النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
صوم نصفه مع ما قبله، وعلى الصوم المعتاد في النصف الثاني، وحديثُ العلاء يدل على
المنع من تعمد الصوم بعد النصف لا لعادةٍ ولا مضافًا إلى ما قبله، ويشهد له حديث
التقدُّم (1).
وأما كون العلاء لم يسمعه من أبيه، فهذا لم نعلم أن أحدًا علّل به الحديث، فإن
العلاء قد ثبت سماعه من أبيه، وفي «صحيح مسلم» عن العلاء عن أبيه بالعنعنة غير
حديث (2). وقد قال ..... (3): لقيت العلاء بن عبد الرحمن وهو يطوف، فقلت له:
بِرَبِّ هذا البيت، حدّثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
قال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا؟ فقال: ورب هذا البيت سمعتُ أبي يحدث عن أبي
هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ فذكره ــ (4).
9 - باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان
208/ 2240 - عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاء أعرابي إلى النبي -
صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيتُ الهلال ــ قال الحسن (وهو الحُلواني) في
حديثه: يعني رمضان ــ فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم، قال: «أتشهد أن
محمدًا
_________
(1). أي حديث: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين» المتفق عليه.
(2). انظر على سبيل المثال الأحاديث برقم (46، 102، 125، 249، 1380، 1631، 2589،
2994).
(3). بياض في الأصل قدر ثلاث كلمات.
(4). لم أقف على هذه القصة، ولكن هناك ما يشابهها، وهو ما ورد في رواية أبي داود
(337) أن عبّاد بن كثير قدم المدينة، فمال إلى مجلس العلاء فأخذ بيده فأقامه ثم
قال: اللهم إن هذا يحدّث عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- قال ... (فذكره)، فقال العلاء: اللهم إن أبي حدثني عن أبي هريرة عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - بذلك.
(2/21)
رسول الله؟» قال: نعم، قال: «يا بلالُ أَذِّنْ
في الناسِ فليصوموا غدًا».
209/ 2241 - وعن عكرمة: أنهم شَكُّوا في هلال رمضان مَرَّةً، فأرادوا أن لا يقوموا
ولا يصوموا، فجاء أعرابي من الحَرَّةِ فشهد أنه رأى الهلال، فأُتي به النبيُّ -
صلى الله عليه وسلم - فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟» قال:
نعم، وشهد أنه رأى الهلال، فأمر بلالًا فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا».
قال أبو داود: رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلًا، ولم يذكر القيام أحد إلا حماد
بن سلمة.
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (1) مسندًا ومرسلًا. وقال الترمذي: فيه اختلاف.
وذكر النسائي (2) أن المرسل أولى بالصواب وأن سِماكًا إذا انفرد بأصل لم يكن
حجّةً، لأنه كان يُلَقَّن فيتلقَّن.
210/ 2242 - وعن ابن عمر قال: تَرَاءى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه (3).
قال الدارقطني: تفرّد به مروان بن محمد عن ابن وهب، وهو ثقة (4).
_________
(1). أبو داود (2340، 2341)، والترمذي (691)، والنسائي (2112 - 2115)، وابن ماجه
(1652) من طرق عن سماك عن عكرمة على اختلاف في إسناده وإرساله.
(2). لم أجده في مطبوعة «السنن الكبرى»، وقد نقله المزِّي في «التحفة» (5/ 137 -
138).
(3). «سنن أبي داود» (2342)، وأخرجه أيضًا الدارمي (1733)، وابن حبّان (3447)،
والدارقطني (2146)، كلهم من طريق مروان بن محمد الدمشقي، عن ابن وهب، عن يحيى بن
عبد الله بن سالم, عن أبي بكر بن نافع, عن أبيه, عن ابن عمر.
(4). كذا قال الدارقطني، وقد توبع مروان، تابعه هارون بن سعيد الأيلي ــ وهو ثقة
ــ عن ابن وهب به، أخرجه الحاكم (1/ 423) والبيهقي (4/ 212).
(2/22)
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى
البيهقي في «سننه» (1) من حديث محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة
بنت حسين: أن رجلًا شهد عند علي على رؤية هلال شهر رمضان فصام، وأحسبه قال: وأمر
الناس أن يصوموا، [وقال: «أصومُ] يومًا من شعبان أحب إلي من [أن] أفطر (2) يومًا
من رمضان».
وفي «سنن الدارقطني» (3) من حديث أبي إسماعيل حفص بن عمر الأُبُلِّي، عن مسعر [ق
115] بن كدام وأبي عوانة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عمر وابن عباس
قالا: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال
شهر رمضان»، وقالا: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجيز شهادة الإفطار
إلا برجلين». وأبو إسماعيل هذا ضعيف جدًّا، وأبو حاتم يرميه بالكذب (4).
10 - باب الرجل يسمع النداء والإناء على يده
211/ 2249 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «إذا سمع أحدُكم النداء والإناءُ على يده فلا يَضَعْهُ حتى يَقضيَ حاجتَه
منه» (5).
_________
(1). (4/ 212)، وفي «معرفة السنن» (6/ 244). وما بين المعكوفات مستدرك منهما.
(2). كتب في الأصل فوقه بخط صغير: «كذا» إشارةً إلى عدم وجود «أن» قبله.
(3). رقم (2148) وقال: تفرّد به حفص بن عمر الأُبلّي أبو إسماعيل، وهو ضعيف
الحديث.
(4). «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (3/ 183).
(5). «سنن أبي داود» (2350).
(2/23)
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث
أعلّه ابن القطان (1) بأنه مشكوك في اتصاله، قال: لأن أبا داود قال: حدثنا عبدُ
الأعلى بن حمّاد، أظنه عن حماد (2)، عن محمد بن عمرو، عن [أبي سلمة، عن] أبي
هريرة، فذكره.
وقد روى النسائي (3) عن زِرّ قال: «قلنا لحذيفة: أيَّ ساعة تسحّرتَ مع رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -؟ قال: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع».
