النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
(2). كذا في الأصل وكتابي البيهقي، وعليه بنى المؤلف تعقبه لكلام الشافعي. وفي
«اختلاف الحديث»: «ابن أوس» أي: شدّاد راوي حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» عامَ الفتح.
(3). كالحافظين الرازيّين في «العلل» (663).
(4). لم يذكره ابن قدامة في «المنتخب». وانظر: «مجموع الفتاوى» (25/ 253)، و «زاد
المعاد» (2/ 61 - 62).
(2/45)
وقد روي هذا الحديث على أربعة أوجه:
أحدها: «احتجم وهو محرم» فقط. وهذا في «الصحيحين» (1).
الثاني: «احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم». انفرد به البخاري (2).
الثالث: «احتجم وهو محرم صائم». ذكره الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه.
الرابع: «احتجم وهو صائم» فقط. ذكره أبو داود (3).
وأما حديث: «احتجم وهو صائم» فهو مختصر من حديث ابن عباس في البخاري: «احتجم رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم، واحتجم وهو صائم».
وأما حديث «احتجم وهو محرم صائم» فهذا هو الذي تمسك به من ادّعى النسخ.
وأما لفظ: «احتجم وهو صائم» فلا يدل على النسخ ولا تصح المعارضة به لوجوه:
أحدها: أنه لا يُعلم تاريخه، ودعوى النسخ لا تثبت بمجرد الاحتمال.
الثاني: أنه ليس فيه أن الصوم كان فرضًا، ولعله كان صوم نفل خرج منه.
الثالث: حتى لو ثبت أنه صوم فرضٍ، فالظاهر أن الحجامة إنما تكون
_________
(1). البخاري (1835، 5695، 5700) ومسلم (1202).
(2). رقم (1938).
(3). سبق تخريج الحديثين في أحاديث الباب.
(2/46)
للعذر، ويجوز الخروج من صوم الفرض بعذر
المرض. والواقعة حكاية فعل، لا عموم لها.
ولا يقال: قوله «وهو صائم» جملةُ حالٍ مقارنةٍ للعامل فيها، فدل على مقارنة الصوم
للحجامة؛ لأن الراوي لم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إني باقٍ على
صومي، وإنما رآه يحتجم وهو صائم، فأخبر بما شاهده ورآه، ولا علم له بِنيَّة النبي
- صلى الله عليه وسلم -، ولا بما فعل بعد الحجامة، مع أن قوله: «وهو صائم» حال من
الشروع في الحجامة وابتدائها، فكان ابتداؤها مع الصوم، وكأنه قال: احتجم في اليوم
الذي كان صائمًا فيه، ولا يدل ذلك على استمرار الصوم أصلا. ولهذا نظائر منها: حديث
الذي وقع على امرأته وهو صائم، وقوله في «الصحيحين» (1): وقعت على امرأتي وأنا
صائم. والفقهاء وغيرهم يقولون: وإن جامع وهو محرم، وإن جامع وهو صائم، ولا يكون
ذلك فاسدًا من الكلام، فلا تُعطَّل نصوص الفطر بالحجامة بهذا اللفظ المُحتمِل.
وأما قوله: «احتجم وهو محرم صائم»، فلو ثبتت هذه اللفظة لم يكن فيها حجة لما
ذكرناه، ولا دليل فيها أيضًا على أن ذلك كان بعد قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»،
فإن هذا القول منه كان في رمضان سنة ثمان من الهجرة عام الفتح، كما جاء في حديث
شداد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بعمرة الحديبية سنة ست، وأحرم من العام
القابل بعمرة القضية، وكلا العمرتين (2) قبل ذلك، ثم دخل مكة عام الفتح ولم يكن
محرمًا، ثم حج حجة الوداع،
_________
(1). البخاري (1936) ومسلم (1111) من حديث أبي هريرة، وليس عند مسلم موضع الشاهد.
(2). الوجه: «وكلتا العمرتين»، وتذكير «كلا» في مثله شائع في كتب المؤلف.
(2/47)
فاحتجامه وهو صائم محرم لم يبيَّن [ق 119]
في أي إحراماته كان؟ وإنما تمكن دعوى النسخ إذا كان ذلك قد وقع في حجة الوداع أو
في عمرة الجعرانة حتى يتأخر ذلك عن عام الفتح الذي قال فيه: «أفطر الحاجم
والمحجوم»، ولا سبيل إلى بيان ذلك.
وأما رواية ابن عباس له، وهو ممن صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الفتح، فلا
تُثير ظنًّا، فضلًا عن النسخ به، فإن ابن عباس لم يقل: شهدت رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، ولا: رأيته فعل ذلك، وإنما روى ذلك روايةً مطلقة، ومن المعلوم أن
أكثر روايات ابن عباس إنما أخذها من الصحابة، والذي فيه سماعه من النبي - صلى الله
عليه وسلم - لا يبلغ عشرين قصة، كما قاله غير واحد من الحفاظ، فمن أين لكم أن ابن
عباس لم يروِ هذا عن صحابي آخر، كأكثر رواياته؟ وقد روى ابن عباس أحاديث كثيرةً
مقطوع بأنه لم يسمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا شهدها، ونحن نقول إنها
حجة، لكن لا يثبت (1) بذلك تأخُّرُها ونسخها لغيرها، ما لم يُعلم التاريخ.
وبالجملة، فدعوى النسخ إنما تثبت بشرطين: أحدهما: تعارض المَتْنين (2)، والثاني:
العلم بتأخر أحدهما. وقد تبين أنه لا سبيل إلى واحد منهما في مسألتنا، بل من
المقطوع به أن هذه القصة لم تكن في رمضان، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم
يحرم في رمضان، فإن عُمَرَه كانت في ذي القعدة، وفتح مكة كان في رمضان، ولم يكن
مُحرِمًا، فغايتها أنها في صوم تطوع في السفر، وقد كان آخر الأمرين من رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - الفطر في السفر. ولما خرج في (3)
_________
(1). في الطبعتين: «لا نُثبت»، والكلمة مهملة غير منقوطة في الأصل.
(2). ط. الفقي: «المفسّر»، تحريف.
(3). في الأصل وط. المعارف: «مِن»، ولعله تصحيف ما أثبت، أو كان أصله: «زمن» فسقطت
الزاء. وفي ط. الفقي: «من المدينة عام الفتح» زاد فيه دون تنبيه.
