النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
20 - من أصبح جنبًا في شهر رمضان
229/ 2283 - عن عائشة وأم سلمة زَوْجَي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهما قالتا:
«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جُنبًا في رمضان من جِماع غير احتلام،
ثم يصوم».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (1) مختصرًا ومطولًا.
وقال أبو داود: ما أقل من يقول هذه الكلمة، يعني: «يصبح جنبًا في رمضان»، وإنما الحديث:
«كان يصبح جنبًا وهو صائم». هذا آخر كلامه.
وقد وقعت هذه الكلمة في «صحيح مسلم» وفي كتاب النسائي (2).
230/ 2284 - وعن أبي يونس مولى عائشة، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -:
أن رجلًا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف على الباب: يا رسول
الله، إني أصبح جُنبًا وأنا أريد الصيام؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام، فأغتسلُ وأصوم»، فقال الرجل: يا رسول الله،
إنك لستَ مثلنا، قد غَفَر الله لك ما تَقدم من ذنبك وما تأخَّر، فغضب رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - وقال: «والله إني لأرجو أن أكونَ أخشاكم لله وأعلمَكم بما
أَتَّبع».
وأخرجه مسلم والنسائي (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: اختلف السلف في هذه المسألة: فذهب بعضهم
_________
(1). أبو داود (2388)، والبخاري (1925)، ومسلم (1109)، والنسائي في «الكبرى» (2944
- 3001).
(2). مسلم (1109/ 78)، والنسائي (2971).
(3). أبو داود (2389)، ومسلم (1110)، والنسائي في «الكبرى» (3013).
(2/72)
إلى إبطال صومه إذا أصبح جنبًا واحتجوا بما
في «صحيح مسلم» (1) عن أبي هريرة أنه كان يقول في قصصه: «من أدركه الفجر جنبًا فلا
يصوم». واختلفت الرواية عن أبي هريرة، فالمشهور عنه أنه لا يصح صومه.
وعنه رواية ثانية (2): أنه إن علم بجنابته ثم نام حتى يُصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم
حتى أصبح فهو صائم. وروي هذا المذهب عن طاوس وعروة بن الزبير (3).
وذهبت طائفة إلى أن الصوم إن كان فرضًا لم يصح، وإن كان نفلًا صح، وروي هذا عن
إبراهيم النخعي والحسن البصري (4).
وعن أبي هريرة رواية ثالثة: أنه رجع عن فتياه إلى قول الجماعة (5).
وذهب الجمهور إلى صحة صومه مطلقًا في الفرض والنفل، وقالوا: حديث أبي هريرة منسوخ.
واستشكل طائفة ثبوتَ النسخ، وقالت: شرط النسخ أن يعلم تأخُّره بنقلٍ، أو تُجمِعَ
الأمةُ على ترك الخبر المعارض له فيعلم أنه منسوخ، وكلا الأمرين منتفٍ هاهنا، فمِن
أين لكم أن خبر أبي هريرة متقدّم على خبر عائشة؟!
_________
(1). (1109/ 75).
(2). أخرجها النسائي في «الكبرى» (2944). وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (3/ 136)،
و «التمهيد» (17/ 424).
(3). أخرجه ابن أبي شيبة (9675) عن طاوس، وعبد الرزاق (7405) عن عروة.
(4). أخرجه ابن أبي شيبة (9672) عنهما.
(5). صحّ رجوعه عند مسلم (1109/ 75)، وابن أبي شيبة (9668، 9674) من طرق عنه.
(2/73)
والجواب عن هذا: أنه لا يصح أن يكون آخر الأمرين
من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إبطالَ الصوم بذلك، لأن أزواجه أعلم الأمة
بهذا الحكم، وقد أخبرْنَ بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يُصبح جنبًا ثم
يصوم. [ق 124] ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروفُ عند أزواجه مثلَ حديث أبي
هريرة، ولم يحتجَّ أزواجه بفعله الذي كان يفعله ثم نُسِخ، ومُحال أن يخفى هذا
عليهن، فإنه كان يَقْسِم لهن إلى أن مات في الصوم والفطر.
هذا مع أن الحديث في مسلم غير مرفوع، وإنما فيه: «كان أبو هريرة يقول في قصصه»
حسب، وفي الحديث أن أبا هريرة لما حُوقِق على ذلك ردَّه إلى الفضل بن عباس، فقال:
«سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -»، هذا الذي في
مسلم (1)، وفي لفظ: «حدثني الفضل بن عباس» (2).
قال البخاري (3): وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة: «كان النبي - صلى
الله عليه وسلم - يأمر بالفطر»، والأول أسند.
ولكن رفعه صحيح، رواه سفيان عن عمرو عن (4) يحيى بن جَعْدة قال: سمعتُ عبد الله بن
عمرٍو القاريَّ قال: سمعت أبا هريرة يقول: «لا، وربِّ هذا البيت ما أنا قلته: من
أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد - صلى الله عليه وسلم -
_________
(1). (1109/ 75).
(2). أخرجه البخاري (1926).
(3). عقب الحديث السابق. وانظر: «تغليق التعليق» (3/ 147 - 148).
(4). في الأصل وط. الفقي: «بن»، والتصحيح من مصادر الحديث، وعمرو هو ابن دينار.
(2/74)
قاله» (1).
ومع هذا فقد روى النسائي (2) من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
قال: كنت مع عبد الرحمن عند مروان فذكروا أن أبا هريرة يقول: من احتلم وعلم
باحتلامه ولم يغتسل حتى يصبح، فلا يصم ذلك اليوم، قال: اذهبْ فسَلْ أزواج النبي -
صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. فذهب، وذهبت معه ــ فذكر الحديث ــ وقال: فأتيتُ
مروان فأخبرتُه قولَهما ــ يعني أم سلمة وعائشة ــ فاشتد عليه اختلافهم تخوّفًا أن
يكون أبو هريرة يُحدّث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3)، فقال مروان لعبد
الرحمن: عزمتُ عليك لمَّا أتيتَه فحدّثته: أعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
تروي هذا؟ قال: لا، إنما حدّثني فلان وفلان.
