النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
- صلى الله عليه وسلم -. هكذا رواه أبو عوانة وغيره عن الحرّ، وقد سبق (ص 156 -
157). وانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (671).
(2). في الطبعتين: «جاء» خلافًا للأصل.
(3). رقم (2419) من طريق الحسن بن عبيد الله النخعي، عن هُنيدة به. والحسن قد
اختلف عليه في إسناد هذا الحديث ــ وقد سبق بيانه (ص 157) ــ، واختلف عليه أيضًا
في لفظه، ففي رواية أبي داود (2452) من الطريق نفسه: «الاثنين، والخميس، والخميس»،
وفي رواية أحمد (26480) من الطريق نفسه: «الاثنين والجمعة والخميس». والصواب في
إسناده ومتنه: رواية أبي يعلى (6898) والطبراني (23/ 421) من طريق الحسن، عن الحرّ
بن الصيّاح، عن هنيدة، عن امرأته، عن أم سلمة بلفظ: «الاثنين، والخميس، والخميس
الذي يليه».
(2/174)
44 - باب النية في الصيام
263/ 2344 - عن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قال: «مَن لم يُجْمِع الصيامَ قبل الفجر فلا صيام له».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (1).
وقال أبو داود: رواه الليث وإسحاق بن حازم أيضًا، جميعًا عن عبد الله بن أبي بكر
مثله ــ يعني مرفوعًا ــ. ووقفه على حَفْصة: مَعْمَرٌ والزُّبَيدي وابن عُيينة
ويونس الأيْلي، كلهم عن الزهري.
وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر
قولَه (2)، وهو أصح (3).
وقال الدارقطني (4): رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري، وهو من الثقات
الرفعاء.
_________
(1). أبو داود (2454)، والترمذي (730)، والنسائي (2332)، كلهم من طريق يحيى بن
أيوب الغافقي، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن
حفصة مرفوعًا.
وأخرجه ابن ماجه (1700) من طريق إسحاق بن حازم، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن
سالم به.
(2). أخرجه النسائي (2342، 2343) من طريق مالك ــ وهو في «الموطأ» (788) ــ وعبيد
الله العمري، كلاهما عن نافع به.
(3). وهو قول البخاري، نقله عنه الترمذي في «العلل الكبير» (ص 118).
(4). في «السنن» (2216). وأما في «العلل» (3939) فقال: «ورفعه غير ثابت».
(2/175)
وقال الخطابي (1): عبد الله بن أبي بكر بن
عمرو قد أسنده، وزيادات الثقات مقبولة.
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال النسائي (2): الصواب عندنا موقوف، ولم يصح رفعه.
ومدار رفعه على ابن جريج وعبد الله بن أبي بكر. فأما حديث عبد الله بن أبي بكر،
فمِن رواية يحيى بن أيوب عنه. قال النسائي: «ويحيى بن أيوب ليس بالقوي (3)، وحديث
ابن جريج عن الزهري غير محفوظ (4)».
وقال البيهقي (5): عبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه، وهو من الثقات الأثبات.
آخر كلامه.
وقد روي من حديث عمرة عن عائشة، واختلف عليها في وقفه ورفعه، فرواه الدارقطني (6)
عنها مرفوعًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يُبيِّت الصيامَ قبل طلوع
الفجر [ق 142] فلا صيام له».
قال الدارقطني: «تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل ــ يعني ابن
_________
(1). «المعالم» (3/ 333).
(2). في «الكبرى» عقب الحديث (2661).
(3). لكنه لم ينفرد به عن عبد الله بن أبي بكر، بل تابعه إسحاق بن حازم عنه، وهو
ثقة.
(4). وقد قال ابن معين: ابن جريج ليس بشيء في الزهري، كما في «الجرح والتعديل»
لابن أبي حاتم (5/ 356).
(5). «السنن الكبرى» (4/ 202).
(6). برقم (2213).
(2/176)
فضالة ــ بهذا الإسناد، وكلهم ثقات» (1)،
وغيره يرويه موقوفًا على عائشة، قاله عبد الحق (2).
45 - باب في الرخصة فيه
264/ 2345 - عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل عليَّ
قال: «هل عندكم طعام؟» فإذا قلنا: لا، قال: «إني صائم». زاد وكيع: فدخل علينا
يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ، فحبسناه لك، فقال: «أدْنيه»
فأصبح صائمًا، وأفطر.
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي (3). وفي رواية لمسلم (4): «فإني إذًا صائم»، ولفظ
البيهقي (5): «فإني إذًا أصوم».
قال ابن القيم - رحمه الله -: زاد النسائي (6): فأكل وقال: «ولكن أصوم
يومًا
_________
(1). قال ابن عبد الهادي متعقبًا كلامه: «وفي قوله نظر، فإن عبد الله بن عبّاد غير
مشهور، ويحيى بن أيوب ليس بالقوي، وقد اختلف عليه فيه ... قال أبو حاتم بن حبان:
عبد الله بن عباد البصري، شيخ سكن مصر، يقلب الأخبار، روى عن المفضل بن فضالة، عن
يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ... وهذا مقلوب، إنما هو عند
يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري ... ». انظر: «تنقيح التحقيق» (3/
178).
(2). «الأحكام الوسطى» (2/ 214).
(3). أبو داود (2455)، ومسلم (1154/ 169)، والترمذي (734)، والنسائي (2325 -
2328)، من طرق عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة.
(4). (1154/ 170).
(5). «السنن الكبرى» (4/ 203) دون قوله: «فإني».
(6). في «الكبرى» (3286).
(2/177)
مكانه»، ثم قال: هذا خطأ.
قال عبد الحق (1): قد روى الحديث جماعة عن طلحة فلم يذكر أحد منهم: «ولكن أصوم
يومًا مكانه»، وهذه الزيادة هي من رواية سفيان بن عيينة عن طلحة (2).