وقد اختُلف في هذه المسألة، فروى إسحاق بن راهويه (4) عن وكيع أنه سمع الأعمش
يقول: «لو لا الشُّهْرة لصليت الغداة ثم تسحرت». ثم ذكر إسحاق عن أبي بكر الصديق
وعلي وحذيفة نحو هذا (5)، ثم قال: وهؤلاء لم يَرَوا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة
المكتوبة. آخر كلام إسحاق.
وقد حكي ذلك عن ابن مسعود أيضًا (6).
_________
(1). «بيان الوهم والإيهام» (2/ 282).
(2). ذكر ابن القطان أنه هكذا في رواية ابن الأعرابي. أما نسخ رواية اللؤلؤي
ففيها: «حدثنا حماد». وعلى كل حال، فشك عبد الأعلى بن حماد ليس بضائر، فإنه قد
تابعه في الرواية عن حماد بن سلمة: رَوح بن عبادة عند أحمد (10629)، وعفّان بن
مسلم وعبد الواحد بن غياث عند الحاكم (1/ 203). وإنما علّته غير هذا، فقد أعلّه
أبو حاتم بالوقف. انظر: «العلل» لابنه (340).
(3). رقم (2152) من طريق عاصم بن بهدلة، عن زر، عن حذيفة. وسيأتي الكلام عليه.
(4). ورواه أيضًا أحمد في «العلل» لابنه (294) و «مسائله» برواية صالح (2/ 445)،
ورواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 389) من طريق آخر عن وكيع.
(5). وأخرج آثارهم أيضًا عبد الرزاق (7618، 7609، 7606)، وابن أبي شيبة (9022،
9023، 9028)، والطبري في «تفسيره» (3/ 254 - 256).
(6). أخرجه عبد الرزاق (7619)، وابن أبي شيبة (9024)، والطبري (3/ 255).
(2/24)
وذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع
الفجر، وهو قول الأئمة الأربعة وعامَّةِ فقهاء الأمصار (1)، وروي معناه عن عمر
وابن عباس (2).
واحتج الأولون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابنُ
أم مكتوم» ولم يكن يؤذن إلا بعد طلوع الفجر. كذا في البخاري (3). وفي بعض الروايات
(4): «وكان رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال: أصبحتَ أصبحتَ!». قالوا: وإن النهار إنما
هو من طلوع الشمس.
واحتج الجمهور بقوله تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]،
وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»،
وبقوله: «الفجر فجران، فأما الأول فإنه لا يُحرِّم الطعامَ ولا يُحِل الصلاة، وأما
الثاني فإنه يُحرِّم الطعام ويحل الصلاة» رواه البيهقي في «سننه» (5).
قالوا: وأما حديث حذيفة فمعلول، وعلته الوقف، وأن زِرًّا هو الذي
_________
(1). وحكاه ابن عبد البر في «التمهيد» (10/ 62) إجماعًا.
(2). انظر: «المغني» (4/ 325).
(3). برقم (1918) من حديث عائشة، ولفظه: «فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر». ولم أجد
هذا اللفظ: «إلا بعد طلوع الفجر» في شيء من الروايات.
(4). برقم (617، 2656) من حديث ابن عمر.
(5). (1/ 377، 4/ 216)، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (356، 1927)، والدارقطني (2185)،
والحاكم (1/ 191) من حديث ابن عباس، وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجّح الدارقطني
والبيهقي الوقف. وروي أيضًا من حديث عبد الرحمن بن عائش موقوفًا عليه. أخرجه
الدارقطني (2183) وقال: إسناده صحيح.
(2/25)
تسحر مع حذيفة، ذكره النسائي (1).
11 - باب الفطر قبل غروب الشمس
212/ 2258 - عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - قالت: أفطرنا يومًا في رمضان
في غَيْم، في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم طلعت الشمس. قال أبو أسامة
ــ وهو حماد بن أسامة ــ: قلت لهشام ــ وهو ابن عروة ــ: أُمِرُوا بالقضاء؟ قال:
وبُدٌّ من ذلك؟!
وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه (2). قال البخاري: قال معمر: سمعتُ هشامًا
يقول: لا أدري، أقضَوا أم لا.
قال ابن القيم - رحمه الله -: واختلف الناس، هل يجب القضاء في هذه الصورة؟ فقال
الأكثرون: يجب. وذهب إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى أنه لا قضاء عليهم، وحكمهم
حكم من أكل ناسيًا (3). وحكي ذلك عن الحسن (4) ومجاهد (5).
_________
(1). أعلَّ النسائي الرواية المرفوعة بقوله ــ كما في «تحفة الأشراف» (3/ 32) ــ:
«لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم». وعاصم صدوق في حفظه لين. وقد خالفه عدي بن ثابت
فرواه عن زرٍّ عن حذيفة موقوفًا، أخرجه النسائي (2153). ويؤيده ما أخرجه عبد
الرزاق (7606) عن شقيق بن سلمة قال: انطلقت أنا وزرّ بن حبيش إلى حذيفة ... فذكره
بنحوه موقوفًا.
(2). أبو داود (2359)، والبخاري (1959)، وابن ماجه (1674)، ولم أجده في «جامع
الترمذي» ولا عزاه إليه في «تحفة الأشراف» (15749).
(3). انظر: «الاستذكار» (3/ 344)، و «المغني» (4/ 389)، و «مسائل إسحاق» للكوسج
(1/ 293)، و «المحلَّى» (6/ 222 - 223).
(4). أخرجه عنه ابن أبي شيبة (9144).
(5). كذا نسب هذا القول إليه في «المغني»، والمؤلف صادر عنه. والذي أخرجه عبد
الرزاق (7389) بإسناد صحيح عنه أنه قال: «إذا أفطر الرجل في رمضان ثم بدت الشمس
فعليه أن يقضيه، وإن أكل في الصبح وهو يُرى أنه الليل لم يقضه». وأخرج ابن أبي
شيبة (9142) أوّله مختصرًا.