ولا ريب أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال مرة:
«أخبرنيه الفضل بن عباس»، ومرة قال: «أخبرنيه أسامة بن زيد» (4)، وفي رواية عنه:
«أخبرنيه فلان وفلان»، وفي رواية: «أخبرني رجل» (5)، وفي رواية: «أخبرنيه مخبر»
(6)، وفي رواية «هكذا كنت أحسب» (7).
_________
(1). أخرجه أحمد (7388)، والنسائي في «الكبرى» (2936)، وإسناده صحيح كما قال
المؤلف.
(2). في «الكبرى» (2944).
(3). في الطبعتين: «النبي - صلى الله عليه وسلم -» خلافًا للأصل.
(4). أخرجه النسائي في «الكبرى» (2943).
(5). لم أقف عليها.
(6). أخرجها مالك في «الموطأ» (795)، والنسائي في «الكبرى» (2945، 2946).
(7). أخرجها أحمد (25509)، والنسائي (2947).
(2/75)
قال المنذري (1): قال الخطابي (2): وأحسن ما
سمعت في تأويل ما رواه أبو هريرة في هذا أن يكون ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن
الجماع كان في أول الإسلام محرَّمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام
والشراب. فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل
أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر المتقدم، فيكون تأويل قوله: «من أصبح جنبًا فلا
صومَ له» أي مَن جامع في الصوم بعد النوم فلا يجزئه صومُ غدِه، لأنه لا يصبح جنبًا
إلا وله أن يطأ قبل الفجر بطرفة [عين]، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن
العباس على الأمر الأول ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة [صار إليه.
وقال الشافعي (3): أخذنا بحديث عائشة وأم سلمة] (4) زوجَي النبي - صلى الله عليه
وسلم - دون ما روى أبو هريرة [عن رجل] عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
لمعانٍ:
منها: أنهما زوجتاه، وزوجتاه أعلم بهذا من رجل إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا.
ومنها: أن عائشة مقدَّمة في الحفظ، وأن أم سلمة حافظة، ورواية اثنين أكثر من واحد.
_________
(1). كلام المنذري أشار إليه المجرّد في حاشية الأصل بقوله: «ثم بعد أن كتب الشيخ
هذا بخطّه، ذكره بعد [كذا، والصواب: ذكر بعده] كلام الحافظ المنذري، وهو مطوّل في
حاشية المنذري، حكى فيه كلام الشافعي والخطابي». قلتُ: ليس في مطبوعة «المختصر» ما
أشار إليه من كلام المنذري، وإنما هو في حاشية أصله الخطّي (ق 2/ 172 - النسخة
البريطانية)، فأثبتُّ منه ما حكاه من كلام الخطابي والشافعي، وما عداه فالمؤلف قد
ضمّنه في ثنايا تعليقه.
(2). في «المعالم» (3/ 265 - 267)، وما بين الحاصرتين منه.
(3). في «اختلاف الحديث» (10/ 187 - 189)، وما يأتي بين الحاصرتين فمنه.
(4). ما بين الحاصرتين سقط من مخطوطة «المختصر» لانتقال النظر.
(2/76)
ومنها: أن الذي روتا عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - المعروفُ في المعقول والأشبه [بالسنة]ــ وبسط الكلامَ في شرح هذا ــ،
ومعناه: أن الغسل شيء وجب بالجماع وليس في فعله شيء محرَّم على من صام، فقد يحتلم
بالنهار فيجب عليه الغسل ويُتم صومَه لأنه لم يجامع في نهار؛ وجَعَله شبيهًا
بالمُحْرِم يُنهى عن الطيب، ثم يتطيب حلالًا ثم يُحْرِم وعليه لونُه وريحه، لأن
نفس التطيُّب كان وهو مباح.
21 - باب كفارة من أتى أهله في نهار رمضان
231/ 2285 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى رجل النبي - صلى الله عليه
وسلم - قال: هلكتُ، قال: ما شأنك؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان. قال: «فهل تجدُ
ما تُعتِق رقبةً؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصومَ شهرين متتابعين؟» قال: لا.
قال: «فهل تستطيع أن تُطعم ستّين مسكينًا؟» قال: لا. قال: «اجلسْ»، فأُتيَ النبي -
صلى الله عليه وسلم - بعَرَق فيه تمر، فقال: «تَصَدَّقْ به». فقال: يا رسول الله،
ما بين لَابَتَيها أهلُ بيتٍ أفقرَ منّا، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
حتى بدت ثناياه، قال: «فأطْعِمْه إيَّاهم».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (1)، بنحوه.
وفي رواية (2) زاد الزهري: وإنما كان هذا رخصة له خاصّة، فلو أن رجلًا فعل ذلك
اليوم لم يكن له بُدّ من التكفير. وذكر أبو داود أن الأوزاعي زاد فيه: «واسْتَغفِر
الله».
232/ 2286 - وعنه: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- أن يُعتق رقبةً، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يُطعم ستين مسكينًا، قال: لا أجد،
فقال
_________
(1). أبو داود (2390)، والبخاري (1936)، ومسلم (1111)، والترمذي (724)، والنسائي
في «الكبرى» (3104)، وابن ماجه (1671).
(2). أبو داود (2391).
(2/77)
له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«اجلسْ»، فأُتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعَرَق تمرٍ، فقال: «خذ هذا
فتصدق به»، فقال: يا رسول الله ما أحدٌ أحوجَ مني، فضحك رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - حتى بدت أنيابه، وقال له: «كُلْه» (1).