ولفظ النسائي (3) فيه: عن مجاهد عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يومًا، فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلت: لا. فقال: «فإني صائم». ثم مرّ بي
بعد ذلك اليوم، وقد أهدي لنا حيس فخَبَأْت له منه، وكان يحبّ الحيس، قالت: يا رسول
الله، إنه أهدي لنا حيس، فخبأت لك منه، قال: «أَدْنيه، أما إني قد أصبحتُ وأنا
صائم»، فأكل منه، ثم قال: «إنما مَثَل صوم المتطوّع مثل الرجل يخرج من ماله
الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها».
وفي لفظ للنسائي (4): «يا عائشة إنما منزلة من صام في غير رمضان، أو في غير قضاء
رمضان، أو في التطوع، بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله فجاد
_________
(1). «الأحكام الوسطى» (2/ 228).
(2). لم يكن ابن عيينة يذكرها عامّة دهره، ثم حدّث بها في آخر عمره. انظر: «سنن
البيهقي» (4/ 275).
(3). «المجتبى» (2322) و «الكبرى» (2643)، وإسناده صحيح إلا أن قوله: «إنما مثل
صوم المتطوع ... » إلخ مدرَج من قول مجاهد، كما هو مبيَّن في رواية مسلم (1154/
169).
(4). «المجتبى» (2324) و «الكبرى» (2644)، وفي إسناده شريك بن عبد الله القاضي،
صدوق يخطئ، والظاهر أن الوهم منه حيث جعل قول مجاهد المدرَج مِن صريح لفظ النبي -
صلى الله عليه وسلم -، وقد اختُلف عليه فيه، فقد أخرج ابن ماجه (1701) الحديث من
طريقه فجعل فيه التمثيل من قول عائشة - رضي الله عنها -.
(2/178)
منها بما شاء فأمضاه، وبخل بما بقي فأمسكه».
وفي لفظ له (1) عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: جاء رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يومًا فقال: «هل عندكم من طعام؟» قلت: لا. قال: «إني إذًا أصوم».
قالت: ثم دخل مرة أخرى، فقلت: قد أهدي لنا حَيس، فقال: «إذًا أُفطِر، وقد فرضتُ
الصوم».
وفيه حجة على المسألتين: جواز إنشاء صوم التطوع بنية من النهار، وجواز الخروج منه
بعد الدخول فيه.
وأما زيادة النسائي ــ تمثيله بالصدقة يخرجها الرجل ــ فهذا اللفظ قد رواه مسلم في
«صحيحه» (2) من قول مجاهد، قال طلحة بن يحيى: فحدَّثتُ مجاهدًا بهذا الحديث، فقال:
«ذلك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها».
46 - باب من رأى عليه القضاء
265/ 2347 - عن عائشة قالت: أُهْدِيَ لي ولحفصةَ طعامٌ، وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم
دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلنا له: يا رسول الله، إنا أُهديت لنا
هدية فاشتهيناها فأفطرنا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا عليكما،
صُومَا مَكانَهُ يومًا آخر».
وأخرجه النسائي (3).
_________
(1). «المجتبى» (2330) و «الكبرى» (2651)، وإسناده حسن.
(2). (1154/ 169).
(3). أبو داود (2457)، والنسائي في «الكبرى» (3277) من طريق زُمَيل مولى عروة، عن
عروة، عن عائشة.
(2/179)
وقال البخاري (1): لا نعرف لزُميل سماعًا من
عروة، ولا ليزيد من زُميل، ولا تقوم به الحجة. (2) وقال الخطابي (3): إسناده ضعيف
وزُميل مجهول.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى النسائي (4) حديث الأمر بالقضاء من حديث
جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم
-.
وتابعه الفَرَج بن فضالة عن يحيى (5)، قال الدارقطني (6): وَهِم فيه جرير وفرج،
وخالفهما حماد بن زيد، وعباد بن العوام، ويحيى بن أيوب، فرووه عن يحيى بن سعيد عن
الزهري مرسلًا.
وقد رواه النسائي (7) أيضًا من حديث جعفر بن بُرقان، حدثنا الزهري عن عروة، عن
عائشة به، وقال: «اقضيا يومًا آخر».
_________
(1). «التاريخ الكبير» (3/ 450).
(2). هنا في مطبوعة «المختصر» ومخطوطته: «وأخرجه مسلم». ولا وجه له، ولعله كان
لحقًا في الهامش على حديث آخر، فنُقِل هنا سهوًا.
(3). «معالم السنن» (3/ 335).
(4). في «الكبرى» (3282).
(5). رواه أبو إسحاق المُزكِّي (ت 362) في «المزكّيات» انتقاء وتخريج الدارقطني (ص
131)، والفَرَج ضعيف لاسيما في روايته عن يحيى بن سعيد.
(6). في «العلل» (3818)، وانظر كلامه أيضًا في «المزكيّات» (ص 131 - 133).
(7). في «الكبرى» (3278)، وجعفر بن برقان ضعَّفه الأئمة في روايته عن الزهري. انظر:
«تهذيب الكمال» (1/ 455 - 457).
(2/180)
ومن حديث سفيان (1)، عن الزهري، عن عروة، عن
عائشة به، وفيه: «فأمرها (2) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تصوم يومًا
مكانه» (3).
وذكر النسائي (4) أنه أيضًا من رواية إسماعيل بن عقبة وصالح بن كيسان.
فقد برئ زميل من عهدة التفرد به، وتابعهم أيضًا يحيى بن سعيد عن ابن شهاب.
فهؤلاء: سفيان، وجعفر بن برقان، وصالح بن كيسان، وإسماعيل بن عقبة، ويحيى بن سعيد
(على اختلاف عنه عن ابن شهاب الزهري وصلًا وإرسالًا) = كلهم يذكر الأمر بالقضاء
زيادةً على رواية زميل، وجرير بن حازم وفَرَج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن
عائشة.
فالذي يغلب على الظن أن اللفظة محفوظة في الحديث، وتعليلها بما ذُكر قد تبيّن
ضعفُه. ولكن قد يقال: الأمر بالقضاء أمرُ ندبٍ، لا أمر إيجاب. وبالله التوفيق.
