النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
«بُسْرَة» بالباء الموحّدة والسين المهملة، وقيل: نضرة بن أكثم الخزاعي, وقيل:
الأنصاري, وذكر بعضهم: أنه بصرة بن أبي
_________
(1) في «معالم السنن»: (2/ 599 - 600 - بهامش السنن).
(1/451)
بصرة الغفاري, ووهم قائله. وقيل: بصرة هذا
مجهول.
وله علة عجيبة, وهي: أنه حديثٌ يرويه ابنُ جُرَيج، عن صفوان بن سُلَيم، عن سعيد بن
المسيّب، عن رجل من الأنصار. وابنُ جُرَيج لم يسمعه من صفوان, إنما رواه عن
إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن صفوان.
وإبراهيم (1) هذا متروك الحديث؛ تركه أحمدُ بن حنبل ويحيى بن معين وابنُ المبارك
وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم. وسُئل عنه مالك بن أنس: أكان [ق 86] ثقة؟
قال: لا, ولا في دينه.
وله علّة أخرى: وهي أن المعروف إنما يُروَى مرسلًا عن سعيد بن المسيب عن النبي -
صلى الله عليه وسلم -. كذا رواه قتادة ويزيد بن نُعَيم وعطاء الخراساني، كلهم عن
سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2).
ذَكَر عبد الحق (3) هذين التعليلين, ثم قال: «والإرسال هو الصحيح».
وقد اشتمل على أربعة أحكام:
أحدها: وجوب الصَّدَاق عليه بما استحلّ مِن فرجها، وهو ظاهر لأن الوطء فيه غايته
أن يكون وطءَ شبهة, إن لم يصحّ النكاح.
الثاني: بطلان نكاح الحامل من الزنا.
_________
(1) ترجمته في «تهذيب التهذيب»: (1/ 158 - 161).
(2) ذكرها أبو داود في «السنن»: (2/ 600).
(3) في «الأحكام الوسطى»: (3/ 156).
(1/452)
وقد اخْتُلِف في نكاح الزانية؛ فمذهب الإمام
أحمد بن حنبل: أنه لا يجوز تزوُّجها حتى تتوب, وتنقضي عدَّتها, فمتى تزوجها قبل
التوبة أو قبل انقضاء عدتها كان النكاح فاسدًا, ويفرَّق بينهما (1).
وهل عِدَّتها ثلاث حِيَض, أو حيضة؟ على روايتين عنه.
ومذهب الثلاثة: أنه يجوز أن يتزوَّجها قبل توبتها, والزنا لا يمنع عندهم صحَّة
العقد, كما لم يوجب فسخَه طريانُه (2).
ثم اختلف هؤلاء في نكاحها في عدّتها: فمَنَعَه مالك, احترامًا لماء الزوج, وصيانةً
لاختلاط النسب الصريح بولد الزنا. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يجوز العقد
عليها من غير انقضاء عدة.
ثم اختلفا, فقال الشافعي: يجوز العقد عليها وإن كانت حاملًا, لأنه لا حُرْمة لهذا
الحمل. وقال أبو يوسف وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه: لا يجوز العقد عليها حتى
تضع الحملَ, لئلا يكون الزوج قد سقى ماءَه زرعَ غيرِه, ولنهي النبي - صلى الله
عليه وسلم - أن توطأ المَسْبية الحاملُ حتى تضع. مع أن حملها مملوك له, فالحامل من
الزنا أولى أن لا تُوطَأ حتى تضع, ولأنّ ماء الزاني وإن لم يكن له حُرْمة فماء
الزوج محترم، فكيف يسوغ له أن يخلطه بماء الفجور؟ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم
- همّ بلعن الذي يريد أن يطأ أَمَته الحامل من غيره وكانت مسبية, مع انقطاع الولد
عن أبيه, وكونه مملوكًا له. وقال أبو حنيفة
_________
(1) ينظر «المغني»: (9/ 561 - 563).
(2) ينظر: «الأم»: (6/ 384 - 386) و «الذخيرة»: (4/ 259 - 260)، و «شرح فتح
القدير»: (3/ 241 - 246). ووقع في ط. الفقي: «طريانه فسخه» والمثبت من الأصل و (ش،
هـ)، وبضبطه يزول الإشكال المتوهّم.
(1/453)
في الرواية الأخرى: يصح العقد عليها, ولكن
لا توطأ حتى تضع.
الثالث: وجوب الحدِّ بالحَبَل, وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين (1).
وحُجّتهم: قول عمر - رضي الله عنه -: «والرّجْم حقٌّ على مَن زنى من الرجال
والنساء إذا كان محصنًا، إذا قامت البيِّنةُ, أو كان حَمْل أو اعتراف» متفق عليه
(2).
ولأن وجود الحَمْل أمارة ظاهرة على الزنا أظهر من دلالة البينة, وما يتطرَّق إلى
دلالة الحمل يتطرق مثلُه إلى دلالة البينة وأكثر.
وحديث بصرة هذا أمره (3) بجَلْدها بمجرَّد الحمل, من غير اعتبار بيِّنةٍ ولا
إقرار. ونظير هذا: حدُّ الصحابة في الخمر بالرائحة والقيء.
الحكم الرابع: إرقاق ولد الزنا, وهو موضع الإشكال في الحديث, وبعضُ الرواة لم
يذكره في حديثه, كذلك رواه سعيد وغيره, وإنما قالوا: «ففرَّق بينهما, وجَعَل لها
الصداقَ وجَلَدَها مائة» وعلى هذا فلا إشكال في الحديث.
وإن ثبتت هذه اللفظة فقد قيل: إن هذا لعلَّه كان في أول الإسلام, حين كان الرقُّ
يثبت على الحُرِّ المدين ثم نُسِخ. وقيل: إن هذا مجاز, والمراد به
_________
(1) ينظر: «التمهيد»: (23/ 97)، و «المغني»: (12/ 377)، و «مجموع الفتاوى»: (20/
383).
(2) أخرجه البخاري (6829)، ومسلم (1691) بنحوه.
(3) ط. الفقي زيادة: «فيه أنه أمره» ولا لزوم لها!
(1/454)
استخدامه (1).