(2/48)
الفتح صام حتى بلغ الكَدِيد، ثم أفطر،
والناس ينظرون إليه (1). ثم لم يُحفظ عنه أنه صام بعد هذا في سفر قط. ولما شك
الصحابة في صيامه يوم عرفة أرسلوا أمَّ الفضل إليه بقَدَح فشربه (2)، فعلموا أنه
لم يكن صائمًا.
فقصة الاحتجام وهو صائم محرم إما غلط، كما قال الإمام أحمد وغيره، وإما قبل الفتح
قطعًا، وعلى التقديرين فلا يُعارَض بها قوله عام الفتح: «أفطر الحاجم والمحجوم».
وعلى هذا فحديث ابن عباس إما أن (3) يدل على أنّ الحجامة لا تفطّر أو لا يدل. فإن
لم يدل لم يَصلح للنسخ. وإن دل فهو منسوخ بما ذكرنا من حديث شدّاد، فإنه مؤرَّخ
بعام الفتح، فهو متأخر عن إحرام النبي - صلى الله عليه وسلم - صائمًا، وتقريره ما
تقدم.
وهذا القلب في دعوى كونه منسوخًا أظهر من ثبوت النسخ به. وعياذًا بالله من شر
مقلّدٍ عصبيٍّ يرى العلم جهلًا، والإنصاف ظلمًا، وترجيح الراجح على المرجوح
عدوانًا! وهذه المضايق لا يصحب السالك فيها إلا من صَدَقت في العلم نيتُه وعَلَت
همَّتُه. وأما من أخلد إلى أرض التقليد، واستوعر طريق الترجيح، فيقال له: ما ذا
عُشَّكِ فادرُجي (4)!
_________
(1). أخرجه البخاري (1944، 2953، 4275، 4276)، ومسلم (1113).
(2). كذا، والرواية أن الصحابة لمّا تماروا عندها أرسلتْ هي إلى النبي - صلى الله
عليه وسلم - بقدح، لا أنهم أرسلوها إليه به. هكذا أخرجه البخاري (1658) ومسلم
(1123).
(3). «أن» ساقط من الطبعتين.
(4). أي: ليس هذا مجالك، ولستَ من أهله، فدعْه وامْضِ! انظر: «مجمع الأمثال» (2/
181) و «تاج العروس» (عشش).
(2/49)
قالوا: وأما حديث أنس في قصة جعفر (1)،
فجوابنا عنه من وجوه:
أحدها: أنه من رواية خالد بن مَخْلَد، عن ابن المُثنّى. قال الإمام أحمد (2): خالد
بن مخلد له مناكير. قالوا: ومما يدل على أن هذا الحديث من مناكيره أنه لم يروه أحد
من أهل الكتب المعتمدة، لا أصحاب الصحيح ولا أحد من أهل السنن، مع شهرة إسناده،
وكونه في الظاهر على شرط البخاري، ولا احتج به الشافعي، مع حاجته إلى إثبات النسخ،
حتى سلك ذلك المسلك في حديث ابن عباس، فلو كان هذا صحيحًا لكان أظهرَ دلالة وأبينَ
في حصول النسخ.
قالوا: وأيضًا فجعفر إنما قدم من الحبشة عام خيبر، أو آخر سنة ست وأول سنة سبع،
وقُتل (3) عام مؤتة قبل الفتح ولم يشهد الفتح، فصام مع النبي - صلى الله عليه وسلم
- رمضانًا واحدًا سنة سبع، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفطر الحاجم
والمحجوم» بعد ذلك في الفتح سنة ثمان.
فإن كان حديث أنس محفوظًا، فليس فيه أن الترخيص وقع بعد عام الفتح، وإنما فيه أن
الترخيص وقع بعد قصة جعفر. وعلى هذا فقد وقع الشك في الترخيص وقولِه في الفتح:
«أفطر الحاجم والمحجوم»، أيهما هو المتأخر؟ ولو كان حديث أنس قد ذُكر فيه الترخيص
بعد الفتح لكان حجةً، ومع وقوع الشك في التاريخ لا يثبت النسخ.
قالوا: وأيضًا فالذي يبين أن هذا لا يصح عن أنس: ما رواه البخاري في
_________
(1). سبق لفظه (ص 39).
(2). أسنده عنه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/ 354).
(3). ط. الفقي: «وقيل»، تحريف.
(2/50)
«صحيحه» (1) عن ثابت قال: «سئل أنس: أكنتم
تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف»، وفي رواية: «على عهد النبي -
صلى الله عليه وسلم -». فهذا يدل على أن أنسًا لم يكن عنده رواية عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - أنه فطّر بها، ولا أنه رخص فيها، بل الذي عنده كراهتها من أجل
الضعف. ولو عَلِم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخّص فيها بعد الفطر بها، لم
يَحتج أن يجيب بهذا مِن رأيه، ولم يَكره شيئًا رخّص فيه رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -.
وأيضًا فمن المعلوم أن أهل البصرة أشد الناس في التفطير بها. وذكر الإمام أحمد (2)
وغيره أن البصرة كانت إذا دخل شهر رمضان يُغلقون حوانيت الحجّامين. وقد تقدم مذهب
الحسن وابن سيرين إمامَي البصرة أنهما كانا يفطّران بالحجامة، مع أن فتاوى أنس
نُصْب أعينهم، وأنس آخر من مات بالبصرة من الصحابة، فكيف يكون عند أنس أن النبي -
صلى الله عليه وسلم - رخّص في الحجامة [ق 120] للصائم بعد نهيه عنها، والبصريون
يأخذون عنه، وهم على خلاف ذلك؟! وعلى القول بالفطر بها، لا سيما وحديث أنس فيه أن
ثابتًا سمعه منه، وثابت من أكبر مشايخ أهل البصرة ومن أخصّ أصحاب الحسن= فكيف
تشتهر بين أهل البصرة السنّة المنسوخة، ولا يعلمون الناسخة ولا يعملون بها، ولا
تُعرف بينهم ولا يتناقلونها، بل هم على خلافها؟! هذا محال.
قالوا: وأيضًا فأبو قلابة من أخص أصحاب أنس، وهو الذي يروي قوله: «أفطر الحاجم
والمحجوم» من طريق أبي أسماء عن ثوبان، ومن
_________
(1). رقم (1940).
(2). انظر: «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (3/ 345).