_________
(1). أي: ورواه النسائي في «السنن الكبرى» (3279) من حديث سفيان. وهو سفيان بن
حسين الواسطي، وهو ثقة إلا في حديث الزهري. قال النسائي عقب الحديث (3820):
«وسفيان بن حسين وجعفر بن برقان ليسا بالقويَّين في الزهري».
(2). في الأصل وط. المعارف: «فأمره»، وفي ط. الفقي: «فأمرهما ... يصوما»، والمثبت
من «السنن الكبرى».
(3). هذا لفظ رواية إسماعيل بن عقبة عن الزهري به، وهي الآتي ذِكرها، وأما رواية
سفيان بن حسين فلفظها: «أَبْدلا يومًا مكانَه».
(4). «السنن الكبرى» (3281)، وهو من طريق يحيى بن أيوب الغافقي، عن كلا
المذكورَين، ويحيى في حفظه لين. وقال النسائي عن حديثه هذا: «وهذا أيضًا خطأ».
(2/181)
47 - باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها
266/ 2349 - وعن أبي سعيد ــ وهو الخدري ــ قال: جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله
عليه وسلم - ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صَفْوان بن المعطَّل
السُّلَمي يضربني إذا صليتُ، ويُفطِّرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلُع
الشمس، قال: وصفوانُ عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله، أمَّا قولها:
يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتَين (1)، وقد نهيتُها، قال: فقال: «لو كانت سورة
واحدة لكفت الناسَ». وأمَّا قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجلٌ شاب فلا
أصبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ: «لا تصوم امرأة إلا بإذن
زوجها». وأمَّا قولها: إني لا أصلي حتى تطلُعَ الشمس، فإنَّا أهلُ بيتٍ قد عُرف
لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: «فإذا استيقظت فصلِّ» (2).
قال أبو بكر البزار (3): هذا الحديث كلام منكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وكان صفوان من خيار الصحابة، وإنما أتى نُكرة هذا الحديث أن الأعمش لم يقُل: حدثنا
أبو صالح، فأحتسب أخذه عن غير ثقةٍ وأمسك عن ذكر الرجل، فصار الحديث ظاهرُ
_________
(1). كذا في «المختصر» المطبوع والمخطوط و (هـ). وفي «السنن»: «بسورتي» بحذف
النون، وقد ضُبط بفتح التاء في بعض الأصول الخطية، منها النسخة المقروءة على
المنذري بإسناده إلى اللؤلؤي، ويؤيده لفظ «المختصر» و «مسند أحمد» (11759):
«بسورتين»، فيكون ذلك على نيّة الإضافة: أي سورتَي كذا وكذا من السُور الطوال.
ويحتمل كسر التاء على الإضافة إلى ياء المتكلم، ويؤيده لفظ الطحاوي في «شرح مشكل
الآثار» (2044): «فإنها تقوم بسورتِي التي أقرأ بها فتقرأ بها»، ولينظر توجيهه
ثَم.
(2). «سنن أبي داود» (2459)، وأخرجه أيضًا أحمد (11759)، وابن حبان (1488)،
والحاكم (1/ 436)؛ كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد.
(3). ليس في القدر المطبوع من «المسند».
(2/182)
إسناده حَسَن، وكلامه منكر لما فيه، ورسول
الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمدح هذا الرجل ويذكره بخير. وليس للحديث عندي
أصل (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال غيره (2): ويدل على أن الحديث وهم لا أصل له أن
في حديث الإفك (3) المتفق على صحته (4) قالت عائشة: «وإن الرجل الذي قيل له ما قيل
ليقول: سبحان الله! فوالذي نفسي بيده ما كشفت عن كَنَف أنثى قط! قالت: ثم قتل بعد
ذلك في سبيل الله شهيدًا». وفي هذا نظر، فلعله تزوج بعد ذلك. والله أعلم.
48 – الاعتكاف
267/ 2353 - وعن أُبَيِّ بن كعب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكفُ
العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله، فلم يعتكف عامًا، فلما كان في العام المقبل
اعتكفَ عشرين ليلة.
وأخرجه النسائي وابن ماجه (5).
قال ابن القيم - رحمه الله -: [قيل يحتمل أن يكون اعتكافه في ذلك العام عشرين لما
عارضه جبريل بالقرآن في سنةٍ مرّتين، قال: «إني لا أرى الأجلَ
_________
(1). هذه الفقرة من كلام المنذري في نقله عن البزار أشار إليها المجرّد، وليست في
متن «المختصر» المطبوع، وإنما استدركت في هامشه من «عون المعبود»، وهي ثابتة في
مخطوطة «المختصر» (النسخة البريطانية)، وأيضًا في (هـ)، واللفظ المثبت منه.
(2). انظر: «التاريخ الأوسط» للبخاري (1/ 386)، ففيه إشارة إلى نحو هذا التعليل.
(3). (هـ): «الأول»، تصحيف.
(4). البخاري (4141) ومسلم (2770/ 58).
(5). أبو داود (2463)، والنسائي في «الكبرى» (3330، 3375)، وابن ماجه (1770).
(2/183)
إلا قد اقترب» (1)، فاعتكف في ذلك العام
عشرين يومًا اقتداء بما فعله جبريل من المعارضة ... (2) عند قرب الأجل.
وقد روى ابن ماجه في «سننه» (3) عن أنس بن مالك: «كان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - إذا كان مقيمًا اعتكف العشر الأواخر، وإذا سافر اعتكف من العام المقبل
عشرين»] (4)، وإسناده حسن.
وروى النسائي في «سننه» (5) عن أُبيّ بن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل
اعتكف عشرين. وفي رواية (6): «ليلة».
وهذا أولى من الاحتمال المذكور.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذان العشران المذكورةُ (7) في حديث أبي داود هي العشرَ
الذي كان يعتكفه، والعشرَ الذي تركه من أجل
_________
(1). أخرجه البخاري (6285) من حديث عائشة.
(2) قدر ثلاث كلمات أتى عليها الشريط اللاصق فلم تتضح.
(3). ليس فيه، وإنما أخرجه أحمد (12017)، والترمذي (803) وقال: حسن صحيح غريب،
وابن خزيمة (2226)، وابن حبان (3662)، والحاكم (1/ 439).