18 - باب في حقِّ الزوج على المرأة
159/ 2053 - عن قيس بن سعد قال: أتيت الحِيرَةَ، فرأيتهم يسجدون لِمَرْزُبَانٍ
لهم، فقلت: رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أحقُّ أن يُسْجَدَ له! قال: فأتيتُ
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: إني أتيتُ الحِيْرة، فرأيتهم يسجدون
لمَرْزُبانٍ لهم، فأنتَ يا رسولَ الله أحقُّ أن نسجد لك! قال: «أرأيتَ لو مَرَرْتَ
بقبري أكنتَ تسجدُ له؟»، قال: قلت: لا، قال: «فلا تفعلوا، لو كنتُ آمرًا أحدًا أن
يَسْجُدَ لأحدٍ لأمرتُ النساءَ أن يَسْجُدْن لأزواجهنّ لِمَا جعَلَه لهم عليهنّ من
الحقّ» (2).
في إسناده شَريك بن عبد الله القاضي، وقد تكلّم فيه غيرُ واحد، وأخرج له مسلم في
المتابعات.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أخرج الترمذي (3) من حديث أبي هريرة، عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - قال: «لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن
تسجدَ لزوجها». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح (4). قال: وفي الباب عن معاذ
بن جبل, وسُرَاقة بن مالك, وعائشة, وابن عباس,
_________
(1) وقد أشار لهذين المعنيين الخطابي في «المعالم»: (2/ 599 - 600) وقد نقلناه عنه
آنفًا.
(2) أخرجه أبو داود (2140)، والدارمي (1463)، والحاكم: (2/ 187) وصححه. وفي سنده
شريك القاضي والكلام فيه معروف، وله شواهد من حديث عدد من الصحابة سيذكرها المؤلف
في تعليقه.
(3) (1159).
(4) كذا في المطبوع، وفي «تحفة الأشراف»: (11/ 18): «حسن غريب من هذا الوجه من
حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة».
(1/455)
وعبد الله بن أبي أوفى, وطَلْق بن عليّ, وأم
سلمة, وأنس، وابن عمر.
فهذه أحد عشر حديثًا (1).
وحديث ابن أبي أوفى رواه أحمد في «مسنده» (2) قال: لما قَدِم معاذٌ من الشام سَجَد
للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما هذا يا معاذ؟»، قال: أتيتُ الشامَ
فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم, فودِدْتُ (3) في نفسي أن نفعل ذلك بك! فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فلا تفعلوا, فلو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد
لغير الله لأمرت المرأةَ أن تسجد لزوجها, والذي نفسُ محمدٍ بيده لا تؤدِّي المرأةُ
حقَّ ربها حتى تؤدِّي حقَّ زوجها، ولو سألها نفسَها وهي على قَتَب لم تمنعه» ورواه
ابن ماجه (4).
وروى النسائيُّ (5) من حديث حفص ابن أخي أنس، عن أنس, رَفَعَه: «لا يصلح لبشرٍ أن
يسجدَ لبشرٍ, ولو صلح لبشرٍ أن يسجدَ لبشرٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها مِن
عِظَم حقِّه عليها».
ورواه أحمد (6)، وفيه زيادة: «والذي نفسي بيده لو كان مِن قَدَمِه إلى
_________
(1) وروي أيضًا من حديث بُريدة بن الحصيب، وغيلان بن سلمة، وجابر بن عبد الله -
رضي الله عنهم -.
(2) (19403، 19404).
(3) كذا في الأصل و (ش، هـ) وابن ماجه، وفي «المسند»: «فروَّأتُ». وفي ط. المعارف:
«فرددت».
(4) (1853). وصححه ابن حبان (4171).
(5) في «الكبرى» (9102).
(6) (12614) قال المنذري في «الترغيب»: (3/ 35): «إسناده جيد رواته ثقات مشهورون».
وقال الهيثمي في «المجمع»: (9/ 4): «رجاله رجال الصحيح غير حفص ابن أخي أنس وهو
ثقة»، لكن في هذه الزيادة ضعف حيث تفردّ بها حسين المروّذي وهو مختلط، ينظر: حاشية
«المسند» (20/ 65 - 66).
(1/456)
مفرق رأسه قُرْحَة تنبجس بالقيح والصديد، ثم
استقبَلَتْه تلحسُه ما أدّتْ حقَّه».
وروى النسائي (1) أيضًا من حديث أبي عُتبة، عن عائشة قالت: سألتُ النبيَّ - صلى
الله عليه وسلم -: أيُّ الناس أعظم حقًّا على المرأة؟ قال: «زوجها» , قلت: فأيُّ
الناس أعظم حقًّا على الرجل؟ قال: «أمه».
وروى النسائي وابن حبان (2) من حديث عبد الله بن عَمرو، عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - قال: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها, وهي لا تستغني عنه».
وقد روى الترمذي وابن ماجه (3) من حديث أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: «أيّما امرأة ماتت وزوجُها راضٍ عنها دخلت الجنة» قال الترمذي: [ق 87] حسن
غريب.
وفي «الصحيحين» (4) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا
دعا الرجلُ امرأتَه لفراشه, فأبَتْ أن تجيء فباتَ غضبانًا عليها, لعنتها الملائكةُ
حتى تصبح».
_________
(1) في «الكبرى» (9103). والحاكم: (4/ 175) وصححه.
(2) أخرجه النسائي في «الكبرى» (9086)، ولم أجده عند ابن حبان، وأخرجه الحاكم: (2/
191) وصححه. ورواه النسائي (9087 و 9088) من طريق أخرى موقوفًا.
(3) أخرجه الترمذي (1161)، وابن ماجه (1854)، والحاكم: (4/ 173) وصحح إسناده، وفيه
نظر، ينظر «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (1426).
(4) أخرجه البخاري (3237)، ومسلم (1436).
(1/457)
19 - بابُ ما يُؤمَر به مِن غضّ البَصَر
160/ 2063 - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تباشر
المرأةُ المرأةَ لتنعتها لزوجها، كأنما ينظر إليها».
وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: فيه أن الوصفَ يقوم مقام الرؤية، فتمسَّك به مَن
أجاز بيع الغائب بالصفة، والسَّلَم في الحيوان (2).
20 - بابٌ في وطء السبايا
161/ 2069 - وعن أبي الدرداء: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوةٍ،
فرأى امرأة مُجِحًّا، فقال: لعلَّ صاحبها ألَمَّ بها؟ قالوا: نعم، فقال: لقد
هَممتُ أن ألعنه لعنةً تدخل معه في قبره، كيف يورِّثه وهو لا يحلّ له؟ وكيف
يستخدمه، وهو لا يحلّ له؟».