(2/51)
طريق أبي الأشعث عن شداد (1). وعلى حديثه
اعتمد أئمة الحديث وصححوه، وشهدوا أنه أصح أحاديث الباب. فلو كان عند أنس عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - سنة تنسخ ذلك، لكان أصحابه أعلمَ بها، وأحرصَ على روايتها
من أحاديث الفطر بها. والله أعلم.
قالوا: وأما حديث أبي سعيد (2) فجوابه من وجوه:
أحدها: أنه حديث قد اختلف فيه عليه، فرواه أبو المتوكل عنه، واختلف عليه، فرفعه
المعتمر عن حميد عن أبي المتوكل (3)، ووقفه بِشر وإسماعيل وابن أبي عَدي عن حُمَيد
(4). ووقفه أبو نضرةَ عن أبي سعيد (5)، وأبو نضرة من أروى الناس عنه وأعلمهم
بحديثه. ووقفه قتادة عن أبي المتوكل (6)، فالواقفون له أكثر وأشهر، فالحكم لهم عند
المحدِّثين (7).
_________
(1). قد سبق تخريج الحديثين.
(2). سبق لفظه (ص 39).
(3). أخرجه النسائي في «الكبرى» (3224)، وابن خزيمة (1967)، والدارقطني (2268)
وقال: كلهم ثقات، وغير معتمر يرويه موقوفًا.
(4). أخرجها النسائي في «الكبرى» (3225 - 3227). وتابعهم حماد بن سلمة وأبو خالد
الأحمر، كلاهما عن حميد موقوفًا. انظر «مصنف بن أبي شيبة» (9414)، و «صحيح ابن
خزيمة» (1980).
(5). أخرجه النسائي في «الكبرى» (3230).
(6). أخرجه ابن أبي شيبة (9415)، والنسائي (3231)، وابن خزيمة (1971)، كلهم من طرق
عن شعبة عن قتادة به.
(7). هو الذي رجحه البخاري، والرازيّان، والترمذي، وجعلوا الرفع وهمًا، ولكن
خالفهم الدارقطني فقال: الذين رفعوه ثقات، وقد زادوا، وزيادة الثقة مقبولة! انظر:
«العلل الكبير» للترمذي (ص 125 - 126)، و «العلل» لابن أبي حاتم (676)، وللدارقطني
(2330).
(2/52)
الثاني: أن ذكر الحجامة فيه ليس من كلام
النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن خزيمة (1): الصحيح أن ذكر الحجامة فيه من
كلام أبي سعيد، ولكن بعض الرواة أدرجه فيه.
الثالث: أنه ليس فيه بيان للتاريخ، ولا يدل على أن هذا الترخيص كان بعد الفتح،
وقولكم: «إن الرخصة لا تكون إلا بعد النهي» باطل بنفس الحديث، فإن فيه: «رخص رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - في القبلة للصائم»، ولم يتقدّم منه نهي عنها، ولا قال
أحد: إن هذا الترخيص فيها ناسخ لمَنْعٍ تقدَّم. وفي الحديث: «إن الماء من الماء
كانت رخصة في أول الإسلام» (2)، فسمى الحكم المنسوخ رخصة، مع أنه لم يتقدم حظره،
بل المنع منه متأخر.
وبالجملة، فهذه المآخذ لا تفيد مقاومةً لأحاديث الفطر، ولا تأخُّرًا عنها، فكيف
تُنسخ بها؟!
قالوا: وأما جوابكم الثالث بأن الفطر فيها لم يكن للحجامة، وذكر الحاجم للتعريف
المحض، كزيد وعمرٍو= ففي (3) غاية البطلان من وجوه:
أحدها: أن ذلك يتضمن الإيهام (4) والتلبيس، بأن يَذكر وصفًا يُرتِّب
_________
(1). عقب الحديث (1967).
(2). أخرجه أحمد (21100)، وأبو داود (215)، والترمذي (110)، وابن خزيمة (225)،
وابن حبان (1173) من حديث سهل بن سعد، عن أُبي بن كعب - رضي الله عنهما - موقوفًا
عليه.
(3). في الطبعتين: «في» خلافًا للأصل.
(4). في الطبعتين: «الإبهام»، تصحيف.
(2/53)
عليه الحكم ولا يكون له فيه تأثير البتة.
الثاني: أن هذا يُبطل عامة أحكام الشرع التي (1) رتّبها على الأوصاف، إذا تطرَّق
إليها هذا الخيال والوهم الفاسد، كقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} [النور: 2]، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ}
[النساء: 18]. ومعلوم أنه ليس بأيدينا إلا أوصاف رُتِّبت عليها الأحكام، فإن جاز
أن تكون تلك الأوصاف للتعريف لا للتعليل بطلت الأحكام.
الثالث: أنه لا يَفهم قط (2) أحدٌ من الخاصة والعامة مِن قول القائل: «القاتل لا
يرث» و «العبد لا يرث» و «الكافر لا يرث» و «القاذف لا تُقبل شهادته» و «المُحْدِث
لا تصحّ صلاته» وأمثال ذلك= إلا تَعلُّقَ الأحكام بتلك الأوصاف. ولهذا لا يَحسُن
ذكر وصفٍ لا تأثير له في الحكم، كما لو قال: أفطر الخيّاط والمخيط له، وأفطر
الحامل والمحمول له، وأفطر الشاهد والمشهود له!! ومن قال هذا عُدَّ كلامه سُخْفًا،
وتعجَّب الناس من قوله، فكيف يضاف ذلك إلى الشارع؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!
الرابع: أن هذا قدح في أفهام الصحابة الذين هم أعرف الناس وأفهم الناس بمراد
نبيهم، وبمقصوده من كلامه، وقد قال أبو موسى لرجل قال له:
_________
(1). في الأصل: «الذي»، وهو سهو.
(2). «قط» أوقعه المؤلف هنا وفي مواضع أخرى من كتبه موقع «أبدًا»، والصواب أنه ظرف
مختص بالمُضيّ. انظر: «درّة الغوّاص في أوهام الخواص» (الوهم التاسع).
(2/54)
ألا تحتجم نهارًا؟ أتأمرني أن أُهَرِيقَ دمي
وأنا صائم وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أفطر الحاجم
والمحجوم»؟ (1).
