النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
وللدارقطني (564)، و «السنن الكبرى» للبيهقي (4/ 244).
(3). حكي عن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة أنهم رأوا أن الصوم في السفر لا يجزئ،
وأمروا الصائم فيه بالقضاء. أخرج آثارهم ابن أبي شيبة (9088 - 9091)، والطبري في
«تفسيره» (3/ 206 - 207)، وفي أسانيدها ضعف.
(2/97)
السفر على الإطلاق، وقد أخبر أبو سعيد أنه
صام مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الفتح [ق 128] في السفر (1).
قالوا: وأما قوله: «ليس من البر الصيام في السفر»، فهذا خرج على شخص معين، رآه
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ظُلِّل عليه وجهده الصوم، فقال هذا القول، أي
ليس البر أن يَجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ فيها (2) هذا المبلغ، وقد فسح الله له في
الفطر. فالأخذ بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته، فليس من البر هذا
النوع من الصيام المشار إليه في السفر.
وأيضًا فقوله: «ليس من البر» أي ليس هو أبر البر، لأنه قد يكون الإفطار أبرَّ منه
إذا كان في حج أو جهاد يتقوَّى عليه. وقد يكون الفطر في السفر المباح برًّا، لأن
الله تعالى أباحه ورخص فيه، وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برُخَصه، وما يحبه الله فهو
بر، فلم ينحصر البر في الصيام في السفر.
وتكون «مِن» على هذا زائدةً، ويكون كقوله تعالى {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا
وُجُوهَكُمْ} الآية [البقرة: 177]، وكقولك: ما جاءني من أحد. وفي هذا نظر، وأحسن
منه أن يقال: إنها ليست بزائدة، بل هي على بابها. والمعنى: أن الصوم في السفر ليس
من البر الذي تظنونه وتنافسون عليه؛ فإنهم ظنّوا أن الصوم هو الذي يحبه الله ولا
يحب سواه، وأنه وحدَه البر الذي لا أبرَّ منه، فأخبرهم أن الصوم في السفر ليس من
هذا النوع الذي تظنونه، فإنه قد يكون الفطر أحبَّ إلى الله منه، فيكون هو البر.
قالوا: وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
فالمراد به
_________
(1). رواه مسلم (1120).
(2). كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بها» كما في ط. الفقي.
(2/98)
واقعة معيَّنة، وهي غزاة الفتح، فإنه صام حتى
بلغ الكديد، ثم أفطر، فكان فطره آخر أمريه، لا أنه حرَّم الصوم. ونظير هذا قول
جابر: «كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مسّت
النار» (1)، إنما هو في واقعة معينة دعي لطعامٍ فأكل منه، ثم توضأ وقام إلى
الصلاة، ثم أكل منه وصلَّى ولم يتوضأ (2)، فكان آخر الأمرين منه: ترك الوضوء مما
مست النار. وجابر هو الذي روى هذا وهذا، فاختصره بعض الرواة، واقتصر منه على آخره،
ولم يذكر جابر لفظًا من النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن هذا آخر الأمرين مني.
وكذلك قصة الصيام، وإنما حكوا ما شاهدوه أنه فعل هذا وهذا، وآخرهما منه الفطر وترك
الوضوء. وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها.
وأما قصة دحية بن خليفة الكلبي، فإنما أنكر فيها على من صام رغبةً عن سنة النبي -
صلى الله عليه وسلم - وظنًّا أنه لا يسوغ الفطر، ولا ريب أن مثل هذا قد ارتكب
منكرًا، وهو عاصٍ بصومه.
والذين أمروهم (3) الصحابة بالقضاء وأخبروا أن صومهم لا يُجزئهم
_________
(1). أخرجه أبو داود (192)، والنسائي (185) وابن خزيمة (43)، وابن حبان (1134)، من
طريق شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر، عن جابر. وشعيب تفردّ به بهذا اللفظ دون
الرواة الآخرين عن ابن المنكدر. قال أبو داود وابن حبان: إن شعيبًا اختصره من حديث
طويل. وانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (168).
(2). هكذا رواها ابن عيينة، وابن جريج، ومعمر، وأيوب، ورَوح بن القاسم، جرير بن
حازم؛ ستّتهم عن ابن المنكدر عن جابر. أخرج رواياتهم أحمد (14299، 14453)، وأبو
داود (191)، والترمذي (80)، وابن حبان (1130، 1132، 1137، 1139، 1145).
(3). كذا في الأصل. وفي «الطبعتين»: «أمرهم».
(2/99)
هم هؤلاء، فإنهم صاموا صومًا لم يشرعه الله،
وهو أنهم ظنوا أنه حَتْم عليهم كالمقيم، ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله، فلم يمتثلوا
ما أمروا به من الصوم، فأمرهم الصحابة بالقضاء. هذا أحسن ما حُمِل عليه قول من
أفتى بذلك من الصحابة، وعليه يحمل قول من قال منهم: «الصائم في السفر كالمفطر في
الحضر». وهذا من كمال فقههم، ودقة نظرهم - رضي الله عنهم -.
قالوا: وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم
فاقبلوها»، فهذا يدل على أن قبول المكلف لرخصة الله واجب، وهذا حق، فإنه متى لم
يَقبل الرخصة ردّها ولم يرَها رخصة، وهذا عدوان منه ومعصية، ولكن إذا قبلها، فإن
شاء أخذ بها، وإن شاء أخذ بالعزيمة. هذا مع أن سياق الحديث يدل على أن الأمر
بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه، ومثل هذا يؤمر بالفطر. فعن جابر أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - مر برجل في ظل شجرة يُرَشُّ عليه الماء، قال: «ما بال
صاحبكم هذا؟» قالوا: يا رسول الله صائم. قال: «إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر
وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها» رواه النسائي (1).
