النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
[يصوم] (2)». قال الدارقطني: قوله: «والسنة في المعتكف» (3) إلى آخره، ليس من قول
النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو من قول الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد
وهم.
_________
(1). «ضعيف» ساقط من الأصل، واستدرك من (هـ).
(2). «يصوم» ساقط من (هـ)، واستدرك من لفظ الحديث، وقد سبق تخريجه.
(3). من قوله: «أن لا يخرج» إلى هنا ساقط من الأصل لانتقال النظر، واستدرك من
(هـ).
(2/200)
الثالث: أن غايته الدلالة على استحباب الصوم
في الاعتكاف، فإن قوله: «السنة» إنما يفيد الاستحباب، وقوله: «لا اعتكاف إلا بصوم»
نفي للكمال.
قال الموجبون: الجواب عما ذكرتم:
أما تضعيف عبد الرحمن بن إسحاق، فقد روى له مسلم في «صحيحه»، ووثقه يحيى بن معين
وغيره.
وأما قولكم: إنه من قول الزهري، ومن أدرجه فقد وهم، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنّا لو تُرِكنا وهذا، لكان ما ذكرتم قادحًا، ولكن قد روى الثوري عن حبيب
بن أبي ثابت عن عطاء عن عائشة قالت: «من اعتكف فعليه الصوم» (1)، فهذا يقوِّي حديث
الزهري.
الثاني: أنه ولو ثبت أنه من كلام الزهري، فهو يدل على أن السنة المعروفة التي
استمر عليها العمل أنه لا اعتكاف إلا بصوم، فهل عارض هذا سنةٌ غيرها حتى تُقابَل
به؟
وأما قولكم: إن هذا إنما يدل على الاستحباب، فليس المراد بالسنة هاهنا مجرد
الاستحباب، وإنما المراد طريقةُ الاعتكاف وسنةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
المستمرة فيه. وقوله: «ولا اعتكاف إلا بصوم» يبين ذلك.
وقولكم: «إنه لنفي الكمال» صحيح، ولكن لنفي الكمال (2) الواجب، أو المستحب؟ الأول
مسلَّم، والثاني ممنوع، والحمل عليه بعيد جدًّا، إذ لا
_________
(1). أخرجه عبد الرزاق (8037)، وابن أبي شيبة (9715).
(2). في الأصل و (هـ) والطبعتين: «كمال»، ولعل الصواب ما أثبت.
(2/201)
يصلح النفي المطلق عند نفي بعض المستحبات،
وإلا لصحّ النفيُ عن كل عبادةٍ تُرِك بعض مستحباتها، ولا يصح ذلك لغةً ولا عرفًا
ولا شرعًا، ولا يعهد في الشريعة نفيٌ لِعبادة إلا لِترك واجبٍ فيها. (1)
* * *
_________
(1). في الأصل بعده: «وقال الدارقطني: يقال: إن قوله «والسنة على المعتكف» إلى
آخره من كلام الزهري ... »، وقد سبق أن أثبتناه في أول تعليق المؤلف وفاقًا لنسخة
(هـ).
(2/202)
كتاب
الجهاد
1 - سُكنى الشام
272/ 2372 - عن شَهر بن حَوْشَب عن عبد الله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يقول: «ستكون هجرةٌ بعد هجرة، فخيارُ أهل الأرض ألزَمُهم
مُهاجَرَ إبراهيم، ويبقى في الأرض شِرارُ أهلها تَلْفِظُهم أرَضوهم، تَقْذَرُهم
نَفْسُ الله، وتحشرهم النارُ مع القِرَدة والخنازير» (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: [وروي من حديث ابن عمرٍو (2) بإسنادٍ أمثلَ من هذا]
(3).
273/ 2373 - وعن ابن حَوَالة ــ وهو عبد الله ــ قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: «سيصير الأمرُ أن تكونوا أجنادًا مُجنَّدةً: جندٌ بالشام، وجند
باليمن، وجند بالعراق»، قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركتُ ذلك، فقال:
«عليك بالشام، فإنها خِيَرَةُ الله من أرضه، يَجْتبي إليها خِيَرَتَه من عباده،
فأما إذ أبيتم فعليكم
_________
(1) «سنن أبي داود» (2482)، وأخرجه معمر في «جامعه» (20790)، وأحمد (6952)، من
طريق قتادة عن شهر بن حوشب.
وشهر وإن كان فيه لين، إلا أن في أول حديثه هذا قصة حضرها وفيها سمع من عبد الله
بن عمرو ــ كما في روايتَي معمر وأحمد ــ، فمثله عادةً يكون مظنةَ الضبط، وقد قال
الإمام أحمد ــ كما في «هُدى الساري» (ص 363) ــ: «إذا كان في الحديث قصة دلَّ على
أن راويه حفظه».
وأخرجه الحاكم (4/ 510 - 511) من طريق آخر لا بأس به في المتابعات، ولعله هو الذي
أشار إليه المؤلف.
(2) في (هـ): «ابن عمر»، ولعل الصواب ما أثبت.
(3) ما بين الحاصرتين من (هـ).
(2/203)
بيَمَنِكم، واسْقُوا من غُدُرِكم، فإن الله
توكَّلَ لي بالشام وأهله» (1).
هذا الحديث قد روي من حديث واثلة بن الأسقع وأبي الدرداء والعِرباض بن سارية وعبد
الله بن عمر وعبد الله بن عبّاس (2) وغيرهم، والمحفوظ من حديث ابن حوالة. وقال
سعيد بن عبد العزيز (3): وكان ابن حَوالة رجلًا من الأزد، وكان مسكنه الأردن، وكان
إذا حدث بهذا الحديث قال: وما تكفل الله به، فلا ضيعة عليه (4).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد رواه أبو حاتم (5) ابن حبان في «صحيحه» (6).
_________
(1) «سنن أبي داود» (2483)، أخرجه أحمد (17005)، وابن حبان (7306)، والحاكم (4/
510)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/ 56 - 81)، والضياء في «المختارة» (9/ 271 -
275) من طرق صحاح وحسان عن ابن حوالة - رضي الله عنه -.