والذين فطَّروا بذلك من الصحابة كعلي وأبي موسى وغيرهم إنما يحتجون بالحديث. وكان
جماعة من الصحابة لا يحتجمون في الصيام إلا ليلًا، منهم عبد الله بن عمر وابن عباس
وأبو موسى وأنس، ويحتجّون بالحديث (2).
الخامس: أن هذا يتضمن تعليق الحكم ــ وهو الفطر ــ بوصفٍ لا ذِكر له في الحديث
أصلًا، وإبطالَ تعليقه بالوصف الذي علقه به الشارع، وهذا من أبطل الباطل.
السادس: أنه لو صح ذلك ــ وحاشا لله ــ في قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فكيف يصح
ذلك في حديث أنس الذي جعلتموه عمدتكم في الباب، وهو قوله لجعفر ــ وقد مرّ به وهو
يحتجم ــ: «أفطَرَ هذان» ثم رخّص
_________
(1). سبق تخريجه.
(2). أثر ابن عمر أخرجه مالك (818)، وعبد الرزاق (7531 - 7533)، وابن أبي شيبة
(9412، 9413) بأسانيد صحيحة، ولكن ليس فيها أنه احتج بالحديث. وقد روي الحديث عنه،
ولكن بإسناد واهٍ، وسيأتي.
وأثر ابن عباس عزاه في «المغني» (4/ 351 - 352) إلى الجُوزجاني، ولم يذكر أنه
احتجّ بالحديث، وقد روي الحديث عنه، وقد سبق.
وحديث أبي موسى الأشعري سبق تخريجه.
وأثر أنس أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (5/ 338) بإسناد صحيح، وليس فيه أنه احتج
بالحديث، بل الظاهر أنه كان يؤخره من أجل الضعف، بدليل ما سبق من قوله في البخاري:
«لا، إلا من أجل الضعف».
(2/55)
في الحجامة بعدُ؟ وفي قوله: نهى عن الحجامة
ولم يحرّمها؟
السابع: أنه كيف يتفق بضعةَ عشر صحابيًّا على رواية أحاديثَ كلُّها متفقة بلفظ
واحد، ويكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ذكر الحجامة فيها ولا تأثير لها في
الفطر، وكلهم يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟!
الثامن: أنه كيف يجوز للصحابة أن يُفتوا بذلك، [ق 121] ويقولوا: أفطر الحاجم
والمحجوم؟ أفترى استمر التعريف بذلك دائمًا؟! ودَفْع الأحاديث متى وصل إلى هذا
الحد ساء وقبُح جدًّا!
التاسع: أنّا نقول: نعم، وهو للتعريف بلا شك، فإن أحكام الشارع إنما تُعرَّف
بالأوصاف وتُرْبَط بها، وتعمّ الأمة لأجلها، فالوصف في الحديث المذكور لتعريف
حكمه، وأنه مرتبط بهذا الوصفِ منوط به.
العاشر: أن صاحب القصة التي جرت له قال: مر عليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -
وأنا أحتجم، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فلو كان فطره بغير ذلك لبينه له
الشارعُ لحاجته إليه، ولم يَخْفَ على الصحابي ذلك، ولم يكن لذكره الحجامةَ معنًى.
وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فكيف يترك الشارع بيان الوصف المفطِّر فلا يبينه
للمكلَّف، ويذكر له وصفًا لا يفطّر بحال؟!
وأما قولهم: إن الفطر بالغيبة، فهذا باطل من وجوه:
أحدها: أن ذلك لا يثبت، وإنما جاء في حديث واحد من تلك الأحاديث: «وهما يغتابان
الناس» (1)، مع أنها زيادة باطلة.
_________
(1). أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (6318) من طريق غياث بن كلُّوب، عن مطرّف بن
سمرة بن جندب، عن أبيه مرفوعًا. قال البيهقي: غياث هذا مجهول. وذكره الدارقطني في
«الضعفاء» (428) وقال: له نسخة عن مطرّف بن سمرة بن جندب، لا يُعرف إلا به.
وأخرجه ابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (ص 338) من حديث ابن عباس بنحوه، وفي
إسناده إبراهيم بن البراء بن النضر، متروك الحديث، حدّث عن الثقات بالبواطيل.
وأخرجه العقيلي في «الضعفاء» (6/ 5) من حديث ابن مسعود، وفي إسناده معاوية بن
عطاء، في حديثه مناكير، وهذا منها.
(2/56)
الثاني: أنه لو ثبت لكان الأخذ بعموم اللفظ
الذي عَلَّق به الحكم، دون الغِيبة التي لم يُعلِّق بها الحكم.
الثالث: أنه لو كان ما ذكروه صحيحًا لكان موجَب البيان أن يقول: أفطر المغتابان،
على عادته وعُرْفه مِن ذكر الأوصاف المُؤثِّرة دون غيرها، فكيف يَعدِل عن الغيبة
المؤثّرة إلى الحجامة المُهدَرة؟!
الرابع: أن هذا يتضمن حمل الحديث على خلاف الإجماع وتعطيله، فإن المنازع لا يقول
بأن الغيبة تفطِّر، فكيف يَحمل الحديثَ على ما يعتقد بطلانه؟!
الخامس: أن سياق الأحاديث يُبطل هذا التأويل، كما تقدم.
السادس: أن معقل بن سنان قال: مرَّ بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أحتجم،
فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ولم يكن يغتاب أحدًا، ولا جرى للغيبة ذكر أصلًا.
قالوا: وأما الجواب الرابع (1) بأن «أفطر» بمعنى سيفطر، ففاسد أيضًا
_________
(1). ط. الفقي: «الواقع» تصحيف.
(2/57)
لتضمنه الإيهام بخلاف المراد، ولفهم الصحابة
خلافه، ولاطِّراد (1) هذا اللفظ دون مجيئه بالمعنى الذي ذكروه، ولشدَّة مخالفته
للوضع، ولذكر [الحاجم مع] (2) المحجوم، فإنه وإن تعرَّض المحجوم للفطر بالضعف، فأي
ضَعْف يلحق الحاجم؟
وكون الحاجم متعرِّضًا لابتلاع الدم، والمحجوم متعرضًا للضعف، هذا التعليل لا
يُبطل الفطرَ بالحجامة، بل هو مقرِّر للفطر بها، وإلا فلا يجوز استنباط وصف من
النص يعود عليه بالإبطال. بل هذا الوصف إن كان له تأثير في الفطر، وإلا فالتعليل
به باطل.
