكرها أبو داود أيضًا، ولم أجد من أخرجها.
(7) حكاه عن الحسن ابنُ المنذر في «الإشراف» (3/ 418) وابن عبد البر في «التمهيد»
(4/ 317، 318)، ولكن يَرِد علاه أن ابن أبي شيبة أسند في «مصنفه» (24167، 24749)
عن الحسن بإسناد صحيح أنه كره ذلك وقال: الدم رِجْس.
(2/278)
وكره آخرون التدمية منهم أحمد ومالك
والشافعي وابن المنذر (1).
قال ابن عبد البر (2): لا أعلم أحدا قال هذا ــ يعني: التدمية ــ إلا الحسن
وقتادة، وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه.
وقال مهنَّا بن يحيى الشامي (3): ذكرت لأبي عبد الله حديث يزيد بن عبدٍ المزني عن
أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُعَقّ عن الغلام ولا يُمَسّ رأسُه
بدم» فقال أحمد: ما أظرفه! ورواه ابن ماجه في «سننه» (4)، ولم يقل: «عن أبيه».
واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أميطوا عنه الأذى» (5) والدم أذى،
فكيف يؤمر بأن يصاب بالأذى ويلطخ به؟!
واحتجوا بأن الدم نجس، فلا يشرع إصابة الصبي به، كسائر النجاسات من البول
وغيره.
_________
(1) انظر: «مسائل أحمد» برواية الكوسج (2/ 355)، و «الإنصاف» (9/ 441)، و «الموطأ»
(1448)، و «النوادر والزيادات» (4/ 334)، و «المجموع» (8/ 413)، و «الإشراف» لابن
المنذر (3/ 418).
(2) «التمهيد» (4/ 318).
(3) نقل روايته الموفق في «المغني» (13/ 399).
(4) رقم (3166) من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أيوب بن موسى، عن
يزيد بن عبدٍ مُرسلًا. وأخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (1052)، والطبراني في
«الأوسط» (333) و «الكبير» (15059)، من طرق عن عبد الله بن وهب به، إلا أنهم
قالوا: «عن يزيد بن عبدٍ، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» مسندًا
متصلًا. ويزيد بن عبدٍ المزني لم يوثقه إلا ابن حبان، ولكن له شاهدان من حديث
عائشة وحديث بريدة يصحّ بهما. انظر: «الصحيحة» للألباني (2452).
(5) كما في «صحيح البخاري» (5471) من حديث سلمان بن عامر الضبي - رضي الله عنه -.
(2/279)
واحتجوا أيضًا بحديث بريدة الذي ذكره أبو
داود في آخر الباب، وسيأتي.
واحتجوا بأن هذا كان من فِعل الجاهلية، فلما جاء الإسلام أبطله، كما قاله بريدة.
وقوله: «ويسمّى» ظاهره: أن التسمية تكون يوم سابعه. وقد ثبت في «الصحيح» (1) عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سمَّى ابنه إبراهيم ليلة وِلادِه.
وثبت عنه أنه سمى الغلام الذي جاء به أنس وقت ولادته، فحنَّكه وسماه عبد الله (2).
وثبت في «الصحيحين» (3) من حديث سهل بن سعد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمّى
المنذر بن [أبي] أُسَيد: «المنذر» حين ولد.
وقد روى الترمذي (4) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - أمر بتسمية المولود يوم سابعه، ووَضْعِ الأذى عنه، والعقِّ». قال:
«هذا حديث حسن غريب».
والأحاديث التي ذكرناها أصح منه، فإنها متفق عليها كلها. ولا تعارض بينها، فالأمران
جائزان.
_________
(1) «صحيح مسلم» (2315) من حديث أنس - رضي الله عنه -.
(2) أخرجه البخاري (5470) ومسلم (2144).
(3) البخاري (6191)، ومسلم (2149).
(4) رقم (2832) من طريق شريك، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب به. وهو حسن بشواهده.
(2/280)
وقوله: «ويُحلق رأسه» قد جاء هذا أيضًا في
«مسند الإمام أحمد» (1): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة لما ولدت
الحسن: «احْلقي رأسه، وتصدَّقي بزِنَةِ شعره فضةً على المساكين والأوفاض» يعني أهل
الصفة.
وروى سعيد بن منصور في «سننه» (2): أن فاطمة ــ عليها السلام ــ كانت إذا ولدت
ولدًا حلقتْ شعره وتصدقت بوزنه وَرِقًا.
303/ 2721 - وعن سلمان بن عامر الضبِّي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-: «مع الغلام عقيقتُه، فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى».
وأخرجه البخاري موقوفًا، وأخرجه مسندًا تعليقًا، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن
ماجه (3) مسندًا، وقال الترمذي: صحيح
304/ 2722 - وعن الحسن ــ وهو البصري ــ أنه كان يقول: «إماطة الأذى حلق الرأس»
(4).
_________
(1) (27183، 27196)، وأيضًا البيهقي (9/ 304) من حديث أبي رافع - رضي الله عنه -،
وفي أول الحديث أن فاطمة عليها السلام أرادت أن تعقَّ عن الحسن فقال لها النبي -
صلى الله عليه وسلم -: «لا، ولكن احلقي ... » إلخ. إسناده ضعيف، فيه عبد الله بن
محمد بن عقيل، لين الحديث. قال البيهقي: «تفرد به ابن عقيل، وهو إن صحَّ فكأنه
أراد أن يتولَّى العقيقة عنهما بنفسه، كما روِّيناه، فأمرها بغيرها وهو التصدّق
بوزن شعرهما من الورق».
(2) ليس في الجزء المطبوع منه، وأخرجه أيضًا مالك (1442، 1443)، وعبد الرزاق
(7974)، وابن سعد في «الطبقات» (6/ 354) من طرق عن أبي جعفر محمد بن علي بن
الحسين، مرسلًا.
(3) أبو داود (2839)، والبخاري (5471)، والترمذي (1515) والنسائي (4214)، وابن
ماجه (3164).