(4). ما بين الحاصرتين مثبت من (هـ) وليس في الأصل، وإنما فيه: «قال [أي ابن
القيم] تتمةً لكلام المنذري: أخرجه ابن ماجه وإسناده حسن». أخشى أن يكون وهم
المجرّد فظنّ أن تحسين ابن القيم يتعلّق بحديث الباب الذي قال عنه المنذري:
«وأخرجه النسائي وابن ماجه».
(5). «السنن الكبرى» (3330).
(6). «السنن الكبرى» (3375).
(7). كذا في الأصل، وفي ط. الفقي: «المذكوران».
(2/184)
أزواجه (1)، ثم اعتكف من شوال عشرين ليلة.
وهذا فاسد، فإن الحديث حديث أبي بن كعب، وقد أخبر أنه إنما تركه لسفره. وبالله
التوفيق.
268/ 2354 - وعن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن
يعتكفَ صلى الفجر ثم دخل مُعْتكَفَه، قالت: وإنه أراد مَرَّة أن يعتكف في العشر
الأواخر من رمضان، قالت: فأمرَ بِبنائِه فضُربَ، فلما رأيتُ ذلك أمرتُ ببنائي
فضُرب، قالت: وأمر غيري من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ببنائه (2) فضُرب،
فلما صلّى الفجرَ نظر إلى الأبنية، فقال: ما هذه؟ آلْبِرَّ تُرِدن؟ قالت: فأمر
ببنائه فَقُوِّض، وأمر أزواجُه بأبنيتهن فقوضت، ثم أخَّر الاعتكاف إلى العشر
الأُوَل ــ تعني من شوال ــ (3).
وفي رواية: «عشرين من شوّال» (4).
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (5).
قال ابن القيم - رحمه الله -: [واحتجّ به من يرى أن النوافل لا تلزم بالشروع، وإلا
لما قطعه. واحتج به من يقول بلزومها، قال: لأنه قضاه. ولا يدل على هذا لأنه ليس في
الحديث أنه كان قد دخل معتكفه، وإنما فيه أنه لمّا صلّى
_________
(1). كما سيأتي في الحديث الآتي.
(2). كذا لفظ الحديث، وتذكير الضمير باعتبار لفظ «غير».
(3). «سنن أبي داود» (2464)، وهو في «الصحيحين»، كما سيأتي.
(4). ذكرها أبو داود عقب الحديث وعزاها لمالك، والذي في «الموطأ» (880): «عشرًا من
شوّال».
(5). أبو داود (2464)، والبخاري (2034)، ومسلم (1172)، والترمذي (791)، والنسائي
(709)، وابن ماجه (1771).
(2/185)
الفجر نظر إلى تلك الأبنية. قيل: إنه دخل
معتكفه، فلمّا رآها ترك الدخول في الاعتكاف، لا أنه قطعه بعد الشروع. والله أعلم]
(1).
[ق 143] وقد احتج به من لا يرى الصوم شرطًا في الاعتكاف لدخول يوم العيد في
اعتكافه.
وهذا لا يدل، فإن الحديث رواه البخاري (2) فقال (3): «حتى اعتكف عشرًا من شوال» لم
يذكر غيره.
وفي «صحيح مسلم» (4): «اعتكف في العشر الأول من شوال». وهذا لا يقتضي دخول يوم
العيد فيه، كما يصح أن يقال: «صام في العشر الأول من شوال».
وفي لفظ له (5): «حتى اعتكف في آخر العشر من شوال»، وعدم الدلالة في هذا ظاهر (6).
_________
(1). هذه الفقرة ليست في الأصل، وإنما استدركت من (هـ)، وأخشى أن يكون ظنّها
المجرد من كلام المنذري فلم ينقلها، لأنه قال: «قال ابن القيم بعد كلام المنذري:
وقد احتج ... ». وكلام المنذري في «المختصر» (ق 2/ 187 - النسخة البريطانية) إنما
هو عن قضاء النوافل المعتادة، وليس عن لزومها بالشروع وعدمه، ولكن لعله لمّا كان
في آخره نوع اشبتاه بما ذكره المؤلف هنا، ظن المجرد أن الكلام للمنذري وليس من
زيادات المؤلف.
(2). برقم (2034)، وبنحوه (2033، 2045).
(3). في الأصل: «وقال»، والمثبت من (هـ).
(4). برقم (1172).
(5). الظاهر أن الضمير يرجع إلى مسلم، ولكن هذا اللفظ إنما هو عند البخاري (2041).
(6). في الأصل: «ظاهرة»، والصواب ما أثبت.
(2/186)
وقولها: «اعتكف العشر الأول من شوال»، ليس
بنص في دخول يوم العيد في اعتكافه، بل الظاهر أنه لم يُدخله في اعتكافه، لاشتغاله
فيه بالخروج إلى المصلى، وصلاةِ العيد وخطبته، ورجوعه إلى منزله لفطره. وفي ذلك
ذهاب بعض اليوم، فلا يقوم بقية اليوم مقامَ جميعه.
49 - المعتكف يعود المريض
269/ 2363 - وعنها أنها قالت: «السُّنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد
جنازة، ولا يَمَسَّ امرأة، ولا يُباشرها، ولا يخرج لحاجة إلّا لما لابدَّ منه، ولا
اعتكافَ إلا بصوم، ولا اعتكافَ إلّا في مسجد جامع» (1).
قال أبو داود: غيرُ عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: «قالت: السنَّة».
وأخرجه النسائي (2) من حديث يونس بن يزيد، وليس فيه «قالت: السنة». وأخرجه (3) من
حديث مالك، وليس فيه ذلك.
وعبد الرحمن هذا هو القرشي المديني، يقال له: عَبَّاد. قد أخرج له مسلم في
«صحيحه»، ووثقه يحيى بن معين، وأثنى عليه غيره، وتكلم فيه بعضهم (4).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال الدارقطني (5): يقال: إن قوله «والسنة على
المعتكف» إلى آخره، من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد
_________
(1). أبو داود (2473)، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة
- رضي الله عنها -.
(2). في «الكبرى» (3356).
