النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
وعقل وفضل. ولو رُدَّ شيء من حديثها كان إنما يرد منه أنه أمرَها بالخروج من بيت
زوجها، فلم تذكر هي: لِمَ أُمرتْ بذلك؟ وإنما أمرت به لأنها استطالت على أحمائها،
فأُمرت بالتحول عنهم للشر بينها وبينهم، فكأنهم أحبّوا لها ذكر السبب الذي له
أُخرجت، لئلا يذهب ذاهب إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى أن تعتد المبتوتة
حيث شاءت في غير بيت زوجها.
وهذا الذي ذكره الشافعي هو تأويل عائشة بعينه، وبه أجابت مروان لما احتج عليها
بالحديث، كما تقدم. ولكن هذا التأويل مما لا يصلح دفعُ الحديث به من وجوه:
أحدها: أنه ليس بمذكور في القصة، ولا عُلِّق عليه الحكم قط، لا باللفظ ولا
بالمفهوم، وإن كان واقعًا فتعليق الحكم به تعليقٌ على وصفٍ لم
_________
(1) نقله البيهقي في «معرفة السنن» (11/ 290 - 291).
(1/580)
يعتبره النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا
في لفظه قط ما يدل على إسقاط السكنى به؛ وتركٌ لتعليق الحكم بالوصف الذي اعتبره
وعَلَّق به الحكمَ، وهو عدم ثبوت الرجعة.
الثاني: أنكم لا تقولون به، فإن المرأة ولو استطالت، ولو عصت بما عسى أن تعصي به،
لم يسقط حقها من السكنى، كما لو كانت حاملًا، بل كان يُستكرَى لها من حقها في مال
زوجها وتسكن ناحية.
وقد أعاذ الله فاطمة بنت قيس من ظلمها وتعديها إلى هذا الحد. كيف والنبي - صلى
الله عليه وسلم - لم يعنّفها بذلك، ولا نهاها عنه، ولا قال لها: إنما أُخرِجتِ من
بيتك بظلمك لأحمائك، بل قال لها: «إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها
عليها رجعة»، وهذا هو:
الوجه الثالث: وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر لها السبب الذي من أجله
سقط حقها من السكنى، وهو سقوط حق الزوج من الرجعة؛ وجعَل هذا قضاء عامًّا لها
ولغيرها. فكيف يُعدل عن هذا الوصف إلى وصفٍ لو كان واقعًا لم يكن له تأثير في
الحكم أصلًا؟
وقد روى الحميدي في «مسنده» (1) هذا الحديث وقال فيه: «يا ابنة قيس إنما السكنى
والنفقة ما كان لزوجك عليك الرجعة»، ورواه الأثرم. فأين التعليل بسلاطة اللسان مع
هذا البيان؟
ثم لو كان ذلك صحيحًا لما احتاج عمر في رده إلى قوله: «لا ندع كتاب ربنا لقول
امرأة»، بل كان يقول: لم يُخرِجها من السكنى إلا لبذائها وسَلَطِها،
_________
(1) برقم (367) من طريق مجالد عن الشعبي عن فاطمة بنحوه، ولعل اللفظ المذكور لأثرم،
وقريب منه لفظ الطبراني في «المعجم الكبير» (24/ 379) من طريق مجالد به. والمؤلف
صادر عن «المغني» (11/ 302).
(1/581)
ولم يعللها بانفراد المرأة به، وقد كان عمر
- رضي الله عنه - يقف أحيانًا في انفراد بعض الصحابة، كما طلب من أبي موسى شاهدًا
على روايته (1)، وغيره.
وقد أنكرت فاطمة على من أنكر عليها، وردت على من رد عليها، وانتصرت لروايتها
ومذهبها، رضي الله عنهم أجمعين.
وقد قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المتلاعنين: «أن لا بيت لها عليه ولا
قوت» (2). ولو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي سقوط النفقة والسكنى، لأنها
إنما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، والبائن قد فُقِد في حقها ذلك، ولهذا
وجبت للرجعية لتمكّنه من الاستمتاع بها. وأما البائن فلا سبيل له إلى الاستمتاع
بها إلا بما يصل به إلى الأجنبية، وحَبْسها لعِدَّته لا يوجب نفقةً كما لو وطئها بشبهة،
وكالملاعنة، والمتوفى عنها زوجها. والله أعلم.
21 - باب من رأى التحول
197/ 2206 - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نسخت هذه الآيةُ عدَّتَها عند
أهلها، فتعتدّ حيث شاءت، وهو قول الله عز وجل: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240]،
قال عطاء: إن شاءت اعتدّت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت لقول الله عز
وجل: {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ} [البقرة: 240]،
قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، تعتدُّ حيث شاءت».
_________
(1) في قصة الاستئذان ثلاثًا، رواها البخاري (6245) ومسلم (2153).
(2) أخرجه أحمد (2131) وأبو داود (2256) من حديث ابن عباس. في إسناده عبّاد بن
منصور، متكلم فيه، وبه أعل الحديث المنذري في «المختصر» (3/ 169) والزيلعي في «نصب
الراية» (3/ 251).
(1/582)
وأخرجه البخاري والنسائي (1). وعطاء هذا هو
عطاء بن أبي رباح.
قال ابن القيم - رحمه الله -: [ق 111] اختلف السلف في وجوب اعتداد المتوفى عنها في
منزلها، فأوجبه عمر وعثمان، وروي عن ابن مسعود وابن عمر وأم سلمة (2). وبه يقول
الثوري والأوزاعي وإسحاق والأئمة الأربعة (3). قال ابن عبد البر (4): وهو قول
جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر.
وروي عن علي وابن عباس وجابر وعائشة: تعتدّ حيث شاءت، وقال به جابر بن زيد والحسن
وعطاء (5).
ثم اختلف الموجبون لملازمة المنزل فيما إذا جاءها خبر وفاته في غير منزلها، فقال
الأكثرون: تعتدّ في منزلها. وقال إبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب: لا تبرح من
مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها (6).