قالوا: وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أولئك العصاة» فذاك في واقعة
معيَّنة، أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم فقال هذا. ففي النسائي (2) عن جعفر بن محمد
عن أبيه عن جابر قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة عام الفتح في
رمضان فصام حتى بلغ كُراع الغَمِيم، فصام الناس معه، فبلغه أن الناس شقَّ عليهم
الصيام، فدعا بقَدَح من ماءٍ بعد العصر فشرب، والناس ينظرون، فأفطر بعض
_________
(1). برقم (2258)، وقد سبق.
(2). برقم (2263)، وقد سبق أيضًا.
(2/100)
الناس وصام بعض، فبلغه أن ناسًا صاموا فقال:
«أولئك العصاة».
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أفطر بعد العصر ليقتدوا به، فلمّا لم يقتدِ به
بعضهم قال: «أولئك العصاة» ولم يُرِد بذلك تحريم الصيام مطلقًا على المسافر.
والدليل عليه ما روى النسائي (1) أيضًا عن أبي هريرة قال: أُتي النبي - صلى الله
عليه وسلم -[بطعام] (2) بمَرِّ الظَّهْران، فقال لأبي بكر وعمر: «أَدْنِيا (3)،
فكلا»، فقالا: إنا صائمان، فقال: «ارْحَلُوا لصاحبَيكم (4)،اعملوا لصاحبَيكم!»،
وأعله بالإرسال. ومر الظهران أدنى إلى مكة من كُراع الغميم، فإن كراع الغميم بين
يدي عُسفان بنحو ثمانية أميال، وبين عسفان ومكة (5) ستة وثلاثون ميلًا.
قالوا: وأما احتجاجكم بالآية، وأن الله أمر المسافر بالعدّة، فهي فرضه الذي لا
يجوز غيره= فاستدلال باطل قطعًا، فإن الذي أنزلت عليه هذه الآية، وهو أعلم الخلق
بمعناها والمراد منها، قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر، ومحال أن يكون المراد
منها ما ذكرتم، ولا يعتقده مسلم، فعلم أن المراد بها
_________
(1). «المجتبى» (2264)، و «الكبرى» (2584) وقال فيه: «هذا خطأ، لا نعلم أحدًا تابع
أبا داود [الحَفَري] على هذه الرواية، والصواب مُرسل». ثم أخرجه (2585 - 2587) من
عدّة طرق مرسلًا. ومع ذلك فالموصول صححه ابن خزيمة (2031)، وابن حبان (3557)،
والحاكم (1/ 433).
(2). ساقط من الأصل.
(3). كذا في الأصل و «المجتبى» من «الإدناء» بهمزة التعدية، أي قرِّبا أنفسكما.
وفي «الكبرى» وبقية المصادر: «ادْنُوَا»، وهو واضح.
(4). في الأصل هنا والموضع الآتي: «لصاحبكم»، والتصحيح من مصادر التخريج.
(5). في الطبعتين: «مكة وعسفان»، وهكذا كتبه ناسخ الأصل أولًا، ثم وضع عليهما
علامة التقديم والتأخير، فلم ينتبه لها محققو الطبعتين.
(2/101)
غير [ق 129] ما ذكرتم.
فإما أن يكون المعنى: فأفطَرَ فعدة من أيام أخر، كما قال الأكثرون؛ أو يكون
المعنى: فعدة من أيام أخر تجزئ عنه وتُقبَل منه، ونحو ذلك. فما الذي أوجب تعيين
التقدير بأنَّ عليه عدة من أيام أخر، أو ففَرْضُه، ونحو ذلك؟
وبالجملة فَفِعْل من أنزلت عليه يفسِّرها ويبيّن (1) المراد منها، وبالله التوفيق.
وهذا موضع يَغْلَط فيه كثير من قاصري العلم، يحتجّون بعموم نص على حكم، ويغفُلون
عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده، ومن تدبر هذا علم به مراد
النصوص وفهم معانيها.
وكان يدور بيني وبين المكيين كلام في الاعتمار من مكة في رمضان وغيره، فأقول لهم:
كثرة الطواف أفضل منها، فيذكرون قوله - صلى الله عليه وسلم -: «عمرة في رمضان تعدل
حجة» (2)،
فقلت لهم في أثناء ذلك: محال أن يكون مراد صاحب الشرع العمرة التي يُخرَج لها (3)
من مكة إلى أدنى الحل، وأنها تعدل حجة، ثم لا يفعلها هو مدة مقامه بمكة أصلًا، لا
قبل الفتح ولا بعده، ولا أحد من أصحابه، مع أنهم أحرص الأمة على الخير، وأعلمهم
بمراد
_________
(1). ط. الفقي: «تفسيرها وتبيين»، تصحيف.
(2). رواه البخاري (1782) ومسلم (1256) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.
ورواه أحمد (17839)، وأبو داود (1988، 1989)، والترمذي (939) من حديث أم معقل -
رضي الله عنها -، وهي صاحبة القصة التي قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك.
(3). في الأصل والطبعتين: «إليها»، ولعل الصواب ما أثبت.
(2/102)
الرسول، وأقدرهم على العمل به. ثم مع ذلك
يرغبون عن هذا العمل اليسير والأجر العظيم؟ يقدر أن يحج أحدهم في رمضان ثلاثين حجة
أو أكثر، ثم لا يأتي منها بحجة واحدة، وتختصون أنتم عنهم بهذا الفضل والثواب، حتى
يحصل لأحدكم ستون حجة أو أكثر؟! هذا مما لا يظنّه من له مُسْكة عقل. وإنما خرج
كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على العمرة المعتادة التي فعلها هو وأصحابه،
وهي التي أنشؤوا لها السفر من أوطانهم، وبها أمر أُمَّ معقل، وقال لها: «عمرة في
رمضان تعدل حجة»، ولم يقل لأهل مكة: اخرجوا إلى أدنى الحلّ فأكثروا من الاعتمار،
فإن عمرة في رمضان تعدل حجة، ولا فهم هذا أحد منهم. وبالله التوفيق.