(3). في «الكبرى» (3357)، وهو في «الموطأ» (867).
(4). انظر: «تهذيب الكمال» (4/ 369).
(5). «السنن» عقب الحديث (2363).
(2/187)
وهم. [وقال البيهقي (1): وقد ذهب كثير من
الحفّاظ إلى أن هذا الكلام مِن قول مَن دون عائشة، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم]
(2) فيه.
قلت: عبد الرحمن هذا قال فيه أبو حاتم: لا يحتج به (3). وقال البخاري: ليس ممن
يعتمد على حفظه (4). وقال الدارقطني: ضعيف يُرمى بالقدر.
وأيضًا فإن الحديث مختصر، وسياقه يدل على أنه ليس مجزومًا برفعه.
وقال الليث: حدثني عقيل عن الزهري [عن عروة] (5) عن عائشة: أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه
من بعده، والسنة في المعتِكف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد منها، ولا يعود
مريضًا، ولا يمَس امرأته ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع، والسنة فيمن
اعتكف أن يصوم (6).
_________
(1). في «السنن الكبرى» (4/ 321).
(2). ما بين الحاصرتين من (هـ)، ولعله سقط من الأصل لانتقال النظر، ثم إن كلام
الدارقطني وقع في الأصل في آخر المبحث، وفي (هـ) وقع في هذا الموضع مع كلام
البيهقي، وهو أنسب، ولعلّه كان في اللحق فلم يهتد المجرّد إلى موضعه فأثبته في
آخره.
(3). كلامه بتمامه: «يكتب حديثه ولا يحتج به». «الجرح والتعديل» (5/ 213).
(4). تتمة كلامه في «تهذيب الكمال»: « ... إذا خالف من ليس بدونه، وإن كان ممن
يُحتمَل في بعضٍ».
(5). لعله سقط من الأصل لانتقال النظر، وهو ثابت في (هـ).
(6). أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (4/ 315 - 316، 320) وفي «معرفة السنن»
(9094)، من طريق الليث به. وهو في البخاري (2026) ومسلم (1172/ 5) من طريق الليث
به، دون قوله: «والسنة في المعتكِف ... » إلخ.
(2/188)
قال الدارقطني (1): قوله: «والسنة في
المعتكف» إلى آخره ليس من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو من قول
الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم.
ولهذا ــ والله أعلم ــ ذكر صاحبا «الصحيح» أوله، وأعرضا عن هذه الزيادة.
وقد رواه سويد بن عبد العزيز، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة
ترفعه: «لا اعتكاف إلا بصيام» (2).
وسويد قال فيه أحمد: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي وغيره: ضعيف
(3). وسفيان بن حسين في الزهري ضعيف.
270/ 2364 - وعن ابن عمر: أن عمر - رضي الله عنه - جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية
ليلةً أو يومًا عند الكعبة، فسأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «اعتكف
وصُمْ».
وأخرجه النسائي (4).
271/ 2365 - وفي رواية لأبي داود (5): قال: فبينما هو معتكف إذ كبَّر
_________
(1). عقب الحديث (2363).
(2). أخرجه الدارقطني (2356)، والحاكم (1/ 440)، والبيهقي (4/ 317).
قال الدارقطني: «تفرد به سويد، عن سفيان بن حسين»، وأشار الحاكم (1/ 439) إلى
ضعفه، وقال البيهقي: «وهذا وهم من سفيان بن حسين أو من سويد بن عبد العزيز، وسويد
بن عبد العزيز الدمشقي ضعيف بمرة لا يقبل منه ما تفرد به».
(3). انظر: «تهذيب الكمال» (3/ 339).
(4). أبو داود (2474)، والنسائي في «الكبرى» (3341). وأخرجه الدارقطني (2360، 2361)،
والحاكم (1/ 439) وأشارا إلى ضعفه.
(5). أبو داود (2475).
(2/189)
الناس، فقال: ما هذا يا عبد الله؟ قال:
سَبْيُ هوازن أعتقهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: وتلك الجاريةُ
فأَرسِلْها معهم.
فيه عبد الله بن بُديل بن وَرْقاء الخزاعي المكي، وهو ضعيف. وقال ابن عدي (1): ولا
أعلم ذُكر في هذا الإسناد ذِكر الصوم مع الاعتكاف، إلا من رواية عبد الله بن بُديل
عن عمرو بن دينار.
وقال الدارقطني (2): تفرد به ابن بُديل عن عمرو، وهو ضعيف الحديث. وقال أيضًا (3):
سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو لم يذكروه
ــ يعني الصوم ــ منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم،
وابن بُديل ضعيف الحديث، تمَّ كلامه.
وقد أخرجاه في «الصحيحين» (4)، وليس فيه ذكر الصوم.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى الدارقطني هذا الحديث في «سننه» (5) عن نافع
عن ابن عمر، أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم
- عن ذلك بعد إسلامه، فقال: «أوف بنذرك». قال: هذا إسناد حسن، تفرد بهذا اللفظ
سعيد بن بشير (6).
_________
(1). في «الكامل» (4/ 214).
(2). عقب الحديث (2360).
(3). عقب الحديث (2361).
(4). البخاري (2032) ومسلم (1656).
(5). برقم (2365). وأخرجه أيضًا البيهقي (4/ 317)، كلاهما من طريق سعيد بن بشير،
عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به.
(6). كذا قال الدارقطني، وقال البيهقي: «ذكر نذر الصوم مع الاعتكاف غريب، تفرد به
سعيد بن بشير». قلتُ: وهو ليس ممن يُحتَمل تفرّده، لاسيما وقد خالف الأئمةَ
الأثبات كشعبة والثوري ويحيى القطان وابن المبارك وغيرهم ممن روى هذا الحديث عن
عبيد الله دون ذكر نذر الصوم، فهي ــ بلا شك ــ زيادة منكرة من سعيد بن بشير.