233/ 2287 - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي -
صلى الله عليه وسلم - أفطر في رمضان ــ بهذا الحديث ــ قال: فأُتي بِعَرَقٍ فيه
تمر قَدْرُ خمسةَ عشرَ صاعًا، وقال فيه: «كُلْه أنت وأهلُ بيتك، وصم يومًا واسْتَغفِر
الله» (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذه الزيادة، وهي الأمر بالصوم، قد طعن فيها غير
واحد من الحفاظ، قال عبد الحق (3): وطريق حديث مسلم أصح وأشهر، وليس فيها «صم
يومًا» ولا مكيلةُ (4) التمر، ولا الاستغفار، وإنما يصح حديث القضاء مرسلًا، وكذلك
ذكره مالك في «الموطأ» (5)، وهو من مراسيل سعيد بن المسيب.
رواه مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني عن سعيد بالقصة، وقال: «كُلْه، وصُم
يومًا مكان ما أصبت».
والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة في حديث الزهري، فإن أصحابه الأثبات الثقات،
كيُونُس، وعُقَيل، ومالك، واللَّيث بن سعد، وشعيب،
_________
(1). أبو داود (2392).
(2). أبو داود (2393) من طريق هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة.
(3). «الأحكام الوسطى» (2/ 231).
(4). غير محرّر في الأصل، وفي ط. الفقي: «تكميله»، والمثبت من «الأحكام الوسطى».
(5). برقم (816).
(2/78)
ومعمر، وعبد الرحمن بن خالد= لم يذكر أحد
منهم هذه اللفظة (1).
وإنما ذكرها (2) الضعفاء عنه، كهشام بن سعد (3) وصالح بن أبي الأخضر (4)
وأضرابهما.
وقال الدارقطني (5): رواتها ثقات، رواه ابن أبي أويس [عن أبيه] (6) عن الزهري،
وتابعه عبد الجبار بن عمر عنه، وتابعه أيضًا هشام بن سعد عنه، قال (7): وكلهم
ثقات.
وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة، فإن هؤلاء إنما هم أربعة، وقد خالفهم
_________
(1). انظر روايات هؤلاء وغيرهم من الأثبات كابن عيينة والأوزاعي ومنصور بن المعتمر
في البخاري (1936، 1937، 2600، 6164، 6709، 6821)، ومسلم (1111)، وابن خزيمة
(1949).
(2). في الأصل: «ذكره»، والمثبت من ط. الفقي.
(3). هو ضعيف بالنسبة إلى من تقدَّم، وإلا فهو صدوق، ولكن لم يكن بالحافظ، وحديث
الباب من طريقه.
(4). كذا ذكر المؤلف، وابن أبي الأخضر وإن كان لين الحديث، لكنه وافق الثقات في
رواية الحديث عن الزهري فلم يذكر هذه اللفظة. أخرجه الدارقطني في «العلل» (1988)،
ونصّ أبو عوانة في «المستخرج» (2/ 206) أن روايته شبيهة برواية الجماعة ليس فيها
هذه اللفظة.
(5). لم أجد كلامه في «السنن» و «العلل»، وإنما أخرج الحديث في «السنن» (2399) من
طريق ابن أبي أويس، عن ابن شهاب الزهري، وفيه زيادة: «وصم يومًا». ثم قال: «تابعه
عبد الجبار بن عمر، عن ابن شهاب».
(6). ساقط من الأصل، واستدركته من مصدر التخريج.
(7). لم أجد قول الدارقطني هذا أيضًا، ولا إخاله يصحّ عنه، فإنه هو نفسه قد قال في
عبد الجبّار: متروك، كما في «سؤالات البرقاني» (ص 74).
(2/79)
من هو أوثق منهم وأكثر عددًا، وهم أربعون
نفسًا، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، ولا ريب أن التعليل بدون هذا يؤثر (1) في
صحتها. ولو انفرد بهذه اللفظة من هو أحفظ منهم وأوثق، وخالفهم هذا العدد الكثير،
لوجب التوقف فيها، وثقة الراوي شرط في صحة الحديث لا مُوجِبةٌ، بل لا بد من انتفاء
العلة والشذوذ، وهما غير مُنتفِيَين في هذه اللفظة.
وقد اختلف الفقهاء في وجوب القضاء عليه، فمذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في
أظهر أقواله: يجب عليه القضاء (2).
وللشافعي قول آخر: إنه لا يجب عليه القضاء إذا كفّر.
وله قول ثالث: إنه إن كفّر بالصيام فلا قضاء عليه، وإن كفر بالعتق أو بالإطعام
قضى، وهذا قول الأوزاعي (3).
قال المنذري (4): روي في بعض طرقه: «هلكتُ وأهلكت» (5)، واستدل
به
_________
(1). في الطبعتين: «مؤثر»، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل.
(2). انظر: «المدونة» (1/ 218)، و «مسائل أحمد» برواية أبي داود (ص 133) وبرواية
عبد الله (ص 190)، و «الأصل» للشيباني (2/ 203)، و «الأم» للشافعي (2/ 249)، وانظر
لأقواله الأخرى: «المجموع» للنووي (6/ 362).
(3). انظر: «الإشراف» لابن المنذر (3/ 121).
(4). كلامه الآتي ليس في مطبوعة «المختصر»، واستدركته من هامش مخطوطته، وقد أشار
إليه المجرّد بذكر طرفَيه، وذكر أن تعليق المؤلف الآتي وقع عقبه.
(5). أخرجه الدارقطني (2398) من طريق أبي ثور، عن معلَّى بن منصور، عن سفيان، عن
الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. قال الدارقطني: تفرد به أبو ثور عن
معلى بن منصور عن ابن عيينة بقوله: «وأهلكت»، وكلهم ثقات.
وأخرجه البيهقي (4/ 227) من طريق محمَّد بن المسيَّب الأَرْغِيانى بأسانيده إلى
الأوزاعي عن الزهري به. وسيأتي الكلام عليها.