قل أبو حاتم عن بعض طرقه: «صحيح حسن غريب»، وقال ابن عبد الهادي: «هذا حديث مشهور،
وإسناده إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن عبد الله بن حوالة». انظر: «العلل» لابن
أبي حاتم (1001)، و «فضائل الشام» لابن عبد الهادي (ص 40).
(2) أخرجها ابن عساكر في «فضائل الشام» (1/ 66 - 67)، (1/ 71 - 72)، (1/ 77 - 78)،
(1/ 82)، (1/ 96 - 97) ولاءً.
(3) قوله وقع عقب الحديث من روايته عن مكحول، عن أبي إدريس، عن ابن حوالة. أخرجه
ابن عساكر في «تاريخه» (1/ 56 - 57) وابن البخاري المقدسي في «مشيخته» (1/ 222 -
224).
(4) هذه الفقرة أشار إليها المجرّد بذكر طرفه الأخير، وليست في «المختصر» المطبوع،
وفي المخطوط (النسخة البريطانية) إلى قوله: «رجلًا من الأزد» ثم بعده كلام آخر،
والمثبت بتمامه من (هـ).
(5) «أبو حاتم» من (هـ)، وليس في الأصل.
(6) رقم (7306).
(2/204)
وروى الوليد بن مسلم عن عُفَير بن مَعْدان
(1) أنه سمع سُلَيم بن عامر يحدث عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: «رأيت عَمود الكتاب انتُزِع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع
حتى ظننت أنه قد هوى به، فعُمِد به إلى الشام، وإني أوَّلت أن الفتن إذا وقعت أن
الإيمان بالشام». رواه أحمد في «مسنده» (2).
وروى شعبة عن معاوية بن قُرّة عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرّهم من
خذلهم حتى تقوم الساعة». رواه الترمذي (3). وقال: قال محمد بن إسماعيل: قال علي
ابن المديني: هم أصحاب الحديث، وهذا حديث حسن صحيح.
وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، أين تأمرني؟ قال: «ههنا
ــ ونحا بيده نحو الشام ــ». قال الترمذي (4): هذا حديث حسن صحيح.
_________
(1) في الأصل: «عثمان» خطأ، والتصويب من (هـ) ومصادر التخريج.
(2) لم أجده في «المسند»، وإنما أخرجه الطبراني في «الكبير» (8/ 170) بهذا اللفظ
سواء. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 61): «فيه عُفير بن معدان، وهو مجمع على
ضعفه». وكذا ضعّف إسنادَه الحافظُ في «الفتح» (12/ 403).
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأبي الدرداء، وعبد الله بن حوالة، وغيرهم.
وأمثلها حديث أبي الدرداء عند أحمد في «مسنده» (21733) بإسناد صحيح. انظر: «الفتح»
(12/ 402 - 403).
(3) رقم (2192)، وأخرجه أحمد (15596)، وابن ماجه (6)، وابن حبان في «صحيحه» (61،
7302)، من طرق عن شعبة به.
(4) عقب روايته له تحت الحديث السابق. وأخرجه أحمد (20031)، والحاكم (4/ 564)
وقال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».
(2/205)
وقال الإمام أحمد (1): حدثنا حسن، حدثنا ابن
لَهِيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شِماسة، عن زيد بن ثابت قال: بينا (2)
نحن عند [ق 146] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: «طوبى للشام، طوبى
للشام، طوبى للشام» (3). قلت: ما بال الشام؟ قال: «الملائكة باسطُو أجنحتِها على
الشام».
ورواه أحمد (4) أيضًا عن يحيى بن إسحاق السَّيْلَحِيني (5)، حدثنا (6) يحيى بن
أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب.
ورواه ابن وهب: أخبرني عمرو، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شِماسة حدثه أنه سمع زيد
بن ثابت ــ فذكره (7). قال أبو عبد الله المقدسي (8): وهذا الإسناد عندي على شرط
مسلم.
_________
(1) في «المسند» (21606). في إسناده ابن لهيعة، لكنه قد توبع، تابعه اثنان كما
سيأتي، فالحديث صحيح.
(2) في الطبعتين: «بينما» خلافًا للأصل.
(3) كذا تكرر في الأصل و (هـ) ثلاث مرات، وهو في «المسند» وغيره مرتين.
(4) برقم (21607).
(5) مهمل غير منقوط في الأصل، فضبطه بعضهم في هامشه هكذا: «السفلحيني ــ تقريب»،
أراد أن يكحلها فأعماها!
(6) في الأصل: «نا»، وهو اختصار ما أثبتناه. وفي الطبعتين هنا وفي مواضع عديدة من
الأسانيد الآتية: «أخبرنا»، وفي مواضع أخرى: «أنبأنا»؛ كل ذلك خطأ وغفلة عن اصطلاح
أهل الحديث.
(7) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (7304).
(8) هو الحافظ ضياء الدين، فإن له «فضائل الشام» في ثلاثة أجزاء كما ذكره ابن رجب
في «ذيل طبقات الحنابلة» (3/ 519)، ولم يُطبع منه إلا الجزء الثاني باسم «فضائل
بيت المقدس». وظن محقق ط. المعارف أن المراد ابنُ عبد الهادي فإنه قال في «فضائل
الشام» (ص 31) له: «وإسناده على شرط الصحيح»، وهو ظن بعيد والله أعلم.
(2/206)
وفي «صحيح البخاري» (1): عن ابن عمر أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في
يمننا» فقالها مرارًا، فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا: يا رسول الله، وفي
عراقنا؟ قال: «بها الزلازلُ والفتن، وبها يَطْلُع قرن الشيطان».
وفي «مسند الإمام أحمد» (2)
من حديث محمد بن عُبَيد، عن الأعمش، عن عبد الله بن ضِرار الأسدي، عن أبيه، عن عبد
الله قال: «قَسَم الله الخير فجعله عشرة [أعشار]، فجعل تسعة أعشاره في الشام،
وبقيتَه في سائر الأرض، وقسم الشرَّ فجعل عشرة أَعْشُرًا فجعل جزءًا منه في الشام
وبقيَّته في سائر الأرض (3)».