(2/190)
وروى الدارقطني (1) أيضًا عن عائشة ترفعه:
«لا اعتكاف إلا بصيام». قال: تفرد به سويد بن عبد العزيز، عن سفيان بن حسين، عن
الزهري عن عروة عنها (2). (3)
واختلف أهل العلم في اشتراط الصوم في الاعتكاف، فأوجبه أكثر أهل العلم، منهم عائشة
أم المؤمنين وابن عباس وابن عمر (4). وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد (5) في إحدى
الروايتين عنه (6).
_________
(1). برقم (2356)، وقد سبق قريبًا
(2). «عن عروة عنها» من (هـ).
(3). حديث ابن عمر بروايتيه مع كلام المنذري وتعليق المؤلف عليه إلى هنا= ورد في
(هـ) في هذا الموضع كما أثبتناه، وأخرّه المجرّد إلى آخر المبحث منبّهًا عليه
بقوله: «ثم قال المنذري في أثناء الباب بعد ذكر: (اعتكف وصم) إلى قوله: ليس فيه
ذكر الصوم. قال ابن القيم ... ».
(4). انظر أقوالهم في: «مصنف عبد الرزاق» (8033 - 8037)، وابن أبي شيبة (9711 -
9715)، والبيهقي (4/ 317 - 318). وقد صحّ عن ابن عباس خلافه أيضًا، وسيأتي.
(5). «وأحمد» ساقط من الأصل، واستدرك من (هـ).
(6). انظر: «الموطأ» (877)، و «المدونة» (1/ 225)، و «الأصل» للشيباني (2/ 188)، و
«بدائع الصنائع» (2/ 109)، و «التعليقة الكبيرة» لأبي يعلى (1/ 15).
(2/191)
وذهب الشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عنه
(1) أن الصوم فيه مستحب غير واجب. قال ابن المنذر (2): وهو مروي عن علي وابن
مسعود.
واحتج هؤلاء بما في «الصحيحين» (3) عن عمر أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -،
فقال: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«أَوفِ بنذرك». قالوا: والليل ليس بمحل الصيام، وقد جوّز الاعتكاف فيه.
واحتجوا أيضًا بما رواه الحاكم في «مستدركه» (4) من حديث أبي سهيل عن طاوس عن ابن
عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله
على نفسه»، وقال: صحيح الإسناد.
واحتجوا أيضًا بما رواه مسلم في «صحيحه» (5) عن عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخبائه
فضُرِب ــ أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ــ فأمرت
_________
(1). انظر: «الأم» (3/ 267)، و «مسائل أحمد» برواية الكوسج (1/ 298)، و «الإنصاف»
(7/ 566).
(2). «الإشراف» (3/ 159). وقول علي وابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة (9713)، وفي
سنده لين.
(3). البخاري (2032)، ومسلم (1656).
(4). (1/ 439) ــ وعنه البيهقي (4/ 318) ــ، ورواه أيضًا الدارقطني (2355) وأعله
بالوقف. وقال البيهقي وابن عبد الهادي في «التنقيح» (3/ 368)، و «المحرر»: الصحيح
أنه موقوف على ابن عباس، ورفعه وهم.
(5). رقم (1172).
(2/192)
زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرُها من أزواج
النبي - صلى الله عليه وسلم - بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - الفجر نظر فإذا الأخبية، فقال: «آلبرَّ تُرِدْن؟» فأمر بخبائه فقوِّض، وترك
الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في (1) العشر الأول من شوال»، ويوم العيد داخل
في جملة العشر، وليس محلًّا للصوم.
واحتجوا أيضًا بأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها، فلم يكن الصوم شرطًا فيها كسائر
العبادات من الحج والصلاة والجهاد والرباط؛ وبأنه لزوم مكان معيَّن لطاعة الله
تعالى، فلم يكن الصوم شرطًا فيه كالرباط؛ وبأنه قربة بنفسه، فلا يشترط فيه الصوم
كالحج.
قال الموجبون: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: ذكر ضعف أدلتكم، والثاني: ذكر
الأدلة على اشتراط الصوم.
فأما المقام الأول، فنقول: لا دلالة في شيء مما ذكرتم. أما حديث ابن عمر عن أبيه
فقد اتُّفِق على صحته، لكن اختُلِف في لفظه كثيرًا، فرواه مسدد وزهير ويعقوب
الدَّورَقي (2)
عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فقالوا: «ليلة». وكذلك
رواه ابن المبارك وسليمان بن
_________
(1). «في» ساقط من الأصل، واستدرك من (هـ).
(2). رواية مسدد عند البخاري (2032)، ورواية زُهَير عند مسلم (1656/ 27)، ورواية
يعقوب عند النسائي في «الكبرى» (3336).
وتابع هؤلاء عن يحيى القطان بذكر «ليلة»: أحمد بن حنبل في «المسند» (4705)، وإسحاق
بن منصور عند الترمذي (1539)، ومحمد بن بشار عند ابن خزيمة (2239).
(2/193)
بلال (1) عن عبيد الله. وهكذا رواه إسحاق بن
راهويه (2) عن حفص بن غياث عن عبيد الله.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة (3) عن حفص بن غياث فأبهم النذر، فقال: إني نذرت أن
أعتكف عند المسجد الحرام؟ فقال: «أوف بنذرك». وكذلك رواه أبو أسامة [ق 144] عن
عبيد الله مُبهمًا (4).
ورواه شعبة (5) عن عبيد الله بن عمر فقال: «إني نذرت أن أعتكف يومًا».
وكذلك اختُلف فيه على أيوب السَّخْتياني، فرواه حماد بن زيد عنه عن نافع قال:
«ذُكِر عند ابن عمر عمرةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجِعْرانة، فقال:
لم يعتمر منها، وكان على عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل رسول الله
_________
(1). روايتهما عند البخاري (6697، 2042) تباعًا. وتابعهما عن عبيد الله بذكر
«ليلة»: أبو أسامة وعبد الوهاب الثقفي عند مسلم (1656/ 27)، وعَبْدة بن سليمان عند
ابن حبان (4379)، والثوري وعبد الله بن نُمَير عند البزار (140، 143)، ومحمد بن
فُلَيح بن سليمان عند الدارقطني (2354).