قالوا: وأما الجواب الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بهما مساءً فقال
ذلك، فمما لا يجوز أن يحمل الحديث عليه، وأي تأثير للحجامة؟ بل كل الناس قد أفطر.
وأيضًا فهذا كذب، فإنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك أصلًا، فقائله مُخبِر بالكذب.
وأيضًا فأي حاجة إلى قول أنس: «ثم رخص بعدُ في الحجامة»؟!
وأيضًا: فأي حاجة بالصحابة أن يؤخروا احتجامهم إلى الليل، وكيف يفتون الأمة بفطرهم
بأمرٍ قد فُعِل مساءً لا تأثير له في الفطر؟! والحمد لله على المعافاة من رد
الأحاديث بمثل هذه الخيالات!
وأما جوابكم السادس: أن هذا تغليظ ودعاء عليهما، لا أنه حكم
_________
(1). في الطبعتين: «ولاضطراد» خطأ.
(2). زيادة يقتضيها السياق.
(2/58)
شرعي، فالمجيب به كالمستجير من الرمضاء
بالنار! فإنهما لم يفعلا محرَّمًا عندكم ولا مفطِّرًا، بل فعلا ما أباحه لهما
الشارع عندكم، فكيف يُغلَّظ (1) عليهما ويُدعَى عليهما؟! ومتى عُهِد في عرف الشارع
الدعاء على المكلف بالفطر وفساد العبادة؟! وسائر الوجوه المتقدمة تبطل هذا أيضًا.
وأما جوابكم السابع بأن المراد إبطال أجر صومهما، فكذلك أيضًا، فإنكم لا تبطلون
أجرهما بذلك، ولا تحرِّمون الحجامة، ثم لو كان المراد إبطال الأجر لكان ذلك
مقرِّرًا لفساد الصوم لا لصحته، فإنه قد أَخبَر عن أمرٍ يتضمن بطلانَ أجرهما
لزومًا واستنباطًا، وبطلانَ صومهما صريحًا ونصًّا، فكيف يُعطَّل ما دل عليه صريحُه
ويُعتبر ما استُنبِط منه، مع أنه لا منافاة بينه وبين الصريح؟! بل المعنَيان حق،
قد بطل صومهما وأجرهما إذا كانت الحجامة لغير مرض.
وأما جوابكم الثامن أن الأحاديث لو قُدِّر تعارضها لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى
لموافقتها القياس، فجوابه:
أولًا: أن الأحاديث ــ بحمد الله ــ ليست متعارضة، وقد بيّنا أنه لا معارِض
لأحاديث المنع.
ويقال ثانيًا: لو قُدِّر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعيِّن، لأنها ناقلة عن
الأصل، وأحاديث الإباحة موافِقة لما كان الأمر عليه قبل جعلها مُفطِّرةً، والناقل
مقدَّم على المُبْقي.
_________
(1). ط. المعارف: «يُفطّر»، ورسمه في الأصل يُشبه: «يغطـ»، والظاهر أن الصواب ما
أثبتّه وأن اللام سقطت من الناسخ سهوًا، ويؤيده ذكر مصدره (تغليظ) في أول الفقرة.
(2/59)
ويقال ثالثًا: ليس في أحاديث الرخصة لفظ
صريح، وإنما غايتها أن تكون فعلًا محتمِلًا للوجوه التي تقدمت، فكيف تُقدَّم على
القول الصريح؟!
ويقال رابعًا: أحاديث الفطر صريحة متعددة الطرق، رواها عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - أربعة عشر نفسًا، وساق الإمام أحمد أحاديثهم كلها (1). وهُم: رافع بن خديج،
وثوبان، وشداد بن أوس، وأبو هريرة، وعائشة، وبلال، وأسامة بن زيد، ومعقل بن سنان،
وعلي بن أبي طالب (2)، وسعد بن أبي وقاص، وأبو زيد الأنصاري (3)، وأبو [ق 122]
موسى، وابن عباس، وابن عمر (4)؛ فكيف تُقدَّم عليها أحاديث هي بين أمرين: صحيح لا
دلالة فيه، أو ما فيه دلالة ولكن هو غير صحيح؟! وقد تقدم ذكر ذلك في الكلام على
الأحاديث وبينَّا أنه ليس فيها حديث واحد يصلح للمعارضة.
وعلى هذا، فالقياس الذي أشرتم إليه فاسد الاعتبار. ثم نقول: بل القياس من جانبنا،
لأن الشارع علّق الفطر بإدخال ما فيه قِوام البدن من الطعام والشراب، وبإخراجه من
القيء واستفراغ المني، وجَعَل الحيض مانعًا من الصوم لِما فيه من خروج الدم
المُضْعِف
للبدن.
_________
(1). في «مسائله» برواية عبد الله ــ كما ذكر شيخ الإسلام في «شرح العمدة» (3/
334) ــ، ولكن ليس في القدر المطبوع إلا حديث شداد وأثر ابن عمر وأبي هريرة.
(2). سبق تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة.
(3). أخرج الحديث من روايتهما ابن عدي في «الكامل» (3/ 97، 98). وكلا الإسنادين
واهٍ، فيه داود بن الزبرقان، متروك الحديث.
(4). سبق تخريج حديث أبي موسى وابن عبّاس، وأما حديث ابن عمرفأخرجه الطبراني في
«الأوسط» (6139) وابن عدي في «الكامل» (2/ 306) بإسناد ضعيف جدًّا.
(2/60)
قالوا: فالشارع قد نهى الصائم عن أخذ ما
يُقِيته (1)، وعن إخراج ما يُضعفه، وكلاهما مقصود له؛ لأن الشارع أمر بالاقتصاد في
العبادات، ولا سيما في الصوم، ولهذا أمر بتعجيل الفطور وتأخير السحور، فله قصدٌ في
حفظ قوة الصائم عليه كما له قصدٌ في منعه من إدخال المفطّرات. وشاهده الفطر بالقيء
والحيض والاستمناء، فالحجامة كذلك أو أولى، وليس معنا في القيء ما يماثل أحاديث
الحجامة، فكيف يفطر به دون الحجامة، مع أن الفطر بها أولى منه نصًّا وقياسًا
واعتبارًا.