27 - باب فيمن اختار الصيام
240/ 2302 - عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - في بعض غزواته في حَرٍّ شديد، حتى إنَّ أحدنا ليضَعُ يده على رأسه ــ
أو كَفَّهُ على رأسه ــ من شدَّة الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وعبد الله بن رواحة».
وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه (1).
241/ 2303 - وعن سِنان بن سلَمة بن المحبَّق الهُذَلي عن أبيه، قال: قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كانت له حَمُولةٌ يأوِي إلى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ
رمضانَ حيث أدركه» (2).
في إسناده عبد الصمد بن حبيب الأزدي العَوذي البصري. قال ابن معين:
_________
(1). أبو داود (2409)، والبخاري (1945)، ومسلم (1122)، وابن ماجه (1663).
(2). أبو داود (2410)، والحديث ضعفه البخاري والعقيلي وابن عبد الهادي في آخرين.
انظر: «الضعيفة» للألباني (981).
(2/103)
ليس به بأس. وقال أبو حاتم الرازي: يُكتب
حديثه وليس بالمتروك، وقال: يُحَوَّل من كتاب الضعفاء (1).
وقال البخاري (2): ليِّن الحديث ضعَّفه أحمد. وقال البخاري أيضًا (3): عبد الصمد
بن حبيب منكر الحديث، ذاهب الحديث. ولم يَعُدَّ البخاري هذا الحديث شيئًا. وقال أبو
حاتم الرازي: ليِّن الحديث، ضعَّفه أحمد بن حنبل. وذكر له أبو جعفر العُقَيلي هذا
الحديث (4)، وقال: لا يتابَع عليه، ولا يُعرَف إلا به.
قال ابن القيم - رحمه الله -: واختلف أهل العلم في الأفضل من الصوم والفطر؛ فذهب
عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والأوزاعي،
وإسحاق، وأحمد إلى أن الفطر أفضل (5).
وذهب أنس وعثمان بن أبي العاص إلى أن الصوم أفضل (6). وهو قول الشافعي وأبي حنيفة
ومالك (7).
وذهب عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة إلى أن أفضل الأمرين
_________
(1). انظر «الجرح والتعديل» (6/ 51).
(2). في «التاريخ الكبير» (6/ 106).
(3). كما في «السنن الكبرى» للبيهقي (4/ 245).
(4). في «الضعفاء» (4/ 7).
(5). أثر ابن عمر وابن المسيب أخرجه عبد الرزاق (4475، 4476، 4480)، وأثر ابن عباس
والشعبي أخرجه ابن أبي شيبة (9056، 9059، 9065). وانظر: «الإشراف» (3/ 143)، و
«المغني» (4/ 407 - 408)، و «مسائل أحمد وإسحاق» للكوسج (1/ 287).
(6). أخرجه ابن أبي شيبة (9067، 9074، 9076)، والبيهقي (4/ 245).
(7). انظر: «الأم» (3/ 258)، و «المدونة» (1/ 201)، و «الأصل» للشيباني (2/ 167).
(2/104)
أيسرهما، لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] (1).
وذهبت طائفة إلى أنهما سواء، لا يُرجَّح أحدهما على الآخر.
وذهبت طائفة إلى تحريم الصوم في السفر، وأنه لا يجزئ.
وقد علمتَ أدلة كل فريق مما تقدم.
28 - باب متى يفطر المسافر إذا خرج؟
242/ 2304 - عن عبيد بن جَبْر قال: كنت مع أبي بَصْرة الغِفاري صاحب النبي - صلى
الله عليه وسلم - في سفينة من الفُسطاط في رمضان، فرُفِع، ثم قَرَّب غَداءَه ــ
قال جعفر (وهو ابن مُسافر) في حديثه: فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسُّفْرة ــ،
قال: اقترب، قلت: ألستَ ترى البيوت؟ قال أبو بَصْرة: أترغبُ عن سنة رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -؟ قال جعفر في حديثه: فأكل (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى الترمذي (3) عن محة
مد بن كعب
قال:
_________
(1). قال ابن المنذر في «الإشراف» (3/ 143): «وبه نقول ... روِّينا هذا القول عن
عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة». قلتُ: أثر عمر بن عبد العزيز ومجاهد أخرجه
عبد الرزاق (4489، 4499)، ولم أجد أثر قتادة.
وقد صحَّ هذا القول عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضًا. أخرجه عبد الرزاق
(4492) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 67).
(2). «سنن أبي داود» (2412). وإسناده لا بأس به في الشواهد، وانظر: «صحيح سنن أبي
داود - الأم» للألباني (7/ 173).
(3). برقم (799، 800). وأخرجه أيضًا الدارقطني (2291)، والبيهقي (4/ 247)، والضياء
في «المختارة» (7/ 172). وانظر: «رسالة «تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره بعد
الفجر» للألباني.
(2/105)
أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا،
وقد رُحِلَت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل. فقلت له: سنة؟ فقال:
«سنة»، ثم ركب. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وفيه حجة لمن جوز للمسافر الفطر في يومٍ سافر في أثنائه. وهو إحدى الروايتين عن
الإمام أحمد (1)، وقول عمرو بن شرحبيل والشعبي (2) وإسحاق، وحكاه عن أنس (3). وهو
قول داود وابن المنذر (4).
وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا يفطر (5). وهو قول الزهري والأوزاعي ومكحول
(6).
وفي المسألة قول شاذ جدًّا لا يلتفت إليه، وهو أنه إن دخل عليه الشهر وهو مقيم، ثم
سافر في أثنائه، لم يجز له الفطر، ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان مسافرًا. وهذا قول
عَبِيدة السَّلْماني وأبي مِجْلَز (7) وسُوَيد بن غَفَلة (8).