(4) «سنن أبي داود» (2840).
(2/281)
305/ 2723 - وعن ابن عباس «أن رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - عقَّ عن الحسن والحسين كَبْشًا كَبْشًا» (1).
وأخرجه النسائي (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: احتج بهذا من يقول: الذكر والأنثى في العقيقة سواء
لا يفضل أحدهما على الآخر، وأنها كبش كبش، كقول مالك وغيره (3).
واحتج الأكثرون بحديث أم كُرْزٍ المتقدم (4).
واحتجوا بحديث عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم عن الغلام شاتان
مكافأتان (5)، وعن الجارية شاة.
_________
(1) «سنن أبي داود» (2841) من طريق عبد الوارث، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس -
رضي الله عنهما -. ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا حاتم قال: إنه وهم والصواب: عن
أيوب، عن عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مُرسلًا. انظر: «العلل» لابنه
(1631).
(2) في «الكبرى» (4531) و «المجتبى» (4219) من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس
- رضي الله عنهما - بلفظ: «كبشين كبشين». ظاهر إسناده على رسم الصحيح، وقد اختاره
الضياء (12/ 205)، إلا أن أبا حاتم يقول: إنما هو قتادة عن عكرمة مرسلًا. انظر:
«العلل» (1633).
(3) قول مالك في «الموطأ» (1448). وهو قول ابن عمر وعروة والزهري ومحمد الباقر.
انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (24731 - 24736).
(4) في «المختصر» (2716) و «السنن» (2834)، ولفظه: عن أم كرز الكعبية قالت: سمعتُ
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية
شاة».
وأخرجه أحمد (27143)، والترمذي (1516) وصححه، وابن حبان (5312، 5313)، والحاكم (4/
237) وقال: «صحيح الإسناد».
(5) كذا رُسم في الأصل و (هـ) بالألف بعد الفاء، وهذا يقتضي فتح الفاء، وهو اختيار
المحدّثين، وفي بعض مصادر التخريج: «مكافِئتان» بكسر الفاء، ولا فرق، لأن كل واحدة
إذا كافأت أختها فقد كوفئت، فهما مكافأتان ومكافئتان، أي متساويتان في السن أو
متقاربتان. انظر: «النهاية» و «تاج العروس» (كفأ).
(2/282)
رواه الترمذي (1)، وقال: حديث حسن صحيح.
ورواه أحمد (2) بهذا اللفظ، وله فيه لفظ آخر: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - أن نعقّ عن الجارية شاةً وعن الغلام شاتين». وهذا اللفظ لابن ماجه (3)
أيضًا.
واحتجوا أيضًا بما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه ــ أُراه عن جده ــ
وفيه: «ومن وُلد له فأحب أن يَنْسُك عنه فلينسك؛ عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن
الجارية شاة»، وسيأتي.
قالوا: وأما قصة عَقِّه عن الحسن والحسين، فذلك يدل على الجواز، وما ذكرناه من
الأحاديث صريح في الاستحباب.
وقال آخرون: مولد الحسن والحسين كان قبل قصة أم كرز، فإن الحسن ولد عامَ أُحُد
والحسين في العام القابل، وأما حديث أم كرز فكان سماعها له من النبي - صلى الله
عليه وسلم - عام الحديبية، ذكره النسائي (4)، فهو متأخر عن قصة الحسن والحسين.
قالوا: وأيضًا فإنا قد رأينا الشريعة (5) على أن الأنثى على النصف من
_________
(1) رقم (1513).
(2) «المسند» (24028)، واللفظ الآتي برقم (25250).
(3) رقم (3163).
(4) في «الكبرى» (4529) و «المجتبى» (4217) ضمن حديثها في العقيقة، قالت: أتيتُ
النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية أسأله عن لحوم الهدي فسمعتُه يقول: ...
(فذكرتْه).
(5) زيد في ط. الفقي بعده: «نصّت»، والسياق مستقيم بدونها.
(2/283)
الذكر في ميراثها وشهادتها ودِيَتها وعِتقها،
كما روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي (1) وصححه من حديث أبي أمامة وغيره من
أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -[عن النبي - صلى الله عليه وسلم -] (2) قال:
«أيما امرئ مسلم أعتق امرأً مسلمًا كان فِكاكَه من النار؛ يُجزَى بكل عضو منه عضوا
منه. وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فِكاكَه من النار؛ يُجزَى بكل
عضوٍ منهما عضوًا منه» اللفظ للترمذي. فحكم العقيقة موافق لهذه الأحكام، كما أنه
مقتضى النصوص. والله الموفق.
306/ 2724 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه ــ أُراه عن جده ــ قال: سئل رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة؟ فقال: «لا يُحِبُّ الله العُقُوقَ» ــ كأنه كره
الاسم ــ وقال: «ومَنْ وُلد له فأحبَّ أن يَنْسُكَ عنه فلينسك؛ عن الغلام شاتان
مكافأتان، وعن الجارية شاة». وسئل عن الْفَرَع؟ قال: «والفَرَع حق، وأن تَتْرُكُوه
حتى يكون بَكْرًا شُغْزُبًا ابنَ مخَاضٍ، أو ابنَ لَبون، فتُعطيَه أرْمَلةً أو
تَحمِلَ عليه في سبيل الله= خَيْرٌ من أن تذبحه فيَلزَقَ لحمُه بِوَبَرِه،
وتَكْفَأ إناءَك، وتُوَلِّهَ نَاقَتَك».
وأخرجه النسائي (3).
_________
(1) أخرجه أحمد (18061) وأبو داود (3967) من حديث سالم بن أبي الجعد، عن شرحبيل بن
السِّمْط عن كعب بن مرّة ــ أو مرة بن كعب ــ - رضي الله عنه -. قال أبو داود:
سالم لم يسمع من شرحبيل. وأخرجه الترمذي (1547) من حديث سالم عن أبي أمامة وغيره
من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الترمذي: «حسن صحيح غريب من هذا
الوجه». وانظر: «الصحيحة» (2611).