(2/26)
واختلف فيه على عمر، فروى زيد بن وهب قال:
كنت جالسًا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان في زمن عمر،
فأُتِينا بِعِساسٍ (1) فيها شراب من بيت حفصة، فشربنا ونحن نرى أنه من الليل، ثم
انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة، قال: فجعل الناس يقولون: نقضي يومًا مكانه، فسمع
بذلك عمر فقال: والله لا نقضيه! وما تجانفنا لإثم» رواه البيهقي وغيره (2).
وقد روى مالك في «الموطأ» (3) عن زيد بن أسلم: أن عمر بن الخطاب أفطر ذات يوم في
رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس، فجاءه رجل فقال له: يا أمير
المؤمنين، قد طلعت الشمس، فقال عمر: «الخَطْب يسير، وقد اجتهدنا». قال مالك: يريد
بقوله: «الخطب يسير» القضاءَ فيما نُرى. والله أعلم. وكذلك قال الشافعي (4).
وهذا لا يناقض الأثر المتقدم. وقوله: «وقد اجتهدنا» مُؤذِن بعدم القضاء، وقوله
«الخطب يسير» إنما هو تهوين لما فعلوه وتيسير لأمره. ولكن قد رواه الأثرم والبيهقي
(5) عن عمر، وفيه: «من كان أفطر فليصم يومًا
_________
(1). في الأصل والطبعتين: «بكأس» تصحيف، والتصحيح من مصادر التخريج. والعِساس: جمع
العُسّ، وهو القَدَح الكبير.
(2). رواه عبد الرزاق (7395)، وابن أبي شيبة (9145)، والبيهقي (4/ 217).
(3). برقم (837).
(4). «الأم» (3/ 238)، ونقله البيهقي في «السنن الكبرى» (4/ 217).
(5). (4/ 217)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (7393)، وابن أبي شيبة (9045)، كلهم من
طريق علي بن حنظلة عن أبيه عن عمر.
(2/27)
مكانه»، وقدم البيهقي هذه الرواية على رواية
زيد بن وهب وجعلها خطأً، وقال: تظاهرت الروايات بالقضاء. قال: وكان يعقوب بن سفيان
الفارسي (1) يَحمِل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة. قال:
وزيد ثقة إلا أن الخطأ غير مأمون.
وفيما قاله نظر، فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء، وإنما جاءت من رواية علي
بن حنظلة عن أبيه، وكان أبوه صديقًا لعمر، فذكر القصة وقال فيها: «من كان أفطر
فليصم يومًا مكانه». ولم أر الأمر بالقضاء صريحًا إلا في هذه الرواية (2).
وأما رواية مالك فليس فيها ذكر للقضاء ولا لعدمه، فتعارضت رواية حنظلة و [رواية]
زيد بن وهب، وتَفْضُلُها رواية زيد بن وهب بقدرِ ما بين
_________
(1). هو الفسوي الحافظ (ت 277)، وقد أخرج البيهقي أكثر روايات قصة عمر من طريقه،
وهي في «المعرفة والتأريخ» له (2/ 765 - 768)، ثم ذكر الفسوي عقبها حديثَين آخرين
لزيد مستنكرًا لهما وقال: «حديث زيد فيه خلل كثير». وتعقّبه الذهبي بأنه لم يُصِب
في الحَمْل على زيد بن وهب واستنكار أحاديثه، فإنه ثقة مخضرم من جلّة التابعين، من
رجال الجماعة، متفق على الاحتجاج به، حتى إن الأعمش قال: إذا حدّثك زيد بن وهب عن
أحد، فكأنك سمعته من الذي حدّثك عنه. انظر: «ميزان الاعتدال» (2/ 107).
(2). ورد الأمر بالقضاء في رواية أخرى أيضًا: رواية زياد بن علاقة، عن بِشر بن
قيس، عن عمر. أخرجها عبد الرزاق (7394) والفسوي في «المعرفة والتأريخ» (2/ 766،
767) من طُرق عن زياد به. رجالها ثقات، لكنها معلّة، فإن زيادًا لم يسمع من بشر،
وبينهما رجل مبهم كما في رواية ابن أبي شيبة (9047). وانظر «العلل» لابن أبي حاتم
(669).
(2/28)
حنظلة وبينه من الفضل (1).
وقد روى البيهقي (2) بإسناد فيه نظر عن صهيب أنه أمر أصحابه بالقضاء في قصة جرت
لهم مثل هذه.
فلو قُدّر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء، لأن الجهل ببقاء
اليوم كنسيان نفس الصوم، ولو أكل ناسيًا لصومه لم يجب عليه قضاؤه. والشريعة لم
تُفرّق بين الجاهل والناسي، فإنّ كل واحدٍ منهما قد فعل ما يعتقد جوازَه وأخطأ في
فعله، وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثام، فما الموجب للفرق بينهما في هذا
الموضع؟ وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطئ أولى بالعذر من الناسي في
مواضع متعددة.
[ق 116] وقد يقال: إنه في صورة الصوم أعذر منه، فإنه مأمور بتعجيل الفطر
استحبابًا، فقد بادر إلى أداء ما أمر به واستحبه له الشارع، فكيف يفسد
_________
(1). حنظلة لا يُعرف عنه شيء، إلا أنه سمع عمر وروى عنه ابنه، كما في «التاريخ
الكبير» (3/ 41) للبخاري، و «الثقات» لابن حبان (4/ 166). وأما زيد بن وهب فتابعي
ثقة جليل القدر كما سبق. وانظر لترجمته: «سير النبلاء» (4/ 196)، و «الإصابة» (4/
154) ط. دار هجر.
(2). (4/ 217) من طريق يوسف بن محمد بن يزيد الصُّهَيبي، عن شعيب بن عمرو بن سليم
الأنصاري، عن صهيب.
يوسف بن محمد، قال عنه البخاري: فيه نظر، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وشعيب بن عمرو
ذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. انظر «التاريخ الكبير»
(8/ 379، 4/ 219) و «الجرح والتعديل» (9/ 228، 4/ 350).