_________
(1) أبو داود (2301)، والبخاري (4531)، والنسائي (3531).
(2) أخرجه عنهم عبد الرزاق (7/ 31 - 33)، وسعيد بن منصور (1/ 316، 317)، وابن أبي
شيبة (19189 - 19203)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 79، 80). وقضاء عثمان
ذُكر أيضًا في حديث فُرَيعة، وسيأتي تخريجه.
(3) انظر: «الاستذكار» (6/ 214)، و «المغني» (11/ 290).
(4) «التمهيد» (21/ 31).
(5) أخرجه عن هؤلاء الصحابة والتابعين: عبد الرزاق (7/ 29، 30)، وسعيد بن منصور
(1/ 321)، وابن أبي شيبة (19204 - 19209)، والبيهقي (7/ 435 - 436).
(6) «المغني» (11/ 291).
(1/583)
وحديث الفريعة حجة ظاهرة لا معارض لها (1).
وأما قوله تعالى: {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 240]،
وأنها (2) نسخت الاعتداد في منزل الزوج= فالمنسوخ حكم آخر غير الاعتداد في المنزل،
وهو استحقاقها للسكنى في بيت الزوج الذي صار للورثة سنةً، وصيةً أوصى الله بها
الأزواج تُقدَّم به على الورثة، ثم نسخ ذلك بالميراث ولم يبق لها استحقاق في
السكنى المذكورة، فإن كان المنزل الذي توفي فيه الزوج لها أو بَذل الورثة لها
السكنى لزمها الاعتداد فيه، وهذا ليس بمنسوخ، فالواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل
المسكن، فالذي نسخ إنما هو اختصاصها بسكنى السنة دون الورثة، والذي أمرت به أن
تمكث في بيتها حتى تنقضي عدتها، ولا تنافي بين الحكمين. والله أعلم.
_________
(1) حديث فريعة هو أن زوجها خرج في طلب أعلاج له أَبَقُوا، فقُتل بطرف القَدُوم ــ
وهو موضع ماءٍ ــ قالت: فأتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له من
حالي، وذكرت له النُّقْلة إلى إخوتي، فرخّص لي، فلمّا جاوزتُ ناداني فقال: «امكُثي
في بيتكِ حتى يبلغ الكتاب أجله». أخرجه مالك (1729)، وأحمد (27087)، وأبو داود (2300)،
والترمذي (1204)، والنسائي (3528 - 3530)، وابن حبان (4292)، والحاكم (2/ 208)،
كلهم من طريق سعد بن إسحاق بن كعب، عن عمّته زينب بنت كعب بن عُجرة، عن الفُرَيعة
بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد الخدري، مختصرًا ومطوّلًا.
قال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه ابن حبان، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ونقل عن
محمد بن يحيى الذُّهلي تصحيحه. وضعَّفه ابن حزم في «المحلَّى» (10/ 302) بجهالة
زينب بنت كعب.
(2) في الأصل والطبعتين: «فإنها»، تصحيف يفسد المعنى.
(1/584)
22 - باب في عدة الحامل
198/ 2211 - وعن عبد الله ــ وهو ابن مسعود ــ - رضي الله عنه - قال: «من شاء
لاعَنْتُه، لَأُنزِلَتْ سورة النساءِ القُصْرَى بعد الأربعة الأشهرِ وعشرًا».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا يدل على أن ابن مسعود يرى نسخ الآية في البقرة
بهذه الآية التي في الطلاق وهي قوله: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ
يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]. وهذا على عرف السلف في النسخ، فإنهم يسمّون
التخصيص والتقييد نسخًا.
وفي القرآن ما يدل على تقديم آية الطلاق في العمل بها، وهو أن قوله تعالى:
{أَجَلُهُنَّ} مضاف ومضاف إليه، وهو يفيد العموم، أي هذا مجموع أجَلِهن، لا أجل
لهن غيره. وأما قوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: 234] فهو فِعل
مُطلَق لا عموم له، فإذا عُمل به في غير الحامل كان تقييدًا لمطلقه بآية الطلاق؛
فالحديث مطابق للمفهوم من دلالة القرآن. والله أعلم.
23 - باب في عدة أم الولد
199/ 2212 - عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: «لا تَلبِسوا علينا سنَّة
نبينا - صلى الله عليه وسلم -، عدَّة المتوفَّى عنها: أربعة أشهرٍ وعشرًا ــ يعني
أمَّ الولد ــ».
وأخرجه ابن ماجه (2). وفي إسناده مطر بن طَهْمان أبو رَجاء الورّاق، وقد
_________
(1) أبو داود (2307)، والنسائي (3522)، وابن ماجه (2030).
(2) أبو داود (2308)، وابن ماجه (2083)، من طريق مطر الوراق، عن رجاء بن حَيْوَة،
عن قَبيصة بن ذُؤيب، عن عمرو بن العاص.
(1/585)
ضعّفه غير واحد (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث يرويه قبيصة بن ذؤيب عن عمرو. وقال
الدارقطني (2): قبيصة لم يسمع من عمرو، والصواب: «لا تلبسوا علينا [دينَنا] (3)»
موقوف ــ يعني لم يذكر فيه «سنة نبينا» ــ، وقال الإمام أحمد (4): هذا حديث منكر.
آخر كلامه.
وقد رواه سليمان بن موسى، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو قوله: «عدة أم الولد
عدة الحرة» (5). وهذا الذي أشار إليه الدارقطني أنه الصواب.
وقال ابن المنذر (6): ضعّف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص.
وقال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص
_________
(1) أورده النسائي في كتاب «الضعفاء» وقال: ليس بالقوي. ولكن قال أبو زرعة وأبو
حاتم: صالح. وفصَّل يحيى القطان وأحمد وابن معين فضعَّفوا حديثه عن عطاء بن أبي
رباح خاصة. انظر: «تهذيب التهذيب» (10/ 167).
(2) «السنن» (3836، 3838، 3843). وأسنده عنه البيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 448)
وفي «معرفة السنن» (11/ 239).