_________
(1). انظر «مسائل أحمد» برواية أبي داود (ص 136)، وبرواية الكوسج (1/ 289، 318)، و
«المغني» (4/ 346).
(2). أخرجه عنهما عبد الرزاق (4507، 4504).
(3). انظر: «مسائل إسحاق» برواية الكوسج (1/ 289).
(4). انظر: «المغني» (4/ 346)، و «الإشراف» (3/ 144).
(5). انظر: «المدونة» (1/ 201)، و «النوادر والزيادات» (2/ 24)، و «الأم» (3/
256)، و «الأصل» للشيباني (2/ 151).
(6). انظر: «الإشراف» (3/ 144)، و «المغني» (4/ 347).
(7). أخرجه عنهما ابن أبي شيبة (9092، 9093).
(8). في الأصل: «علقمة» تحريف. انظر: «الإشراف» (3/ 145)، و «المغني» (4/ 346).
(2/106)
وقد صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
خرج إلى الفتح في رمضان فصام وأفطر (1).
29 - باب مسيرة ما يفطر فيه
243/ 2305 - عن منصور الكلبي، أن دِحْيَة بن خليفة خرج من قرية [من] دمشق مرَّة
إلى قدر قرية عُقْبةَ من الفسطاط ــ وذلك ثلاثة أميال ــ في رمضان، ثم إنه أفطر
وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: «والله لقد رأيت
اليوم أمرًا ما كنت أظنُّ أنِّي أراه، إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وأصحابه»، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك»
(2).
قال الخطابي (3): وليس الحديث بالقوي، وفي إسناده رجل ليس بالمشهور. وهو يشير إلى
منصور الكلبي، فإن رجال الإسناد جميعهم ثقات محتجّ بهم في الصحيح سواه. وهو مصري،
روى عنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليَزَني. ولم أجد من روى عنه سواه، فيكون
مجهولًا، كما ذكره الخطابي. ولم يَزِدْ فيه البخاري (4) على: «منصور الكلبي». وقال
ابن يونس في «تاريخ المصريين» (5): منصور بن سعيد بن الأصبغ الكلبي.
وقال البيهقي (6): والذي رُوينا عن دحية الكلبي ــ إن صح ذلك ــ فكأنه ذهب فيه إلى
ظاهر الآية في الرخصة في السفر، وأراد بقوله: «رغبوا عن هدي رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وأصحابه» في قبول الرخصة، لا في تقدير السفر الذي أفطر فيه. والله
أعلم.
_________
(1). سبق تخريجه.
(2). «سنن أبي داود» (2413).
(3). «معالم السنن» (3/ 292 - 293).
(4). «التاريخ الكبير» (7/ 343).
(5). نقله عنه المزّي في «تهذيب الكمال» (7/ 230).
(6). «السنن الكبرى» (4/ 241).
(2/107)
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال المجوزون
للفطر في مطلق السفر: هب أن حديث دحية لم يثبت. فقد أطلق الله تعالى السفر، ولم
يقيِّده بحد، كما أطلقه في آية التيمم، فلا يجوز حدّه إلا بنص من الشارع أو إجماع
من الأمة، وكلاهما مما لا سبيل إليه. كيف وقد قصر أهل مكة مع النبي - صلى الله
عليه وسلم - بعرفة ومزدلفة (1)، ولا تأثير للنسك في القصر بحال، فإن الشارع إنما
علّق القصر بالسفر، فهو الوصف المؤثر فيه، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم
- أنه سمى مسيرة البريد سفرًا في قوله: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن
تسافر بريدًا إلا مع ذي محرم» (2).
وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ
مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]، وهذا يدخل فيه كل سفر طويل أو قصير.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سافرتم في الخِصْب فأعطُوا الإبل حقَّها (3) من
الأرض،
_________
(1). كما في حديث حارثة بن وهب الخُزاعي أنّه صلّى مع النبي - صلى الله عليه وسلم
- بمنًى ركعتين. أخرجه البخاري (1083)، ومسلم (696)، وأبو داود (1965) في «باب
القصر لأهل مكة» وقال: «حارثة من خزاعة، ودارهم بمكة».
(2). أخرجه أبو داود (1725)، والبزار (8520)، وابن خزيمة (2526)، والطحاوي في «شرح
معاني الآثار» (2/ 112 - 114) من طرق عن سهيل بن أبي صالح، عن سعيد المقبري، عن
أبي هريرة مرفوعًا. وقد تفرّد سهيل ــ وهو صدوق وليس بالحافظ ــ بذكر البريد، على
اختلاف عليه في سنده ومتنه، والحفاظ يروونه عن أبي هريرة بلفظ: «مسيرة يوم وليلة»
ونحوه. هكذا في «الصحيحين» وغيرهما. انظر: «التمهيد» (21/ 53 - 55)، و «الضعيفة»
(5727).
(3). كذا في الأصل، وهو لفظ أبي داود ورواية عند أحمد، ولفظ مسلم وغيره: «حظّها».
(2/108)
وإذا سافرتم [ق 130] في الجَدْب فبادِرُوا
بها نِقْيَها» (1)، وهذا يعمّ كل سفر، ولم يفهم منه أحد اختصاصه باليومين فما زاد.
ونهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو (2)، ونهى أن يسافر الرجل وحده (3)، وأخبر
أن دعوة المسافر مستجابة (4)،
وكان يتعوذ مِن وَعثاء السفر (5)، وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه (6). ومعلوم
أن شيئًا من هذه الأسفار لا يختص بالطويل. ولو سافر دون اليومين أقرع بين نسائه
(7)، ولم
_________
(1). أخرجه أحمد (8442، 8918)، ومسلم (1926)، وأبو داود (2569)، والترمذي (2858)
من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
والنِقْي: مخّ العظام وشَحْمها، كني به عن القوة، أي أسرِعوا قبل أن تنفد قوّتها.