(2/80)
بعضهم على مشاركة المرأة إياه في الجناية.
قال الخطابي (1): وهذه اللفظة غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث، وأصحاب
سفيان لم يرووها عنه، وإنما ذكروا قوله: «هلكتُ» حسب، غير أن بعض أصحابنا حدثني أن
المُعلّى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان فذكر هذا الحرف فيه، وهو غير محفوظ،
والمعلّى ليس بذاك في الحفظ والإتقان.
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال البيهقي (2): قوله «وأهلكت» ليس بمحفوظ، وضعّفها
شيخُنا أبو عبد الله الحافظ، وحملها على أنها أُدخلت على محمد بن المسيب
الأَرْغِياني (3)، قال: فإن أبا علي الحافظ رواه عن محمد بن المسيب فلم يذكرها،
والعباس بن الوليد رواه عن عُقبة بن علقمة دونها، ودُحَيم وغيره رووه عن الوليد بن
مسلم دونها، وكافة أصحاب الأوزاعي رووه عنه دونها، ولم يذكرها أحد من أصحاب الزهري
عن الزهري، إلا ما روي عن أبي ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزهري.
قال: وكان أبو عبد الله أيضًا يستدل على كونها في تلك الرواية خطأً بأنه
_________
(1). «معالم السنن» (3/ 271)، والنقل ما زال من «مختصر المنذري».
(2). في «معرفة السنن والآثار» (6/ 266) الجملة الأولى منه، وسائره في «السنن
الكبرى» (4/ 227).
(3). إلى هنا كان المنذري قد ذكر كلام البيهقي ثم قال: «وساق الشاهد على ضعفها»،
فأورده ابن القيم بتمامه.
(2/81)
نظر في كتاب الصوم تصنيف مُعلّى بن منصور
بخط [ق 125] مشهور، فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة، وبأن كافة أصحاب سفيان
رووه عنه دونها.
ثم قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى مالك هذا الحديث في «الموطأ» (1) عن الزهري
عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: «أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام
ستين مسكينا» ثم ذكر الحديث. وحسبك بهذا الإسناد.
وفيه أمران، أحدهما: وجوب الكفارة بأي مُفطِّر كان، والثاني: أنها على التخيير.
وهو مذهب مالك في المسألتين (2).
قال البيهقي (3): ورواية الجماعة عن الزهري مقيدة بالوطء، ناقلة للفظ صاحب الشرع،
فهي أولى بالقبول، لزيادة حفظهم وأدائهم الحديثَ على وجهه. واتفقت رواياتهم على أن
فطره كان بجماع، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بالكفارة على اللفظ الذي
يقتضي الترتيب.
وقال أبو الحسن الدارقطني (4): الذين رووا الكفارة في جماع رمضان على التخيير:
مالك في «الموطأ»، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، وعبد الله بن أبي بكر، وأبو
أويس، وفُلَيح بن سليمان، وعمر بن عثمان
_________
(1). برقم (815).
(2). انظر: «النوادر والزيادات» لابن أبي زيد (2/ 51، 52)، و «الذخيرة» للقرافي
(2/ 517، 526).
(3). «السنن الكبرى» (4/ 225) إلى قوله: «على وجهه»، وما بعده في (4/ 224).
(4). عقب الحديث (2397).
(2/82)
المخزومي، ويزيد (1) بن عِياض، وشِبْل بن
عبّاد، والليث بن سعد من رواية أشهَب بن عبد العزيز عنه، [وابن عيينة من رواية
نعيم بن حمّاد عنه، وإبراهيم بن سعد من رواية عمّار بن مطر عنه] (2)، وعبيد الله
بن أبي زياد، إلا أنه أرسله عن الزهري؛ كل هؤلاء رووه عن الزهري عن حميد بن عبد
الرحمن عن أبي هريرة: «أن رجلا أفطر في رمضان»، وجعلوا كفارته على التخيير.
قال: وخالفهم أكثر عددًا منهم، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد: أن إفطار الرجل كان
بجماع، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يكفّر بعتق رقبةٍ، فإن لم يجد
فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا؛ منهم: عِراك بن مالك،
وعبيد الله بن عمر، وإسماعيل بن أميَّة، ومحمد بن أبي عَتِيق، وموسى بن عُقبة،
ومعمر، ويونس، وعُقَيل، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والأوزاعي، وشعيب (3) بن
أبي حمزة، ومنصور بن المعتمر، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، والليث بن سعد،
وعبد الله بن عيسى، ومحمد بن إسحاق، والنعمان بن راشد، وحجاج بن أرطاة، وصالح بن
أبي الأخضر، ومحمد بن أبي حفصة، وعبد الجبار بن عمر، وإسحاق بن يحيى العَوْصي،
وهبَّار (4) بن عقيل، وثابت بن ثوبان،
_________
(1). تحرف في ط. الفقي إلى «نذير»، فعلّق عليه الشيخ أحمد محمد شاكر بقوله: «هذا
اسم محرّف، لم أصل إلى تحقيق صوابه».
(2). مستدرك من «السنن»، ولعله سقط من الأصل لانتقال النظر.
(3). في الطبعتين: «سعيد»، تحريف.
(4). في ط. الفقي: «همار» خطأ، وعلّق عليه الشيخ أحمد محمد شاكر بقوله: «وكذلك هذا
محرف لم أَصِل إلى صحّته».
(2/83)
وقُرّة (1) بن عبد الرحمن، وزمعة بن صالح،
وبحر السقّاء، والوليد بن محمد، وشعيب بن خالد، ونوح بن أبي مريم، وغيرهم. آخر
كلامه.
ولا ريب أن الزهري حدث به هكذا وهكذا على الوجهين، وكلاهما محفوظ عنه بلا ريب،
وإذا كان هكذا فرواية الترتيب المصرِّحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه:
أحدها: أن رُواتَها أكثر، وإذا قُدِّر التعارض رُجّح برواية الأكثر اتفاقًا، وفي
الشهادة بخلاف (2) معروف.