(3) ساقط من الأصل، واستدركته من المصادر السابقة.
(4) أسنده الدارقطني من طريق عبد الله، وهو عنده في «العلل» لأبيه بروايته (2656).
وانظر: «مسائل صالح» (2/ 77).
(5) رواه الدارقطني (3841 - 3843) من طريق سليمان بن موسى بألفاظ متقاربة.
(6) «الإشراف على مذاهب العلماء» (5/ 401). والمؤلف صادر عن «المغني» (11/ 263).
(1/586)
فقال: لا يصح. وقال الميموني: رأيت أبا عبد
الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا، ثم قال: أين سنة النبي - صلى الله عليه وسلم
- في هذا؟ وقال: أربعة أشهر وعشرًا إنما هي عدة الحرة من النكاح، وإنما هذه أَمَة
خرجت من الرق إلى الحرية (1).
وقد روى مالك في «الموطأ» (2) عن نافع عن ابن عمر أنه قال في أم الولد يتوفى عنها
سيّدها: «تعتد بحيضة».
واختلف الفقهاء في عدتها، فالصحيح أنه حيضة، وهو المشهور عن أحمد (3)، وقول ابن
عمر وعثمان وعائشة (4).
وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور وغيرهم (5).
وعن أحمد رواية أخرى: تعتد أربعة أشهر وعشرا. وهو قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين،
وسعيد بن جبير، ومجاهد، وخِلاس، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق
(6).
_________
(1) الروايتان عن أحمد نقلهما ابن قدامة في «المغني» (11/ 263 - 264).
(2) برقم (1753).
(3) انظر: «المغني» (11/ 262) للروايات عن أحمد.
(4) سبق قول ابن عمر، ولم أجده مسندًا عن عائشة وعثمان، عزاه إليهما ابن قدامة في
«المغني» (11/ 262).
(5) انظر: «الموطأ» عقب الحديث (1736)، و «الأم» (6/ 554)، و «الإشراف» لابن
المنذر (5/ 362)، و «الاستذكار» (6/ 217)، و «المغني» (11/ 262).
(6) انظر: «الإشراف» (5/ 361)، و «الاستذكار» (6/ 218)، و «المغني» (11/ 262).
(1/587)
وعن أحمد رواية ثالثة: تعتد بشهرين (1)
وخمسة أيام، حكاها أبو الخطاب، وهي رواية منكرة عنه، قال أبو محمد المقدسي (2):
ولا أظنها صحيحة عنه. وروي ذلك عن عطاء وطاوس وقتادة (3).
وقال أبو حنيفة وأصحابه (4): عدتها ثلاث حِيَض. ويروى ذلك عن علي وابن مسعود (5).
وهو قول عطاء، وإبراهيم النخعي، والثوري (6).
* * *
_________
(1) في الطبعتين: «شهرين» خلافًا للأصل.
(2) في «المغني» (11/ 263)، وذكر أنه لم يجدها في «الجامع» للخلال.
(3) انظر: «الإشراف» (5/ 362)، و «الاستذكار» (6/ 218)، و «المغني» (11/ 263).
(4) انظر: «الأصل» للشيباني (4/ 424)، و «بدائع الصنائع» (3/ 193).
(5) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة (19070 - 19072).
(6) انظر: «الإشراف» (5/ 362)، و «الاستذكار» (6/ 218)، و «المغني» (11/ 263).
(1/588)
تهذيبُ سننِ أبي داود
وإيضاحُ علله ومشكلاته
تأليف
الإمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية
(691 - 751) رحمه الله تعالى
المجلد الثاني
تحقيق
نبيل بن نصار السِّنْدي
(2/1)
كتاب
الصيام
1 - باب نسخ قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}
200/ 2218 - عن سَلَمَة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال: «لما نزلت هذه الآية:
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] كان
من أراد منَّا أن يُفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسخَتْها».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: اختلف السلف في هذه الآية على أربعة أقوال (2):
أحدها: أنها ليست بمنسوخة، قاله ابن عباس (3).
الثاني: أنها منسوخة، كما قاله سلمة والجمهور.
الثالث (4): أنها مخصوصة، خُصّ منها القادر الذي لا عذر له، وبقيت متناولةً للمرضع
والحامل.
الرابع: أن بعضها منسوخ وبعضها محكم.
_________
(1). أبو داود (2315)، والبخاري (4507)، ومسلم (1145)، والترمذي (798)، والنسائي
(2316).
(2). انظرها مسندةً إلى قائليها في «تفسير الطبري» (3/ 161 - 178).
(3). هذا على قراءة ابن عباس: «يطوَّقونه» أي يكلَّفونه فلا يُطيقونه. أخرجه
البخاري (4505).
(4). في الطبعتين: «والثالث» خلافًا للأصل.
(2/3)
2 - باب الشهر يكون تسعًا وعشرين
201/ 2226 - وعن عبد الرحمن بن أبي بَكْرَة عن أبيه - رضي الله عنه - عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - قال: «شَهْرَا عيدٍ لا ينقصان: رمضانُ، وذُو الحجة».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه (1).
[ق 112] قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي معناه أقوال:
أحدها: لا يجتمع نقصُهما معًا في سنة واحدة، وهذا منصوص الإمام أحمد (2).
الثاني: أن هذا خرج على الغالب، والغالب أنهما لا يجتمعان في النقص، وإن وقع
نادرًا.
والثالث: أن المراد بهذا تلك السنة وحدها، ذكره جماعة.
الرابع: أنهما لا ينقصان في الأجر والثواب، وإن كان رمضان تسعًا وعشرين فهو كامل
في الأجر.
الخامس: أن المراد بهذا تفضيل العمل في عشر ذي الحجة، وأنه لا ينقص أجره وثوابه عن
ثواب شهر رمضان (3).
وقد اختلف في أيام العشر من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان أيهما أفضل؟ قال
شيخنا (4): وفصل الخطاب: أن ليالي العشر الأخير من
_________
(1). أبو داود (2323)، والبخاري (1912)، ومسلم (1089)، والترمذي (692)، وابن ماجه
(1659).