(2/29)
صومه؟ وفساد صوم الناسي أولى منه، لأن فعله
غير مأذون له فيه، بل غايته أنه عفو، فهو دون المخطئ الجاهل في العذر.
وبالجملة: فلم يُفرَّق بينهما في الحج، ولا في مفسدات الصلاة، كحمل النجاسة وغير
ذلك.
وما قيل من الفرق بينهما بأن الناسي غير مكلف والجاهل مكلف؛ إن أريد به التكليف
بالقضاء فغير صحيح، لأن هذا هو المتنازع فيه. وإن أريد به أن فعل الناسي لا ينتهض
سببًا للإثم ولا يتناوله الخطاب الشرعي، فكذلك فعل المخطئ. وإن أريد أن المخطئ
ذاكر لصومه مُقْدِم على قطعه، ففِعله داخل تحت التكليف بخلاف الناسي= فلا يصحّ
أيضًا لأنه يعتقد خروج زمن الصوم، وأنه مأمور بالفطر، فهو مُقْدِم على فعل ما
يعتقده جائزًا، وخطؤه في بقاء اليوم كنسيان الآكل في اليوم، فالفعلان سواء، فكيف
يتعلق التكليف بأحدهما دون الآخر؟!
وأجود ما فرق به بين المسألتين: أن المخطئ كان متمكّنًا من إتمام صومه بأن يؤخر
الفطر حتى يتيقّن الغروب، بخلاف الناسي فإنه لا يضاف إليه الفعل، ولم يكن يمكنه
الاحتراز.
وهذا، وإن كان فرقًا في الظاهر، فهو غير مؤثر في وجوب القضاء، كما لم يؤثر في
الإثم اتفاقًا. ولو كان منسوبًا إلى تفريط لَلَحِقَه الإثم، فلما اتفقوا على أن
الإثم موضوع عنه دل على أن فعله غير منسوب فيه إلى تفريط، لا سيما وهو مأمور
بالمبادرة إلى الفطر. والسبب الذي دعاه إلى الفطر غير منسوب إليه في الصورتين، وهو
النسيان في مسألة الناسي، وظهورُ الظلمة وخفاءُ النهار في صورة المخطئ؛ فهذا أطعمه
الله وسقاه بالنسيان، وهذا
(2/30)
أطعمه الله بإخفاء النهار، ولهذا قال صهيب:
«هي طُعْمَة الله» (1)، ولكن هذا أولى، فإنها طعمة الله إذنًا وإباحةً، وإطعام
الناسي طعمته عفوًا ورفعَ حرجٍ، فهذا مقتضى الدليل.
12 - باب السواك للصائم
213/ 2263 - عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه - رضي الله عنهما - قال: «رأيت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَاك وهو صائم، ما لا أعُدُّ ولا أُحصِي».
وأخرجه الترمذي (2)، وقال: حسن. هذا آخر كلامه. وفي إسناده عاصم بن عبيد الله، وقد
تكلم فيه غير واحد (3). وذكر البخاري هذا الحديث في «صحيحه» (4) معلقًا في الترجمة
فقال: ويُذكر عن عامر بن ربيعة.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى ابن ماجه (5) من حديث عائشة عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال: «من خير خصال الصائم السواك».
قال البخاري (6): وقال ابن عمر: «يستاك أول النهار وآخره».
وقال زياد بن حُدَير: «ما رأيت أحدًا أَدْأَبَ سواكًا وهو صائم مِن عمر
_________
(1). في الأثر الذي تقدّم ذكره قريبًا من «سنن البيهقي».
(2). أبو داود (2364)، والترمذي (725).
(3). ضعَّفه يحيى القطان وأحمد وابن معين، وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان: منكر
الحديث، مضطرب الحديث. انظر: «الجرح والتعديل» (6/ 347).
(4). باب السواك الرطب واليابس للصائم.
(5). برقم (1677) من طريق مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة. قال البوصيري في
«الزوائد» (2/ 66): هذا إسناد ضعيف لضعف مجالد.
(6). باب اغتسال الصائم. ووصله ابن أبي شيبة (9241، 9249، 9264) بأسانيد صحيحة عن
ابن عمر من قوله وفِعله. وانظر: «تغليق التعليق» (3/ 154)
(2/31)
- رضي الله عنه -، أراه قال: بعُودٍ قد
ذَوِي» رواه البيهقي (1).
ولو احتُجَّ عليه بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لأمرتهم بالسواك عند كل
صلاة» (2)، لكانت حجةً، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: «السواك مطهرة للفم مرضاة
للرب» (3)، وسائرِ الأحاديث المُرغِّبة في السواك من غير تفصيل.
ولم يجئ في منع الصائم منه حديث صحيح.
قال البيهقي (4): وقد روي عن علي بإسناد ضعيف: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا
تستاكوا بالعشيّ، فإنه ليس من صائم تَيْبَس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورًا بين
عينيه يوم القيامة».
وروى عمر بن قيس (5) عن عطاء عن أبي هريرة قال: لك السواك إلى العصر، فإذا صليتَ
العصر فألْقِه، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
_________
(1). «السنن الكبرى» (4/ 272). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (7485)، وابن أبي شيبة
(9242). وإسناده صحيح.
(2). أخرجه البخاري (887) ومسلم (252) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(3). أخرجه أحمد (24203)، والنسائي (5)، وابن خزيمة (135)، وابن حبان (1067) من
حديث عائشة - رضي الله عنها -. وعلّقه البخاري في «باب السواك الرطب واليابس
للصائم» مجزومًا به.
(4) في «معرفة السنن» (6/ 333) و «الكبرى» (4/ 274)، وأخرج فيهما الحديث من طريق
الدارقطني (2372) من حديث كيسان أبي عمر، عن يزيد بن بلال، عن علي موقوفًا. قال
الدارقطني: كيسان أبو عمر ليس بالقوي، ومَن بينه وبين عليّ غير معروف.
(5). هو المكي المعروف بسَنْدل، متروك منكر الحديث، متفق على ضعفه. وقد تفرّد بهذا
عن أبي هريرة، ومن طريقه أخرجه الدارقطني (2370) والبيهقي (4/ 274). وأما القدر
المرفوع فمتفق عليه مشهور من حديث أبي هريرة.