وأخرجه مسلم بنحوه (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: فيه قولان: أحدهما: أن ذلك الحَمْل قد يكون من زوجها
المشرك, فلا يحلّ له استلحاقه وتوريثه. وقد يكون إذا وطئها
_________
(1) أخرجه أبو داود (2150)، والبخاري (5240)، والترمذي (2792)، والنسائي في
«الكبرى» (9186).
(2) لم يذكر في ط. الفقي: (3/ 71) تعليق المؤلف على الحديث قال: «لأنه ذكر كلام
الخطابي، فحذفناه تفاديًا من التكرار»! وليس في كلام المؤلف تكرار لكلام الخطابي،
ولو سلمنا بتكراره فليس مبررًا للحذف والإسقاط من كتاب المؤلف.
(3) أخرجه أبو داود (2156)، ومسلم (1441). والمُجِحّ: هي المرأة الحامل التي
اقتربت ولادُتها. وألمّ بها: أي وطئها، وكانت ضمن سبايا حنين.
(1/458)
تَنَفَّشَ (1) ما كان في الظاهر حملًا,
وتَعْلق منه فيظنّه عبده وهو ولده، فيستخدمه استخدام العبد, وينفيه عنه. وهذان
الوجهان ذكر معناهما المنذري (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا القول ضعيف, فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم
- جمعَ بين إنكار الأمرين: استخدامه واستلحاقه، وقد جاء: «كيف يستعبده ويورّثه؟»
(3) ومعلوم أن استلحاقه واستعباده جَمْعٌ بين المتناقضَيْن، وكذا إذا تفشَّى الذي
هو حَمْل في الظاهر وعَلِقَتْ منه لا يتصوّر فيه الاستلحاق والاستعباد. فالصواب
القول الثاني, وهو أنه إذا وطئها حاملًا صار في الحمل جزء منه. فإن الوطء يزيد في
تخليقه, وهو قد علم أنه عبدٌ له, فهو باق (4) على أن يستعبده ويجعله كالمال
الموروث عنه, فيورثه أي يجعله مالًا موروثًا عنه. وقد صار فيه جزء من الأب.
قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره (5). وقد صرَّح النبيُّ - صلى الله
عليه وسلم -
_________
(1) كذا رسمها في الأصل و (ش) لم يعجم من حروفها إلا الفاء. وفي (خ- المختصر):
«ينفش». وتنفّش أي: انتشر وتفرَّق. وكان يمكن أن تقرأ «تفشى» كما سيأتي بعد أسطر
لولا أنها واضحة الرسم.
(2) (خ- المختصر) (ق 185 ب)، وليس في المطبوع من «المختصر» تعليق للمنذري، وقد
سقطت من مطبوعته نصوص كثيرة نبهنا عليها فيما مضى. وهذان الوجهان ذكرهما الخطابي
في «المعالم»: (2/ 614).
(3) أخرجه بنحوه الطحاوي في «بيان المشكل» (1424) من طريق أسد بن وداعة عن رجل من
أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه: «ويحه أيُوَرِّثه وليس منه أو يستعبده
... ».
(4) رسمها في الأصل و (ش): «بان».
(5) ينظر «زاد المعاد»: (5/ 141)، و «المبدع»: (6/ 344). وقد جاء ذلك في حديث رجاء
بن حيوة عن أبيه عن جده: «كيف يصنع بولدها ... أم يستعبده وهو يغذو في سمعه وبصره
... » أخرجه الطبراني في «الكبير»: (22/ 302)، ونحوه في حديث أسد بن وداعة عن رجل
من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وقد غذاه في سمعه وبصره» أخرجه الطحاوي
في «بيان المشكل» (1424) , وفي مرسل عبد الرحمن بن جبير: «وقد غذوت [تصحفت إلى:
غَدَرت] في سمعه وبصره» أخرجه أبو داود في «المراسيل» (219).
(1/459)
بهذا المعنى في قوله: «لا يحلّ لرجلٍ أن
يسقي ماءَه زرعَ غيرِه» (1). ومعلوم أن الماء الذي يُسْقى به الزرع يزيد فيه,
ويتكوّن الزرع منه, وقد شبَّه وطءَ الحامل بساقي الزرع الماءَ, وقد جعل الله تبارك
وتعالى محلّ الوطء حرثًا, وشبَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحملَ بالزرع,
ووطء الحامل بسَقْي الزرع.
وهذا دليلٌ ظاهر جدًّا على أنه لا يجوز نكاح الزانية حتى تُعْلَم براءةُ رَحِمها,
إما بثلاث حِيَض, أو بحيضة، والحيضة أقوى؛ لأن الماء الذي مِن الزنا والحمل, وإن
لم يكن له حُرْمة, فَلِماء الزوج حُرْمة, وهو لا يحلّ له أن ينفي عنه ما قد يكون
مِن مائه ووطئه، وقد صار فيه جزءٌ منه, كما لا يحلّ لواطئ المسبية الحامل ذلك, ولا
فرق بينهما.
ولهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه: إنه إذا تزوَّج الأمةَ وأحْبَلَها ثم
مَلَكها حاملًا= أنه إن وطئها صارت أمَّ ولدٍ له, تُعْتَق بموته, لأن الولد قد
يلحق من مائه الأول والثاني (2) , والله أعلم.
_________
(1) أخرجه أبو داود (2158)، والترمذي (1131) وحسّنه، وابن حبان (4850) من حديث
رُوَيفع بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -.
(2) ينظر: «المغني»: (14/ 589)، و «المبدع»: (6/ 371).
(1/460)
21 - باب في جامع النِّكاح
162/ 2076 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَلْعُونٌ
مَنْ أتى امرأته في دُبُرِهَا».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الذي أخرجه أبو داود في هذا الباب, وقد بقي في
الباب أحاديث أخرجها النسائي, ونحن نذكرها.
الأول: عن خُزيمة بن ثابت: أنه سمع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن
الله لا يستحيي من الحقّ, لا تأتوا النساءَ في أدبارهنّ» (2).
الثاني: عن عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
أن رجلًا سأله عن الرجل يأتي امرأةً في دبرها؟ قال: «تلك اللوطية الصغرى» (3).
رفَعَه همام، عن قتادة، عن عَمرو. ووقفه سفيانُ، عن حُمَيد الأعرج، عن عَمرو,
وتابعه مَطَرٌ الورَّاق، عن عمرو بن شعيب موقوفًا.