(2). «مسائل أحمد» برواية عبد الله (ص 180)، وبرواية الكوسج (2/ 541).
(3). ذكره ابن حبان في «صحيحه» عقب الحديث (3448).
(4). لم نجده في كتبه المطبوعة، نقله المؤلف أيضًا في «بدائع الفوائد» (3/ 1102)،
وعنه نُقل في «مجموع الفتاوى» (25/ 287).
(2/4)
رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، فإن فيها
ليلة القدر، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في تلك الليالي ما لا
يجتهد في غيرها من الليالي، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الآخر من
رمضان؛ لحديث ابن عباس (1)، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعظم الأيام عند
الله يوم النحر» (2)، وما جاء في يوم عرفة.
السادس: أن الناس كان يكثر اختلافهم في هذين الشهرين لأجل صومهم وحجهم، فأعلَمَهم
- صلى الله عليه وسلم - أن الشهرين وإن نقصت أعدادُهما فحكم عبادتهما على التمام
والكمال (3). ولما كان هذان الشهران هما أفضل شهور العام، وكان العمل فيهما أحب
إلى الله من سائر الشهور= رغّب النبي - صلى الله عليه وسلم - في العمل، وأخبر أنه
لا ينقص ثوابه وإن نقص الشهران. والله أعلم.
قالوا: ويشهد لهذا التفسير ما رواه الطبراني في «معجمه» (4) من حديث
_________
(1). وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أيامٍ العملُ الصالح فيهن أحب إلى
الله من هذه الأيام العشر». رواه البخاري (969) وأبو داود (2438) والترمذي (757)
واللفظ له.
(2). أخرجه أحمد (19075)، وأبو داود (1765)، وابن خزيمة (2866)، وابن حبان (2811)،
والحاكم (4/ 221) من حديث عبد الله بن قُرْط - رضي الله عنه -.
(3). بنحوه فسّره إسحاق بن راهويه، كما في «مسائل الكوسج» (2/ 541)، و «جامع
الترمذي» عقب الحديث (692).
(4). من طريق هشيم عن خالد الحذّاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. هكذا ذكر
إسناده في «الفتح» (4/ 126)، وليس في القدر المطبوع من «المعجم الكبير»، وقال
الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 150 - 151): «رجاله رجال الصحيح»، وقال المؤلف:
رجال إسناده ثقات، وهو كما قالا، إلا أن لفظه منكر، فإن الحديث في «الصحيحين»
وغيرهما من طرق عن خالد الحذّاء به بلفظ حديث الباب، والظاهر ــ كما قال الحافظ
ابن حجر ــ أن هشيمًا دخل عليه الحديث في حديث آخر، فإن اللفظ الذي ذكره إنما هو
لفظ حديث عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي ــ وهو ضعيف منكر الحديث ــ عن عبد الرحمن بن
أبي بكرة عن أبيه. أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (502) وابن عدي في «الكامل»
(4/ 305) وابن عبد البرّ في «التمهيد» (2/ 46 - 47)، وضعّفوه بعبد الرحمن بن
إسحاق.
(2/5)
عبد الله (1) بن أبي بكرة عن أبيه يرفعه:
«كل شهر حرام لا ينقص، ثلاثين يومًا وثلاثين ليلة». ورجال إسناده ثقات. وهذا لا
يمكن حمله إلا على الثواب، أي للعامل فيها ثواب ثلاثين يومًا وليلة، وإن نقص عدده.
والله أعلم.
3 - باب إذا أخطأ القومُ الهلالَ
202/ 2227 - عن محمد بن المنكَدِر عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، ذَكَر النبيَّ -
صلى الله عليه وسلم - فيه، قال: «وفِطْرُكُم يوم تُفطرون، وأضْحاكم يوم تُضَحُّون،
وكلُّ عرفة مَوقِفٌ، وكل مِنًى مَنْحَر، وكل فِجاج مَكَّةَ مَنْحَر، وكل جَمْعٍ
موقفٌ».
وأخرجه الترمذي (2) من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبُري عن أبي هريرة، وقال: حسن
غريب.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وأما حديث أبي داود، فقال يحيى بن معين (3):
_________
(1). كذا في الأصل، والصواب: «عبد الرحمن» فإن الحديث من طريقه، على أن لأبي بكرة
ولدًا بهذا الاسم، وقيل في اسمه: «عبيد الله»، وهو أشهر. انظر: «تعجيل المنفعة»
(1/ 722).
(2). أبو داود (2324)، والترمذي (697).
(3). «تاريخ ابن معين» برواية الدوري (3/ 201)، و «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص
189).
(2/6)
محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة.
وقال أبو زرعة الرازي: لم يلقَ أبا هريرة (1).
قال الترمذي: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إن معنى هذا الصومُ والفطر مع
الجماعة وعُظْم الناس.
وقال الخطابي (2) في معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله
الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا
حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم
ماض، لا شيء عليهم من وِزرٍ أو عَنَت (3)، وكذلك في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، ليس
عليهم إعادة.
وقال غيره: فيه الإشارة إلى أن يوم الشك لا يصام احتياطًا، وإنما يصام يوم يصوم
الناس.
وقيل: فيه الرد على من يقول: إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن
يصوم به ويفطر، دون من لم يعلم.
وقيل: إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا
له صومًا، كما لم يكن للناس. آخر كلامه (4).
_________
(1). نقله ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص 189)، وهذه الفقرة ساقطة من ط. الفقي.
(2). «معالم السنن» (3/ 213).
(3). كذا في مطبوعة «المعالم»، وفي مخطوطة «المختصر»: «عَتَب»، وفي الأصل محتمل.
(4). أي المنذري، ويبدأ كلامه من: «قال الترمذي»، وليس في مطبوعة «المختصر»، وهو
ثابت في المخطوط (النسخة البريطانية)، وكأن المجرد ظنَّه من زيادات ابن القيم على
كلام المنذري فأثبته.