(2/32)
«لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح
المسك». وهذا لو صح عن أبي هريرة، فالثابت عن عمر وابن عمر يخالفه، والذين يكرهونه
يخالفونه أيضًا، فإنهم يكرهونه من بعد الزوال، وأكثر أهل العلم لا يكرهونه. والله
أعلم.
13 - باب في الصائم يحتجم
214/ 2266 - عن ثوبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفطر الحاجم
والمحجوم».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (1).
215/ 2267 - وعن شداد بن أوس - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- أتى على رجل بالبَقِيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لِثَمَانِ عَشْرةَ خلتْ من
رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: ولفظ النسائي فيه عن شداد بن أوس قال: كنت أمشي مع
النبي - صلى الله عليه وسلم - عام فتح مكة، لثمانِ عشْرَةَ أو سبعَ (3) عشرةَ مضت
من رمضان، فمر برجل يحتجم فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
قال: وروى ابن ماجه (4) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفطر
_________
(1). أبو داود (2367)، والنسائي في «الكبرى» (3125)، وابن ماجه (1680).
(2). أبو داود (2369)، والنسائي في «الكبرى» (3126)، وابن ماجه (1681).
(3). ط. المعارف: «تسع» وقال في الهامش: «في المطبوع: سبع، وهو تحريف». قلتُ: بل
هو الصواب الموافق للأصل وللسنن الكبرى.
(4). رقم (1679) من طريق عبد الله بن بِشر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة
- رضي الله عنه -. إسناده منقطع، فإن عبد الله بن بشر لم يثبت له سماع من الأعمش،
كما قال أبو حاتم في «المراسيل» لابنه (ص 115). وروي من طريق آخر عن الأعمش
موقوفًا على أبي هريرة. قال الدارقطني في «العلل» (1963): هو أشبههما بالصواب.
(2/33)
الحاجم والمحجوم». ورواه أحمد في «مسنده»
(1).
وروى أحمد (2) أيضًا عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفطر الحاجم
والمحجوم».
وروى أحمد (3) أيضًا عن أسامة بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفطر
الحاجم والمحجوم».
وروى الحسن عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفطر الحاجم والمحجوم»
رواه النسائي (4).
وعن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه
النسائي (5)، وأعله بالوقف.
_________
(1). رقم (8768) من طريق الحسن، عن أبي هريرة. والحسن لم يسمع من أبي هريرة، كما
في «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 34 - 36).
وله طريق أخرى: عن عطاء عن أبي هريرة، ولكن رجّح أبو حاتم والدارقطني فيها الوقف.
انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (738)، وللدارقطني (2151).
(2). «المسند» (25242، 26217)، وسنده ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم، مضطرب الحديث،
وقد اختُلف عليه فيه. انظر: «العلل» للدارقطني (3876).
(3). «المسند» (21826) من رواية الحسن، عن أسامة. وهو مُرسل، فالحسن لم يسمع من
أسامة بن زيد شيئًا. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 41).
(4). «السنن الكبرى» (3149 - 3152) من رواية الحسن عن علي مرفوعًا وموقوفًا. وهو
مُرسل، فإن الحسن لم يثبت سماعه من عليّ. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (657) و
«المراسيل» له (ص 31 - 32).
(5). «الكبرى» (3195 - 3199) مرفوعًا وموقوفًا، واستصوب الموقوف وقال عن المرفوع:
«هذا خطأ». وانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (682)، وللدارقطني (1323).
(2/34)
وعن مَعْقِل بن سِنان الأشجعي أنه قال: مر
عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلت من
رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، رواه أحمد والنسائي (1) عن الحسن عن (2)
معقل.
ورواه النسائي (3) أيضًا عن الحسن عن معقل بن يسار عن النبي - صلى الله عليه وسلم
-.
وعن الحسن عن غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفطر الحاجم
والمحجوم» رواه النسائي (4).
وعن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفطر الحاجم
_________
(1). أحمد (15901، 15944)، والنسائي في «الكبرى» (3155) من رواية عطاء بن السائب،
عن الحسن، عن معقل بن سنان.
(2). في الأصل هنا وفي الموضع الآتي: «بن» خطأ.
(3). «الكبرى» (3154) من رواية عطاء بن السائب أيضًا عن الحسن به. وعدَّ النسائي
هذا الخلاف في الصحابي (معقل بن سنان /معقل بن يسار) من عطاء، فإنه كان قد اختلط.
ورجّح البخاري وأبو زرعة أن الصواب: الحسن عن معقل بن يسار، على أنه أيضًا مرسل،
فإن أبا حاتم يقول: لا يصح له سماع منه. انظر: «العلل الكبير» للترمذي (ص 124)، و
«المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 42)، و «العلل» للدارقطني (3413).
(4). «الكبرى» (3156 - 3159)، وعلّقه البخاري عنه في «باب الحجامة والقيء للصائم».
وهذه الرواية تفسر الاختلاف على الحسن في الروايات السابقة: عنه عن أبي هريرة، أو
أسامة، أو علي، ... إلخ. قال الدارقطني في «العلل» (355): «إن كان هذا القول
محفوظًا عن الحسن، فيشبه أن تكون الأقاويل كلها تصح عنه». وقال البخاري ــ كما في
«العلل الكبير» للترمذي (ص 124) ــ: «ويحتمل أن يكون سمع من غير واحد». قلتُ:
وأيضًا أرسلها عن غير واحد، كما سبق بيانه. والله أعلم.
(2/35)
والمحجوم» رواه النسائي (1).
قال المنذري: قال أحمد (2): أحاديث «أفطر الحاجم [ق 117] والمحجوم» و «لا نكاح إلا
بولي» يَشُدُّ بعضُها بعضًا، وأنا أذهب إليها.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال أبو زرعة: حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا:
«أفطر الحاجم والمحجوم» (3) حديث حسن، ذكره الترمذي (4) عنه.