الثالث: عن كُرَيب، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ينظر
الله إلى
_________
(1) أخرجه أبو داود (2162)، والنسائي في «الكبرى» (8966)، وأحمد (7684)، ولم أره
في ابن ماجه بهذا اللفظ، وإنما بلفظ: «لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في
دُبُرها» (1923).
(2) أخرجه النسائي في «الكبرى» (2933)، وابن ماجه (1924)، وأحمد (21854)، وفي
إسناده ضعف يسير، وله شواهد يتقوّى بها.
(3) أخرجه النسائي في «الكبرى» (8947) من طريق زائدة بن أبي الرقاد الصيرفي عن
عامر الأحول عن عمرو بن شعيب به، والأسانيد التي ذكرها المؤلف عند النسائي (8948 -
8951). وقال عقبه: «زائدة لا أدري من هو، هو مجهول».
(1/461)
رجلٍ أتى رجلًا أو امرأةً في دُبُر» (1).
هذا حديث اختلف فيه، فرواه الضحَّاك بن عثمان، عن مَخْرمة (2) بن سليمان، عن
كُرَيب، عن ابن عباس. فرواه وكيع، عن الضحَّاك موقوفًا. ورواه أبو خالد عنه
مرفوعًا, وصحَّح البُسْتِيُّ رَفْعَه, وأبو خالد هو الأحمر.
الرابع: عن ابن الهاد، عن عمر بن الخطاب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«لا تأتوا النساء في أدبارهنّ» (3).
الخامس: حديث أبي هريرة, وقد تقدم. وله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينظر
الله إلى رجلٍ أتى امرأةً في دُبُرها» (4).
السادس: عن علي بن طَلْق قال: جاء أعرابيٌّ, فقال: يا رسول الله, إنّا نكون في
البادية فيكون من أحدنا الرُّوَيحة, فقال: «إن الله لا يستحيي من الحقِّ, ولا
تأتوا النساء في أعجازهِنّ» (5).
_________
(1) أخرجه النسائي في «الكبرى» (8952)، والترمذي (1165) وحسّنه، وابن أبي شيبة
(17070)، وابن حبان (4203).
(2) في الأصل: «محرمته»! وصوّبها أحد المطالعين في الهامش إلى ما هو مثبت وأحال
على «التقريب».
(3) أخرجه النسائي في «الكبرى» (8959)، وأبو يعلى كما في «المقصد العلي»: (2/
344)، ومن طريقه الضياء في «المختارة»: (1/ 269).
(4) أخرجه النسائي في «الكبرى» (8966)، والبيهقي: (7/ 198).
(5) أخرجه النسائي في «الكبرى» (8974)، والترمذي (1164) وحسَّنَه، وابن حبان (2337
و 4199) وغيرهم، وفي إسناده مسلم الحنفي، مستور، والشاهد من الحديث له شواهد
يتقوّى بها، وقد ساقها المؤلف في الباب. ولفظ الحديث هنا مختصر وتمامه: «لا يستحيي
من الحق، إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا ... ». وقد زادها في ط. المعارف بين
معقوفين، ولا لزوم لها.
(1/462)
السابع: عن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب
إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله, هلَكتُ! قال: «وما الذي
أهْلَكك؟»، قال: حوَّلتُ رحلي الليلة, فلم يردّ عليه شيئًا. فأُوحِيَ إلى رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا
حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]: يقول: «أقْبِل وأدْبِر, واتقِ الدُّبرَ
والحيضةَ» (1).
قال أبو عبد الله الحاكم (2): وتفسير الصحابي في حكم المرفوع.
الثامن: عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: «مَن أتى حائضًا أو امرأةً في دُبُرها, أو كاهنًا, فقد كفر بما أُنزل على
محمد - صلى الله عليه وسلم -» (3).
[ق 88] ثم ذكر أبو داود تفسيرَ ابن عباس (4) لقول الله تعالى: {فَأْتُوا
_________
(1) أخرجه النسائي في «الكبرى» (8928)، والترمذي (2980)، وأحمد (2703)، وابن حبان
(4202)، والبيهقي: (7/ 198) وغيرهم. والحديث قال الترمذي: حسن غريب، وصححه ابن
حبان، وقال ابن دقيق العيد: رجاله رجال الصحيح.
(2) في «المستدرك»: (1/ 27، 123 و 2/ 259).
(3) أخرجه أبو داود (3904)، والنسائي في «الكبرى» (8967)، والترمذي (135)، وابن
ماجه (639)، وأحمد (9290). وفي سنده انقطاع فلم يسمع أبو تميمة الهجيمي من أبي
هريرة. وضعَّفه البخاري جدًّا كما نقله الترمذي في «العلل»: (1/ 191 - 192).
وضعَّفه البزار والذهبي وغيرهم.
(4) وقع في الأصل و (ش): «ابن عمر» وإنما ذكر أبو داود (2164) تفسير ابن عباس
وتعليقه الآتي عليه. وهذه الجملة من كلام المجرّد.
(1/463)
حَرْثَكُمْ}.
ثم قال ابن القيم: وهذا الذي فسَّر به ابنُ عباس فسّرَ به ابنُ عمر، وإنما وهموا
عليه لم يهم هو. فروى النسائي (1) عن أبي النضر أنه قال لنافع: «قد أُكثر عليك
القول أنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى بأن يُؤتَى النساءُ في أدبارها (2). قال
نافع: لقد كذبوا عليَّ, ولكن سأخبرك, كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحفَ
يومًا, وأنا عنده, حتى بلغ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223] قال: يا نافع, هل تعلم ما أمر هذه الآية؟ إنَّا
كُنّا معشر قريش نُجبِّي النساءَ, فلما دخلنا المدينةَ ونكحنا نساءَ الأنصار أردنا
منهنَّ مثلَ ما كنا نريدُ مِن نسائنا, فإذا هُنَّ قد كرهنَ ذلك وأَعْظَمْنَه,
وكانت نساء الأنصار إنما يؤتَيْن على جنوبهن, فأنزل الله عز وجل: {نِسَاؤُكُمْ
حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]».
فهذا هو الثابت عن ابن عمر, ولم يَفْهم عنه مَن نقلَ عنه غيرَ ذلك.
ويدلُّ عليه أيضًا ما روى النسائي (3) عن عبد الرحمن بن القاسم قال: قلت لمالك:
«إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدِّث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت
لابن عمر. إنّا نشتري الجواري فنحَمِّض لهنّ, قال: وما التحميض؟ قال نأتيهن في
أدبارهن, قال: أفّ!