(2/7)
وفيه دليل على أن المنفرد بالرؤية لا يلزمه
حكمها، لا في الصوم ولا في الفطر ولا في التعريف.
4 - باب إذا أُغْمِي الشهرُ
203/ 2229 - وعن حذيفة ــ وهو ابن اليَمَان ــ - رضي الله عنه - قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَقدَّمُوا الشهرَ حتى تَرَوُا الهلال، أو
تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة».
وأخرجه النسائي (1) مسندًا ومرسلًا، وقال (2): لا أعلم أحدًا من أصحاب منصور قال
في هذا الحديث «عن حذيفة» غيرَ جرير ــ يعني ابن عبد الحميد ــ.
وقال البيهقي (3): وصله جرير عن منصور، فذكر حذيفة فيه، وهو ثقة حجة. ورواه الثوري
وجماعة عن منصور، عن رِبْعِيٍّ، عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث وَصْلُه صحيح، فإن الذين وصلوه أوثق
وأكثر من الذين أرسلوه، والذي أرسله هو الحجاج بن أرطاة عن منصور. وقول النسائي:
لا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث «عن حذيفة» غير جرير، إنما عَنَى تسميةَ الصحابي،
وإلا فقد رواه الثوري وغيره [عن
_________
(1). أبو داود (2326)، والنسائي (2126) مسندًا و (2128) مُرسلًا.
(2). ليس في مطبوعة «الكبرى»، وقد ذكره المزِّي في «التحفة» (3/ 28)، وللبزار كلام
بنحوه في «مسنده» عقب الحديث (2856).
(3). «السنن الكبرى» (4/ 208).
(2/8)
منصور] (1) عن رِبْعي عن بعض أصحاب النبي -
صلى الله عليه وسلم - (2). وهذا موصول، ولا يضره عدم تسمية الصحابي ولا يُعلَّل
بذلك.
5 - باب
من قال: إذا غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين
204/ 2230 - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «لا تَقدَّموا الشهرَ بصيام يوم ولا يومين، إلا أن يكون شيء يصومه أحدُكم،
لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروْه، فإن حالَ دونه غَمامة فأتمُّوا العِدَّة
ثلاثين، ثم أفطروا، والشهر تسع وعشرون».
وأخرجه الترمذي والنسائي (3) بنحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح.
قال ابن القيم - رحمه الله -: ولفظ النسائي فيه: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته،
فإن حال بينكم وبينه سحاب فكمِّلوا العدة، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا».
وفي لفظ للنسائي (4) أيضًا: «فأكملوا العدة عدة شعبان». رواه من حديث أبي يونس عن
سماك عن عكرمة عنه.
قال الدارقطني (5): ولم يقل في حديث ابن عباس: «فأكملوا عدة شعبان» غير آدم، قال:
ثنا شعبة: حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البَخْتَري الطائي يقول: أهل هلال
رمضان ونحن بذات الشقوق، فشككنا في
_________
(1). ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل.
(2). أخرجه أحمد (18825)، والنسائي (2127) وغيرهما من طريق الثوري، عن منصور به.
وأخرجه ابن أبي شيبة (9113) عن أبي الأحوص، عن منصور به. وأخرجه الدارقطني (2169)
من طريق عبيدة بن حميد، عن منصور به.
(3). أبو داود (2327)، والترمذي (688)، والنسائي (2129).
(4). برقم (2189).
(5). انظر: «السنن» (2172).
(2/9)
الهلال، فبعثنا رجلًا إلى ابن عباس فسأله؟
فقال ابن عباس [عن النبي - صلى الله عليه وسلم -] (1): «إن الله أمدّه لرؤيته، فإن
غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». قال الدارقطني: صحيح عن شعبة، ورواه حصين
وأبو خالد الدالاني عن عمرو بن مرة، ولم يقل فيه «عدة شعبان» غير آدم، وهو ثقة.
قال المنذري: وقد أخرج مسلم في «صحيحه»، والنسائي، وابن ماجه (2) من حديث سعيد بن
المسيِّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتم
الهلال فصوموا، وإذا (3) رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا».
قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث أبي هريرة هذا قد روي في «الصحيح» بثلاثة
ألفاظ، [ق 113] أحدها: هذا.
اللفظ الثاني: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة» (4).
وفي رواية: «فعدّوا ثلاثين» (5).
اللفظ الثالث: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». وهذا اللفظ الآخر للبخاري
وحده (6)، وقد عُلِّل بعلّتين:
_________
(1). ما بين الحاصرتين من «سنن الدارقطني».
(2). مسلم (1081/ 17)، والنسائي (2119)، وابن ماجه (1655).
(3). في أصل المجرّد: «وإن»، والتصويب من مصادر الحديث و «المختصر».
(4). أخرجه مسلم (1081/ 18) من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي
هريرة، ولفظه: «فأكملوا العَدَد».
(5). مسلم (1081/ 19) من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة، عن محمد بن زياد به.
(6). برقم (1909) من طريق آدم، عن شعبة به.
(2/10)
إحداهما (1): أنه من رواية محمد بن زياد
عنه، وقد خالفه فيه سعيد بن المسيب فقال فيه: «فصوموا ثلاثين». قالوا: وروايته
أولى لإمامته، واشتهار عدالته وثقته، ولاختصاصه بأبي هريرة وصهره منه، ولموافقة
روايته لرأي أبي هريرة ومذهبه، فإن مذهب أبي هريرة، وعمر بن الخطاب، وابنه عبد
الله، وعمرو بن العاص، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء: صيام يوم الغيم (2). قالوا:
فكيف يكون عند أبي هريرة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فأكملوا عدة شعبان»
ثم يخالفه؟
العلة الثانية: ما ذكرها الإسماعيلي (3) قال: وقد روينا هذا الحديث عن غندر وابن
مهدي وابن عُليّة وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر بن شميل ويزيد بن
هارون وأبي داود كلهم عن شعبة، لم يذكر أحد منهم: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»،
فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للخبر، وإلا فليس لانفراد
البخاري عنه بهذا مِن بين مَن رواه عنه وجه. هذا آخر كلامه.