الثاني: أن رواتها حكوا القصة، وساقوا ذكر المفطّر وأنه الجماع، وحكوا لفظ النبي -
صلى الله عليه وسلم -. وأما رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر؟ ولا حكوا أن ذلك
من لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا من لفظ صاحب القصة، ولا حكوا أيضًا
لفظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - (3) في الكفارة. فكيف تُقدَّم روايتهم على
رواية من ذكر لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الترتيب ولفظَ الراوي في
خبره عن نفسه بقوله: «وقعت على أهلي في رمضان»؟!
الثالث: أن هذا صريح، وقوله: «أفطر» مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر، وقد فسّرتْه
الرواية الأخرى بأن فِطره كان بجماع، فتعين الأخذ به.
الرابع: أن حرف «أو» وإن كان ظاهرًا في التخيير، فليس بنص فيه، وقوله: «هل تستطيع
كذا؟ هل تستطيع كذا؟» صريح في الترتيب، فإنه لم
_________
(1). ط. الفقي: «مرّة» تحريف.
(2). كذا في الأصل والطبعتين، ولعل الصواب: «خلاف».
(3). ط. المعارف: «الرسول الله - صلى الله عليه وسلم -» خطأ.
(2/84)
يجوِّزْ له الانتقال إلى الثاني إلا بعد
إخباره بعجزه عما قبله، مع أنه صريح لفظ صاحب الشرع، وقوله: «فأمره أن يعتق رقبة
أو يصوم» لم يحك فيه لفظه.
الخامس: أن الأخذ بحديث الترتيب متضمن (1) العملَ بالحديث الآخر، لأنه يفسره ويبين
المراد منه، والعمل بحديث التخيير لا يتضمن حديثَ الترتيب، ولا ريب أن العمل
بالنصَّين أولى.
السادس: أنا قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة سواءً على الترتيب، وهي
كفارة الظهار، وحكمُ النظيرِ حكم نظيره. ولا ريب أن إلحاق كفارة الجماع في رمضان
بكفارة الظهار وكفارة القتل أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين.
22 - باب التغليظ فيمن أفطر عمدًا
234/ 2290 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «من أفطر يومًا من رمضان في غير رُخْصة رخَّصها الله له، لم يقض عنه صيامُ
الدهر».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (2). وذكره البخاري تعليقًا (3) فقال: ويُذكر
عن أبي هريرة رفعه: «من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر ولا مرض، لم يقضه صيام
الدهر، وإن صامه». وقال الترمذي (4): لا نعرفه إلا من هذا الوجه،
_________
(1). ط. المعارف: «يتضمّن» والمثبت موافق لطبعة الفقي، ورسم الأصل محتمل.
(2). أبو داود (2396)، والترمذي (723)، والنسائي في «الكبرى» (3265 - 3270)، وابن
ماجه (1672).
(3). في «باب إذا جامع في رمضان».
(4). في «الجامع» عقب الحديث.
(2/85)
وسمعت محمدًا ــ يعني البخاري ــ يقول: أبو
المطوِّس اسمه يزيد بن المطوِّس، ولا أعرف له غير هذا الحديث. هذا آخر كلامه (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال الدارقطني (2): «ليس في رُواته مجروح»، وهذه
العبارة لا تنفي أن يكون فيهم مجهول لا يُعرف بجرح ولا عدالة.
ويقال في هذا ثلاثة (3) أقوال: أبو المطوس، وابن المطوس، والمطوس؛ تفرد بهذا
الحديث، وتفرَّد به الحديث! قال ابن حبان (4): لا يجوز الاحتجاج بما انفرد من
الروايات.
23 - باب من أكل ناسيًا
235/ 2291 - عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا
رسول الله، إني أكلتُ وشربتُ ناسيًا وأنا صائم؟ فقال: «اللهُ أطعمك وسقاك».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (5).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي «الصحيحين» (6) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتمَّ صومه، فإنما
_________
(1). ذكر المجرّد أن المؤلف ذكر الحديث ثم قال كلامه الآتي، ورأينا إثبات هذا القدر
من كلام المنذري الطويل لفائدته في تخريج الحديث والكلام عليه.
(2). لم أجد كلامه، لا في «السنن» عقب الحديث (2404)، ولا في «العلل» (1562).
(3). «ثلاثة» غير محرّرة في الأصل، والمثبت من نسخة (ش) والمطبوع.
(4). في «المجروحين» (2/ 512، 513).
(5). أبو داود (2398) وقد تفرّد به بهذا اللفظ، والبخاري (1933)، ومسلم (1155)،
والترمذي (721)، والنسائي في «الكبرى» (3262)، وابن ماجه (1673).
(6). البخاري (1933)، ومسلم (1155).
(2/86)
أطعمه الله وسقاه»، وعند البخاري «فأكل
وشرب».
وروى الدارقطني (1) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أكل
الصائم ناسيًا أو شرب ناسيًا، فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه». قال:
هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات.
وفي طريق أخرى (2): «لا قضاء عليه ولا كفارة». قال: وهو صحيح أيضًا.
24 - باب تأخير قضاء رمضان
236/ 2292 - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع عائشة - رضي الله عنها - قالت: «إن
كان ليكون عليَّ الصومُ من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (3). وأخرجه الترمذي (4) من حديث عبد
الله البَهِيّ عن عائشة، وقال: حسن صحيح.
_________
(1). برقم (2242).
(2). برقم (2243)، وليس فيه قوله: «هو صحيح»، وإنما قال عقبه: «تفرّد به محمد بن
مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري». قلتُ: لم يتفرّد به محمد بن مرزوق، بل تابعه أخوه
إبراهيم عند ابن خزيمة (1990) وابن حبان (3521)، وأبو حاتم الرازي عند الحاكم (1/ 430)،
كلاهما عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة.