قالوا: ولهذا سوّى (2) بين الغالب منهما والمُستَدْعَى، فلا يُفطِر إذا ذرعه
القيء، كما لا يفطر بالرُّعاف وخروج الدم من الدمل والجرح؛ وكما يفطر بالاستقاء
عمدًا، كذلك يفطر بإخراج الدم عمدًا بالحجامة.
قالوا: وشاهده أن دم الحيض لمّا كان يجري في وقت وينقطع في وقت جعل الشارع صومها
في وقت الطهر مغنيًا عن صومها وقت الدم، ولمّا كان دم الاستحاضة لا ضابط له، ولعله
أن يستمر، جوَّز لها الصوم مع جرَيانه، كصاحب الرعاف ونحوه. فليس القياس إلا مع
النصوص، يدور معها حيث دارت.
وأما قياسكم ذلك على الفِصاد ونحوه، فنقول: القائلون بأن الحجامة تفطِّر لهم فيها
أربعة أقوال:
أحدها: أن المحتجم يُفْطِر وحده دون الحاجم، وهذا ظاهر كلام
_________
(1). في الطبعتين: «يعينه»، تحريف. ومعنى «يُقيته»: يعطيه قوتًا ويغذّيه. انظر:
«تاج العروس» (قوت).
(2). ط. الفقي: «فرَّق» خلافًا للأصل، ويفسد المعنى المقصود.
(2/61)
الخرقي (1)، فإنه قال في المفطِّرات: «أو
احتجم»، ولم يقل: أو حجم.
الثاني، وهو منصوص الإمام أحمد: أنه يُفطِر كل منهما، وهذا قول جمهور أصحابه
المتقدمين والمتأخرين (2).
ثم اختلف هؤلاء في التشريط والفِصاد على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا يُفْطِر بهما،
والثاني: يفطر بهما، والثالث: يفطر بالتشريط دون الفصاد، لأن التشريط عندهم حجامة.
واختلفوا في التشريط والفصاد: أيهما أولى بالفطر؟
والصواب: الفطر بالحجامة والفصاد والتشريط، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية
(3)، واختيار صاحب «الإفصاح»، لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفِصاد
طبعًا وشرعًا، وكذلك في التشريط، وقد بينّا أن الفطر بالحجامة هو مقتضى القياس،
ولا فرق في ذلك بين الفصاد والتشريط؛ فبأيِّ وجهٍ أخرج الدم أفطر به، كما يفطر
بالاستقاء بأي وجهٍ استَقاء: إما بإدخال يده في فيه، أو بشمّه ما يُقيئه، أو بوضع يده
على بطنه وتَطامُنه، وغير ذلك؛ فالعبرة بخروج الدم عمدًا لا بكيفية الإخراج، كما
استوى خروج الدم بذلك في إفساد الصلاة ونقض الطهارة عند القائلين به.
وبهذا يتبين توافقُ النصوص والقياس، وشهادة أصول الشرع وقواعده،
_________
(1). في «مختصره» (4/ 349 - مع المغني).
(2). انظر: «الإنصاف» (7/ 419 - 420).
(3). انظر: «مجموع الفتاوى» (25/ 256 - 258)، و «الاختيارات» للبعلي (ص 160). وما
سيأتي من كلام ابن القيم إلى آخر المسألة، فهو مأخوذ من كلام شيخه من الموضع
المذكور بتصرف واختصار.
(2/62)
وتصديقُ بعضها بعضًا.
فإن قيل: فهب أن هذا يتأتّى لكم في المحجوم، فما الموجِب لفطر الحاجم؟ قلنا: لمّا
كان الحاجم يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من
الدم، فربما صعد مع الهواء شيء من الدم، ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا
كانت خفيَّةً عُلِّق الحكم بمظِنَّتها، كما أن النائم لما كان قد يخرج منه الريح
ولا يشعر بها عُلِّق الحكم بالمظنة، وهو النوم وإن لم يخرج منه ريح.
فإن قيل: فطرد هذا أن لا يُفْطِرَ الشارط. قلنا: نعم، ولا الحاجم الذي يشرط ولا
يَمُصّ، أو يمصّه مفطر غيره، وليس في هذا مخالفة للنص، فإن كلام النبي - صلى الله
عليه وسلم - خرج على الحاجم المعتاد، وهو الذي يمصّ الدم، وكلامه إنما يعم
المعتاد، فاستعمال اللفظ فيه فقَصْرُه (1) على الحاجم المعتاد لا يكون تعطيلًا
للنص، والله أعلم.
15 - باب الصائم يحتلم نهارًا في رمضان
220/ 2272 - عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله
عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُفْطِرُ من قاء، ولا
مَن احتلم، ولا من احتجم» (2). (3)
_________
(1). كذا في الأصل، وفي ط. الفقي: «بقصره»، ولعل الصواب: «وقصره».
(2). «سنن أبي داود» (2376) من طريق سفيان الثوري عن زيد بن أسلم به.
(3). للمنذري تعليق على الحديث أشار إليه المجرّد ولكنه لم يصرّح أن المؤلف ساقه،
ولذا لم نثبته، فإن ابن القيم قد ضمّنه في كلامه الآتي مع الزيادة والتحرير
والترتيب والتهذيب. قارن بـ «المختصر» (3/ 258 - 259).
(2/63)
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث قد
اختُلف في إسناده ووصله وإرساله، واختلف في متنه، فرواه هشام بن سعد عن زيد بن
أسلم عن عطاء عن ابن عباس، وقال: «القيء والرُّعاف والاحتلام»، ذكره ابن عدي (1).
ورواه الدارقطني (2) من حديث هشام عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد، وذكر فيه
«الاحتجام» بدل «الرعاف».
ورواه الترمذي (3) من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد فقال: «الحجامة والقيء والاحتلام».
قال الترمذي: حديث أبي سعيد غير محفوظ، وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم، وعبدُ
العزيز بن محمد، وغيرُ واحد (4) هذا الحديثَ [ق 123] عن زيد بن أسلم مرسلًا، لم
يذكروا فيه: «عن أبي سعيد» (5).
_________
(1). «الكامل» (3/ 282، 7/ 109) من طريق أبي خالد الأحمر، عن هشام به. وأبو خالد
الأحمر صدوق وليس بحجة، كما قال ابن معين.
(2). رقم (2269) من طريق شعيب بن حرب عن هشام بن سعد به. رجاله ثقات، إلا هشام بن
سعد ففيه لين، وقد خالفه الثقات فرووه عن زيد بن أسلم مرسلًا، كما سيأتي.