(2). أخرجه البخاري (2990)، ومسلم (1869).
(3). أخرجه أحمد (5650) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -. وأصله في البخاري
(2998) وغيره بلفظ: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده».
(4). أخرجه أحمد (7510)، وأبو داود (1536)، والترمذي (1905)، والبخاري في «الأدب
المفرد» (32)، وابن حبان (2699)، من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر، عن أبي
هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن ... وأبو جعفر الذي
روى عن أبي هريرة يقال له: أبو جعفر المؤذن، ولا نعرف اسمه، وقد روى عنه يحيى بن
أبي كثير غيرَ حديث.
وله شاهد من حديث عقبة بن عامر عند أحمد (17399) وابن خزيمة (2478) بإسناد فيه ضعف
لجهالة حال التابعي الراوي عن عقبة.
(5). أخرجه مسلم (1342، 1343) من حديث ابن عمر، وعبد الله بن سَرْجِس - رضي الله
عنهم -.
(6). أخرجه البخاري (2593)، ومسلم (2445) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
(7). وردت هذه الجملة في ط. الفقي هكذا: «ولا أنه لو سافر دون اليومين لم يُقرع
بين نسائه» غيّرها عمّا في الأصل دون تنبيه.
(2/109)
يقضِ للمقيمات. فما الذي أوجب تخصيص اسم
السفر بالطويل بالنسبة إلى القصر والفطر دون غيرهما؟
قالوا: وأين معنا في الشريعة تقسيم الشارع السفر إلى طويل وقصير، واختصاص أحدهما
بأحكام لا يشاركه فيها الآخر. ومعلوم أن إطلاق السفر لا يدل على اختصاصه بالطويل،
ولم يبين النبي - صلى الله عليه وسلم - مقداره. وتأخير البيان عن وقت الحاجة
ممتنع، فسكوته عن تحديده من أظهر الأدلة على أنه غير محدود شرعًا.
قالوا: والذين حددوه ــ مع كثرة اختلافهم وانتشار أقوالهم ــ ليس معهم نص بذلك،
وليس حدٌّ بأولى من حد، ولا إجماعَ في المسألة، فلا وجه للتحديد. وبالله التوفيق.
30 - النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم
244/ 2312 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «لا يَصُم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله بيوم، أو بعده».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (1). (2)
_________
(1). أبو داود (2420)، والبخاري (1985)، ومسلم (1144)، والترمذي (743)، والنسائي
في «الكبرى» (2769، 2770)، وابن ماجه (1723).
(2). بعده كلام للمنذري في فقه الحديث والخلاف فيه، ولم يُشر المجرّد إلى إثباته،
وقد تضمّن تعليقُ المؤلف أكثرَه مع التحرير والتهذيب، ولذا اكتفينا بإثبات كلام
المنذري في تخريج الحديث فقط.
(2/110)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أخرجا في
«الصحيحين» (1) عن محمد بن عباد بن جعفر قال: سألت جابرا: أنهى النبي - صلى الله
عليه وسلم - عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم.
وروى البخاري في «صحيحه» (2) عن جويرية بنت الحارث أن النبي - صلى الله عليه وسلم
- دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «تريدين أن
تصومي غدا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري».
وفي «صحيح مسلم» (3) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تخصوا
ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا
أن يكون في صوم يصومه أحدكم».
وروى الإمام أحمد في «مسنده» (4) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو
بعده».
_________
(1). البخاري (1984)، ومسلم (1143).
(2). برقم (1986).
(3). برقم (1144/ 148).
(4). برقم (8025)، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (2161)، والحاكم (1/ 437) من طريق
معاوية بن صالح، عن أبي بِشر المؤذن، عن عامر بن لُدَين، عن أبي هريرة.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، إلا أن أبا بشر هذا لم أقف على اسمه. تعقبه
الذهبي بقوله: «أبو بشر مجهول». قلتُ: قد وثَّقه العجلي، كما في «تهذيب التهذيب».
فالإسناد محتمل للتحسين، إلا أن الألباني حكم عليه بالنكارة لأنه تفرّد بهذه
الزيادة (كون الجمعة عيدًا) في حديث أبي هريرة. انظر: «الضعيفة» (5344).
(2/111)
وعند النسائي (1) عن عبد الله بن عمرو
القاري قال: سمعت أبا هريرة يقول: «ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة، محمدٌ - صلى
الله عليه وسلم - ــ ورَبّ البيت ــ نهى عنه».
وروى النسائي (2) أيضًا عن محمد بن سيرين عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «يا أبا الدرداء، لا تخص يوم الجمعة بصيام دون الأيام، ولا تخص
ليلة الجمعة بقيام دون الليالي».
فذهب طائفة من أهل العلم إلى القول بهذه الأحاديث، منهم: أبو هريرة وسلمان (3)،
وقال به أحمد والشافعي (4).
وقال مالك وأبو حنيفة (5): لا يكره. وفي «الموطأ» (6) قال مالك: لم أسمع أحدًا من
أهل العلم والفقه ومن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامُه حسن، وقد رأيت
بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه.
_________
(1). «الكبرى» (2757). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (1504)، وأحمد (7388، 9097)، وابن
خزيمة (2157)، وابن حبان (3609) بأسانيد جياد.
(2). «الكبرى» (2765)، وفيه إرسال، فإن ابن سيرين لم يسمع من أبي الدرداء. انظر:
«المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 187).
(3). أخرجه عبد الرزاق (7807، 7803) عنهما. وأخرجه ابن أبي شيبة (9338) عن أبي
هريرة.
(4). انظر: «مسائل أحمد» برواية الكوسج (1/ 293) وأبي داود (ص 137)، و «المجموع
شرح المهذب» (6/ 479).