(2) ساقط من الأصل و (هـ).
(3) أبو داود (2842) والنسائي (4212)، من طريق داود بن قيس، عن عمرو بن شعيب.
(2/284)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال ابن عبد
البر (1) في حديث مالك (2) عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة، عن أبيه: أنه سأل
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة؟ فقال: «لا أحب العقوق»، وكأنه كره
الاسم.
قال أبو عمر: «ولا أعلم روي معنى هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا
من هذا الوجه، ومن حديث عمرو بن شعيب. وقد اختلف فيه على عمرو. أحسن [ق 158]
أسانيده ما ذكره عبد الرزاق (3) قال: حدثنا (4) داود بن قيس قال: سمعت عمرو بن
شعيب يحدث عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة؟
فذكره».
وهذا سالم من العلّتين، أعني الشك في جَدِّه، ومِن ابن واقد (5).
[وقوله: «شُغزُبًا» بالشين والغين والزاي المعجمات، والباء الموحّدة من تحت، أي:
غليظًا. ورواه أبو عبيد (6): «زخزبًا» بالزاي والخاء. قال بعضهم: وهو الصواب،
والرواية الأولى وهم. قال إبراهيم الحربي: والذي عندي أنه زخزبًا، وهو الذي اشتدَّ
لحمُه وغلُظ] (7).
_________
(1) «التمهيد» (4/ 304 - 305)، و «الاستذكار» (5/ 312 - 313).
(2) «الموطأ» (1441).
(3) في «مصنفه» (7995).
(4) في الأصل: «نا» وهو اختصار ما أثبت. وفي الطبعتين: «أخبرنا»، وقد سبق التنبيه
على مثله.
(5) وليس ابن واقد في إسناد حديث عمرو بن شعيب، كما قد يوهمه ظاهر كلام المؤلف، بل
إنما في إسناد حديث بريدة الآتي.
(6) القاسم بن سلًّام في «الغريب» (3/ 93). وانظر: «معالم السنن» (4/ 131).
(7) ما بين الحاصرتين من (هـ)، ولعل المجرّد لم يذكرها لأنها ليست من زيادات
المؤلف، بل مما نقله من كلام المنذري باختصار وتصرّف.
(2/285)
307/ 2725 - وعن بريدة ــ وهو ابن الحُصَيب
ــ قال: كنا في الجاهلية إذا وُلِدَ لأحدنا غلامٌ ذبح شاةً، ولَطَخ رأسَه بدَمِها،
فلما جاء الله بالإسلام كُنَّا نَذبَحُ شاةً، ونَحلِق رأسه، ونَلْطَخُه بزَعْفران
(1).
في إسناده علي بن حسين بن واقد، وفيه مقال (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ولكن قد رواه البزار في «مسنده» (3) من حديث عائشة
بمثله، وقالت: فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلوا مكان الدم خَلوقًا.
وقد روى أبو أحمد بن عدي (4) من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن
الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الخلوق
بمنزلة الدم» يعني في العقيقة. وإبراهيم هذا قال عبد الحق (5):
_________
(1) «سنن أبي داود» (2843) من طريق علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن عبد الله
بن بريدة، عن أبيه.
(2) قال فيه أبو حاتم: «ضعيف الحديث» كما في «الجرح والتعديل» (6/ 179)، على أنه
قد توبع، تابعه علي بن الحسن بن شقيق ــ وهو ثقة ــ عند الطحاوي في «مشكل الآثار»
(3/ 64) والحاكم (4/ 238). ولكن ثمة علة أخرى، وهي أن الإمام أحمد يستنكر روايات
حسين بن واقد عن ابن بريدة. انظر: «العلل» رواية عبد الله (497، 1420).
(3) «البحر الزخار» (18/ح 319)، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (4521)، وابن حبان (5308)،
كلهم من طريق ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة. رجاله رجال الصحيح،
إلا أن الدارقطني أعله بأن ابن جريج لم يسمعه من يحيى لأنه جاء في بعض طرقه أنه
قال: «حُدِّثت عن يحيى». انظر: «العلل» (3911).
(4) في «الكامل في ضعفاء الرجال» (1/ 234).
(5) «الأحكام الوسطى» (4/ 141).
(2/286)
لا أعلم أحدًا وثَّقه إلا أحمد بن حنبل،
وأما الناس فضعفوه (1).
7 - باب في الصيد
308/ 2730 - وعن عامر ــ وهو الشعبي ــ عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي - صلى الله
عليه وسلم - قلتُ: إنا نَصيدُ بهذه الكلاب، فقال لي: «إذا أرسلتَ كلابَك المعلَّمة
وذكرتَ اسم الله عليها، فكُلْ ممَّا أمسَكن عليك وإن قَتَلَ، إلا أن يأكلَ الكلبُ،
فإن أكل فلا تأكل فإني أخافُ أن يكون إنّما أمسَكَهُ على نفسه» (2).
وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه (3).
309/ 2734 - وعن أبي ثعلبة ــ وهو الخشني ــ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - في صيد الكلب: «إذا أرسلتَ كلبك وذكرت اسم الله، فكل وإن أكلَ منه، وكل ما
رَدَّت يَدُك» (4).
في إسناده داود بن عمرو الأَوْدي الدمشقي عامل واسط. وثَّقه يحيى بن معين. وقال
الإمام أحمد: حديثه مقارب. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن عدي: ولا أرى
برواياته بأسًا. وقال أحمد بن عبد الله العِجْلي: ليس بالقوي. وقال
_________
(1) ضعَّفه ابن معين والبخاري وأبو حاتم والنسائي والدارقطني. انظر: «تهذيب
الكمال» (1/ 100).