(3). برقم (719).
(4). رواية عبد الله بن زيد بن أسلم عند الإمام أحمد في «العلل» رواية ابنه
(1795)، ورواية عبد العزيز بن محمد ــ وهو الدَّراوَرْدي ــ ذكرها الدارقطني في
«العلل» (2278)، وممن رواه أيضًا: سفيان الثوري كما في حديث الباب، ومعمر كما عند
عبد الرزاق (7538) وابن خزيمة (1974).
(5). والمرسل هو الذي استصوبه الذُّهلي، والرازيّان،، وابن خزيمة، والدارقطني.
انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (698)، و «صحيح ابن خزيمة» (1978، 1973)، و «العلل»
للدارقطني (2278).
(2/64)
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يُضعَّف في
الحديث، سمعتُ أبا داود السِّجْزي يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد
بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به.
قال: وسمعتُ محمدًا (1) يذكر عن علي بن عبد الله قال: عبد الله بن زيد بن أسلم
ثقة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف. قال محمد: ولا أروي عنه شيئًا.
16 - باب الصائم يستقيء عامدًا
221/ 2275 - عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «من ذَرَعه قيءٌ وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (2). وقال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه من
حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا من
حديث عيسى بن يونس. وقال محمد ــ يعني البخاري ــ: لا أراه محفوظًا. قال أبو عيسى:
وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -،
ولا يصح إسناده.
وقال أبو داود (3): سمعت أحمد بن حنبل قال: ليس مِن ذا شيء. قال
_________
(1). هو الإمام البخاري، وعلي بن عبد الله الآتي هو شيخه ابن المديني.
(2). أبو داود (2380)، والترمذي (720)، والنسائي في «الكبرى» (3117)، وابن ماجه
(1676).
(3). في رواية ابن داسة للسنن. انظر: هامش تحقيق طبعتَي دار الصدّيق ودار التأصيل
للسنن.
(2/65)
الخطابي (1): يريد أن الحديث غير محفوظ.
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث له علة، ولعِلّته علة! أما علته فوَقْفه
على أبي هريرة، وقَفَه عطاء (2) وغيره.
وأما علة هذه العلة، فقد روى البخاري في «صحيحه» (3) بإسناده عن أبي هريرة أنه
قال: «إذا قاء فلا يُفطِر، إنما يُخرِج ولا يُولج» قال: ويُذكر عن أبي هريرة أنه
يُفطر، والأول أصح.
222/ 2276 - وعن مَعْدَان بن طلحة أن أبا الدرداء حدثه: أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قاء فأفْطَر، فلقيت ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في
مسجد دمشق، فقلت: إنَّ أبا الدرداء حدثني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء
فأفطر؟ قال: صَدَقَ، وأنا صببتُ له وَضُوءَهُ.
وأخرجه الترمذي والنسائي (4). وقال الترمذي: وقد جَوَّد حسين المعلم هذا الحديث،
وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب.
وقال الإمام أحمد بن حنبل (5): حسين المعلم يُجوِّده.
_________
(1). «معالم السنن» (3/ 260).
(2). رواية عطاء أخرجها النسائي في «الكبرى» (3131).
(3). باب الحجامة والقيء للصائم.
(4). أبو داود (2381)، والترمذي (87)، والنسائي في «الكبرى» (3107)، من طريق حسين
المعلّم, عن يحيى بن أبي كثير, عن الأوزاعي, عن يعيش بن الوليد بن هشام، عن أبيه،
عن معدان.
(5). نقل عنه الأثرم في «سننه» (ص 261 - 262) أنه احتجّ بالحديث على إيجاب الوضوء
من القيء، قال الأثرم: قلت له: هو يثبت عندك؟ قال: نعم. قلت له: إنهم يضطربون في
هذا الحديث، فقال: حسين المعلِّم يجوّده.
(2/66)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى
البيهقي (1) من حديث فَضالة بن عُبَيد قال: أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
صائمًا فقاء فأفطر، فسئل عن ذلك فقال: «إني (2) قِئت».
وروى أيضًا (3) عن ابن عمر موقوفًا عليه: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن
استقاء فعليه القضاء». قال: وعن أبي هريرة مثله (4)، وروي مرفوعًا، والحفاظ لا
يرونه محفوظًا (5).
17 - باب القُبلة للصائم
223/ 2277 - عن الأسود وعلقمة عن عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- يُقَبِّلُ وهو صائم، ويُباشِر وهو صائم، ولكنه كان أمْلَكَ لإِرْبه».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (6) جمعًا وإفرادًا. وأخرجه ابن ماجه (7) من حديث
القاسم بن محمد عن عائشة.
224/ 2278 - وعنها قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ في شهر
الصوم».
_________
(1). «السنن الكبرى» (4/ 220). وأخرجه أحمد (23963) من طرق عن يزيد بن أبي حبيب،
عن أبي مرزوق التُّجيبي، عن حَنَش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد. وهذا إسناد جيّد،
رجاله ثقات.
(2). في الأصل: «بأني»، ولعله تصحيف ما أثبت من «السنن الكبرى».
(3). (4/ 219). وهو في «الموطأ» (840) عن نافع، عن ابن عمر.
(4). سبق الكلام عليه.
(5). لفظ البيهقي بعد أن رواه بسنده: «وبعض الحفاظ لا يراه محفوظًا».
(6). أبو داود (2382)، والبخاري (1927)، ومسلم (1106/ 65، 66)، والنسائي في
«الكبرى» (3072 - 3096).
(7). برقم (1684).
(2/67)
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه
(1).
225/ 2279 - وعنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقَبلني وهو
صائم، وأنا صائمة».
وأخرجه النسائي (2).
226/ 2280 - وعن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هَشَشْتُ فقبَّلت وأنا
صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعتُ اليوم أمرًا عظيمًا، قبلتُ وأنا صائم، قال:
«أرأيتَ لو مَضمَضتَ من الماء وأنت صائم؟»، قلت: لا بأس به»، قال: «فمَهْ؟!».
وأخرجه النسائي (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أخرجا في «الصحيحين» من حديث أم سلمة (4) وحفصة
(5): «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُقبِّل وهو صائم».
_________
(1). أبو داود (2383)، ومسلم (1106/ 70)، والترمذي (727)، والنسائي في «الكبرى»
(3077)، وابن ماجه (1683).