_________
(1) في «الكبرى» (8929)، والطحاوي في «بيان المشكل» (6128).
(2) كذا في الأصل و (ش، هـ)، وفي المصادر: «أدبارهنّ».
(3) في «الكبرى» (8930)، وأخرجه الدارمي (1182)، والطحاوي في «بيان المشكل» (6128)
من طرق عن مالك به.
(1/464)
أو يعمل هذا مسلم؟! فقال لي مالك: فأشهد على
ربيعة لحدّثني عن سعيد بن يَسار: أنه سأل ابنَ عمر عنه؟ فقال: لا بأس به».
فقد صحَّ عن ابن عمر أنه فسَّر الآيةَ بالإتيان في الفَرْج من ناحية الدُّبُر، وهو
الذي رواه عنه نافع، وأخطأ مَن أخطأ على نافع، فتوهَّم أن الدبرَ محلٌّ للوطء لا
طريق إلى وطء الفرج, فكذَّبهم نافعٌ.
وكذلك مسألة الجواري, إن كان قد حُفِظ عن ابن عمر أنه رخَّص في الإحماض لهنّ,
فإنما مراده إتيانهنَّ من طريق الدُّبُر, فإنه قد صرَّح في الرواية الأخرى
بالإنكار على مَن وطئهنّ في الدبر, وقال «أوَيفعَلُ هذا مسلم»؟! فهذا يبين تصادُقَ
الروايات وتوافقَها عنه.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه النسائي (1) من حديث سليمان بن بلال، عن زيد بن
أسلم، عن عبد الله بن عمر: «أن رجلًا أتى امرأتَه في دُبُرها في عهد رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - فوَجَد من ذلك وَجْدًا شديدًا, فأنزل الله عز وجل:
{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]»؟
قيل: هذا غلط بلا شك, غلط فيه سليمان بن بلال, أو ابن أبي أويس راويه عنه, وانقلبت
عليه لفظة «من» بلفظة «في» وإنما هو «أتى امرأةً مِن دبرها» , ولعل هذه هي قصة عمر
بن الخطاب بعينها لما حوَّل رَحْلَه, ووجد من ذلك وجدًا شديدًا, فقال لرسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: «هلكتُ» , وقد تقدمت (2). أو يكون بعض الرواة ظنَّ أن ذلك
هو الوطء في الدُّبُر فرواه بالمعنى الذي ظنَّه.
_________
(1) في «الكبرى» (8932).
(2) تقدم تخريجه.
(1/465)
مع أن هشام بن سعد قد خالف سليمانَ في هذا,
فرواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلًا (1).
والذي يبيِّن هذا ويزيدُه وضوحًا: أن هذا الغلط قد عرضَ مثلُه لبعض الصحابة حين
أفتاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بجواز الوطء في قُبُلها مِن دُبرها, حتى
بيّن له - صلى الله عليه وسلم - ذلك بيانًا شافيًا.
قال الشافعي (2): أخبرني عَمِّي قال: أخبرني عبد الله بن عليّ بن السائب، عن عَمرو
بن أُحَيحة بن الجُلَاح, أو عن عَمرو بن فلان بن أُحَيحة ــ قال الشافعي: أنا
شككتُ ــ عن خُزيمة بن ثابت: «أن رجلًا سألَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن
إتيان النساء في أدبارهن, أو إتيان الرجل امرأتَه في دُبُرها فقال النبي - صلى
الله عليه وسلم -: «حلال» , فلما ولى الرجل دعاه, أو أَمَر به فدُعِي, فقال: «كيف
قلتَ؟ في أيّ الخَرْبتين, أو في أيّ الخَرْزتين, أو في أيّ الخَصْفَتين (3)؟ أمِنْ
دُبرها في قُبُلها فنعم, أم مِن دُبُرها في دبرها فلا, إن الله لا يستحيي من
الحقّ, لا تأتوا النساءَ في أدبارهنَّ».
قال الشافعي (4): عمِّي ثقة, وعبد الله بن عليّ ثقة, وقد أخبرني محمد ــ وهو عمّه
محمد بن علي ــ عن الأنصاري المحدِّثُ به أنه أثنى عليه خيرًا, وخزيمة ممن لا يشكّ
عالمٌ في ثقته (5). والأنصاريُّ الذي أشار إليه هو
_________
(1) ذكره النسائي في «الكبرى» عقب الحديث (8932).
(2) في «الأم»: (6/ 245 - 246) ــ وهو في «مسنده» (ص 275) ــ والبيهقي: (7/ 196).
(3) أي الثقبين، والثلاثة بمعنى واحد. ينظر «النهاية»: (2/ 18) لابن الأثير.
(4) في «الأم»: (6/ 444).
(5) سيأتي بقية كلامه (ص 468).
(1/466)
عَمرو بن أُحَيحة.
فوقع الاشتباه في كون الدُّبُر طريقًا إلى موضع الوطء, أو هو مأْتَى. واشتبه على
من اشتبه عليه معنى «من» بمعنى «في» فوقع الوهم.
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه البيهقي (1) عن الحاكم: حدثنا الأصم قال: سمعتُ
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعيَّ يقول: ليس فيه عن رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - في التحريم والتحليل حديثٌ ثابت, والقياس أنه حلال, وقد غلط
سفيانُ في حديث ابن الهاد ــ يريد حديثَه عن عُمارة بن خزيمة عن أبيه يرفعه: «إن
الله لا يستحيي من الحقِّ, لا تأتوا النساءَ في أدبارهنّ» (2) , ويريد بغَلَطِه:
أن ابن الهاد قال فيه مرةً: عن عبيد الله بن عبد الله بن حصين، عن هَرَميّ بن عبد
الله الواقفي، عن خُزَيمة.
ثم اخْتُلف فيه عن عبيد الله. فقيل: عنه عن عبد الملك بن عَمْرو بن قيس الخَطْمي،
عن هَرَمي، عن خُزيمة. وقيل: عن عبد الله بن هَرَمي, فمداره على هَرَميّ بن عبد
الله، عن خزيمة, وليس لعمارة بن خزيمة فيه أصل إلا من حديث ابن عيينة. وأهلُ العلم
بالحديث يروونه خطأ. هذا كلام البيهقي.