(5). انظر: «شرح معاني الآثار» (2/ 79)، و «بدائع الصنائع» (2/ 79).
(6). برقم (865). وانظر: «الاستذكار» (3/ 381).
(2/112)
قال الداودي (1): لم يبلغ مالكًا هذا
الحديث، ولو بلغه لم يخالفه.
وقد روى النسائي (2) عن زِرّ بن حُبَيش عن ابن مسعود: «أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقلّما رأيته يفطر يوم الجمعة».
وإسناده صحيح.
ولا معارضة بينه وبين أحاديث النهي، إذ ليس فيه: أنه كان يفرده بالصوم، والنهي
إنما هو عن الإفراد، فمتى وصله زال النهي.
31 - النهي أن يُخصّ يوم السبت [بصوم]
245/ 2313 - عن عبد الله بن بُسْر السلمي، عن أخته الصَّمَّاء، أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افتُرض عليكم، وإن لم يجد
أحدُكم إلَّا لِحاءَ عِنَب أو عُودَ شجرة فَلْيَمضَغْه».
قال أبو داود: وهذا الحديث منسوخ.
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (3). وقال الترمذي: حديث حسن. هذا آخر كلامه.
وقيل: إن الصماء أخت بُسر.
وروي هذا الحديث من حديث عبد الله بن بُسر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(4)، ومن
_________
(1). كما في «إكمال المعلم» لعياض (4/ 97)، و «المختصر» للمنذري (3/ 297).
(2). «المجتبى» (2368) و «الكبرى» (2771). وأخرجه أيضًا الترمذي (742) وقال: حسن
غريب، وابن خزيمة (2129)، وابن حبان (3645).
(3). أبو داود (2421)، والترمذي (744)، والنسائي في «الكبرى» (2775)، وابن ماجه
(1726).
(4). أخرجه أحمد (17676)، والنسائي في «الكبرى» (2772، 2774، 2779، 2783)، وابن
حبان (3615).
(2/113)
حديث أبيه بُسر عن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - (1)، ومن حديث الصماء عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - (2). وقال النسائي (3): هذه أحاديث مضطربة.
قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث عبد الله بن بسر هذا رواه جماعة عن خالد بن
مَعدان عن عبد الله بن بُسر عن أخته الصماء.
ورواه النسائي عن عبد الله بن بُسر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ورواه أيضًا
عن الصماء عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذه ثلاثة أوجه.
وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديمًا وحديثًا. فقال أبو بكر الأثرم (4): سمعت أبا
عبد الله يُسأل عن صيام يوم السبت يفترد به؟ فقال: أما صيام يوم السبت يفترد به
فقد جاء فيه ذلك الحديث، حديث الصماء، يعني حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن
عبد الله بن بسر عن أخته الصماء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصوموا يوم
السبت إلا فيما افترض عليكم». قال أبو عبد الله: يحيى بن سعيد يَنْفِيه (5)، أبى أن
يحدثني به. وقد كان سمعه من
_________
(1). أخرجه النسائي في «الكبرى» (2781)، وفي إسناده أبو تقي الحمصي، قال النسائي:
«أبو تقي هذا ضعيف، ليس بشيء، وإنما أخرجته لعلة الاختلاف».
(2). أخرجه النسائي (2784)، وفي إسناده داود بن عبيد الله، مجهول، وقد خالف جميع
الرواة عن خالد بن مَعدان في جعله عنه، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن
عائشة.
(3). لم أجد قوله في «السنن»، وقد نقله أيضًا الحافظ في «التلخيص الحبير» (2/
216).
(4). نقله من «مسائله» ابنُ قدامة في «المغني» (4/ 428) مختصرًا، وشيخ الإسلام في
«الاقتضاء» (2/ 72) بطوله، والمؤلف صادر عنه في نقله هذا وفي الكلام على المسألة
إلى آخرها. انظر: «الاقتضاء» (2/ 71 - 81).
(5). كذا في الأصل مضبوطًا بالشكل، وفي «المغني» و «الاقتضاء»: «يتّقيه».
(2/114)
ثور. قال: فسمعتُه من أبي عاصم (1).
قال الأثرم (2): حجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها
مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها:
حديث أم سلمة حين سُئلت: أي الأيام كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر
صيامًا لها؟ فقالت: السبت والأحد (3).
ومنها حديث جويرية: [ق 131] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها يوم الجمعة:
«أصُمتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟» (4)، فالغد: هو يوم السبت.
وحديث أبي هريرة: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الجمعة، إلا بيوم
قبله أو يوم بعده (5). فاليوم الذي بعده: هو يوم السبت.
_________
(1). كما في «المسند» (27075).
(2). ما زال الكلام له من «مسائله»، وله بنحوه مختصرًا في «ناسخ الحديث ومنسوخه»
(ص 201 - 203).
(3). أخرجه أحمد (26750)، والنسائي في «الكبرى» (2789)، وابن خزيمة (2167)، وابن
حبان (3616)، والحاكم (1/ 436) من طريق عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه،
عن كريب، عن أم سلمة. إسناده مقارب، عبد الله بن محمد بن عمر وأبوه وثّقهما ابن
حبّان والدارقطني، إلا أن ابن حبان قال عن عبد الله: «يخطئ ويخالف». انظر:
«الثقات» (7/ 2، 5/ 353) و «سؤالات البرقاني» (ص 22).
(4). أخرجه البخاري (1986).
(5). سبق تخريجه.
(2/115)
وقال: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال»
(1)، وقد يكون فيها السبت.
وأمر بصيام البيض (2)، وقد يكون فيها السبت. ومثل هذا كثير.
فقد فهم الأثرم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في
صومه، حيث ذكر الحديث الذي يُحتج به في الكراهة، وذكر أن الإمام في علل الحديث
يحيى بنَ سعيد كان ينفيه (3)، وأبى أن يحدث به، فهذا تضعيف للحديث. واحتج الأثرم
بما ذكر من النصوص المتواترة على صوم يوم السبت.