(2). كما عند النسائي في «الكبرى» (3335). وأما مسلم (1656/ 27) فأسنده من طريق
ابن أبي شيبة ومحمد بن العلاء وابن راهويه، جميعًا عن حفص به، ثم ذكر أنه ليس فيه
ذكر يوم ولا ليلة.
(3). كما عند مسلم (1656/ 27) وابن ماجه (2129) وعبد بن حميد (40 - المنتخب)، ولم
يسُق مسلم لفظَه وإنما قال: «ليس في حديث حفص ذكر يومٍ ولا ليلة». ولفظه عند ابن
ماجه وعبد بن حميد: «نذرتُ نذرًا في الجاهلية».
(4). كلّا، بل مقيّدًا بـ «ليلة»؛ هكذا عند البخاري (2043) ومسلم (1656/ 27).
(5). أخرجه عنه أحمد (5539) ومسلم (1656/ 27) والنسائي (3822).
(2/194)
- صلى الله عليه وسلم -، فأمره أن يفي به،
فدخل المسجد تلك الليلة، فلما أصبح إذا السَّبْي يَسْعَون ويقولون: أعتقَنا رسولُ
الله - صلى الله عليه وسلم -» متفق عليه (1).
وكذلك رواه ابن عيينة عن أيوب (2). وخالفهما معمر وجرير فقالا: «يومًا»، وكلاهما
في «الصحيحين» (3) بهذين اللفظين.
قال النفاة: يجوز أن يكون عمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اعتكاف ليلة
وحدها فأمره به، وسأله مرة أخرى عن اعتكاف يوم فأمره به.
قال الموجبون: هذا مما لا يَشكُّ عالم في بطلانه، فإن القصة واحدة، وعمر سأل النبي
- صلى الله عليه وسلم - عام الفتح سؤالًا واحدًا.
وهذه الطريقة يسلكها كثير ممن لا تحقيق عنده، وهي احتمال التكرار في كل حديث
اختلفت ألفاظه بحسب اختلافها، وهو مما يُقطع ببطلانه في أكثر المواضع؛ كالقَطْع
ببطلان التعدد في اشتراء البعير من جابر مرارًا في أسفار (4)؛
_________
(1). أخرجه البخاري (3144) بلفظ: «اعتكاف يوم» من طريق أبي النعمان «عارم» عن حماد
به. وأخرجه مسلم (1656/ 28) بلفظ: «اعتكاف ليلة» من طريق أحمد بن عبدة الضبّي عن
حماد به.
(2). أخرجه الحميدي (708)، والنسائي (3821)، وابن خزيمة (2229).
(3). أخرجه مسلم (1656/ 28) عنهما بذكر «اليوم». وأما البخاري فأخرجه معلقًا
(3144) من طريق جرير، ومعلّقًا وموصولًا (3144، 4320) من طريق معمر، كلّها دون ذكر
يومٍ ولا ليلة.
(4). يشير المؤلف إلى ما وقع في روايات حديث جابر من الاختلاف في الثمن الذي اشترى
به النبي - صلى الله عليه وسلم - جَمَلَه، فروي: «بأوقية»، و «بأربعة دنانير»، و
«بوُقِيَّتَين ودرهم»، و «بمائتَي درهم»، وغير ذلك. انظر «صحيح البخاري» (2097،
2309، 2718) ومسلم (715).
(2/195)
والقطع ببطلان التعدد في إنكاح (1) الواهبة
نفسَها، بلفظ الإنكاح مرة، والتزويج مرة، والإملاك مرة (2)؛ والقطع ببطلان الإسراء
مرارًا (3)، كل مرة تُفرض عليه خمسون صلاة، ثم يرجع إلى موسى فيرده إلى ربه، حتى
تصير خمسًا، فيقول تعالى: «لا يبدل القول لدي، هي خمس، وهي خمسون في الأجر»، ثم
يفرضها في الإسراء الثاني خمسين، فهذا مما يُجزم ببطلانه.
ونظائره كثيرة، كقول بعضهم في حديث عمران بن حصين: «كان الله ولا شيء قبله» (4)، و
«كان ولا شيء غيره» (5)، و «كان ولا شيء معه» (6): إنه
_________
(1). في الأصل: «نكاح»، والمثبت من (هـ).
(2). أخرجه بلفظ الإنكاح البخاري (5149)، وبلفظ التزويج البخاري (5029) ومسلم
(1425/ 77)، وبلفظ الإملاك البخاري (5030) ومسلم (1425/ 76).
(3). يشير المؤلف إلى ما وقع في بعض روايات حديث الإسراء من الاختلاف مما جعل بعض
العلماء يقول بتعدد المعاريج. انظر «صحيح البخاري» (349، 3207، 7517)، و «صحيح
مسلم» (162/ 259، 262)، و «فتح الباري» (7/ 197).
(4). أخرجه البخاري (7418). ورجّح شيخ الإسلام هذا اللفظ على الآخَرَين، وأيّده
بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة: «اللهم أنت الأول فليس قبلك
شيء». انظر: «شرح حديث عمران» (18/ 216 - مجموع الفتاوى).
(5). أخرجه البخاري (3191).
(6). هذا اللفظ عزاه شيخ الإسلام في «فتاواه» (6/ 551) وابن حجر في «الفتح» (6/
289) إلى غير البخاري، ولم أجده في شيء من الكتب المسندة، وإنما ذكره المتكلمون في
كتبهم كالرازي في «تأسيس التقديس» (ص 46) محتجين به على نفي العلو والاستواء، وذكر
شيخ الإسلام في «الصفدية» (2/ 223) أن بعض المتجهّمة يزيدون فيه: «وهو الآن على ما
عليه كان» وهي زيادة مختلَقة لم تُروَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قط، لا
بإسناد صحيح ولا ضعيف.
(2/196)
يجوز أن تكون وقائع متعددة. وهذا القائل لو
تأمل سياق الحديث لاستحيا من هذا القول، فإن سياقه: أنه أناخ راحلته بباب المسجد،
ثم تفلَّتت فذهب يطلبها، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، فقال
بعد ذلك: «وايم الله! وددت لو أني قعدت وتركتُها»، فيا سبحان الله! أفي كل مرة من
المرار يتفق له هذا؟! وبالجملة، فهذه طريقة من لا تحقيق له.