قيل (3): هذه الحكاية مختصرة من مناظرة حكاها الشافعي, [ق 89] جَرَت بينَه وبينَ
محمد بن الحسن, وفي سياقها دلالة على أنه إنما قصد الذبَّ عن أهل المدينة على طريق
الجَدَل, فأما هو فقد نصّ في كتاب عِشْرة
_________
(1) في «معرفة السنن والآثار»: (5/ 335 - 336).
(2) تقدم تخريجه.
(3) هذا الجواب للبيهقي في المصدر السالف (5/ 336) كما سيذكر المؤلف في آخره.
(1/467)
النساء على تحريمه. هذا جواب البيهقي.
والشافعيُّ - رحمه الله - قد صرَّح في كتبه المصرية بالتحريم، واحتجَّ بحديث
خُزيمة, ووثَّق رواتَه, كما ذكرنا. وقال في الجديد: قال الله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ
حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223] , وبيَّن أن
موضع الحرث هو موضع الولد, وأن الله تعالى أباح الإتيان فيه إلا في وقت المحيض.
«وأنى شئتم» بمعنى مِنْ أين شئتم قال: وإباحة الإتيان في موضع الحَرْث يُشْبه أن
يكون (1) تحريم إتيان غيره, فالإتيان في الدُّبُر حتى يبلغ منه مبلغ الإتيان في
القبل محرَّم, بدلالة الكتاب ثم السنة, فذَكَر حديث عمِّه, ثم قال: «ولست أُرَخِّص
فيه, بل أنهى عنه». فلعلَّ الشافعيَّ - رحمه الله - توقَّف فيه أولًا, ثم لما
تبيَّن له التحريم وثبوت الحديث فيه رجع إليه. وهو أولى بجلالته ومنصبه وإمامته من
أن يناظر على مسألة يعتقد بطلانها, يذبّ بها عن أهل المدينة جدلًا, ثم يقول:
والقياس حِلُّه, ويقول: ليس فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التحريم
والتحليل حديثٌ ثابت, على طريق الجدل, بل إن كان ابن عبد الحكم حفظ ذلك عن الشافعي
فهو مما قد رجع عنه لمَّا تبين له صريح التحريم. والله أعلم.
22 - باب إتيان الحائض ومباشرتها
163/ 2081 - وعن ميمونة بنت الحارث: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا
أراد أن يُباشر امرأة من نسائه وهي حائض، أمرها أن تَتَّزِرَ ثم يباشرها».
_________
(1) من قوله: «وفي سياقها ... » إلى هنا في الأصل و (ش) في غير موضعه، حيث تأخر
إلى آخر تعليق المؤلف على الباب بعد قوله: «والله أعلم» فلعله كان معلقًا في طرة
الأصل ولم يتفطن الناسخ لمكانه، وهو على الصواب في نسخة (هـ).
(1/468)
وأخرجه البخاري (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد تقدم في «الصحيحين» (2) حديثُ عائشة: «كنتُ
أغتسل أنا والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن إناء واحد, كلانا جُنُب, وكان
يأمرني فأتَّزِر, فيباشرني وأنا حائض».
قال الشافعيُّ (3): قال بعضُ أهل العلم بالقرآن في قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا
النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222] يعني: في موضع الحيض. وكانت الآية محتملة
لما قال, ومحتملة اعتزال جميع أبدانهنَّ، فدلّت سنةُ رسولِ الله - صلى الله عليه
وسلم - على اعتزال ما تحت الإزار منها, وإباحة ما فوقها.
وحديثُ أنسٍ المتقدّم (4) ظاهرٌ في أن التحريمَ إنما وقع على موضع الحيض خاصةً, وهو
النكاح, وأباح كلَّ ما دونه. وأحاديث الإزار لا تُناقِضُه، لأن ذلك أبلغ في اجتناب
الأذى, وهو أولى.
وأما حديث معاذ قال: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما يحلّ للرجل مِن
_________
(1) أخرجه أبو داود (2167)، والبخاري (303).
(2) أخرجه البخاري (299، 300)، ومسلم (321) وليس في لفظ مسلم: «وكان يأمرني فأتزر
... ».
(3) في «الأم»: (6/ 440 - 441).
(4) ط. الفقي: أسقط «المتقدم» وأبدلها «هذا»، وط. المعارف زاد «هذا» ولا وجود لها
في الأصل وش. وحديث أنس تقدم عند أبي داود (258)، وهو في مسلم (302) في شأن اليهود
مع الحائض وأنهم لم يؤاكلوها ولم يشاربوها فسُئل عن ذلك، فأنزل الله:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ... }.
(1/469)
امرأته وهي حائض؟ فقال: «ما فوق الإزار,
والتعفُّف عن ذلك أفضل» (1) = ففيه بقيّة، عن سعد الأغطش, وهما ضعيفان.
قال عبد الحق (2): رواه أبو داود، ثم قال: ورواه أبو داود (3) من طريق حرام بن
حكيم ــ وهو ضعيف ــ عن عمِّه: «أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما
يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: «لك ما فوق الإزار».
قال: «ويُروى عن عمر بن الخطاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -». ذكره أبو بكر بن
أبي شيبة (4) , وليس بقويّ.
23 - باب كفَّارة مَن أتى حائضًا
164/ 2083 - وعن ابن عباس قال: «إذا أصابها
في الدّمِ فدينارٌ، وإذا أصابها في انقطاع الدّمِ فنصف دينار».
وأخرجه النسائي (5). وهذا الحديث قد اضطرب الرواةُ فيه اضطرابًا كثيرًا، في إسناده
وفي متنه، فرُوي تارةً مرفوعًا وتارة موقوفًا، وتارة مرسلًا عن مِقْسم عن النبيّ -
صلى الله عليه وسلم -، وتارةً معضلًا عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن النبي - صلى
الله عليه وسلم -، وتارة
_________
(1) أخرجه أبو داود (213) قال أبو داود عقبه: «وليس بالقويّ».
(2) في «الأحكام الوسطى»: (1/ 209).
(3) (212)، وأخرجه الترمذي (133)، وابن ماجه (1378)، وأحمد (19007)، والحديث صحيح.
(4) (17103) من طريق عاصم بن عمرو عن عمر بن الخطاب، وروايته عنه مرسلة. ينظر
«تحفة التحصيل» (ص 217)، و «جامع التحصيل» (ص 203).