وقد رواه الدارقطني (4) فقال فيه: «فعُدُّوا ثلاثين، يعني عدوا شعبان ثلاثين»، ثم
قال: أخرجه البخاري عن آدم فقال فيه: «فعدوا شعبان ثلاثين» ولم يقل «يعني».
_________
(1). انظر: «المغني» (4/ 333).
(2). انظر آثار هؤلاء بأسانيدها في «درء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم» لابن
الجوزي (ص 52 - 59)، و «زاد المعاد» للمؤلف (2/ 41 - 43).
(3). في «المستخرج»، كما في «التحقيق في أحاديث الخلاف» لابن الجوزي (2/ 74).
(4). برقم (2173) من طريق آدم بن أبي إياس به.
(2/11)
وهذا يدل على أن قوله «يعني» من بعض الرواة،
والظاهر أنه آدم وأنه قولُه. وقد تقدم حديث ابن عباس في ذلك، وتفرَّد آدمُ أيضًا
فيه بقوله: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، وسائر الرواة إنما قالوا: «فأكملوا العدة»
كما رواه:
حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس (1).
وسفيان عن عمرو عن محمد بن حُنَين عن ابن عباس (2).
وحاتم بن أبي صغيرة عن سِماك عن عكرمة عن ابن عباس (3).
وأبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس (4).
وحُصَين عن عمرو بن مُرَّة عن أبي البَخْتَري (5).
_________
(1). أخرجه النسائي (2124) بلفظ: «فأكملوا العدّة ثلاثين».
(2). أخرجه النسائي (2125) باللفظ السابق. وأخرجه عبد الرزاق (7302) من طريق ابن
جريج، عن عمرو به، بلفظ: «فأكملوا ثلاثين يومًا».
(3). أخرجه النسائي (2129) من طريق إسماعيل ابن علية عن حاتم به، بلفظ: «فأكملوا
العدّة».
(4). أخرجه الترمذي (688) وقال: حسن صحيح، والنسائي (2130)، وابن حبّان (3594)،
بلفظ: «فأكملوا ثلاثين»، زاد الترمذي: «يومًا».
ورواه أيضًا: شعبة عن سماك به بلفظ: «فأكملوا العدّة ثلاثين» أخرجه ابن خزيمة
(1912) والحاكم (1/ 425)، وزائدةُ بن قدامة عن سماك به بلفظ: «فأكملوا العدّة»
أخرجه أحمد (2335).
(5). أخرجه مسلم (1088/ 29) وليس فيه موضع الشاهد. وقد رواه شعبة عن عمرو بن مُرّة
به بلفظ: «فأكملوا العدّة». أخرجه أحمد (3021)، ومسلم (1088/ 30).
(2/12)
وأبو خالد الدالاني عن عمرو عن أبي البختري
(1).
=كلهم قال في حديثه: «فأكملوا العدة»، ومنهم من قال: «فأكملوا ثلاثين»، وقال آدم
من بينهم: «عدة شعبان»، فهذه الزيادة من آدم في حديث ابن عباس كهي في حديث أبي
هريرة، وسائر الرواة على خلافه فيه (2). قال بعض الحفاظ (3): وهذا يدل على أن هذا
تفسير منه في الحديثين.
ومدار هذا الباب على حديث ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وحذيفة، ورافع
بن خديج، وطلق بن علي، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر؛ فهذه عشرة أحاديث.
فأما حديث ابن عباس وأبى هريرة فقد ذكرناهما.
وأما حديث ابن عمر وعائشة وحذيفة فقد تقدمت (4).
_________
(1). أخرجه الدارقطني (2208) وليس فيه موضع الشاهد.
(2). وردت هذه الزيادة أيضًا عند أبي داود الطيالسي (2793) والنسائي (2189) من
طريقين عن سماك به، ولعلّها مدرجة من تفسير بعض الرواة، إذ ليست في أكثر الطرق عن
سماك على ما سبق ذكرها.
(3). لعل المقصود ابن الجوزي، فإنه قال ذلك في «درء اللوم» (ص 109).
(4). ولم يتقدّم معنا في «التجريد» سوى حديث حذيفة.
أما حديث ابن عمر فأخرجه أبو داود (2320) بلفظ: «الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى
تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين». وهو عند مسلم (1080/
4) بنحوه، وعند البخاري (1906) بدون قوله: «ثلاثين».
وأما حديث عائشة فأخرجه أبو داود (2325) وابن خزيمة (1910) وابن حبان (3444)
والحاكم (1/ 423) بلفظ: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحفّظ من شعبان ما
لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عدّ ثلاثين يومًا ثم صام».
(2/13)
وأما حديث رافع بن خديج، فرواه الدارقطني
(1) من حديث الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: «أحصوا عدة شعبان لرمضان، ولا تقدموا الشهر بصوم، فإذا
رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما ثم
أفطروا. فإن الشهر هكذا وهكذا وهكذا (وخنس إبهامه في الثالثة)». وفيه الواقدي، وهو
وإن كان ضعيفًا، فليس العمدة على مجرد حديثه.
وأما حديث طلق، فرواه الدارقطني (2) أيضًا من حديث لُوَين (3) عن محمد بن جابر، عن
قيس بن طلق، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «جعل الله الأهلة
مواقيت للناس، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا
العدة ثلاثين»، قال محمد بن جابر: سمعت هذا منه وحديثين آخرين. ومحمد بن جابر وإن
كان ليس بالقوي، فالعمدة على ما تقدم.
وأما حديث سعد، فرواه النسائي (4) عن محمد بن سعد، عن أبيه، عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - قال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا ــ يعني تسعة وعشرين ــ». وفي رواية:
«ثم قبض في الثالثة الإبهام في اليسرى».
وأما حديث عمّار بن ياسر، فسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
_________
(1). رقم (2176).