(3). أبو داود (2399)، والبخاري (1950)، ومسلم (1146/ 151)، والنسائي (2338)، وابن
ماجه (1669)، كلهم من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي سلمة عن عائشة.
(4). برقم (783).
(2/87)
واختلف فيما لو أخّره عن رمضان آخر: فقال
جماعة من الصحابة والتابعين: يقضي ويطعم لكل يوم مسكينًا (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة (2)، ومجاهد
وسعيد بن جبير والثوري والأوزاعي والإمام أحمد والشافعي ومالك وإسحاق (3).
وقال جماعة: يقضي ولا فدية عليه، وهذا يروى عن الحسن وإبراهيم النخعي، وهو مذهب
أبي حنيفة (4).
وقالت طائفة، منهم قتادة: يطعم ولا يقضي (5).
ووقع في «الصحيحين» في هذا الحديث: «الشغل برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو
من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، ولكن هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام
_________
(1). هذه الفقرة نسبها المجرّد إلى المنذري، وليست في النسخة الخطية التي طبع عنها
«المختصر» كما نصّ عليه الشيخ أحمد محمد شاكر في هامش (3/ 278)، وفي النسخة
البريطانية من «المختصر» كلام للمنذري في هذه المسألة مع ذكر الخلاف فيها فأعاد
المؤلف صياغته وزاد في تعليقه الآتي ذكر أسماء القائلين بالقول الأول.
(2). أخرجه عنهم عبد الرزاق (7620 - 7624)، والدارقطني (2343 - 2347)، والبيهقي
(4/ 253)، وفي بعض الروايات عن ابن عمر أنه يطعم «ولا قضاء عليه».
(3). انظر: «الأم» (3/ 261)، و «الإشراف» (3/ 147)، و «الاستذكار» (3/ 266)، و
«المغني» (4/ 400).
(4). انظر: «المبسوط» (3/ 77)، والمصادر السابقة عدا «الأم».
(5). أخرجه عنه عبد الرزاق (7625).
(2/88)
يحيى بن سعيد، بيَّن ذلك البخاري في «صحيحه»
(1) قال: وقال يحيى: «الشغل من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بالنبي - صلى الله
عليه وسلم -».
وفي لفظ (2): «قال يحيى: فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-».
وفي «الصحيحين» (3) عن عائشة أيضًا قالت: «إن كانت إحدانا لَتُفطر في رمضان في
زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - حتى يأتي شعبان».
25 - باب من مات وعليه صيام
237/ 2293 - عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات وعليه صيامٌ
صامَ عنه وليُّهُ».
وأخرجه البخاري ومسلم (4).
238/ 2294 - (5) وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «إذا مرض الرجل في
_________
(1). برقم (1950).
(2). أخرجه مسلم (1146/ 151).
(3). أخرجه مسلم (1146/ 152)، ولم يخرجه البخاري.
(4). أبو داود (2400)، والبخاري (1952)، ومسلم (1147).
(5). كتب المجرّد هنا: «قال الحافظ شمس الدين» ــ يعني ابن القيم ــ، وهو وهم
فالحديث من أحاديث الباب في «السنن» و «المختصر»، وليس من زيادات المؤلف. وحتى
الفقرة الآتية إلى قوله: «ولفظ البخاري نحوه» موجودة بنحوها في مخطوط «المختصر»
ضمن تعليق المنذري على الحديث، ولعل نسخة «المختصر» التي كانت عند المجرّد فقابل بها
«تهذيب السنن» ليجرّد زياداته كان فيها سقط في هذا الموضع، فظن أن ذلك كلّه من
زيادات ابن القيم.
(2/89)
رمضان ثم مات ولم يَصِحّ أُطْعِمَ عنه ولم
يكن عليه قضاء. وإن نذر قضى عنه وليه» (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي «الصحيحين» (2) عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم
نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: «أرأيتِ لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك
عنها؟». قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك» هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري نحوه.
وفي «الصحيحين» (3) عنه أيضًا أن أمرأة جاءت فقالت: يا رسول الله، إن أختي ماتت
وعليها صيام شهرين متتابعين» وذكر الحديث بنحوه.
وفي «صحيح مسلم» (4) عن بريدة قال: كنت جالسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -
إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدَّقتُ على أمّي بجارية، وإنها ماتت قال: «وجب أجركِ،
وردّها عليك الميراث». قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟
قال: «صومي عنها». قالت: يا رسول الله، إنها لم تحج،
_________
(1). أبو داود (2401).
(2). البخاري (1953)، ومسلم (1148/ 156) من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(3). علقه البخاري عقب الحديث السابق بصيغة التمريض عن أبي خالد الأحمر بإسناده
إلى ابن عباس. ثم علق الحديث من طرق أخرى عن ابن عباس كلها بلفظ: «إن أمّي ماتت»،
مما يدلّ على مخالفة أبي خالد ــ وهو صدوق يخطئ ــ لجميع الرواة في قوله: «أختي».
وأما مسلم، فساق (1148) إسناده من طريق أبي خالد في المتابعات، ولم يسُق لفظه.
(4). برقم (1149).
(2/90)
أفأحج عنها؟ قال: «حُجّي عنها».
قال البيهقي (1): فثبت بهذه الأحاديث جواز الصوم عن الميت. وقال الشافعي في
القديم: وقد ورد في الصوم عن الميت شيء، فإن كان ثابتًا صِيمَ عنه، كما يُحَج عنه.
وقال في الجديد: فإن قيل: فهل روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدًا
أن يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روي عن ابن عباس. فإن قيل: لم لا تأخذ به؟ قيل: حدّث
(2) الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نذر
نذرًا» ولم يسمّه، مع حفظ الزهري، وطول مجالسة (3) عبيد الله لابن عباس، فلما جاء
غيره: عن رجل عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد الله= أشبَهَ أن لا يكون محفوظًا.