(2) تعليق المؤلف وقع عقب حديث أبي ثعلبة الآتي، وفي الباب قبله خمسة أحاديث (2729
- 2733)، كلها روايات مختلفة لحديث عدي بن حاتم، وآثرتُ إثبات هذه الرواية منها
لشدّة اتصالها بالمسألة، وإشارة المؤلف إليها أثناء كلامه.
(3) أبو داود (2848)، والبخاري (5487)، ومسلم (1929/ 2)، وابن ماجه (3208).
(4) «سنن أبي داود» (2852). وأصل الحديث في البخاري (5478) ومسلم (1930) دون قوله:
«وإن أكل منه».
(2/287)
أبو حاتم الرازي: هو شيخ (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ويُروى مثل ذلك من حديث عبد الله بن عمرو، وسيأتي
آخر الباب والكلام عليه (2).
وفي «مسند الإمام أحمد» (3) من حديث إبراهيم عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «إذا أرسلتَ الكلب فأَكَل من الصيد فلا تأكل، فإنما أَمْسَك على
نفسه، وإذا أرسلت فقتل ولم يأكل فكُلْ فإنما أمسك على صاحبه».
فاختُلف في إباحة ما أكل منه الكلب من الصيد:
فمنعه ابن عباس، وأبو هريرة، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والنخعي، وعبيد بن عمير،
وسعيد بن جبير، وأبو بردة، وسُوَيد بن غفَلة، وقتادة
_________
(1) انظر: «الجرح والتعديل» (3/ 420)، و «الكامل» لابن عدي (3/ 84)، و «معرفة
الثقات» للعجلي (1/ 341).
(2) الحديث في «المختصر» (2739)، وفي «السنن» (2857)، ولا يأتي في «التجريد»، فإما
أن ابن القيم لم يعلّق عليه بشيء غير ما ذكره المنذري من تخريجه، أو أن المجرّد
فاته نقله. والشاهد فيه قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ثعلبة: «إن كان لك كلاب
مكلّبة فكلْ مما أمسكن عليك». قال: ذكيًّا أو غير ذكي؟ قال: «نعم». قال: فإن أكل
منه؟ قال: «وإن أكل منه».
(3) رقم (2049) من طريق حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم به. وإبراهيم عن ابن عباس
مُرسَل. ثم إن حمادًا فيه لين، وكأنه وهم في رفعه، وإنما هو موقوف على ابن عباس من
قوله، هكذا أخرجه عبد الرزاق (8513) وابن أبي شيبة (19918 - 19922) من طرق عنه،
وعلّقه البخاري مجزومًا به في باب إذا أكل الكلب.
(2/288)
وغيرهم (1).
وهو قول إسحاق (2) وأبي حنيفة وأصحابه (3)، وهو أصح الروايتين عن أحمد وأشهرهما
(4)، وأحد قولي الشافعي (5).
وأباحه طائفة، يُروى ذلك عن سعد بن أبي وقاص وسلمان، ويروى عن أبي هريرة أيضًا،
وعن ابن عمر، رواه أحمد عنهم (6). وبه قال مالك (7) والشافعي في القول الآخر،
وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
واحتجوا بحديث أبي ثعلبة المتقدم وحديث عبد الله بن عمرو الذي ذكره أبو داود في
آخر الباب.
واحتجوا بما رواه عبد الملك بن حبيب (8) عن أسد بن موسى ــ وهو
_________
(1) انظر آثار هؤلاء في «مصنف ابن أبي شيبة» (19918 - 19935).
(2) كما في «مسائله» برواية الكوسج (1/ 557).
(3) انظر: «الأصل» للشيباني (5/ 365) و «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (7/ 249).
(4) انظر: «مسائله» برواية الكوسج (1/ 557) وبرواية أبي داود (ص 343)، و «الإنصاف»
(27/ 393 - 395).
(5) انظر: «الأم» (3/ 591)، و «المجموع» (9/ 118 - 120).
(6) ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (19938 - 19945).
(7) انظر: «المدونة» (3/ 52 - 53) و «النوادر والزيادات» (4/ 343).
(8) هو الفقيه المالكي الأندلسي (ت 238)، ولعله أخرج هذه الرواية في بعض كتبه،
وممن نقله عنه الإشبيلي في «الأحكام الوسطى» (4/ 112).
والحديث منكر بذكر جواز الأكل منه إذا أكل الكلب، فإن الحديث مخرّج في «الصحيحين»
من طرق عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، وفيه النهي عن الأكل منه إذا أكل الكلب لأنه
يُخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه. والظاهر أن الحمل في هذا الخطأ على عبد الملك
بن حبيب فإنه كان صَحَفيًّا كثير الوهم لا يدري الحديث. انظر ترجمته في «ميزان
الاعتدال» (2/ 652).
(2/289)
أسد السنة ــ عن ابن أبي زائدة، عن الشعبي،
عن عدي بن حاتم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ فذكر نحو حديث أبي ثعلبة في
جواز الأكل منه إذا أكل.
واحتجوا أيضًا بما رواه الثوري عن سماك عن مُرِّي بن قَطَري (1) عن عدي عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - قال: «ما كان من كلب ضارٍ أمسك عليك فكل»، قلت: وإن أكل؟
قال: «نعم» (2).
_________
(1) في الأصل هنا وفي الموضع الآتي: «قطن»، تصحيف، وهو كذلك في مطبوعة «المحلى»
والمؤلف صادر عنه، فهل تصحّف الاسم على ابن حزم فتبعه المؤلف، أو توافق نسَّاخ
الكتابين على التصحيف؟ محتمل.
(2) لم أجد الحديث مرويًّا في شيء من المصادر بهذا اللفظ، بل المروي من طريق الثوري
وشعبة وحماد بن سلمة وإسرائيل، كلهم عن سماك، عن مُرِّي عن عدي قال: يا رسول الله،
إني أرسل كلبي فيأخذ الصيد، فلا أجد ما أذكيه به فأذبحه بالمروة والعصا؟ قال:
«أنهر الدم بما شئت، واذكر اسم الله عز وجل».