وروى الإمام أحمد في «مسنده» (4) من حديث الوليد بن عبد الرحمن،
_________
(1) رقم (1037، 7094) بلفظ قريب، وفيه: «وفي نجدنا؟» بدل: «وفي عراقنا». واللفظ
المذكور هنا هو لفظ الطبراني في «الكبير» (13422) سواء، وإسناده جيد. وكذا روي
الحديث بلفظ العراق في «مسند البزار» (5880، 5881) و «حلية الأولياء» (6/ 133)
بأسانيد جياد.
(2) ليس فيه، وإنما رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (1709). ورواه أيضًا الطبراني في
«الكبير» (9/ 177/ 8881) من طريق أبي نُعيم الفضل بن دُكين، عن الأعمش به.
قال الهيثمي: «عبد الله بن ضِرار ضعيف». «مجمع الزوائد» (10/ 63). وقد صح نحوه عن
ابن مسعود من طريق آخر عند الحاكم في «المستدرك» (4/ 505)، وابن عساكر في «تاريخ
دمشق» (1/ 156).
(3) من قوله: «وقسم الشر» إلى هنا ساقط من الأصل لانتقال النظر، واستُدرك من (هـ).
(4) برقم (16965) وما بين الحاصرتين منه. وأخرجه أيضًا النسائي (3561)، وابن حبان
(7307)، والطبراني (6357 - 6359)، من طرق عن الوليد بن عبد الرحمن به، وهو إسناد
صحيح، إلا أنه وقع عند ابن حبان: «النواس بن سمعان» بدل سلمة بن نفيل، وهو وهم من
بعض الرواة حيث سلك الجادة، فإن جبير بن نفير كثير الرواية عن النواس ومشهور به.
(2/207)
عن جُبير بن نُفير، عن سلَمة بن نُفيل، أنه
أخبرهم أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني سَيَّمتُ (1) الخيل،
وألقيتُ السلاحَ، ووضعتِ الحربُ أوزارها، [قلت: لا قتال،] قال: فقال له النبي -
صلى الله عليه وسلم -: «الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس،
يرفع (2) الله قلوبَ أقوامٍ فيقاتلونهم، ويرزقهم الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم
على ذلك، ألا إن عُقْر دار المؤمنين الشام، والخيلُ معقود في نواصيها الخيرُ إلى
يوم القيامة». ورواه النسائي.
وفي «المسند» والترمذي (3) من حديث أبي قلابة، عن سالم، عن أبيه
_________
(1) في الأصل و (هـ): «سمت»، وفي «المسند» طبعة الرسالة: «أَسَمْت»، والمثبت من طبعة
جمعية المَكْنِز (17239) وفاقًا لنسخةٍ بخط الحافظ عبد الغني المقدسي المرموز لها
في هامش طبعتَي المسند بـ (ظ 13). وأفاد محققو طبعة المَكنِز أن معنى «سيَّمت»:
سَيَّبت، بقلب الباء ميمًا، وهو قلب شائع في لغة العرب. قلتُ: ويؤيده أن الحديث
روي بلفظ: «سُيِّبَت الخيلُ» في «الطبقات» لابن سعد (9/ 431) و «الآحاد والمثاني»
(2460، 2625) و «صحيح ابن حبان» وغيرها.
(2) كذا في جميع نسخ «المسند» الخطية، وشرحه السندي بقوله: «رفع الله قلوب أقوام
عن الإيمان إلى الكفر». وفي بقية المصادر: «يزيغ»، وهو الصواب كما قال الحافظ ابن عساكر
بعد أن ساق الحديث من طريق الإمام أحمد. «تاريخ دمشق» (1/ 117).
(3) أحمد (4536، 5146)، والترمذي (2217) وصححه. ورواه أيضًا ابن حبان في «صحيحه»
(7305). وقد اختلف على ابن عمر في هذا الحديث، فروي عنه عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - كما هنا، وروي من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن كعب
الأحبار من قوله، وهو الأرجح، كما في «العلل» للدارقطني (2726).
(2/208)
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«ستخرج نار من حضرموت ــ أو بحضرموت ــ قبل يوم القيامة تحشر الناس»، قلنا: يا
رسول الله فما تأمرنا؟ قال: «عليكم بالشام». قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من
حديث ابن عمر.
وفي «المسند» والترمذي والنسائي (1) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت:
يا رسول الله، أين تأمرني؟ قال: «هاهنا ــ ونحا بيده نحو الشام ــ». قال الترمذي:
هذا حديث حسن صحيح.
ومن حديث المُخلِّص (2):
«حدثنا يحيى بن صاعد، حدثنا محمد بن إسماعيل السُّلَمي، حدثنا أبو أيوب سليمان بن
عبد الرحمن، حدثنا بِشر بن عَون القرشي أبو عون، حدثنا بكار بن تميم، عن مكحول، عن
واثلة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لحذيفة بن اليمان ومعاذ بن
جبل، وهما يستشيرانه في المنزل؟ فأومأ إلى الشام، ثم سألاه؟ فأومأ إلى الشام، ثم
سألاه؟ فأومأ إلى الشام، ثم قال: «عليكم بالشام، فإنها صفوة بلاد الله،
_________
(1) أحمد (20031)، والترمذي (2192) وصححه، وأما النسائي فذكر في «تحفة الأشراف»
(8/ 433) أنه أخرج الحديث من طريق سُوَيد بن حُجَير الباهلي، عن حكيم بن معاوية،
عن أبيه، ولم أجده في «السنن الكبرى» المطبوعة. وأخرج الحديث أيضًا الحاكم (4/
564) وقال: «صحيح الإسناد».
(2) «المخلِّصيّات» بانتقاء ابن أبي الفوارس (2/ 268 - 269)، ومن طريق المخلص
أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» (1/ 68) وقال: إنه غير محفوظ.
قال ابن حبان في «المجروحين» (1/ 216) في ترجمة بشر بن عون: «روى عن بكّار بن تميم
عن مكحول عن واثلة نسخة فيها ستمائة حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال».