(2). رقم (2175)، وأخرجه أيضًا أحمد في «مسنده» (16294). في إسناده محمد بن جابر
بن سيّار، قال عنه الدارقطني عقب الحديث: «ليس بالقوي، ضعيف».
(3). ط. الفقي: «حديث أبي يونس»، تحريف.
(4). رقم (2135 - 2137). وهو في «صحيح مسلم» (1086).
(2/14)
6 - باب في التقدُّم
205/ 2231 - عن عِمران بن حُصين: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل:
«هل صُمتَ من سَرَرِ شعبان شيئًا؟» قال: لا، قال: «فإذا أفطرتَ فَصُمْ يومًا».
وفي رواية: «يومين».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أشكل هذا على الناس، فحمله طائفة على الاحتياط
لدخول رمضان، قالوا: وسَرَر الشهر، وسراره (بكسر السين وفتحها) ثلاث لغات، وهو
آخرُه وقتَ استِسْرارِ هلاله، فأمره إذا أفطر أن يصوم يومًا أو يومين، عوض ما فاته
من صيام سرره احتياطًا.
وقالت طائفة منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: سِرُّه أوله، وسراره أيضًا،
فأخبره أنه لم يَصُم من أوله فأمره بقضاء ما أفطر منه. ذكره أبو داود (2) عن
الأوزاعي وسعيد.
وأنكر جماعة (3) هذا التفسير فرأوه غلطًا، قالوا: فإن سرار الشهر آخره، سمي بذلك
لاستسرار القمر فيه (4).
_________
(1). أبو داود (2328)، والبخاري (1983)، ومسلم (1161)، والنسائي في «الكبرى»
(2881).
(2). برقم (2330، 2331).
(3). منهم الخطابي في «غريب الحديث» (1/ 130) و «المعالم» (3/ 218).
(4). هذا الذي حكاه أبو عبيد بن سلّام في «غريب الحديث» (2/ 79) عن الكسائي وغيره
من أهل اللغة، وهو الذي ذكره ابن دريد، والأزهري، والجوهري، وابن فارس في معاجمهم،
لم يذكروا غيره.
(2/15)
وقالت طائفة: سرره هنا وسطه، وسِرُّ كل شيء
جوفه. قال البيهقي (1): فعلى هذا أراد أيام البيض. هذا آخر كلامه. ورُجِّحَ هذا
بأن في بعض الروايات فيه: «أصمت من سُرّة هذا الشهر؟» (2)، وسُرَّته: وسطه، كسرة
[ق 114] الآدمي.
وقالت طائفة: هذا على سبيل استفهام الإنكار، والمقصود منه الزجر. قال ابن حبان في
«صحيحه» (3): وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أصمت من سرر هذا الشهر؟» لفظةُ
استخبارٍ عن فعلٍ، مرادُها الإعلام بنفي جواز استعمال ذلك الفعل [المستخبَر] عنه،
كالمنكِر عليه لو فعله. وهذا كقوله لعائشة: «أتسترين الجدار؟» (4) وأراد به
الإنكار عليها بلفظ الاستخبار. وأَمْرُه - صلى الله عليه وسلم - بصوم يومين من
شوال أراد به انتهاء (5) السِّرار، وذلك أن الشهر إذا كان تسعًا وعشرين يَستَسِرُّ
القمر يومًا واحدًا، وإذا كان الشهر ثلاثين يستسرّ القمر
_________
(1). في «الكبرى» (4/ 211).
(2). أخرجها مسلم (1161/ 195) عن عبد الله بن محمد الضبعي، عن مهدي بن ميمون، عن
غيلان، عن مطرف، عن عمران بن حصين. وعبد الله الضبعي قد تفرد بهذا اللفظ، فالحديث
عند أحمد (20006) والبخاري (1983) من ثلاثة طرق عن مهدي به بلفظ: «سرر»، فضلًا عن
الطرق الأخرى عن مطرف به.
(3). عقب الحديث (3588)، وما بين الحاصرتين منه.
(4). أخرجه أحمد (26103) وابن حبان (5843)، وأصله في البخاري (6109) ومسلم (2107)
دون موضع الشاهد.
(5). في ط. المعارف و «الإحسان» (ط. الرسالة): «أنّها»، تصحيف، والمثبت من الأصل
موافق «للتقاسيم والأنواع» (3/ 273) وللنقل عنه في «سير أعلام النبلاء» (16/ 99).
(2/16)
يومين، والوقت الذي خاطب به - صلى الله عليه
وسلم - (1) هذا الخطاب يشبه أن يكون عدد شعبان كان ثلاثين، فمن أجله أمر بصوم
يومين من شوال. آخر كلامه (2).
وقالت طائفة: لعل صوم سرر الشهر كان الرجلُ قد أوجَبَه على نفسه بنذر، فأمره
بالوفاء (3).
وقالت طائفة: لعل ذلك الرجل كان قد اعتاد صيام أواخر الشهور، فترك آخر شعبان لظنه
أن صومه يكون استقبالًا لرمضان، فيكون منهيًّا عنه، فاستحب له النبي - صلى الله
عليه وسلم - أن يقضيه، ورُجِّح هذا بقوله: «إلا صوم كان يصومه أحدكم فليَصُمْه».
والنهيُ عن التقدّم لمن لا عادة [له] (4)، فيتفق الحديثان. والله أعلم.
7 - باب كراهية صوم يوم الشك
206/ 2234 - عن صِلَة ــ وهو ابن زُفَر ــ قال: «كُنَّا عند عَمَّار في اليوم الذي
يُشَكُّ فيه، فأتي بشاةٍ، فَتَنَحَّى بعضُ القوم، فقال عمار: من صام هذا اليوم فقد
عصَى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -».
_________
(1). في الطبعتين: «النبي - صلى الله عليه وسلم -» خلافًا للأصل و «صحيح ابن
حبان».
(2). تعقّبه الحافظ الضياء المقدسي في جزءٍ جمع فيه المآخذ على «صحيحه» فقال: «لو
كان مُنكِرًا عليه لما أمره بالقضاء». انظر «سير أعلام النبلاء» (16/ 98 - 99).