(5) أخرجه أبو داود (265، 2169)، والنسائي (289) وفي «الكبرى» (278)، وابن ماجه
(640)، وأحمد (2032، 2121، 2201 وغيرها)، والبيهقي: (1/ 314 - 315) واختلف فيه
وقفًا ورفعًا كما سيذكر المنذري والمؤلف.
(1/470)
على الشك: «دينار، أو نصف دينار»، وتارة على
التفرقة بين أول الدم وآخره.
وقال الإمام الشافعي: فإن أتى رجلٌ امرأتَه حائضًا، أو بعد تولية الدم، ولم تغتسل،
فليستغفر الله ولا يَعُد، وقد رُوي فيه شيء لو كان ثابتًا أخذنا به، ولكنه لا يثبت
مثله. هذا آخر كلامه. وقيل لشعبة: كنت ترفعه؟ قال: إني كنت مجنونًا فصححت، فرجع عن
رفعه بعد ما كان يرفعه.
قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث قد رواه عفَّانُ وجماعة عن شعبة موقوفًا
(1) , وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي عنه موقوفًا (2) , ثم قال: قيل لشعبة: إنك
كنت ترفعُه. فذكر ما تقدم.
وقال النسائي (3) بعدما رواه عن شعبة موقوفًا: قال شعبة: أنا حفظي مرفوع, وقال
فلان وفلان: إنه كان لا يرفعه, فقال بعضُ القوم: يا أبا بسطام, حدِّثنا بحفظك
ودَعْنا من فلان, فقال: والله ما أحبّ أني حدثتُ بهذا وسكتُّ عن هذا, وأني
عُمِّرتُ في الدنيا عمر نوح في قومه.
وقد روى النسائي (4) من حديث سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: «أن رجلًا أخبر النبيَّ
- صلى الله عليه وسلم - أنه أصاب امرأتَه وهي حائض, فأمره أن يعتق نَسَمة». وله
علّتان أشار إليهما النسائي:
إحداهما: أن هذا الحديث يرويه الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن
_________
(1) أخرجه الدارمي (1006)، وابن الجارود (110)، والبيهقي: (1/ 314 - 315).
(2) أخرجه ابن الجارود (110)، والبيهقي: (1/ 315).
(3) في «الكبرى» (9051).
(4) في «الكبرى» (9068). وأخرجه الطبراني (11/ 443)، والطحاوي في «شرح المشكل»
(4233).
(1/471)
عليّ بن بُذَيمة، عن ابن جُبير، عن ابن
عباس. واخْتُلِف على الوليد, فرواه عنه موسى بن أيوب كذلك, وخالفه محمود بن خالد,
فرواه عن الوليد، عن عبد الرحمن بن يزيد السلمي, قال النسائي: هو عبد الرحمن بن
يزيد بن تميم, ضعيف (1).
العلة الثانية: الوَقْف على ابن عباس, ذكره النسائي (2).
وقال عبد الحق (3): حديث الكفارة في إتيان الحائض لا يُروى بإسناد يحتجّ به, ولا
يصحُّ في إتيان الحائض إلا التحريم.
24 - باب ما جاء في العَزْل
165/ 2085 - وعن رِفاعة، عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا قال: يا رسولَ الله، إن لي
جاريةً، وأنا أعزِلُ عنها، وأنا أكره أن تحمِل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن
اليهود تُحَدِّث أن العزلَ مَوؤدةُ الصغرى؟ قال: «كَذَبَتْ يَهُودُ، لو أراد الله
أن يخلُقَه ما استطعتَ أن تصرِفَه» (4).
اختُلِفَ على يحيى بن أبي كثير فيه، فقيل فيه: عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان
عن جابر بن عبد الله، مختصرًا بمعناه، وأخرجه الترمذي والنسائي من حديثه. وقيل
فيه: عن رفاعة، كما ذكرناه. وقيل: عن أبي مُطيع عن
_________
(1) الذي في «الضعفاء» له (ص 206): «متروك الحديث» ونقل عن الوليد بن مسلم أنه قال
فيه: كذّاب. ونقل الحافظ في «التهذيب»: (6/ 297) عنه قال: «ليس بثقة».
(2) في «الكبرى» (9069).
(3) في «الأحكام الوسطى» (1/ 210).
(4) أخرجه أبو داود (2171)، والنسائي في «الكبرى» (9031)، وأحمد (11288)، وصحح
إسناده المؤلف في «زاد المعاد»: (3/ 498).
(1/472)
رفاعة. وقيل فيه: عن أبي رفاعة.
قد أخرج مسلم في «صحيحه» من رواية جذامة بنت وهب قالت: ثم سألوه عن العزل؟ فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ذلك الوأد الخفي» قال بعضهم: جعل العزل عن
المرأة بمنزلة الوأد إلا أنه خفيّ، لأن مَن يعزل عن امرأته إنما يعزل هربًا من
الولد، ولذلك سمّاه الموؤدة الصغرى، لأن وأد الأحياء الموءودة الكبرى.
وقد اختلف السلف في العزل، فاختاره جماعة منهم. قال الشافعي - رضي الله عنه -:
ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم أرخصوا في ذلك ولم
يروا به بأسًا.
قال البيهقي: وقد روّينا الرُّخصةَ فيه من الصحابة، عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب
الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم.
وذكر غيرُه أنه رُوي عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وخباب بن الأرت وجابر
بن عبد الله. ومن التابعين: سعيد بن المسيب وطاوس ومالك والشافعي والكوفيون وجمهور
العلماء، واحتجوا بالأحاديث التي جاءت في ذلك.
وكرهت طائفة العزلَ، رُوي ذلك عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وعن علي رواية أخرى،
وعن ابن مسعود وابن عمر.
وذكر بعضهم أن حجة القائلين بالكراهة حديث جذامة. وقال غيره: يشبه أن يكون حديث
جذامة على طريق التنزيه وضعّف حديث جذامة. وقال: كيف يصح أن يكون النبي - صلى الله
عليه وسلم - كذبهم في ذلك ثم يخبرهم به كخبرهم، وفيما قاله نظر، فإن الحديث في
تكذيبه - صلى الله عليه وسلم - اليهودَ فيه اضطراب، وحديث جذامة في «الصحيح»، ثم
من أين يتحقق له تقديم أحد الحديثين على الآخر؟ ويمكن أن يجمع بينهما بأن اليهود
كانت تقول: العزل لا يكون معه حمل أصلًا، فكذّبهم - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.