(2/209)
يسكنها خِيَرَتُه من عباده، فمن أبى فليلحق بيمنه،
ويَسْتَقِ (1) من غُدُره، فإن الله عز وجل تكفل لي بالشام وأهله». ورواه الطبراني
في «المعجم» (2) عن سليمان به.
وذكر الطبراني (3) من حديث الوليد بن مسلم، عن محمد بن أيوب بن مَيسرة بن حَلْبَس،
عن أبيه، عن خُرَيم بن فاتِك الأسدي، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول: «أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام على
منافقيهم أن يَظهروا على مؤمنيهم، ولا يموتوا (4) إلا غمًّا وهمًّا». ورواه الإمام
أحمد في «مسنده» (5) موقوفًا، وكذلك أبو يعلى المَوصِلي (6).
وقال أحمد في «مسنده» (7): حدثنا عبد الصمد، حدثنا (8) حماد، عن الجُرَيري، عن أبي
المشَّاء ــ وهو لَقِيطُ ابن المشاء ــ عن أبي أمامة قال: لا
_________
(1) في الطبعتين: «ويستقي» خلافًا للأصل.
(2) «المعجم الكبير» (22/ 58).
(3) «المعجم الكبير» (4/ 209/4163). وفي إسناده أيوب بن ميسرة بن حلبس، قال الحافظ
في «لسان الميزان» (2/ 255): «رأيت له ما يُنكَر، وقد ذكره ابن حبان في الثقات».
ثم إن في رفعه نظرًا؛ فإن أكثر الناس يروونه موقوفًا على خريم من قوله. انظر:
«تاريخ دمشق» (1/ 285 - 286).
(4) في الأصل: «يموتون»، والمثبت من (هـ) موافق لـ «معجم الطبراني».
(5) برقم (16065).
(6) ليس في «مسنده» المطبوع، وقد أخرجه من طريقه ابن حبان في «الثقات» (4/ 28)،
وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/ 285).
(7) برقم (22145)، وإسناده ضعيف، إلا أن القدر المرفوع ثابت من غير وجه، وقد سبق
بعضها. انظر: «السلسلة الضعيفة» (6712).
(8) في الطبعتين: «أنبأنا»، خلافًا للأصل و «المسند»، وقد سبق التنبيه على مثله.
(2/210)
تقوم الساعة حتى يتحوّل خيار أهل العراق إلى
الشام، ويتحوّل شرار أهل الشام إلى العراق، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-: «عليكم بالشام»، كذا رواه أحمد أوَّلَه موقوفًا وآخرَه مرفوعًا.
وروى الطبراني في «معجمه» من حديث [ ..... ] (1).
2 - باب تضعيف الذكر في سبيل الله
274/ 2388 - عن سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«إنَّ الصلاة والصيام والذكرَ يُضاعَف على النَّفَقة في سبيل الله بسبعمائة ضِعْف»
(2).
وفيه زبَّان بن فائد عن سهل بن معاذ؛ ضعيف عن ضعيف (3). (4)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى الترمذي (5) عن أبي سعيد الخدري: أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي العباد (6) أفضل درجةً عند الله يوم القيامة؟
قال: «الذاكرين (7) الله كثيرًا»، قال: قلت: يا رسول الله، ومِن الغازين في سبيل
_________
(1) بياض في الأصل قدر ثلاث كلمات، ومكتوب فوقه بخط صغير: «كذا في الأصل».
(2) «سنن أبي داود» (2498).
(3) لا سيما زبّان، فإنه يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كلها مناكير. انظر: «تهذيب
التهذيب» (3/ 308)، و «ضعيف أبي داود ــ الأم» (2/ 300).
(4) كلام المنذري من (هـ)، وفيه تصرّف للمؤلف، فإن لفظ المنذري في «المختصر» (3/
364): «في إسناده زبّان بن فائد وسهل بن معاذ، وهما ضعيفان».
(5) برقم (3376)، وأيضًا أحمد (11720)، من طريق درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي
سعيد. قال الترمذي: «هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث درَّاج». وهو صدوق، إلا
فيما يرويه عن أبي الهيثم، ففيه ضعف ونكارة.
(6) في الأصل و (هـ): «العبادة»، تصحيف.
(7) كذا في الأصل و (هـ)، والوجه الرفع كما في الترمذي.
(2/211)
الله؟ قال: «لو ضرب بسيفه في الكفار
والمشركين حتى ينكسر ويختَضِب دمًا، لكان الذاكرون الله أفضلَ منه درجة». ولكن هو
من حديث درَّاج، وقد ضُعِّف، وقال الإمام أحمد (1): الشأن في دراج.
ولكن روى الترمذي والحاكم في «المستدرك» (2) عن أبي الدرداء قال: قال النبي - صلى
الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعِها في
درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٍ لكم من أن تلقَوا عدوكم
فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى، قال: «ذكر الله». وقد رواه مالك في
«الموطأ» (3) موقوفًا على أبي الدرداء قولَه. قال الترمذي: ورواه بعضهم فأرسله.
والتحقيق في ذلك أن المراتب ثلاثة:
ذكر وجهاد، وهي أعلى المراتب، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ} [الأنفال:45].
المرتبة الثانية: ذكرٌ بلا جهاد، فهذه دون الأولى.
الثالثة: جهاد بلا ذكر، فهي دونهما، والذاكر أفضل من هذا.
_________
(1) كما في «سؤالات أبي داود له» (ص 247)، و «سؤالات الآجري لأبي داود» (2/ 166).
(2) الترمذي (3377)، والحاكم (1/ 496) وقال: «صحيح الإسناد». وقد اختلف في رفعه
ووقفه، وفي إرساله ووصله على ما فصّله محققو «المسند» طبعة الرسالة في تخريج
الحديث (21702). والأشبه ــ والله أعلم ــ وقفه على أبي الدرداء.
(3) رقم (564).
(2/212)
وإنما وُضِع الجهاد لأجل ذكر الله، فالمقصود
من الجهاد أن يُذكر الله ويُعبد وحدَه، فتوحيده وذكره وعبادته هو غاية الخلق التي
خلقوا لها.