(3). هذا التوجيه والذي بعده ذكرهما أبو عبيد بن سلّام في «غريبه» (2/ 80) وقال:
«لا أعرف للحديث وجهًا غيره».
(4). زيادة مني. والحديث أخرجه البخاري (1914) ومسلم (1082) عن أبي هريرة - رضي
الله عنه -، وتقدم نحوه من حديث ابن عبّاس قريبًا.
(2/17)
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (1).
وقال الترمذي: حسن صحيح.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال الدارقطني (2): إسناده حسن صحيح، و [رواته]
كلهم ثقات.
قال المنذري: قال: ابن عبد البر (3): هذا مُسنَد عندهم ولا يختلفون، يعني في ذلك.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وذكر جماعة (4) أنه موقوف، ونظير هذا قول أبي هريرة:
«من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (5).
والحكم على الحديث بأنه مرفوع بمجرد هذا اللفظ لا يصح، وإنما هو لفظ الصحابي
قطعًا، ولعله فهم من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَقَدَّموا رمضانَ
بيوم ولا يومين» أن صيام يوم الشك تقدُّم، فهو معصية، كما فهم أبو هريرة من قوله -
صلى الله عليه وسلم -: «إذا دعا أحدُكم أخاه فليُجِبْه» (6) أن ترْكَ الإجابة
معصيةٌ لله
_________
(1). أبو داود (2334)، والترمذي (686)، والنسائي (2188)، وابن ماجه (1645).
(2). عقب الحديث (2150)، وما بين الحاصرتين منه. وقد صححه أيضًا ابنُ خزيمة (1914)
وابن حبان (3585)، وعلّقه البخاري عن صِلَة بن زُفَر مجزومًا به في «باب قول النبي
- صلى الله عليه وسلم -: إذا رأيتم الهلال فصوموا ... ».
(3). في «التمهيد» (10/ 175) عند الكلام على أثر أبي هريرة في إجابة الدعوة،
وسيأتي لفظه قريبًا.
(4). كأبي القاسم الجوهري في «مسند الموطأ» (ص 193)، وكان المنذري قد صرّح به في
«المختصر» فأبهمه المؤلف وأدرجه في جماعة ممن قال به.
(5). أخرجه مالك (1573) والبخاري (5177) ومسلم (1432).
(6). أخرجه أحمد (6337) ومسلم (1429) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -.
(2/18)
ورسوله. ولا يجوز أن يُقَوَّل رسولُ الله -
صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله، والصحابي إنما يقول ذلك استنادًا منه إلى دليل
فَهِم منه أن مخالفة مقتضاه معصية، ولعله لو ذكر ذلك الدليل لكان له محمل غيرَ ما
ظنّه، فقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضًا في كثير من وجوه دلالة النصوص.
8 - باب في كراهية ذلك (1)
207/ 2237 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: «إذا انتَصَفَ شعبانُ فلا تصوموا».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (2). وقال الترمذي: حسن صحيح، ومعنى هذا الحديث
عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مُفطرًا، فإذا بقي من شعبان شيء أخذ في الصوم
لحال شهر رمضان. آخر كلامه (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: الذين رَدُّوا هذا الحديث لهم مأخذان:
أحدهما: أنه لم يتابِع العلاءَ عليه أحد، بل انفرد به عن الناس (4).
_________
(1). بعده في الأصل: «يعني وصل شعبان برمضان»، والظاهر أنه من توضيح المجرّد،
فالباب الذي سبقه في «السنن» و «المختصر» هو «باب فيمن يصل شعبان برمضان»، ولم
يَرِد في «التجريد».
(2). أبو داود (2337)، والترمذي (738)، والنسائي في «الكبرى» (2923)، وابن ماجه
(1651).
(3). كلام الترمذي من قوله: «ومعنى هذا الحديث ... » إلخ ذكره المجرِّد ونسبه إلى
«مختصر المنذري»، مع أنه ليس في مطبوعته ولا مخطوطه، والظاهر أن إتمام النقل لكلام
الترمذي من زيادة المؤلف.
(4). قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ. وقال النسائي: لا
نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن.
(2/19)
وكيف لا يكون هذا معروفًا عند أصحاب أبي
هريرة مع أنه أمر تعمّ به البلوى ويتّصل به العمل؟!
والمأخذ الثاني: أنهم ظنوه معارضًا لحديث عائشة (1) وأم سلمة (2) في صيام النبي -
صلى الله عليه وسلم - شعبان كله، أو إلا قليلًا منه، وقوله «إلا أن يكون لأحدكم
صوم فليصمه»، وسؤاله للرجل عن صوم سرر شعبان. قالوا: وهذه الأحاديث أصح منه.
وربما ظن بعضهم أن هذا الحديث لم يسمعه العلاء من أبيه.
وأما المصححون له فأجابوا عن هذا بأنه ليس فيه ما يقدح في صحته، وهو حديث على شرط
مسلم، أخرج في «صحيحه» عدة أحاديث عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وتفرُّدُه به
تفرد ثقةٍ بحديث مستقل، وله عدة نظائر في «الصحيح».
قالوا: والتفرد الذي يعلل به: تفرُّدُ الرجل عن الناس بوَصْلِ ما أرسلوه، أو رفعِ
ما وقفوه، أو زيادةِ لفظةٍ لم يذكروها. وأما الثقة العدل إذا روى حديثًا وتفرد به
لم يكن تفرُّدُه علةً، فكم قد تفرد الثقات بسننٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
عملت بها الأمة؟
قالوا: وأما ظن معارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان، فلا
_________
(1). أخرجه البخاري (1970) ومسلم (1156).
(2). أخرجه أحمد (26562، 26653)، وأبو داود (2336)، والترمذي (736) والنسائي
(2175)، قال الترمذي: حديث حسن، وقال في «الشمائل» (301): هذا إسناد صحيح.
(2/20)
معارضة بينهما، فإن تلك الأحاديث تدل على