(2). أبو داود (2384)، والنسائي في «الكبرى» (3038).
(3). أبو داود (2385)، والنسائي في «الكبرى» (3036) واستنكر متنه. وإسناده كلّهم
ثقات، وقد صححه ابن خزيمة (1999) وابن حبان (3544) والحاكم (1/ 431) والضياء (1/
195 - 196)، وحسّن إسناده ابن كثير في «مسند الفاروق» (1/ 417). وانظر: «تنقيح
التحقيق» (3/ 234 - 237).
(4). البخاري (1929).
(5). مسلم (1107/ 73).
(2/68)
وفي «صحيح مسلم» (1) عن عمر (2) بن أبي سلمة
أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «سل هذه» لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال
له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأتقاكم لله وأخشاكم له».
18 - كراهية ذلك للشَّاب (3)
227/ 2282 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه
وسلم - عن المباشرة للصائم؟ فرَخَّصَ له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخَّصَ له
شيخ، والذي نهاه شابٌّ» (4).
قال ابن القيم - رحمه الله -: قال ابن حزم (5): فيه أبو العَنْبَس عن الأَغَرّ،
وأبو العنبس هذا مجهول. قال عبد الحق: ولم أجد أحدًا ذكره ولا سمّاه (6).
وروى البيهقي (7) عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخّص في القُبلة للشيخ
وهو
_________
(1). رقم (1108).
(2). في الأصل: «عمرو»، خطأ.
(3). هنا ورد هذا الباب في أصل المجرد، وموضعه في «السنن» و «مختصره» بعد الباب
التالي، ولعل المؤلف كان قد قدّمه إلى هنا لعلاقته الوثيقة بالباب السابق.
(4). أبو داود (2387) من طريق أبي العنبس، عن الأغرّ، عن أبي هريرة.
(5). «المحلَّى» (6/ 208)، والمؤلف صادر عن «الأحكام الوسطى» لعبد الحق (2/ 217).
(6). بل قد سمّي ووُثِّق. أما اسمه فقال يونس بن بُكير: هو جدّي أبو أمّي واسمه:
الحارث بن عبيد بن كعب، من بني عدي. وأما توثيقه فنقله الدارمي عن ابن معين. انظر:
«تهذيب الكمال» (8/ 387)، «تاريخ ابن معين» رواية الدارمي (ص 236).
(7). «السنن الكبرى» (4/ 232) من طريق أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص،
عن عائشة، وروايته عنها مرسلة، فإنه لم يسمع منها كما نصّ عليه أبو حاتم في
«المراسيل» (ص 257).
(2/69)
صائم، ونهى عنها الشاب، وقال: «الشيخ يملك
إربه، والشاب يُفسد صومَه».
وأرخص فيها ابن عباس للشيخ وكرهها للشاب (1).
وسأل فتًى عبدَ الله بن عمر عن القبلة وهو صائم؟ فقال: لا، فقال شيخ عنده: لِمَ
تُحْرِج الناس وتُضيِّق عليهم؟ والله ما بذلك بأس. فقال ابن عمر: أما أنت فقبِّل،
فليس عند استك خير! (2).
وروي إباحة القُبلة عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود (3)، وعبد الله بن
عمر، وعبد الله بن عباس.
وأما ما روي عن ابن مسعود أنه كان يقول في القُبلة قولًا شديدًا ــ يعني يصوم
مكانه (4) ــ فقال البيهقي: هذا محمول على ما إذا أنزل. وهذا
_________
(1). أخرجه مالك في «الموطأ» (804)، وعنه الشافعي في «الأم» (3/ 247)، ومن طريقه
البيهقي (4/ 232). وقد رُويت الرخصة عنه من وجوه أخرى مطلقة ومقيدة. انظر: «مصنف
عبد الرزاق» (7413 - 7418).
(2). أخرجه البيهقي (4/ 232)، بإسناد فيه لين. وقد صحّ عنه من طرق أخرى أنه كان
يكره القبلة للصائم وينهى عنها. أخرجها عبد الرزاق (7423 - 7425)، وابن أبي شيبة
(9505، 9506، 9515).
(3). أثر سعد بن أبي وقاص أخرجه مالك (801) وابن أبي شيبة (9486)، وأثر ابن مسعود
عند ابن أبي شيبة (9523) بلفظ المباشرة.
(4). أخرجه عبد الرزاق (7426)، وابن أبي شيبة (9504)، والبيهقي (4/ 234) واللفظ
له.
(2/70)
التفسير (1) من بعض الرواة لا من ابن مسعود.
والله أعلم.
19 - باب الصائم يبتلع الريق
228/ 2281 - عن عائشة - رضي الله عنها -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان
يُقَبِّلها وهو صائم ويَمُصُّ لسانها» (2).
في إسناده محمد بن دينار الطاحي البصري، قال يحيى بن معين: ضعيف، وفي رواية: ليس
به بأس، ولم يكن له كتاب. وقال غيره: صدوق (3). وقال ابن عدي الجرجاني (4): قوله:
«ويمص لسانها» في المتن لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذي رواه.
وفي إسناده أيضًا سعد بن أوس، قال ابن معين (5): بصري ضعيف.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال عبد الحق (6): «لا تصح هذه الزيادة في مص
اللسان، لأنها من حديث محمد بن دينار عن سعد بن أوس، ولا يحتج بهما. وقد قال ابن
الأعرابي (7): بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا الحديث
_________
(1). وهو قوله: «يعني: يصوم مكانه»، ولكنه جاء بمعناه مصرَّحًا من لفظ ابن مسعود
في رواية عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
(2). أبو داود (2386) من طريق محمد بن دينار، عن سعد بن أوس العَبْدي، عن مِصْدَع
أبي يحيى، عن عائشة.
(3). انظر: «تهذيب التهذيب» (9/ 155).
(4). في «الكامل» (6/ 198)، وذكر الحديث مرّة أخرى (6/ 468) وجعل الحمل فيه على
مِصَدع أبي يحيى الأنصاري.
(5). أسنده ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (4/ 80).
(6). «الأحكام الوسطى» (2/ 219)، وانظر: «بيان الوهم والإيهام» (3/ 110).
(7). في «السنن» بروايته، عقب الحديث. انظر: «تحفة الأشراف» (12/ 328).
(2/71)
ليس بصحيح».