يبقى أن يقال: يمكن حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره، وحديثِ
النهي على صومه وحده، وعلى هذا تتفق النصوص. وهذه طريقة جيدة، لو لا أن قوله في
الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا
_________
(1). أخرجه مسلم (1164) من حديث أبي أيوب - رضي الله عنه -.
(2). في «الاقتضاء»: «بصيام أيام البيض»، فما هنا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف
إليه مُقامه. وفي ط. الفقي: «الأيام البيض» خلافًا للأصل، ويُعدُّ لحنًا، إذ البيض
وصف لِلَّيالي، وإلَّا فكل أيام الشهر بِيض. انظر «القاموس» (بيض) و «شرح عمدة
الفقه» لابن تيمية (3/ 492).
وقد صحّ الترغيب في صيام أيام البيض في حديث جرير بن عبد الله البجلي مرفوعًا عند
النسائي (2420). وفي الباب حديث أبي ذر عند أحمد (21437) والترمذي (761) والنسائي
(2422) وابن خزيمة (2128)، وحديث قتادة بن ملحان عند أبي داود وغيره (وسيأتي ص
270)، وفي إسناديهما ضعف يُحتَمَل.
(3). في الأصل والطبعتين: «أن الإمام علل حديث يحيى بن سعيد وكان ينفيه» خطأ،
والتصحيح من «الاقتضاء»، إلا أن فيه: «يتقيه» بدل «ينفيه» كما سبق.
(2/116)
فيما افترض عليكم» دليل على المنع من صومه
في غير الفرض مفردًا أو مضافًا، لأن الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن النهي
عنه يتناول كل صور صومه، إلا صورة الفرض. ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد، لقال:
لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده، كما قال في الجمعة.
فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية عُلم تناول النهي لما قابلها.
وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها، كقوله في يوم الجمعة:
«إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده»، فدل على أن الحديث غير محفوظ وأنه شاذ.
وقد قال أبو داود (1): قال مالك: هذا كذب. وذكر (2) بإسناده عن الزهري أنه كان إذا
ذكر له النهي عن صيام يوم السبت، يقول: هذا حديث حِمصي، وعن الأوزاعي قال: ما زلت
كاتمًا له حتى رأيته انتشر، يعني حديث ابن بسر هذا.
وقالت طائفة، منهم أبو داود: هذا حديث منسوخ.
وقالت طائفة، وهم أكثر أصحاب أحمد: الحديث محكم، وأخذوا به في كراهة إفراده
بالصوم، وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه. قالوا: وجواب أحمد يدل على هذا
التفصيل، فإنه سئل في رواية الأثرم عنه: فأجاب بالحديث. وقاعدة مذهبه: أنه إذا سئل
عن حكم فأجاب فيه بنصّ يدل عليه، أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به، لأنه ذكره
في معرض الجواب، فهو متضمن للجواب والاستدلال معًا.
_________
(1). «السنن» عقب الحديث (2424).
(2). برقم (2423، 2424).
(2/117)
قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد، فإنما
هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث.
قالوا: وإسناده صحيح، ورواته غير مجروحين ولا متّهمين، وذلك يوجب العمل به، وسائرُ
الأحاديث ليس فيها ما يعارضه، لأنها تدل على صومه مضافًا، فيحمل النهي على صومه
مفردًا، كما ثبت في يوم الجمعة.
ونظير هذا الحكمِ أيضًا كراهة إفراد رجب بالصوم، وعدم كراهته موصولًا بما قبله أو
بعده.
ونظيره أيضًا: ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي
هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان= أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه، وأما
صومه مع ما قبله من نصفه الأول، فلا يكره (1).
قالوا: وقد جاء هذا مصرّحًا به في صوم يوم السبت، ففي «مسند الإمام أحمد» (2)، من
حديث ابن لَهِيعة: نا موسى بن وَرْدان، عن عُبيد الأعرج: حدثتني جدتي ــ يعني
الصمّاء ــ أنها دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم السبت، وهو يتغدى.
فقال: «تعالي تغدَّي». فقالت: إني صائمة. فقال لها: «أصُمتِ أمس؟» قالت: لا. قال:
«كُلِي، فإن صيام يوم السبت لا لك، ولا عليك».
وهذا، وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا انفرد، لكن يدل عليه ما
_________
(1). الذي نقله أبو داود عن الإمام أحمد في «المسائل» (ص 434) أنه قال في حديث
العلاء: إنه منكر. وبنحوه في «المغني» (4/ 327)، والحمل المذكور ذكره الترمذي عن
بعض أهل العلم كما سبق (ص 19).
(2). برقم (27076)، وهو ضعيف لتفرد ابن لهيعة به.
(2/118)
تقدم من الأحاديث. وعلى هذا، فيكون معنى
قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصوموا يوم السبت» أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا
في الفرض، فإن الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن
أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده.
وأيضًا فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره. ولا
تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة. فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد
كونه فرضًا، لا المقارنة بينه وبين غيره. وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره
إليه، أو موافقته عادة، ونحو ذلك.
قالوا: وأما قولكم: إن الاستثناء دليل التناول ... إلى آخره، فلا ريب أن الاستثناء
أخرج صورة الفرض من عموم النهي، وصورةُ الاقتران بما قبله أو بما بعده أُخرِجت
بالدليل الذي تقدم. فكلا الصورتين (1) مُخرَج، أما الفرض فبالمُخرِج المتصل، وأما
صومه مضافًا فبالمُخرِج المنفصل، فبقيت صورة الإفراد، واللفظ متناول لها، ولا
مُخرِجَ لها من عمومه، فيتعين حمله عليها.