وقال علي ابن المديني أيضًا في رواية عنه (5): لا أعلم في: «أفطر الحاجم» حديثًا
أصح من حديث رافع بن خديج (6).
_________
(1). «الكبرى» (3182)، وفيه إسناده لين. وقد اختلف على عطاء فيه، فروي عنه عن أبي
هريرة، وعنه عن عائشة، وروي عنه مرسلًا. انظر: «الكبرى» (3167 - 3183)، و «العلل»
للدارقطني (2151).
(2). أسند قولَه ابن عدي في «الكامل» (3/ 266)، ومن طريقه البيهقي (4/ 267).
(3). أخرجه النسائي في «الكبرى» (3167 - 3176) على خلاف في رفعه ووقفه، وفي بعض
طرقه التصريح بأن عطاء لم يسمعه من أبي هريرة. وقد سبق أن أبا حاتم والدارقطني
رجحا فيه الوقف.
(4). عزاه إليه البيهقي (4/ 267) بقوله: «وبلغني عن أبي عيسى الترمذي قال سألت أبا
زرعة ... » إلخ. وهذه عادة البيهقي فيما ينقله من «العلل الكبير» للترمذي، ولكن لا
يوجد هذا النقل فيما وصلنا من ترتيبه لأبي طالب القاضي.
(5). أسندها عنه ابن خزيمة في «صحيحه» (1964)، ومن طريقه الحاكم في «المستدرك» (1/
428)، والبيهقي (4/ 267).
(6). حديث رافع أخرجه أحمد (15828)، والترمذي (774) وقال: حسن صحيح، وابن خزيمة
(1964)، وابن حبان (3535)، والحاكم (1/ 427). والحديث قد اختلف فيه الحفاظ، فصححه
من سبق، ورأى إسحاق بن منصور والبخاري وأبو حاتم أنه خطأ، وأن الصحيح في حديث رافع
بهذا الإسناد هو: «كسب الحجام خبيث»، فأخطأ بعض الرواة فركّب عليه متن حديث ثوبان:
«أفطر الحاجم ... ». انظر: «العلل الكبير» للترمذي (صص 121 - 122)، و «العلل» لابن
أبي حاتم (732).
(2/36)
وقال (1) في حديث شدّاد: لا أرى الحديثين
إلا صحيحين، وقد يمكن أن يكون أبو أسماء سمعه منهما (2).
وقال عثمان بن سعيد الدارمي (3): صح عندي حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» ــ لحديث
ثوبان وشداد بن أوس ــ وأقول به، وسمعتُ أحمد بن حنبل يقول به، وذكر أنه صح عنده
حديث ثوبان وشداد.
وقال إبراهيم الحربي (4) في حديث شداد: هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة، قال: وهذا
الحديث صحيح بأسانيد، وبه نقول.
وعن قتادة عن شهر عن بلال قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفطر
الحاجم والمحجوم» رواه النسائي (5).
_________
(1). أي علي ابن المديني. نقله الترمذي عنه في «العلل الكبير» (ص 123)، وأسنده
الحاكم (1/ 428)، وعنه البيهقي (4/ 266، 267).
(2). المراد بالحديثين: حديث ثوبان، وحديث شداد؛ فالأول من طريق أبي قلابة، عن أبي
أسماء، عن ثوبان؛ والثاني من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد، وفي بعض
رواياته: عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء، عن شداد، أخرجها أحمد (17119) والنسائي في
«الكبرى» (3133، 3134).
(3). أسنده عنه الحاكم (1/ 429) ثم عنه البيهقي (4/ 267).
(4). كذا في الأصل، والظاهر أنه وهم، والصواب إسحاق بن إبراهيم ــ وهو ابن راهويه
ــ فعنه أسند الحاكم (1/ 428) والبيهقي (4/ 267) هذا القول بحروفه.
(5). «الكبرى» (3144). وإسناده ضعيف، شهر بن حوشب متكلم فيه من جهة حفظه، ولم يسمع
من بلال. انظر «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 89).
(2/37)
وقال الترمذي في كتاب «العلل» (1): سألت
البخاري، فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس [وثوبان]، فقلتُ:
وما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح، لأن يحيى بن أبي كثير (2) روى عن
أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي الأشعث عن شدّاد، الحديثين جميعًا.
فقد حكم البخاري بصحة حديث ثوبان وشداد.
14 - الرخصة في ذلك
216/ 2268 - عن عكرمة عن ابن عباس: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم
وهو صائم».
وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي (3). ولفظ الترمذي: «احتجم رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وهو محرم صائم».
217/ 2269 - وعن مِقْسَم عن ابن عباس: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم
وهو صائم محرم».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (4)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
_________
(1). (ص 122) وما بين الحاصرتين مُستدرَك منه.
(2). في الأصل والطبعتين: «يحيى بن سعيد» تحريف.
(3). أبو داود (2372)، والبخاري (1938، 1939)، والترمذي (775) وصحّحه، والنسائي في
«الكبرى» (3202 - 3205).
(4). أبو داود (2373)، والترمذي (777) وصحّحه، والنسائي في «الكبرى» (3211 - 3215)
وأعلّها، وابن ماجه (1682). وسيأتي الكلام عليه.
(2/38)
218/ 2270 - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى
قال: حدّثني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - نهى عن الحجامة والمواصَلة ــ ولم يُحَرِّمْهما ــ إبقاءً على أصحابه،
فقيل له: يا رسول الله، إنك تواصل إلى السَّحَر؟ فقال: «إنّي أُوَاصِلُ إلى
السَّحَر، وربِي يُطعمني ويسقيني» (1).
219/ 2271 - وعن ثابت قال: قال أنس: «ما كنا نَدَع الحجامة للصائم إلَّا كراهية
الجَهْد».
وأخرجه البخاري (2)، وقال: وزاد شَبابة قال: حدثنا شعبة: «على عهد النبي - صلى
الله عليه وسلم -».