وإذا كان عمر إنما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة واحدة، فإن كان «يومًا»
فلا دلالة فيه، وإن كان «ليلةً»، فالليالي قد تطلق ويراد بها الأيام استعمالًا
فاشيًا في اللغة لا ينكر، كيف وقد روى سعيد بن بشير عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم
-، فقال: «أوف بنذرك» (1).
وسعيد بن بشير هذا، وإن كان قد ضعفه ابن المديني ويحيى بن معين والنسائي، فقد قال
فيه شعبة: كان صدوق اللسان، وقال سفيان بن عيينة: كان حافظًا، وقال دُحَيم: هو
ثقة، وقال: كان مشيختنا يوثقونه، وقال البخاري: يتكلمون في حفظه وهو يُحْتَمَل،
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء وقال:
محله الصدق، وقال ابن عدي: الغالب على حديثه الاستقامة (2).
وقد روى عبد الله بن بُديَل (3)، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن
_________
(1). أخرجه الدارقطني (2365)، والبيهقي (4/ 317)، وقد سبق الكلام عليه.
(2). انظر للأقوال السابقة وغيرها: «الجرح والتعديل» (4/ 6)، و «ميزان الاعتدال»
(2/ 128)، و «تهذيب الكمال» (3/ 139).
(3). في الأصل وط. الفقي: «يزيد» تحريف، وسيأتي على الصواب قريبًا.
(2/197)
عمر هذا الحديث وفيه: «فأمره النبي - صلى
الله عليه وسلم - أن يعتكف ويصوم» (1). ولكن تفرّد به ابن بُدَيل، وضعَّفه الدارقطني.
وقال ابن عدي (2): له أحاديث مما ينكر عليه الزيادة في متنه أو إسناده.
وقال أبو بكر النيسابوري (3): هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار
لم يذكروه، منهم: ابن جريج وابن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وابنُ بُدَيل
ضعيف الحديث.
فهذا مما لا حاجة بنا إلى الاستدلال به. وحديث سعيد بن بشير أجود منه.
وأما حديث ابن عباس الذي رواه الحاكم (4)، فله علتان:
إحداهما: أنه من رواية عبدالله بن محمد الرَّمْلي، وليس بالحافظ (5) حتى يُقبَل
منه تفرده بمثل هذا.
العلة الثانية: أن الحُمَيدي وعمرو بن زُرارة روياه عن الدَّراوَرْدي عن أبى سهيل
عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا عليه (6)، وهذا هو الصواب،
_________
(1). سبق الحديث والكلام عليه.
(2). «الكامل» (4/ 213 - 214) وذكر زيادته هذه التي تفرد بها في مناكيره.
(3). نقله عنه الدارقطني عقب الحديث (2361)، وقد سبق.
(4). وهو: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه»، وقد سبق.
(5). لعله يقصد: ليس بذاك الحافظ نسبةً إلى غيره ــ كالحميدي ــ ممن روى الحديث
فوقفه، وإلا فقد وصفه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (32/ 371) والذهبي في «تاريخ
الإسلام» (7/ 184) بـ «الحافظ».
(6). رواية الحميدي أخرجها الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (10/ 350) و «أحكام
القرآن» (1072)، وابن حزم في «المحلّى» (5/ 181).
ورواية عمرو بن زرارة أخرجها البيهقي (4/ 319).
(2/198)
وهو الثابت عن ابن عباس.
وأما حديث عائشة وقصة اعتكاف النبي - صلى الله عليه وسلم - العشر الأول من شوال،
فهذا قد اختلف فيه لفظ «الصحيح». وفيه ثلاثة ألفاظ:
أحدها: «عشرًا من شوال» (1).
والثاني: «في العشر الأول من شوال» (2).
والثالث: «العشر الأول» (3).
ولا ريب أن هذا ليس بصريح في اعتكاف يوم العيد ولو كان الثابت قوله: «العشر الأول
من شوال»، لأنه يصح أن يقال: اعتكف العشر الأول، وإن كان قد أخلَّ بيوم منه، كما
يقال: قام ليالي العشر الأخير، وإن كان أخل بالقيام في جزء من الليل، ويقال: قام
ليلة القدر، وإن أخل بقيامه في بعضها.
وأما الأقيسة التي ذكرتموها، [ق 145] فمعارَضةٌ بأمثالها، أو بما هو من جنسها، فلا
حاجة إلى التطويل بذكرها.
وأما المقام الثاني: وهو الاستدلال على اشتراط الصوم فأمور:
أحدها: أنه لم تُعرف مشروعية الاعتكاف إلا بصوم، ولم يثبت عن النبي
_________
(1). البخاري (2033، 2034، 2045).
(2). مسلم (1172).
(3). لم أجد هذا اللفظ في «الصحيح»، وإنما هو عند أبي داود (2464). وهناك لفظ
رابع، وهو: «في آخر العشر من شوال». أخرجه البخاري (2041).
(2/199)
- صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه
أنهم اعتكفوا بغير صوم، ولو كان هذا معروفًا عندهم لكانت شهرته تغني عن تكلفكم
الاستدلال باعتكافه - صلى الله عليه وسلم - العشر الأول من شوال.
الثاني: حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في الباب، وقولها: «السنة كذا ... ولا
اعتكاف إلا بصوم».
قال النفاة: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن راويه عبد الرحمن بن إسحاق قال فيه أبو حاتم: لا يحتج به، وقال البخاري:
ليس ممن يعتمد على حفظه، وقال الدارقطني: ضعيف (1) يرمى بالقدر.
الثاني: أن هذا الكلام من قول الزهري، لا من قول عائشة، كما ذكره أبو داود وغيره،
قال الليث عن عُقَيل عن الزهري عن عروة عن عائشة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم
- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده،
فالسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا للحاجة التى لا بد منها، ولا يعودَ مريضًا، ولا
يمَسَّ امرأته ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا فى مسجدِ جماعةٍ، والسنة فيمن اعتكف أن