ويدل
(1/473)
عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - بعد
تكذيبهم: «لو أراد الله أن يخلقه ما استطعتَ أن تصرفه» (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: فاليهود ظنّت أن العزلَ بمنزلة الوأد في إعدام ما
انعقد سببُ خلقِه, فكذّبهم في ذلك، وأخبر أنه لو أراد الله خَلْقه ما صرفه أحدٌ.
وأما تسميته «وأدًا خفيًّا» فلأنّ الرجل إنما يعزل عن امرأته هربًا مِن الولد
وحرصًا على أن لا يكون، فجرى قصدُه ونيَّتُه وحرصُه على ذلك مجرى مَن أعدمَ الولدَ
بوأده, لكن ذاك وَأْدٌ ظاهر باشره (2) العبدَ فعلًا وقصدًا، وهذا وأْدٌ خفيّ,
إنّما أراده ونواه عزمًا ونية, فكان خفيًّا.
وقد روى الشافعيُّ (3) [ق 90] تعليقًا، عن سليمان التيمي، عن أبي عَمرو الشيباني،
عن ابن مسعود في العَزْل, قال: «هو الوَأْد الخفيّ».
وقد اختلف السلف والخلف في العزل، فقال الشافعي: ونحن نروي (4) عن عددٍ من أصحاب
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنهم رخَّصوا في ذلك، ولم يروا به بأسًا.
قال البيهقي (5): ورُوِّينا الرخصةَ فيه من الصحابة عن سعد بن أبي
_________
(1) كلام المنذري بطوله من (خ- المختصر) (ق 187 أ) نسخة دار الكتب. ولا وجود لها
في مطبوعة المختصر. وقد أعاد المؤلف بعضَ كلام المنذري مع زيادات.
(2) ط. الفقي: «من» تصحيف.
(3) في «الأم»: (8/ 430 - 431). وجاء تسميته بالوأد الخفي في «صحيح مسلم» (1442)
من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
(4) تصحفت في ط. الفقي إلى: «الشافعي وغيره: يروى ... ».
(5) في «معرفة السنن والآثار»: (5/ 366)، والآثار عنهم في «السنن الكبير»: (7/ 230
- 231).
(1/474)
وقاص, وأبي أيوب الأنصاري, وزيد بن ثابت,
وابن عباس, وغيرهم.
وذَكَر غيره (1): أنه رُوِي عن علي, وخَبّاب بن الأرتّ, وجابر بن عبد الله.
والمعروف عن عليٍّ وابن مسعود كراهتُه.
قال البيهقي: ورُوِيت عنهما الرُّخْصة. ورويت الرخصةُ من التابعين عن سعيد بن
المسيّب، وطاوس, وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه.
وألزمهم الشافعيُّ (2) المنعَ منه, فروَى عن عليّ وعبد الله بن مسعود المنعَ منه
ثم قال: وليسوا يأخذون بهذا, ولا يرون بالعزل بأسًا. ذَكَر ذلك فيما خالف فيه
العراقيون عليًّا وعبدَ الله.
وأما قول الإمام أحمد (3) فيه فأكثر نصوصه أن له أن يعزل عن سُرّيته, وأما زوجته
فإن كانت حُرّة لم يعزل عنها إلا بإذنها, وإن كانت أمةً لم يعزل إلا بإذن
سَيِّدها.
ورُوِيَت كراهةُ العَزْل عن عمر بن الخطاب, ورُوِيَت عن أبي بكر الصديق, وعن عليّ
وابن مسعود في المشهور عنهما, وعن ابن عمر (4).
وقالت طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم: يحرم كلُّ عَزْل، وقال بعض
_________
(1) ينظر «التمهيد»: (3/ 147 - 149)، و «المغني»: (10/ 229).
(2) في «الأم»: (8/ 432 - 434).
(3) ينظر «المغني»: (10/ 230)، و «الفروع»: (8/ 388).
(4) ينظر «مصنف عبد الرزاق» (7/ 146 - 147)، و «مصنف ابن أبي شيبة» (16839 -
16871).
(1/475)
أصحابه: يباح مطلقًا (1).
وقد روى مسلم في «صحيحه» (2) عن سعد بن أبي وقاص: «أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى
الله عليه وسلم - فقال: إني أعْزِل عن امرأتي، فقال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «لِمَ تفعل ذلك؟»، فقال الرجل: أُشْفِق على ولدها أو على أولادها, فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارسَ والرومَ».
وفي «الصحيحين» (3) من حديث جابر: «كُنّا نعزل والقرآنُ ينزل، فلو كان شيء يُنْهَى
عنه لنهى عنه القرآن».
وفي «صحيح مسلم» (4) عنه في هذا الحديث: «كُنّا نَعْزِل على عهد رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يَنْهنا».
وفي «الصحيحين» (5) من حديث أبي سعيد قال: «ذُكِر العَزْل عند النبيّ - صلى الله
عليه وسلم - فقال: «وما ذاكم؟»، قالوا: الرجلُ تكونُ له المرأة تُرْضِع, فيصيبُ
منها, ويكرَه أن تحمل منه؟ [والرجل تكون له الأَمة فيصيب منها، ويكره أن تحمل
منه]، قال: «فلا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم, فإنما هو القَدَر». قال ابن عون:
فحدَّثتُ به الحَسَن فقال: والله لكأنَّ هذا زجرٌ.
_________
(1) ينظر «الفروع»: (8/ 388).
(2) (1443/ 143).
(3) أخرجه البخاري (5208)، ومسلم (1440).
(4) (1440/ 138).
(5) البخاري (5210) وليس فيه قول الحسن، ومسلم (1438/ 131). وما بين المعقوفين
مستدرك منه.
(1/476)
وفي لفظ في «الصحيحين» (1): قال محمد بن
سيرين: قوله: «لا عليكم» أقرب إلى النهي. ووَجْه ذلك ــ والله أعلم ــ: أنه إنما
نَفَى الحرجَ عن عدم الفعل فقال: «لا عليكم أن لا تفعلوا» يعني في أن لا تفعلوا,
وهو يدلُّ بمفهومه على ثبوت الحَرَج في الفعل, فإنه لو أراد نفي الحرج عن الفعل
لقال: لا عليكم أن تفعلوا. والحكم بزيادة «لا» خلاف الأصل, فلهذا فَهِم الحسنُ
وابنُ سيرين من الحديث الزجرَ. والله أعلم.
166/ 2086 - وعن ابن مُحَيْرِيز قال: «دخلتُ المسجدَ، فرأيت أبا سعيد الخدري،