أخرجه أحمد (18250، 18262 - 18264، 18267)، وأبو داود (2824)، والنسائي (4304)،
وابن ماجه (3177)، وعبد الرزاق (8621).
وأقرب ما روي للفظ المذكور ــ لكن دون أن يكون فيه الشاهد ــ ما رواه الطبراني في
«الكبير» (17/ 104) من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن مري، عن عدي قال: يا رسول
الله، إنا نرسل كلابًا معلّمة؟ فقال: «إذا ذكرتَ اسم الله فكُل». قلت: وإن قتلن؟
قال: «وإن قَتلن». وهذا هو الموافق لما رواه الشعبي وهمّام بن الحارث عن عدي بن
حاتم، كما في «الصحيحين» وغيرهما.
(2/290)
ذكر هذين الحديثين ابن حزم (1)، وتعلَّق على
عبد الملك في الأول، وعلى أسد بن موسى. وتعلق في الثاني على سماك، وأنه كان يقبل
التلقين ــ ذكره النسائي (2) ــ، وعلى مُرِّي بن قَطَري.
وقد تقدم تعليل حديث أبي ثعلبة بداود بن عمرو. وهو ليس بالحافظ، قال فيه ابن معين
مرة: مستور (3).
قال أحمد (4): يختلفون في حديث أبي ثعلبة على هُشَيم، وحديث الشعبي عن عدي مِن
أصحِّ ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، الشعبي يقول: كان جاري وربيطي
فحدّثني (5)، والعمل عليه.
وسلكت طائفة مسلك الجمع بين الحديثين، فقال الخطابي (6): يمكن
_________
(1) «المحلى» (7/ 470 - 472).
(2) في «الكبرى» عقب الحديثين (3295، 5167)، وفي «المجتبى» عقب الحديث (5677).
(3) كذا في الأصل، والذي في «الجرح والتعديل» (3/ 420) و «تهذيب الكمال» (2/ 423):
«مشهور».
(4) نقله عنه في «المغني» (13/ 264).
(5) لفظ مسلم (1925/ 5): «سمعت عدي بن حاتم، وكان لنا جارًا ودخيلًا وربيطًا
بالنهرين». قال النووي: «الربيط هنا بمعنى المرابط، وهو الملازم، والرباط
الملازمة».
(6) «معالم السنن» (4/ 136)، والمجرد لم ينقل النص بتمامه، بل ذكر طرفًا منه إلى
قوله: «الحديثين» ثم قال: «فذكر [أي: ابن القيم] ما ذكره عنه المنذري». وهو ساقط
من مطبوعة «المختصر»، وموجود في أصله الخطِّي (النسخة البريطانية)، فنقلتُه منه
بين الحاصرتين، وختمته بـ «آخر كلامه» على عادة المؤلف في فصل كلامه عن كلام غيره.
(2/291)
أن يوفق بين الحديثين [بأن يُجعل حديث أبي
ثعلبة أصلًا في الإباحة، وأن يكون النهي في حديث عديِّ بن حاتم على معنى التنزيه
دون التحريم. ويحتمل أن يكون الأصل في ذلك حديث عدي بن حاتم، ويكون النهي على
التحريم الباتِّ، ويكون المراد بقوله: «وإن أكل» فيما مضى من الزمان وتقدّم منه،
لا في هذه الحال. آخر كلامه].
والصواب في ذلك أنه لا تعارض بين الحديثين على تقدير الصحة، ومحمل حديث عدي في
المنع على ما إذا أكل منه حال صيده، لأنه إنما صاده لنفسه، ومحمل حديث أبي ثعلبة
على ما إذا أكل منه بعد أن صاده وقتَله ولَهِيَ عنه (1)، ثم أقبل عليه فأكل منه
فإنه لا يَحْرُم، لأنه أمسكه لصاحبه، وأَكْلُه منه بعدَ ذلك كأكلِه من شاةٍ ذكّاها
صاحبها أو من لحمٍ عنده. فالفرق بين أن يصطاد ليأكل، أو يصطاد ثم يعطف عليه فيأكل
منه. فهذا أحسن ما يُجمع به بين الحديثين. والله تعالى أعلم.
* * *
_________
(1) ط. الفقي: «وقبله ونهى عنه»، تحريف يفسد المعنى.
(2/292)
كتاب
الوصايا
1 - باب متى ينقطع اليتم
310/ 2753 - عن علي بن أبي طالب قال: حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«لا يُتْمَ بعد احتلامٍ، ولا صُماتَ يومٍ إلى الليل» (1).
في إسناده يحيى بن محمد المدني الجاري. قال البخاري (2): يتكلمون فيه. وقال ابن
حبان (3): يجب التنكب عما انفرد به من الروايات. وذكر العقيلي (4) هذا الحديث،
وذكر أن هذا الحديث لا يُتابَعُ عليه يحيى الجاري. هذا آخر كلامه.
وهو منسوب إلى الجار بالجيم والراء المهملة: بُليدة على الساحل بقرب مدينة رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - (5).
وقد رُوي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله (6) وأنس بن
_________
(1) «سنن أبي داود» (2873) عن أحمد بن صالح، نا يحيى بن محمد المديني، نا عبد الله
بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يزيد بن رُقيش،
أنه سمع شيوخًا من بني عمرو بن عوف، ومن خاله عبد الله بن أبي أحمد، قال: قال علي
بن أبي طالب.
(2) في مطبوعة «المختصر» والمخطوط (النسخة البريطانية): «الخطابي»، وهو تحريف إذ
لا يوجد قوله هذا في «معالم السنن»، وإنما هو قول البخاري، أسنده عنه العقيلي في
«الضعفاء» (6/ 403)، وابن عدي في «الكامل» (7/ 226).
(3) في «المجروحين» (2/ 483).
(4) في «الضعفاء» (6/ 403).
(5) كانت ميناء لقرية بدر فاندثرت. انظر: «معجم المعالم الجغرافية» للبِلادي (ص
41).