[ق 147] وتبويب أبي داود إنما هو على المرتبة الأولى، والحديث إنما يدل على أن
الذكر أفضل من الإنفاق في سبيل الله، فهو كحديث أبي الدرداء. وقد يحتمل الحديث أن
يكون معناه أن الذكر والصلاة في سبيل الله تضاعف على النفقة في سبيل الله، فيكون
الظرف متعلقًا بالجميع (1). والله أعلم.
3 - باب في فضل الشهادة
275/ 2409 - عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما أُصِيبَ
إخوانُكم بأُحُد جعل الله أرواحهم في جوف طَير خُضْرٍ، تَرِد أنهارَ الجنة، تأكلُ
من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مُعلَّقةٍ في ظل العرش، فلما وجدوا طِيبَ
مأكلهم ومشربهم ومَقِيلهم قالوا: مَن يُبلِّغ إخواننا عنَّا أنا أحياء في الجنة
نُرزَق، لئلَّا يزهدوا في الجهاد، ولا يَنكُلُوا عند الحرب؟ فقال الله سبحانه: أنا
أبلغهم عنكم، قال: فأنزل الله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أَمْوَاتًا} إلى آخر الآية» (2).
وأخرجه الحاكم في «صحيحه» (3). وذكر الدارقطني أن عبد الله بن إدريس
_________
(1) ويؤيده لفظ أحمد في «المسند» (15613): «إن الذكر في سبيل الله تعالى يضعَّف
فوق النفقة بسبعمائة ضعف».
(2) «سنن أبي داود» (2520) من طريق عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، عن إسماعيل
بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
(3) «المستدرك» (2/ 88).
(2/213)
تفرد به عن محمد بن إسحاق، وغيره يرويه عن
ابن إسحاق لا يذكر فيه سعيد بن جبير (1).
وقد أخرج مسلم في «صحيحه» (2) معناه عن عبد الله بن مسعود.
قال ابن القيم - رحمه الله -: فروى (3) عن مسروق قال: سألنا عبدَ الله عن هذه
الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا
بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] فقال: أما إنا قد
سألنا عن ذلك، فقال: «إن أرواحهم في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلَّقة بالعرش،
تَسْرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربكم
اطِّلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أيَّ شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث
شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لم يُتركوا مِن أن يُسألوا، قالوا:
يا رب، نريد أن تَرُدَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتلَ في سبيلك مرّة أخرى، فلما
رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا».
_________
(1) هكذا رواه إبراهيم بن سعد عند أحمد (2388)، وابن المبارك في «الجهاد» (62)،
وسلمة بن الفضل وإسماعيل بن عياش عند الطبري (6/ 228)، كلهم عن ابن إسحاق لا
يذكرون سعيد بن جبير بين أبي الزبير وابن عباس. وعلى هذا تكون الرواية منقطعة، فإن
أبا الزبير لم يسمع من ابن عباس. ولكن صحّت رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس للحديث
من طريق آخر، أخرجه البيهقي في «إثبات عذاب القبر» (214) من طريق سفيان الثوري، عن
سالم الأفطَس، عن سعيد به. وانظر: «تفسير ابن كثير» (آل عمران: 169).
(2) برقم (1887).
(3) أي مسلم، وهو متصل بما سبق من كلام المنذري، و «عن» الآتية ساقطة من الأصل
واستدركت من (هـ).
(2/214)
والظاهر ــ والله أعلم ــ أن المسؤول عن هذه
الآية الذي أشار إليه ابن مسعود هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحذفه لظهور
العلم به، وأن الوهم لا يذهب إلى سواه. وقد كان ابن مسعود يشتد عليه أن يقول: «قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، وكان إذا سمّاه أُرعِد وتغيّر لونُه، وكان كثيرًا
ما يقول ألفاظ الحديث موقوفةً، وإذا رفع منها شيئًا تحرّى فيه، وقال: «أو شِبه
هذا، أو قريبًا من هذا» (1). فكأنه ــ والله أعلم ــ جرى على عادته في هذا الحديث،
وخاف أن لا يؤدِّيه بلفظه، فلم يذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ والصحابة
إنما كانوا يسألون عن معاني القرآن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. والله أعلم
(2).
4 - باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان
276/ 2419 - وعن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا هاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - من اليمن، فقال: «هل لك أحدٌ باليمن؟» فقال: أبوايَ، فقال: «أذِنَا لَكَ؟»
قال: لا، قال: «ارجع إليهما فاستأذِنْهما، فإن أذِنا لك فجاهِدْ، وإلا فبِرَّهما»
(3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: أخرجه الحاكم في «المستدرك» (4)، وليس مما يستدرك
مثله، فإن فيه درّاجًا، وهو ضعيف.
_________
(1) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (26746)، وابن ماجه (23)، و «العلل» للدارقطني
(3159).
(2) «والله أعلم» من (هـ).
(3) «سنن أبي داود» (2530) من طريق درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. وهذا
إسناد ضعيف، وقد سبق الكلام عليه. وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله
عنهما - عند البخاري (3004) ومسلم (2549).
(4) (2/ 103 - 104).
(2/215)
5 - باب النهي
عن لعن البهيمة
277/ 2451 - عن عمران بن حصين: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في سفرٍ، فسمع
لَعْنَةً، فقال: «ما هذه؟» قالوا: هذه فلانةُ لعنت راحلتَها، فقال النبي - صلى
الله عليه وسلم -: «ضَعُوا عنها فإنها ملعونة»، فوضعوا عنها، قال عمران: فكأني
أنظر إليها ناقة وَرْقاء.
وأخرجه مسلم والنسائي (1).
قيل: هذا مختصٌّ بتلك الناقة، لأنّا لا نعلم لحوق اللعنة لمن لعن ناقته أو غيرها،
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم ذلك فأمر بالحطّ عنها وأن لا تصحبه. وقيل:
اللعن: البُعد والترك، فلمّا دعت عليها باللعنة وكانت غيرَ مكلَّفةٍ استُعمل فيها
معنى اللعنة من الإبعاد والترك. والصواب أنه فعل ذلك عقوبةً لها، لئلا تعود إلى
مثل قولها وتلعنَ ما لا يستحق اللعن (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: والعقوبة في المال لمصلحةٍ مشروعةٌ بالاتفاق، ولكن
اختلفوا: هل نُسِخت بعد مشروعيتها؟
ولم يأت على نسخها حجة (3).