ثم اختلف [ق 132] هؤلاء في تعليل الكراهة، فعلّلها ابنُ عَقيل بأنه يوم يُمسك فيه
اليهود ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل فيصير
صومه تشبُّهًا بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد. ولا يقال: فهذه العلة موجودة إذا
صامه مع غيره، ومع هذا فإنه لا يكره؛ لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدًا إلى
تخصيصه المقتضي للتشبّه، وشاهدُه استحباب ضمّ (2) يومٍ قبلَ عاشوراء وبعده إليه
لتنتفي صورة الموافقة.
_________
(1). كذا في الأصل بتذكير «كلا»، وانظر ما سبق (ص 47).
(2). في الأصل والطبعتين: «صوم»، وهو تصحيف يدّل عليه قوله: «إليه» بعده. وانظر
نحو هذه العبارة على الصواب في «زاد المعاد» (1/ 406).
(2/119)
وعلّله طائفة أخرى بأنه يوم عيد لأهل الكتاب
يعظّمونه، فقَصْده بالصوم دون غيره يكون تعظيمًا له فكُرِه ذلك، كما كره إفراد
عاشوراء (1) بالتعظيم لمّا عظّمه أهل الكتاب، وإفراد رجب أيضًا لما عظمه المشركون.
وهذا التعليل قد يعارَض بيوم الأحد، فإنه يوم عيدٍ للنصارى، كما قال النبي - صلى
الله عليه وسلم -: «اليوم لنا وغدًا لليهود وبعد غدٍ للنصارى» (2)، ومع ذلك فلا
يكره صومه.
وأيضًا فإذا كان يوم عيدٍ فقد يقال: مخالفتهم فيه يكون بالصوم لا بالفطر، فالصوم
فيه تحقيق للمخالفة. ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما من حديث
كُرَيب مولى ابن عباس قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه
وسلم - إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثرها
صيامًا؟ قالت كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: «إنهما
يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم». وصححه بعض الحفاظ (3). فهذا نص في
استحباب صوم يوم عيدهم لأجل مخالفتهم، فكيف تُعلَّل كراهة صومه بكونه عيدًا لهم؟!
وفي «جامع الترمذي» (4) عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم
_________
(1). في الطبعتين: «يوم عاشوراء» خلافًا للأصل.
(2). أخرجه البخاري (876)، ومسلم (855/ 20) واللفظ له.
(3). كابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقد سبق تخريجه قريبًا.
(4). برقم (746) من طريق أبي أحمد الزبيري ومعاوية بن هشام، كلاهما عن سفيان
الثوري، عن منصور، عن خيثمة، عن عائشة.
وهو ضعيف مرفوعًا، فإن معاوية بن هشام صدوق وليس بحجة، وإن أبا أحمد ثقة لكنه يخطئ
في حديث الثوري، وقد خالفهما الإمام الثبت الحجة أوثق الناس في الثوري: عبد الرحمن
بن مهدي، فرواه عن الثوري موقوفًا على عائشة مِن فِعلها. أخرجه الطبري في «تهذيب
الآثار- مسند عمر» (1220).
(2/120)
من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر
الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس. قال الترمذي: حديث حسن، وقد روى ابنُ مهدي هذا
الحديث عن سفيان ولم يرفعه.
وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بالصوم وعلَّله (1) بأنهم يتركون
العمل فيه والصومُ مظنَّةُ ذلك، فإنه إذا ضم إليه الأحد زال الإفراد المكروه وحصلت
المخالفة بصوم يوم فطرهم وزال صورة التعظيم المكروه بعدم التخصيص المُؤْذِن
بالتعظيم، فاتفقت بحمد الله الأحاديث، وزال عنها الاضطراب والاختلاف، وتبيّن تصديق
بعضها بعضًا.
فإن قيل: فما تقولون في صوم يوم النَّيرُوز والمِهْرَجان ونحوهما من أعياد
المشركين؟ قيل: قد كرهه كثير من العلماء، وأكثرُ أصحاب أحمد على الكراهة (2). قال
أحمد في رواية ابنه عبد الله (3): نا وكيع عن سفيان عن رجل عن أنس والحسن كرها صوم
يوم النيروز والمهرجان (4). قال عبد الله:
_________
(1). ط. الفقي: «إفراد يوم السبت. وعلّله طائفة»، قطع الكلام المتصل بما قبله،
وأقحم فيه كلمة «طائفة» فاختلّ السياق وفسد المعنى.
(2). انظر: «المغني» (4/ 428 - 429).
(3). ليس في المطبوع من مسائله، والمؤلف صادر عن «الاقتضاء» كما سبق.
(4). وأخرج ابن وضّاح القرطبي في «البدع والنهي عنها» (ص 21) من طريق الربيع بن
صَبيح، عن أبان بن أبي عياش أنه سأل أنسًا عن قوم يجتمعون يوم النيروز والمهرجان
ويصومونهما، فأنكره أنس ووصفه بالبدعة. وأبان صالح في نفسه، لكنه متروك الحديث،
كان يسمع من أنس ومن الحسن البصري، فلا يميزّ بينهما فربّما إذا حدّث جعل كلام
الحسن عن أنس مرفوعًا وهو لا يعلم، إلا أن هذا الأثر جاء في قصّة هو السائل فيها،
فمثله ــ إن شاء الله ــ مظنّة الضبط.
وقد صحّ عن الحسن كراهة صوم النيروز من وجهٍ آخر عند ابن أبي شيبة (9832، 9833).
(2/121)
قال أبي: الرجل أبان بن أبي عياش (1).
فلما أجاب أحمد بهذا الجواب لمن سأله عن صيام هذين اليومين، دل ذلك على أنه
اختاره. وهذه إحدى الطريقتين لأصحابه في مثل ذلك. وقيل: لا يكون هذا اختيارًا له،