(6) أخرجه عبد الرزاق (13899)، والطيالسي (1876)، وابن عدي في «الكامل» (2/ 447)،
وفي إسناده حرام بن عثمان الأنصاري، ضعيف جدًّا حتى قال الشافعي وابن معين:
الرواية عن حرام حرام! انظر: «لسان الميزان» (3/ 6).
وله طريق أخرى عند ابن عدي (3/ 385)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (3/ 640)،
ولكنها واهية أيضًا، فيها أبو سعد البقَّال، ضعيف متروك الحديث.
(2/293)
مالك (1)، وليس فيها شيء يثبت.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال عبد الحق (2): المحفوظ موقوف على علي. وقد روي
من حديث جابر، ولكن في إسناده حرام بن عثمان.
وقال ابن القطان (3): علة حديث علي: أنه من رواية عبدالرحمن بن رُقَيش (4)، ولا
يعرف في رواة الأخبار.
قال: «وعلته أيضًا أنه سمع شيوخًا من بني عمرو بن عوف، [ومن خاله] (5) عبد الله بن
أبي أحمد قال: قال علي.
_________
(1) أخرجه البزّار (6243)، وإسناده ضعيف جدًّا، فيه يزيد بن عبد الملك النوفلي،
متروك منكر الحديث، وبه أعله الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 229).
(2) في «الأحكام الوسطى» (3/ 323).
(3) في «بيان الوهم والإيهام» (3/ 536 - 537).
(4) ليس الحديث من رواية عبد الرحمن، بل من رواية ابنه سعيد، وإنما وهم عبد الحق
فجعله من رواية عبد الرحمن كما بيَّن ابن القطان نفسه في (2/ 31). ثم في هذا
الموضع الثاني (الذي ينقل منه ابن القيم) بنى ابن القطان كلامه على فرض صحة ما
ذكره عبد الحق فقال: «لو كان الحديث هكذا، كانت علّته أبين شيء، وذلك أن عبد
الرحمن بن رُقَيش لا يُعرف في رواة الأخبار، وإنما هو عن ابنه سعيد بن عبد الرحمن
بن رُقيش، على ما بيَّناه في الباب المذكور، وسعيد ثقة».
(5) في الأصل: «خالد بن سعيد و»، وهو سهو أو سبق قلم.
(2/294)
فخالد بن سعيد وابنه عبد الله بن خالد
مجهولان، ولم أجد لعبد الله ذكرًا إلا في رسم ابن له يقال له: إسماعيل بن عبد الله
بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، ذكره أيضًا أبو حاتم (1)، وهو مجهول الحال. فأما جده
سعيد بن أبي مريم فثقة.
ويحيى بن محمد المدني: إما مجهول، وإما ضعيف إن كان ابنَ هانئ».
وهذا سهو، فإن يحيى هذا هو يحيى بن محمد بن قيس أبو زُكَير، روى له مسلم في
«الصحيح» (2).
قال ابن القطان: «وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش بن رئاب مجهول الحال أيضًا، وليس
بوالد بكير بن عبد الله بن الأشج كما ظنه ابن أبي حاتم
_________
(1) «الجرح والتعديل» (2/ 179).
(2) كذا استظهر المؤلف، مع أنه سبق في كلام المنذري أنه يحيى بن محمد الجاري، وأن
العقيلي ذكر الحديث في ترجمته. وأما الذهبي في «الرد على ابن القطان» (ص 43) فقال:
«أرى أنه أبو زُكير، ويجوز أن يكون الجاري».
قلت: يترجّح أنه الجاري بأمور:
أنه جاء مصرَّحًا بنسبته في «الضعفاء» للعقيلي وفي «المعجم الصغير» للطبراني
(266).
أن أحمد بن صالح (الراوي عن يحيى بن محمد) له أحاديث أخرى عن الجاري، كما عند أبي
داود (1215)، ولم أجد له رواية عن أبي زُكير يحيى بن محمد بن قيس المحاربي.
أن ابن أبي حاتم قال في ترجمة عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم (5/ 44): «روى
عن أبيه، عن ابن رُقيش، روى عنه يحيى بن محمد الجاري».
(2/295)
حين [ق 159] جمع بينهما (1)، والبخاري قد
فصل بينهما، فجعل الذي يروي عن علي في ترجمة (2)، والذي يروي عن ابن عباس ــ وهو
والد بكير ــ في ترجمة أخرى (3)، وأيهما كان فحاله مجهول أيضًا».
* * *
_________
(1) في «الجرح والتعديل» (5/ 5).
(2) لم أجد له ترجمة في «التاريخ الكبير» ولا في «الأوسط».
(3) «التاريخ الكبير» (5/ 42).
(2/296)
كتاب
الفرائض
1 - باب في ميراث ذوي الأرحام
311/ 2779 - عن المقدام ــ وهو ابن معديْكَرب الكِنْدي ــ قال: قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: «مَن تَرك كَلًّا فإليَّ ــ وربما قال: إلى الله وإلى رسوله
ــ ومن ترك مالًا فلورثته، وأنا وارثُ مَن لا وارث له، أَعْقِلُ له وأرثه، والخال
وارثُ مَن لا وَارث له، يَعْقِلُ عنه ويرثه».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (1).
واختلف في هذا الحديث. فروي عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهَوْزني عن المقدام.
وروي عن راشد بن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ــ مرسلًا (2).
وقال أبو بكر البيهقي (3) في هذا الحديث: كان يحيى بن معين يضعفه، ويقول: ليس فيه
حديث قوي.
وقال أيضًا (4): «وقد أجمعوا على أن الخال الذي لا يكون ابنَ عم أو مولى لا
يَعْقِل بالخؤولة، فخالفوا الحديث الذي احتجوا به في العقل. فإن كان ثابتًا
_________
(1) أبو داود (2899)، وابن ماجه (2738)، والنسائي في «الكبرى» (6321)، من طريق
بديل بن ميسرة، عن علي بن أبي طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهَوزني، عن
المقدام. وهذا إسناد حسن، حسَّنه أبو زرعة كما في «العلل» (1636)، وصححه ابن حبان
(6035) والحاكم (4/ 344)، والألباني بشواهده في «الإرواء» (1700).