وقد حكى أبو عبد الله بن حامد (4) عن بعض أصحاب أحمد أنه مَن لعن شيئًا من متاعه
زال ملكه عنه. والله تعالى أعلم.
_________
(1) أبو داود (2561)، ومسلم (2595)، والنسائي في «الكبرى» (8765).
(2) هذه الفقرة نقل المجرّد آخرها من قوله: «والصواب ... » ونسبها إلى المنذري،
وأثبتناها بتمامها من (هـ)، وفيها تصرّف وزيادة من المؤلف على كلام المنذري الذي
في «المختصر» المخطوط (النسخة البريطانية)، وهو ساقط من المطبوع. وأهم زيادة
للمؤلف قوله: «والصواب»، وكان في «المختصر»: «وقد يحتمل».
(3) وقد سبق الكلام على المسألة في كتاب الزكاة (1/ 264 وما بعدها).
(4) انظر: «الإنصاف» (19/ 38).
(2/216)
6 - باب الوقوف
على الدابة
278/ 2457 - عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إيَّايَ أن
تتخذوا ظهور دوابِّكم مَنابِرَ، فإن الله إنما سخَّرها لكم لِتُبَلِّغَكم إلى بلدٍ
لم تكونوا بالغيه إلا بشِقِّ الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتِكم» (1).
فيه إسماعيل بن عيّاش.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وأما وقوف النبي - صلى الله عليه وسلم - على راحلته
وخطبته عليها، فذاك غير ما نهى عنه، فإن هذا عارِضٌ لمصلحةٍ عامة في وقتٍ ما، لا
يكون دائمًا، ولا يلحق الدابةَ منه من التعب والكلال ما يلحقها من اعتياد ذلك لا
لمصلحة، بل يستوطنها ويتخذها مقعدًا يناجي عليها الرجل، ولا ينزل إلى الأرض، فإن
ذلك يتكرر ويطول، بخلاف خطبته - صلى الله عليه وسلم - على راحلته ليُسمِع الناسَ،
ويعلِّمَهم أمور الإسلام وأحكام النسك، فإن هذا لا يتكرر ولا يطول، ومصلحتُه عامة.
7 - باب في المحلِّل
279/ 2469 - عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدخل فرسًا
بين فَرَسَين ــ يعني ــ وهو لا يؤمَن أن يَسبِق فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين
فرسين وقد أَمِنَ أن يَسبِق فهو قمار».
وأخرجه ابن ماجه (2).
_________
(1) «سنن أبي داود» (2567)، وفي إسناده إسماعيل بن عيّاش، وهو وإن كان فيه مقال،
لكنه مستقيم الحديث إذا روى عن الشاميين، وهذا الحديث منها.
(2) أبو داود (2579) وابن ماجه (2876) من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد
بن المسيب، عن أبي هريرة. وسيأتي كلام المؤلف عليه.
(2/217)
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال أبو داود
(1): ورواه معمر وشعيب وعُقَيل (2) عن الزهري عن رجال من أهل العلم، قال أبو داود:
وهذا أصح عندنا.
وهذا الحديث معروف بسفيان بن حسين عن الزهري، وهو ثقة، لكن جمهور أئمة الحديث
والحفاظ (3) يضعّفونه في الزهري ولا يرونه فيه حجة. وقد تابعه مِثْلُه عن الزهري،
وهو سعيد بن بشير (4)، ضعيف أيضًا.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «العلل» (5) له: سألت أبي عن حديث سفيان بن
حسين؟ فقال: خطأ، لم يعمل سفيان شيئًا، لا يُشبه أن يكون عن النبي - صلى الله عليه
وسلم -، وأحسن أحواله أن يكون قول سعيدٍ، فقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب
قولَه.
وفي «تاريخ ابن أبي خيثمة» (6) قال: سألت يحيى بن معين عن حديث سفيان هذا؟ فخطَّ
على أبي هريرة.
وقال الدارقطني في كتاب «العلل» (7): يرويه سعيد بن بشير، واختلف عنه، فرواه عبيد
بن شريك، عن هشام بن عمار، عن الوليد عنه، عن قتادة، عن سعيد، عن أبي هريرة، ووهم
في قوله: قتادة، فغيره يرويه عن هشام
_________
(1) عقب الحديث (2580).
(2) وهؤلاء من أوثق الناس في الزهري.
(3) كأحمد وابن معين والنسائي وابن حبان. انظر: «تهذيب الكمال» (3/ 214).
(4) روايته عند أبي داود (2580)، والحاكم (2/ 114).
(5) رقم (2249).
(6) ليس في القدر المطبوع منه، وانظر: «التلخيص الحبير» (2025).
(7) رقم (1692).
(2/218)
فيقول: عن الزهري، بدل قتادة. وكذلك رواه
محمود بن خالد وغيره عن الوليد. وكذلك رواه سفيان بن حسين عن الزهري، وهو المحفوظ.
قيل له: فإن الحسين بن السَّمَيدَع رواه عن موسى بن أيوب، عن الوليد، عن سعيد بن
عبد العزيز، عن الزهري؟ فقال: غلط، بل هو ابن بشير.
وقال ابن معين (1): حديث سفيان في الزهري ليس بذاك، إنما سمع منه بالموسم.
وقال ابن حبان (2): «لا يحتج به عن الزهري، وهو مثل ابن إسحاق [ق 148] وسليمان بن
كثير». فلا تُقدَّم رواية سفيان بن حسين على رواية الأئمة الأثبات من أصحاب
الزهري، وهم أعلم بحديثه.
وقد روى أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» (3) من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - سابق بين الخيل، وجعل بينهما سَبَقًا، وجعل بينهما محلِّلًا، وقال:
«لا سبَقَ إلا في نصلٍ أو خُفٍّ أو حافر». ولكن أنكر عليه إدخالُه هذا الحديث في
«صحيحه»، فإنه من رواية عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر، وهو ضعيف لا يحتج به،
ضعّفه غير واحد من الأئمة (4).