وأراد الشافعي ما روى مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله [عن ابن عبّاس]
أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أمي ماتت
وعليها نذر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اقضه عنها». وهذا حديث متفق عليه
(4) من حديث مالك وغيره عن الزهري، إلا أن في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: «أن
امرأة سألت». وكذلك رواه الحكَم بن عُتَيبة وسلَمة بن كُهَيل عن مجاهد عن ابن عباس.
وفي روايةٍ عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير
_________
(1). «السنن الكبرى» (4/ 256 - 257) باختصار، وما بين الحاصرتين مستدرك منه.
(2). رسمه في الأصل يشبه «حديث» كما في الطبعتين، والمثبت من «السنن الكبرى».
(3). في الأصل وط. المعارف: «مجالسته»، خطأ. والمثبت من «السنن الكبرى».
(4). البخاري (2761) ومسلم (1638).
(2/91)
عن ابن عباس: «أن امرأة سألت». ورواه عكرمة
عن ابن عباس (1).
ثم رواه بريدة بن حصيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فالأشبه أن تكون هذه القصة التي وقع فيها السؤال [عن الصوم] نصًّا غير قصة سعد بن
عبادة التي وقع السؤال فيها عن النذر مطلقًا. كيف، وقد روي عن عائشة عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - بإسناد صحيح النصُّ على جواز الصوم عن الميت (2).
قال: وقد رأيت بعض أصحابنا يضعّف حديث ابن عباس بما روي عن يزيد بن زريع عن حجاج
الأحول عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: «لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم
عنه» (3)، وبما روي عنه في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر النذر
(4).
وضعَّف حديث عائشة بما روي عنها في امرأة ماتت وعليها الصوم، قالت: «يُطعَم عنها»
(5). وفي رواية عنها: «لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا
_________
(1). هذه الطرق علّقها البخاري (1953)، ووصلها مسلم (1148) إلا طريق عكرمة فوصلها
ابن خزيمة (2053).
(2). كما في حديث الباب.
(3). أخرجه النسائي في «الكبرى» (2930) بإسناد كلهم ثقات.
(4). أخرجه عبد الرزاق (7650) ومن طريقه البيهقي (4/ 254) بلفظ: «يُطعم ستين
مسكينا». وروي عنه التفريق بين رمضان والنذر، وسيأتي.
(5). أخرجه الطحاوي في «شرح المشكل» (6/ 178 - 179)، وفي إسناده جهالة الراوية عن
عائشة. وأخرج أيضًا نحوه من طريق آخر جيد، وفيه تصريح أن عليها صوم رمضان.
(2/92)
عنهم» (1).
قال: وليس فيما ذكروا ما يوجب للحديث ضعفًا، فمن يجوّز الصيام عن الميت يجوّز
الإطعام عنه.
وفيما روي عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر، والأحاديث المرفوعة أصح إسنادًا
وأشهر رجالًا، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعي على جميع طرقها
وتَظاهُرِها، لم يخالفها إن شاء الله.
[ق 127] وممن رأى جواز الصيام عن الميت: طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة. آخر
كلام البيهقي.
اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يُقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال (2):
أحدها: لا يُقضى عنه بحال، لا في النذر ولا في الواجب الأصلي. وهذا ظاهر مذهب
الشافعي، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه.
الثاني: أنه يصام عنه فيهما. وهذا قول أبي ثور وأحد قولَي الشافعي.
والثالث: أنه يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي. وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه (3)،
وقول أبي عبيد والليث بن سعد، وهو المنصوص عن
_________
(1). لم أجد من أخرجه، وقال عنه الحافظ في «الفتح» (4/ 194): ضعيف جدًّا.
(2). انظر: «الإشراف» (3/ 149)، و «التمهيد» (9/ 27، 28)، و «المغني» (4/ 398،
399)، و «المجموع» (6/ 415).
(3). انظر: «مسائل أحمد» برواية عبد الله (ص 186)، وبرواية الكوسج (1/ 621)،
وبرواية أبي داود (ص 137).
(2/93)
ابن عباس. روى الأثرم عنه (1) أنه سئل عن
رجل مات وعليه نذر صوم شهر، وعليه صوم رمضان؟ قال: «أما رمضان فليُطعَم عنه، وأما
النذر فيصام».
وهذا أعدل الأقوال، وعليه يدل كلام الصحابة. وبهذا يزول الإشكال وتعليلُ حديث ابن
عباس بأنه قال: «لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه»، فإن هذا إنما هو في الفرض
الأصلي، وأما النذر فيصام عنه، كما صرح به ابن عباس، ولا معارضة بين فتواه
وروايته. وهذا هو المروي عنه في قصة من مات وعليه صوم رمضان وصوم النذر، فرق
بينهما، فأفتى بالإطعام في رمضان، وبالصوم عنه في النذر، فأي شيء في هذا ما يوجب
تعليل حديثه؟
وكذلك ما روي عن عائشة من إفتائها في التي ماتت وعليها الصوم: أنه يطعم عنها، إنما
هو في الفرض لا في النذر، لأن الثابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان أنه يطعم
عنه في قضاء رمضان، ولا يصام، فالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس سواء، فلا تعارض
بين رأيها وروايتها.
وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وموافقة فتاوى الصحابة لها، وهو مقتضى
الدليل والقياس، لأن النذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه،
فصار بمنزلة الدَّين الذي استدانه، ولهذا شبهه النبي - صلى الله عليه وسلم -
بالدين في حديث ابن عباس. والمسؤول عنه فيه أنه كان صوم نذر، والدَّين تدخله
النيابة.
وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام، فلا
_________
(1). أي عن ابن عباس، لا كما توَّهمه محقق ط. المعارف أن المراد: عن الإمام أحمد.