(2) أخرجه النسائي في «الكبرى» (6323).
(3) «السنن الكبرى» (6/ 215)، و «معرفة السنن والآثار» (9/ 164).
(4) «معرفة السنن» (9/ 165).
(2/297)
فيشبه أن يكون في وقت كان يُعْقَل بالخؤولة،
ثم صار الأمر إلى غير ذلك. أو أراد خالًا يعقل بأن يكون ابن عم أو مولًى، أو اختار
وَضْع ماله فيه إذا لم يكن له وارث سواه.
قال بعضهم: «الخال وراث من لا وارث له» يحتمل أن يكون على وجه السلب والنفي، كما
قالوا: الصبر حيلةُ من لا حيلةَ له. ويحتمل أن يريد به: إذا كان عصبةً. ويحتمل أن
يريد به السلطان، فإنه يُسمَّى خالًا (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: فهذا ما رُدَّ به حديث الخال وهي بأسرها وجوه ضعيفة:
أما قولهم: إن أحاديثه ضعاف، فكلام فيه إجمال، فإنْ أريد بها أنها ليست في درجة
الصحاح التي لا علة فيها فصحيح، ولكن هذا لا يمنع الاحتجاج بها، ولا يوجب انحطاطها
عن درجة الحسن، بل هذه الأحاديث وأمثالها هي الأحاديث الحسان، فإنها قد تعددت
طرقها ورويت من وجوه مختلفة، وعُرفت مخارجها، ورواتها ليسوا بمجروحين ولا متّهمين.
وقد أخرجها أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» وحكم بصحتها. وليس في أحاديث الأصول ما
يعارضها.
وقد رويت من حديث المقدام بن معديكرب هذا، ومن حديث عمر بن الخطاب، ذكره الترمذي
(2) عن حكيم بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل بن
_________
(1) هذه الفقرة الأخيرة من كلام المنذري أشار المجرّد إلى طرفها الأخير، وليست في
مطبوعة «المختصر»، فاستدركتها من أصله الخطّي (النسخة البريطانية).
(2) رقم (2103)، وأخرجه أحمد (189)، وابن ماجه (2737)، وابن حبان (6037)، واختاره
الضياء (1/ 167 - 169).
(2/298)
حنيف قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة:
إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الله ورسوله مولى من لا مولى له،
والخال وارث من لا وارث له». قال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه ابن حبان في
«صحيحه». ولم يصنع من أعلّ هذا الحديث بحكيم بن حكيم، وأنه مجهول= شيئًا، فإنه قد
روى عنه سهيل بن أبي صالح، وعبد الرحمن بن الحارث، وعثمان بن حكيم أخوه، ولم نَعلم
أن أحدًا جرحه (1)، ومِثْلُ هذا ترتفع عنه الجهالة ويُحتَج بحديثه.
ومن حديث عائشة، ذكره الترمذي (2) أيضًا عن ابن جريج، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس،
عن عائشة ترفعه: «الخال وارث من لا وارث له». قال الترمذي: حسن غريب. قال: وإلى
هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام، وأما زيد بن ثابت فلم
يورثهم. وقد أرسله بعضهم ولم يذكر فيه: عن عائشة (3). تم كلامه.
وهذا على طريقة منازعينا لا يضر الحديث شيئًا لوجهين:
أحدهما: أنهم يحكمون بزيادة الثقة، والذي وَصَله ثقة وقد زاد، فيجب
_________
(1) بل قال عنه الإمام أحمد ــ كما في «سؤالات أبي داود» (ص 233) ــ: «ما أعلم إلا
خيرًا»، ووثقه العجلي، وقال ابن حبان في «مشاهير علماء الأمصار» (ص 208): «من
جِلَّة أهل المدينة»، وأورده في «الثقات». وأغرب ابنُ سعد في «الطبقات» (7/ 501)
فقال: «كان قليل الحديث، لا يحتجّون بحديثه».
(2) رقم (2104)، وأخرجه النسائي في «الكبرى» (6318، 6319)، والدارقطني (4112 -
4115) من نفس الطريق مرفوعًا وموقوفًا، واستصوب الدارقطني في «العلل» (3679)
والبيهقي (6/ 215) الرواية الموقوفة.
(3) لم أجده مرسلًا عن طاوس، ولكن عن ابنه، أخرجه عبد الرزاق (12488، 12489،
19122، 19123) من طرق عنه.
(2/299)
عندهم قبول زيادته.
الثاني: أنه مرسل قد عمل به أكثر أهل العلم كما قال الترمذي، ومثل هذا حجة عند من
لا يرى المرسل حجة، كما نص عليه الشافعي (1).
وأما حمل الحديث على الخال الذي هو عَصَبة، فباطل يُنزَّه كلام الرسول عن أن يحمل
عليه، لِما يتضمنه من اللبس، فإنه إنما علق الميراث بكونه خالًا. فإذا كان سبب
توريثه كونَه ابنَ عمٍّ أو مولى، فعدل عن هذا الوصف الموجِب للتوريث إلى وصفٍ لا
يوجب التوريث، وعلق به الحكم= فهذا ضد البيان، وكلامُ الرسول - صلى الله عليه وسلم
- منزه عن ذلك.
وأما قوله: قد أجمعوا أن الخال الذي لا يكون ابنَ عم أو مولى لا يعقل بالخؤولة،
فلا إجماع في ذلك أصلًا، وأين الإجماع؟ ثم لو قدر أن الإجماع انعقد على خلافه في
التعاقل، فلم ينعقد على عدم توريثه، بل جمهور العلماء يورِّثونه، وهو قول أكثر
الصحابة، فكيف يُترك القول بتوريثه لأجل القول بعدم تحمُّله في العاقلة؟ وهذا حديث
المسح على الجوربين والخمار (2)، والمسح على العصائب والتساخين (3)، والمسح على
الناصية
_________
(1) في «الرسالة» (ص 462 - 463).