_________
(1) أسنده عنه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (4/ 228).
(2) كذا في الأصل، ولا يوجد هذا الكلام في ترجمته في «المجروحين» (1/ 454) ولا في
«الثقات» (6/ 404)، ولكن يوجد نحوه لأبي حاتم الرازي في «الجرح والتعديل» (4/
228)، وقد نقله المؤلف بحروفه في «الفروسية» (ص 178)، فلعل ما هنا سبق قلم أو سهو
منشؤه اتفاق كنيتهما.
(3) رقم (4689)، وليس فيه: «أو خُفٍّ».
(4) ضعَّفه أحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم والترمذي والنسائي وغيرهم. انظر:
«تهذيب الكمال» (4/ 14 - 15).
(2/219)
وذكره هو في كتابه «الضعفاء» (1). وقد ذكر
أبو أحمد بن عدي هذا الحديث في كتابه (2) مما أنكر على عاصم بن عمر. وضعفه عبد
الحق (3) وغيره.
8 - باب السيف يُحلَّى
280/ 2471 - عن أنس قال: كانت قَبِيعة سيفِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فِضَّة.
وأخرجه الترمذي والنسائي (4). وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وهكذا روي عن همام عن
قتادة عن أنس، وقد رَوى بعضهم عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال: كانت قبيعةُ سيف
رسول الله من فضة.
وقال النسائي (5): هذا حديث منكر، والصواب: قتادة عن سعيد.
281/ 2472 - وعن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال: كانت قَبيعةُ سيفِ رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - فضة. قال قتادة: وما علمت أحدًا تابعه على ذلك.
وأخرجه النسائي (6). وقد أشار إليه الترمذي.
_________
(1) أي «كتاب المجروحين» (2/ 109)، وقال: «منكر الحديث جدًّا، يروي عن الثقات ما
لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات».
(2) «الكامل» (5/ 228).
(3) «الأحكام الوسطى» (3/ 16)
(4) أخرجه أبو داود (2583)، والترمذي (1691) من رواية جرير بن حازم، عن قتادة عن
أنس. وأخرجه النسائي في «المجتبى» (5374) و «الكبرى» (9727) من طريق جرير بن حازم
وهمّام بن يحيى، كلاهما عن قتادة عن أنس.
(5) قوله ساقط من مطبوعة «الكبرى»، وقد ذُكر في «تحفة الأشراف» (1/ 301).
(6) «المجتبى» (5375) و «الكبرى» (9728). وسعيد بن أبي الحسن تابعي ثقة، وهو أخو
الحسن البصري.
(2/220)
282/ 2473 - وعن عثمان بن سعد عن أنس بن
مالك قال: «كانت ... »، فذكر مثله (1).
عثمان هو: أبو بكر التَّميمي البصري الكاتب، تكلم فيه غير واحد.
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث قد أسنده عمرو بن عاصم، عن همام وجرير،
عن قتادة، عن أنس، ذكره النسائي (2).
وقال الدارقطني (3): الصواب عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا.
وروى النسائي في «سننه» (4) عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف قال: كانت قبيعة سيف
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فضة.
وفي الترمذي (5) عن مَزِيدة العَصَري قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم
الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة. قال: هذا حديث حسن غريب (6).
_________
(1) «سنن أبي داود» (2585).
(2) في «المجتبى» (5374) و «الكبرى» (9727).
(3) «العلل» (2554).
(4) «المجتبى» (5373) و «الكبرى» (9729)، وإسناده صحيح إلى أبي أمامة بن سهل، وهو
من أبناء الصحابة، ولد في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع منه
شيئًا، ولا يبعد أن يكون رأى قبيعة سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد
وفاته.
(5) رقم (1690) وقال: «غريب»، وضعَّفه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (3/
481)، وقال الذهبي في ترجمة طالب بن حُجَير من «الميزان» (2/ 333): تفرّد به طالب،
وهو صالح الأمر إن شاء الله، وهذا منكر، فما علمنا في حلية سيفه - صلى الله عليه
وسلم - ذهبًا.
(6) كذا في الأصل، والتحسين لا يوجد في النسخ الخطية التي وقفت عليها، ولا في
«تحفة الأشراف» (8/ 375). وقد ذكره ــ أي التحسين ــ ابن القطان في «بيان الوهم
والإيهام» (3/ 481)، وتبعه الذهبي في «ميزان الاعتدال» (2/ 333)، والزيلعي في «نصب
الراية» (4/ 233).
(2/221)
والصواب أن حديث قتادة عن أنس محفوظ [من
رواية] الثقتَين (1) الضابِطَين الثَبْتَين (2): جرير بن حازم وهمام، عن (3) قتادة
عن أنس.
والذي رواه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا هو هشام الدَّسْتُوائي؛ وهشام
وإن كان مقدّمًا في أصحاب قتادة، فليس همام وجرير إذا اتفقا بدونه. والله أعلم.
9 - باب ابن السبيل يأكل من الثمرة ويشرب من اللبن إذا مرَّ به
283/ 2506 - عن الحسن، عن سَمُرة بن جُندَب، أن نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: «إذا أتى أحدُكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبُها فليستأذنْه، فإن أذن له
فليحتَلِبْ وليشرب، وإن لم يكن فيها فَلْيُصَوِّت ثلاثًا، فإن أجابه فليستأذِنْه،
وإلا فليحتَلِبْ وليشربْ، ولا يَحمِلْ».
وأخرجه الترمذي (4)، وقال: حسن صحيح غريب. وذكر أن علي ابن المديني قال: سماع
الحسن من سَمُرة صحيح، وقال: وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سَمُرة
وقالوا: إنما يحدِّث عن صحيفة سمرة (5).
_________
(1) في الأصل: «الثقات» ولعل الصواب ما أثبت، وما بين الحاصرتين زيادة من ط. الفقي
ليستقيم السياق.