قال ابن القيم - رحمه الله -: وروى الدارقطني في «سننه» (3) عن أنس قال: أول ما
كُرِهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي - صلى
الله عليه وسلم -، فقال: «أفطر هذان»، ثم رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدُ
في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم. قال الدارقطني: كلهم ثقات، ولا أعلم
له علة.
وعن أبي سعيد الخدري قال: «رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبلة
للصائم، ورخص في الحجامة» رواه النسائي (4).
فذهب إلى هذه الأحاديث جماعة من العلماء، ويُروى ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وابن
مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن عمر،
_________
(1). «سنن» أبي داود (2374)، وإسناده صحيح.
(2). برقم (1940)، ولفظه: «إلا من أجل الضعف».
(3). رقم (2260) ومن طريقه البيهقي (4/ 268).
(4). «الكبرى» (3224)، وسيأتي الكلام عليه مفصّلًا.
(2/39)
والحسين بن علي، وزيد بن أرقم، وعائشة، وأم
سلمة، وأبى سعيد الخدري، وأبي هريرة (1). وهو مذهب عروة بن الزبير، وسعيد بن جبير
(2)، وغيرهما. وقال به مالك والشافعي وأبو حنيفة (3).
وذهب إلى أحاديث الفطر بها جماعة، منهم علي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري (4).
وروى المعتمر عن أبيه عن الحسن عن غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -
قالوا: «أفطر الحاجم
_________
(1). انظر آثارهم في «مصنف عبد الرزاق» (7527 - 7544) و «مصنف ابن أبي شيبة» (9409
- 9427). والذي روي عن ابن عمر: أنه كان يحتجم وهو صائم، ثم تركها بعدُ، فكان
يحتجم ليلًا.
(2). أخرجه عنهما ابن أبي شيبة (9426، 9423) ولاءً.
(3). انظر: «الموطأ» (1/ 298)، و «الأم» (3/ 239 - 242)، و «الأصل» للشيباني (2/
146).
(4). سبق تخريجه.
(2/40)
والمحجوم» ذكره النسائي (1).
وأما أبو هريرة، فروى عنه أبو صالح: «أفطر الحاجم والمحجوم» ذكره النسائي (2).
وروى عنه شقيق بن ثور عن أبيه أنه قال: «لو أحتجم ما بالَيتُ» ذكره عبد الرزاق
والنسائي (3) أيضًا.
وأما عائشة فروى عطاء وعِياض بن عروة عنها: «أفطر الحاجم والمحجوم» ذكره النسائي
(4). وقال البيهقي (5): رويت الرخصة عنها.
وذهب إلى الفطر بها من التابعين: عطاء بن أبي رباح، والحسن، وابن سيرين (6). وذهب
إلى ذلك عبد الرحمن بن مهدي، والأوزاعي، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر
بن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة (7).
وأجاب المرخّصون عن أحاديث الفطر بأجوبة:
أحدهما: القدح فيها وتعليلها.
الثاني: دعوى النسخ فيها.
الثالث: أن الفطر فيها لم يكن لأجل الحجامة، بل لأجل الغيبة، وذكر الحاجم والمحجوم
للتعريف لا للتعليل.
الرابع: تأويلها على معنى أنه قد تَعرَّض لأن يُفطِر، لِما يلحقه من الضعف، فـ
«أفطَرَ» بمعنى يُفطر.
الخامس: أنه على حقيقته، وأنهما أفطرا حقيقةً، ومرور النبي - صلى الله عليه وسلم -
بهما
_________
(1). «الكبرى» (3159)، وقد سبق.
(2). «الكبرى» (3165) موقوفًا.
(3). عبد الرزاق (7527)، والنسائي في «الكبرى» (3166).
(4). «الكبرى» (3180) من طريقين، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، فيه لين.
(5). (4/ 264). وأسند الرخصة عنها عبد الرزاق في «المصنف» (7540).
(6). قول عطاء عند عبد الرزاق (7534)، وقول ابن سيرين عند ابن أبي شيبة (9398)،
والحسن هو راوي حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» عن غير واحد من الصحابة.
(7). انظر: «مسائل أحمد وإسحاق» للكوسج (1/ 294)، و «صحيح ابن خزيمة» (باب ذكر
البيان أن الحجامة تفطّر)، و «الإشراف» لابن المنذر (3/ 130)، و «الاستذكار» (3/
362)، و «المغني» (4/ 350).
(2/41)
كان مساءً في وقت الفطر، فأخبر - صلى الله
عليه وسلم - أنهما قد أفطرا، ودخلا في وقت الفطر، يعني فليصنعا ما أحبّا.
السادس: أن هذا تغليظ ودعاء عليهما، لا أنه أخبر عن حكمٍ شرعي بفطرهما.
السابع: أن إفطارهما بمعنى إبطال ثواب صومهما، كما جاء: «خمس يفطرن الصائم: الكذب،
والغيبة، والنميمة، والنظرة السوء، واليمين الكاذبة» (1)، وكما جاء: «الحدث حدثان:
[حدث الفَرْج، و] حدث اللسان، وهو أشدهما» (2).
الثامن: أنه لو قُدِّر تعارض الأخبار جملةً لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى
لتأيُّدها بالقياس، وشواهد أصول الشريعة لها، إذ الفطر إنما قياسه أن يكون بما
يدخل الجوف لا بالخارج منه، كالفِصاد والتشريط ونحوه.
قال المفطرون: ليس في هذه الأجوبة شيء يصح.
أما جواب المعللين فباطل، فإن الأئمة العارفين بهذا الشأن قد تظاهرت أقوالهم
بتصحيح بعضها كما تقدم. والباقي: إما حسن يصلح للاحتجاج به
_________
(1). روي من حديث أنس مرفوعًا. وهو موضوع مكذوب على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (766)، و «الأباطيل» للجَوْرقاني (1/ 528 - 529)، و
«الموضوعات» لابن الجوزي (1131).
(2). أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (1/ 185، 231، 232)، والبيهقي في «شعب الإيمان»
(6298) عن ابن عباس موقوفًا عليه، من طرق يشد بعضها بعضًا. وقد روي مرفوعًا ولا
يصحّ. انظر: «الأباطيل والمناكير» للجَوْرقاني (1/ 530)، و «العلل المتناهية» (1/
365).