والأثر ذكره ابن قدامة في «المغني» (4/ 399) وعزاه إلى «السنن» للأثرم. وأخرجه
أيضًا عبد الرزاق (7651)، وابن حزم في «المحلى» (7/ 7)، والبيهقي (4/ 254).
(2/94)
تدخله النيابة بحال، كما لا تدخل الصلاةَ
والشهادتين. فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه وقيامُه بحق العبودية التي خلق لها
وأمر بها، وهذا أمر لا يؤدّيه عنه غيره، كما لا يُسْلِم عنه غيره، ولا يصلي عنه
غيره.
وهكذا من ترك الحجّ عمدًا مع القدرة عليه حتى مات، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى
مات، فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع: أن فعلهما عنه بعد الموت (1) لا يبرئ ذمته،
ولا يقبل منه. والحق أحق أن يتبع.
وسرّ الفرق: أن النذر التزام من المكلف لِما شغل به ذمته، لا أن الشارع ألزمه به
ابتداء، فهو أخفّ حكمًا مما جعله الشارع حقًّا له عليه، شاء أم أبى. والذمة تسع
المقدور عليه والمعجوز عنه، ولهذا تقبل أن يَشْغَلها المكلَّفُ بما لا قدرة له
عليه، بخلاف واجبات الشرع، فإنها على قدر طاقة البدن، لا تجب على عاجز. فواجب
الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلي، لأن المكلف متمكّن من إيجاب واجبات كثيرة عليه
لم يوجبها عليه الشارع، والذمة واسعة، وطريق أداء واجبها أوسع من طريق أداء واجب
الشرع، فلا يلزم من دخول النيابة في واجبها بعد الموت دخولُها في واجب الشرع.
وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق، وأعمقهم علمًا، وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده
وحكمه. وبالله التوفيق.
26 - باب اختيار الفطر (2)
239/ 2300 - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - رأى رجلًا
_________
(1). في الأصل وط. المعارف: «الموات»، خطأ.
(2). أي في السفر، فإن الباب الذي قبله في «السنن»: «باب الصوم في السفر».
(2/95)
يُظَلَّلُ عليه، والزحام عليه. فقال: «ليس
من البِرِّ الصيامُ في السفر».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (1). (2)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد احتج به من يوجب الفطر في السفر. واحتجوا بأن
الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وكانوا يأخذون
بالأحدث فالأحدث من أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - (3).
واحتجوا أيضًا بحديث دَِحْية بن خليفة الكلبي أنه لما سافر من قريته في رمضان وذلك
ثلاثة أميال أفطَر، فأفطر معه الناس، وكره ذلك آخرون، فلما رجع إلى قريته قال:
«والله لقد رأيت أمرًا ما كنت أظن أني أراه، إنّ قومًا رغبوا عن هدي رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - وأصحابه»، يقول ذلك للذين صاموا. ثم قال عند ذلك: «اللهم
اقبضني إليك». رواه أبو داود وغيره (4).
واحتجوا أيضًا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقبول رخصة الفطر. فروى
النسائي (5)
_________
(1). أبو داود (2407)، والبخاري (1946)، ومسلم (1115)، والنسائي في «المجتبى»
(2257)، وفي «الكبرى» (2577).
(2). للمنذري بعده كلام على معنى الحديث، لم يُشر إليه المجرّد، وإنما ذكر أن
تعليق ابن القيم على نفس الحديث، ولذا اقتصرت على ذكر التخريج دون ما بعده، لاسيما
أن كلام ابن القيم قد تضمّن ما ذكره المنذري مع الزيادة والتحرير.
(3). انظر: «صحيح البخاري» (2953، 4276)، و «صحيح مسلم» (1113/ 88).
(4). أبو داود (2413)، وأحمد (27231)، وابن خزيمة (2041)، من طريق أبي الخير
اليَزَني، عن منصور الكلبي، عن دحية. ومنصور الكلبي فيه جهالة، لم يوثّقه غير
العجلي، وقال ابن خزيمة في «صحيحه»: «لا أعرفه بعدالةٍ ولا جرح»، وسيأتي مزيد
الكلام عليه في «باب مسيرة ما يفطر فيه».
(5). «المجتبى» (2258 - 2260)، و «الكبرى» (2578 - 2580)، وأخرجه أيضًا ابن حبان
(355). وأصل الحديث متفق عليه دون قوله: «وعليكم برخصة الله ... »، وهذه الزيادة
في ثبوتها نظر. وانظر: «صحيح مسلم» (1115).
(2/96)
من حديث جابر يرفعه: «ليس من البر أن تصوموا
في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخّص لكم فاقبلوها».
واحتجوا أيضًا بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الذين صاموا: «أولئك العصاة». رواه
النسائي (1) في قصة فطره عام الفتح.
واحتجوا أيضًا بقول عبد الرحمن بن عوف: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر». رواه
النسائي (2). ولا يصح رفعه، وإنما هو موقوف.
واحتجوا أيضًا بأن الله تعالى إنما أمر المسافر بالعدة من أيام أخر، فهي فرضه الذي
أمر به، فلا يجوز غيره. وحكي ذلك عن غير واحد من الصحابة (3).
وأجاب الأكثرون عن هذا بأنه ليس فيه ما يدل على تحريم الصوم في
_________
(1). «المجتبى» (2263) و «الكبرى» (2583). والحديث في «صحيح مسلم» (1114).
(2). «المجتبى» (2285، 2286) و «الكبرى» (2606، 2607) من طريق حميد وأبي سلمة
ابنَي عبد الرحمن بن عوف، عن أبيهما موقوفًا. والمحفوظ طريق أبي سلمة عن أبيه، وهو
مرسل فإن أبا سلمة لم يسمع من أبيه. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 255).
ورواه ابن ماجه (1666) مرفوعًا، ولا يصحّ. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (694)،