(2) ط. الفقي: «المتثبتين»، وط. المعارف: «المتقنين»، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل.
(3) في الأصل وط. المعارف: «على»، خطأ.
(4) أبو داود (2619)، والترمذي (1296)، وكلامه عقِبَ الحديث.
(5) قوله: «وقال: إنما ... » إلخ كلام الترمذي ساقط من مطبوعة «المختصر»، وهو في
مخطوطته (النسخة البريطانية) و (هـ).
(2/222)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى
البيهقي (1) من حديث يزيد بن هارون، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضْرة، عن أبي
سعيد الخدري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أتى أحدُكم على راعٍ
فلينادِ: يا راعيَ الإبل ثلاثًا، فإن أجابه وإلا فلْيَحلبْ (2) وليشرب ولا
يحملنَّ. وإذا أتى أحدكم على حائطٍ فلينادِ ثلاثًا: يا صاحب الحائط، فإن أجابه
وإلا فليأكلْ ولا يحملنّ». وهذا الإسناد على شرط مسلم. وإنما أعله البيهقي بأن
سعيدًا الجُريري تفرد به، وكان قد اختلط في آخر عمره، وسماع يزيد بن هارون منه في
حال اختلاطه. وأَعلَّ حديث سمرة بالاختلاف في سماع الحسن منه.
وهاتان العلتان ــ بعد صحتهما ــ لا تُخرج (3) الحديثين عن درجة الحسن المحتجِّ به
في الأحكام عند جمهور الأمة.
وقد ذهب إلى القول بهذين الحديثين الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه (4). وقال
الشافعي (5): وقد قيل: مَن مرّ بحائط فليأكل ولا يتخذْ خُبْنة،
_________
(1) «السنن الكبرى» (9/ 359 - 360). وقد أخرجه أيضًا من طريق يزيد بن هارون: أحمد
(11159)، وابن حبان (5281)، والحاكم (4/ 132) وصححه على شرط مسلم. ويزيد بن هارون
روى عن الجريري بعد الاختلاط، ولكن تابعه من روى عنه قبل الاختلاط، كما سيأتي.
(2) (هـ): «فليحتلب»، وهو كذلك في بعض نسخ «السنن البيهقي» كما في هامشه.
(3) كذا في الأصل و (هـ)، وفي ط. الفقي: «يخرجان»، والوجه: «تُخرجان».
(4) انظر: «مسائل أحمد» برواية صالح (1/ 321، 2/ 136) وبرواية أبي داود (ص 325)، و
«الإنصاف» (27/ 254 - 257).
(5) «الأم» (3/ 638).
(2/223)
وروي فيه حديث لو كان ثبت عندنا لم نخالفه،
والكتاب والحديث الثابت: أنه لا يجوز أكلُ مال أحدٍ إلا بإذنه.
والحديث الذي أشار إليه الشافعي (1): رواه الترمذي (2) من حديث يحيى بن سليم، عن
عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من
دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خُبْنة». قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من
حديث يحيى بن سليم.
حدثنا (3) قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من أصاب منه من ذي
حاجةٍ غيرَ متَّخذٍ خُبنةً فلا شيء عليه». قال: هذا حديث حسن.
فاختلف الفقهاء في القول بموجَب هذه الأحاديث. فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه
يسوغ الأكلُ من الثمار، وشربُ اللبن لضرورةٍ وغيرِها،
_________
(1) بقوله المتقدم: «فيه حديث لو كان ثبت عندنا»، وأما «الحديث الثابت» الذي أشار
إليه الشافعي فهو حديث ابن عمر: «لا يحلبنَّ أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه» وسيأتي
قريبًا. وقد ذكر الشافعي الحديثين بلفظهما في «الأم» (3/ 635). واختلط الأمر على
محقق ط. المعارف فخطّأ ابن القيم في جعل الحديث الآتي هو مراد الشافعي.
(2) رقم (1287)، ولا يصحّ، فيه يحيى بن سليم وهو ضعيف إذا روى عن عبيد الله بن
عمر، وقد تفرد بهذا الحديث عنه. وقال أبو زرعة: «هذا حديث منكر». «العلل» لابن أبي
حاتم (2495). وأنكره أيضًا ابن معين والبخاري، كما سيأتي في كلام المؤلف لاحقًا.
(3) القائل هو الترمذي في «جامعه» (1289)، وإسناده «حسن» كما قال عَقِبة. وابن
عجلان فيه لين، لكنه توبع، تابعه ابن إسحاق وعبد الرحمن بن الحارث بن عياش عند
أحمد (6683، 6746)، والوليد بن كثير عند البيهقي (9/ 359).
(2/224)
ولا ضمان عليه. وهذا [المشهور عن أحمد] (1).
وقالت طائفة: لا يجوز له شيء من ذلك إلا لضرورة مع ثبوت العوض في ذمته. وهذا
المنقول عن مالك والشافعي وأبي حنيفة (2). واحتج لهذا القول بحجج:
أحدها: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}
[النساء: 29]، والتراضي منتفٍ في هذه الصورة.
الثاني: أن الحائط والماشية لو كانا ليتيم فأكل منه، كان قد أكل مال اليتيم ظلمًا،
فيدخل تحت الوعيد.
الثالث: ما خرَّجا في «الصحيحين» (3) من حديث أبي بكرة أن النبي - صلى الله عليه
وسلم - قال في خطبته في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم (4)،
كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا». ومثله في «صحيح مسلم» (5) عن جابر.
_________
(1) بياض في الأصل قدر ثلاث كلمات، والمثبت من ط. الفقي.
(2) سبق قول الشافعي من «الأم»، وانظر قول مالك في «الموطأ» (1440)، و «الذخيرة»
(13/ 342)، وقول أبي حنيفة في «الموطأ» برواية الشيباني (872).
(3) البخاري (67، 105، 1741، ومواضع أخرى)، ومسلم (1679).
(4) في «الطبعتين»: «عليكم حرام» خلافًا للأصل، والمثبت من الأصل موافق لرواية
مسلم (1679/ 29).
(5) رقم (1218/ 147).
(2/225)