(2/42)
وحده، وإما ضعيف، فهو يصلح للشواهد
والمتابعات، وليس العمدة عليه، وممن صحح ذلك: أحمد، وإسحاق، وعلي ابن المديني،
وإبراهيم الحربي (1)، وعثمان بن سعيد الدارمي، والبخاري، وابن المنذر (2).
وكل من له علم بالحديث يشهد بأن هذا الأصل محفوظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
لتعدد طرقه، وثقة رواته واشتهارهم بالعدالة.
قالوا: والعجب ممن يذهب إلى أحاديث الجهر بالبسملة، وهي دون هذه الأحاديث في
الشهرة والصحة، ويترك هذه الأحاديث، وكذلك أحاديث الفطر [ق 118] بالقيء مع ضعفها
وقلّتها! وأين تقع من أحاديث الفطر بالحجامة؟! وكذلك أحاديث الإتمام في السفر،
وأحاديث أقل الحيض وأكثره، وأحاديث تقدير المهر بعشرة دراهم، وأحاديث الوضوء بنبيذ
التمر، وأحاديث الشهادة في النكاح، وأحاديث التيمم ضربتان، وأحاديث المنع من فسخ الحج
إلى التمتع، وأحاديث تحريم القراءة على الجنب والحائض، وأحاديث تقدير الماء الذي
يحمل النجاسة بالقلتين؛ قالوا: وأحاديث الفطر بالحجامة أقوى وأشهر وأعرف من هذه،
بل ليست دون أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر.
وأما قول بعض أهل الحديث (3): لا يصح في الفطر بالحجامة حديث، فمجازفة باطلة
أنكرها أئمة الحديث، كالإمام أحمد، لما حكي له قول ابن
_________
(1). سبق أن صوابه: «إسحاق بن إبراهيم» وهو ابن راهويه.
(2). سبق النقل عن هؤلاء غير ابن المنذر، فانظر له «الإشراف» (3/ 130).
(3). كابن معين (كما سيأتي)، وأبي حفص الموصلي في «المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم
لم يصح شيء في هذا الباب» (2/ 373 مع جنة المرتاب).
(2/43)
معين أنكره عليه (1). ثم في هذه الحكاية عنه
أنه لا يصح في مس الذكر حديث، ولا في النكاح بلا ولي (2)،
ولم يلتفت القائلون بذلك إلى قوله.
وأما تطرُّق التعليل إليها، فمَن نظر في عللها واختلاف طرقها، أفاده ذلك علمًا لا
يشك فيه بأن الحديث محفوظ. وعلى قول جمهور الفقهاء والأصوليين لا يُلتفَت إلى شيء
من تلك العلل، فإنها (3) بين تعليل بوقف بعض الرواة وقد رفعها آخرون، أو إرسالِها
وقد وصلها آخرون، وهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة. قالوا: فعلى قول منازعينا
هذه العلل باطلة، لا يلتفت إلى شيء منها. وقد ذكرت عللها والأجوبة عنها في مصنّف
مفرد في المسألة (4).
_________
(1). انظر: «تنقيح التحقيق» (3/ 253).
(2). لعله يشير إلى ما حكاه الحنفية في كتبهم عن ابن معين أنه قال: ثلاثة أحاديث
لا تصح: حديث مس الذكر، ولا نكاح إلا بولي، وكل مسكر حرام. هكذا ذكروا الحكاية
محتجين بها، وكذا ذكرها الشافعية في معرض ذكر أدلة الخصم، ولم أجد من ذكر حديث
الفطر بالحجامة في هذه الحكاية. انظر: «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (4/ 268)، و
«المبسوط» للسرخسي (1/ 118، 24/ 29)، و «تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق» (1/ 12)،
و «الحاوي الكبير» للماوردي (1/ 192، 13/ 391)، و «المجموع» للنووي (2/ 47).
وفي صحة هذه الحكاية عن ابن معين نظر، لاسيما وقد رُوي عنه ما يدل على ثبوت هذه
الأحاديث عنده. انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (1/ 136، 7/ 106)، و «التحقيق» (1/
181 - 182)، و «تنقيح التحقيق» (1/ 270 - 271)، و «نصب الراية» (4/ 295)، و
«التلخيص الحبير» (1/ 123).
(3). في الطبعتين: «وأنها»، والرسم في الأصل محتمل، والمثبت أوفق بالسياق.
(4). لم يزل في عداد المفقود، وقد فات الشيخ بكرًا ذكرُه في كتابه عن ابن القيم.
(2/44)
قالوا: وأما دعوى النسخ فلا سبيل إلى صحتها،
ونحن نذكر ما احتجوا به على النسخ ثم نبين ما فيه.
قالوا: قد صح عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم محرم.
قال الشافعي (1): وسماع ابن عباس (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح،
ولم يكن يومئذ مُحْرِمًا، ولم يَصْحبه محرمًا قبل حجة الإسلام. فذكر ابن عباس
حجامة النبي - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الإسلام سنة عشر، وحديث «أفطر الحاجم
والمحجوم» سنة ثمان، فإن كانا ثابتين فحديث ابن عباس ناسخ.
قالوا: ويدل على النسخ حديثُ أنس في قصة جعفر، وقد تقدم.
قالوا: ويدل عليه حديث أبي سعيد في الرخصة فيها، والرخصة لا تكون إلا بعد تقدم
المنع.
قال المفطرون: الثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم، وأما قوله:
«وهو صائم» فإن الإمام أحمد قال: لا تصح هذه اللفظة، وبيّن أنها وهم، ووافقه غيره
(3) على ذلك، وقالوا: الصواب «احتجم وهو محرم»، وممن ذكر ذلك عنه الخلال في كتاب
«العلل» (4).
_________
(1). «اختلاف الحديث» (10/ 192 - ضمن «الأم»)، ونقله البيهقي في «السنن» (4/ 268)،
و «المعرفة» (6/ 318).