(2) أخرجه مسلم (275) من حديث بلال بلفظ: «الخفّين والخمار»، وأخرج البخاري (205)
من حديث عمرو بن أمية الضَّمْري بذكر الخفّين والعمامة. فأخذت الحنفية والمالكية
والشافعية ببعضه دون بعض حيث قالوا بجواز المسح على الخفين، دون العمامة والخمار.
(3) العصائب هي العمائم، والتساخين هي الخفاف، والحديث أخرجه أحمد (22383) وأبو
داود (146) والحاكم (1/ 169) عن ثوبان. وهو حديث صحيح. انظر: حاشية محققي «المسند»
طبعة الرسالة، و «صحيح أبي داود - الأم» للألباني (1/ 250).
(2/300)
والعمامة (1) = قد أخذوا منه ببعضه دون بعض.
وكذلك حديث بُصْرَة بن أبي بُصْرة في الذي تزوج امرأة فوجدها حبلى (2)
أخذوا ببعضه دون بعض. وهذا موجود في غير حديث.
وقوله: لو كان ثابتًا يكون في وقت كان الخال يعقل بالخؤولة، فهو إشارة إلى النسخ
الذي لا يمكن إثباته إلا بعد أمرين، أحدهما: ثبوت معارضة المقاوِم له، والثاني:
تأخره عنه، ولا سبيل هنا إلى واحد من الأمرين.
وقوله: اختار وضع ماله فيه ــ يعني على سبيل الطُّعْمة لا الميراث ــ، فباطل
لثلاثة أوجه:
أحدها: أن لفظ الحديث يبطله فإنه قال: «يرث ماله»، وفي لفظ «يرثه».
_________
(1) أخرجه مسلم (247) من حديث المغيرة بن شعبة. احتجّت به الحنفية على وجوب مسح
ربع الرأس لأن الناصية تساوي ربع الرأس، ولكن لم يأخذوا بما دلّ عليه من مشروعية
المسح على العمامة، فلم يجيزوا المسح عليها. انظر: «المبسوط» (1/ 63، 101)، و
«إعلام الموقعين» للمؤلف (3/ 72).
(2) فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لها الصداق بما استحللتَ مِن فَرجها،
والولد عبدٌ لك، فإذا ولدتْ فاجلِدُوها». أخرجه أبو داود (2131)، والصواب فيه أنه
مُرسَل ليس بمتِّصل، كما أشار إليه أبو داود عقبه، ونصّ عليه أبو حاتم في «العلل»
(1259)، وضعّفه أيضًا أحمد وإسحاق كما في «مسائلهما» برواية الكوسج (2/ 316).
وقد استدل بالحديث المالكية والحنابلة على عدم صحة نكاح الحامل من زنى حتى تضع
حملها، مع مخالفتهم لسائر ما دلّ عليه. انظر: «المحلّى» (10/ 28)، و «المغني» (9/
561).
(2/301)
الثاني: أنه سماه وارثًا، والأصل في التسمية
الحقيقة، فلا يُعدَل عنها إلا بعد أمور أربعة:
أحدها: قيام دليل على امتناع إرادتها.
الثاني: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي عَيَّنه مجازًا له، ولا يكفي ذلك إلا
بالثالث، وهو: بيان استعماله فيه لغةً، حتى لا يكون لنا وضع نحمل عليه لفظ النص.
وكثير من الناس يغفل عن هذه الثلاثة، ويقول: يُحمل على كذا وكذا، وهذا غلط، فإن
الحمل ليس بإنشاء، وإنما هو إخبار عن استعمال اللفظ في ذلك المعنى الذي حمله عليه،
وإن لم يكن مطابِقًا كان خبرًا كاذبًا. وإن أراد به أني أنشئ حمله على هذا المعنى،
كما يظن كثير ممن لا تحقيق عنده، فهو باطل قطعًا لا يَحِلُّ لأحد أن يرتكبه ثم
يحمل كلام الشارع عليه.
الرابع: الجواب عن المعارِض، وهو دليل إرادة الحقيقة، ولا يكفيه دليل امتناع
إرادتها ما لم يُجِبْ عن دليل الإرادة.
الثالث (1): أن المخاطبين بهذا اللفظ فهموا منه الميراث دون غيره، وهم الصحابة [ق
160]- رضي الله عنهم -، ولهذا كتب به عمر - رضي الله عنه - جوابًا لأبي عبيدة حين
سأله في كتابه عن ميراث الخال، وهم أحق الخلق بالإصابة في الفهم.
وقد عُلِم بهذا بطلان حمل الحديث على أن الخال السلطان، وعلى أن
_________
(1) هذا الوجه الثالث من أوجه بطلان تفسير الحديث بأنه اختار وضع ماله فيه على
سبيل الطُّعْمة. في ط. الفقي: «الخامس»، وهو خطأ.
(2/302)
المراد به السَّلْب. وكل هذه وجوه باطلة.
وأسعد الناس بهذه الأحاديث من ذهب إليها، وبالله التوفيق.
2 - باب ميراث ابن الملاعَنة
312/ 2786 - عن واثلة بن الأسقع، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المرأة
تَحُوزُ ثلاثةَ مواريث: عَتِيقَها، ولَقِيطَها، وولدَها الذي لاعَنَتْ عنه».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (1)، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من
حديث محمد بن حرب. هذا آخر كلامه.
وفي إسناده عمر بن رُؤبة التَّغلِبي، قال البخاري: فيه نظر. وسئل عنه أبو حاتم
الرازي، فقال: صالح الحديث، قيل: تقوم به الحجة؟ فقال: لا، ولكن صالح (2).
وقال الخطابي (3): وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل.
وقال البيهقي (4): لم يُثبت البخاري ولا مسلم هذا الحديث لجهالة بعض رواته.