النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
فِعْل المحظورِ مع الافتداء (1) , فكان
أسعدَ بالنصوص وموافقتها منكم, مع موافقته لابن عمر في ذلك.
قيل: بل إيجاب الفدية ضعيف في النصِّ والقياس, فإنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم
- ذكر البَدَلَ في حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة, ولم يأمر في شيءٍ منها بالفدية,
مع الحاجة إلى بيانها, وتأخيرُ البيان عن وقته ممتنع, فسكوته عن إيجابها مع شدَّة
الحاجة إلى بيانه ــ لو كان واجبًا ــ دليلٌ على عدم الوجوب, كما أنه جَوَّز لبس
السراويل بلا فتق, ولو كان الفتقُ واجبًا لبيَّنَه. وأما القياس فضعيف جدًّا؛ فإن
مثل (2) هذا من باب الأبدال التي تجوز عند عدم مُبْدَلاتها, كالتراب عند عدم
الماء, وكالصيام عند العجز [عن] (3) الإعتاق والإطعام, وكالعدة بالأشهر عند تعذُّر
الأقراء ونظائره, ليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية.
والفرقُ بينهما: أن الناس مشتركون في الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتِهم,
ويَقُوْنَ به أرجلَهم الأرضَ والحرَّ والشوكَ ونحوَه, فالحاجة إلى ذلك عامة, ولما
احتاج إليه العموم لم يُحْظَر عليهم, ولم يكن عليهم فيه فدية، بخلاف ما يحتاج إليه
لمرض أو برد, فإنَّ ذلك حاجة لعارض, ولهذا رخَّص النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للنساء
في اللباس مطلقًا بلا فدية, ونهى عن النقاب والقُفَّازين, فإن المرأة لما كانت
كلها عورة, وهي محتاجة إلى ستر بدنها, لم
_________
(1) ط. الفقي: «الفدية».
(2) ط. الفقي: «قيل» تصحيف.
(3) في الأصل و (ش، هـ): «و» بدلا من «عن» واستفيد الإصلاح من الطبعتين، لكنهم لم
يشيروا إلى ما في الأصل.
(1/351)
يكن عليها في ستر بدنها فدية, وكذلك حاجة
الرجال إلى السراويلات والخِفاف هي عامة, إذا لم يجدوا الإزار والنعال, وابنُ عمر
لمَّا لم يبلُغْه حديث الرخصة مطلقًا أخذ بحديث القطع, وكان يأمر النساءَ بقطع
الخِفاف, حتى أخبرَتْه بعد هذا صفيةُ زوجتُه عن عائشة: «أن النبيَّ - صلى الله
عليه وسلم - أرخص للنساء في ذلك» , فرجع عن قوله (1).
ومما يبيِّن أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في الخفين بلا قطع بعد أن منع
منهما: أن في حديث ابن عمر المنع من لبس السراويل مطلقًا, ولم يبيِّن فيه حالة من
حالة, وفي حديث ابن عباس وجابر المتأخِّرَين ترخيصُه في لبس السراويل عند عدم
الإزار, فدلَّ على أن رُخصة البدل لم تكن شُرِعت في لبس السراويل, وأنها إنما
شُرِعت وقت خُطبته بها, وهي متأخرة, فكان الأخْذُ بالمتأخِّر أولى, لأنه إنما
يُؤخَذ بالآخر فالآخر مِن أَمْرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فمدار المسألة على ثلاث نُكَت: إحداها: أن رُخصة البدليَّة إنما شُرِعت بعرفات لم
تُشْرَع قَبْلُ. والثانية: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. والثالثة: أن
المقطوعَ (2) كالنعل أصلٌ, لا أنه بدل. والله أعلم.
فصل
وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر المرأةَ أن تنتقب، وأن تلبس
القُفَّازَين, فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه, فيحرم عليها فيه
ما وُضِع وفُصِّل على قَدْر الوجه كالنقاب والبرقع, ولا يحرم عليها ستره
_________
(1) تقدم تخريجه (ص 347).
(2) ط. الفقي: «الخف المقطوع» بزيادة الخف.
(1/352)
بالمقنعة والجلباب ونحوهما، وهذا أصحّ
القولين. فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سوى بين وجهها ويديها, ومنَعَها من
القُفّازَين والنقاب, ومعلومٌ أنه لا يحرم عليها سَتْر يديها (1) , وأنهما كبدن
المحرم يحرم سترهما بالمفصَّل على قدرهما وهما القفازان, فهكذا الوجه إنما يَحْرُم
سَتْره بالنقاب ونحوه, وليس عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حرفٌ واحد في وجوب
كشف المرأة وجهها عند الإحرام, إلا النهي عن النقاب, وهو كالنهي عن القُفَّازَين،
[ق 69] فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القُفّازَين إلى اليد سواء. وهذا واضح بحمد
الله.
وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تُغطِّي وجهها وهي محرمة (2) , وقالت عائشة: «كانت
الركبانُ يمرون بنا, ونحن محرمات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا حاذوا
بنا سدلَتْ إحدانا جلبابَها على وجهها, فإذا جاوزونا كشفنا» ذكَرَه أبو داود (3).
واشتراط المجافاة عن الوجه كما ذكره القاضي (4) وغيره ضعيفٌ لا أصل له دليلًا ولا
مذهبًا. قال صاحب «المغني» (5): «ولم أر هذا الشرط ــ يعني المجافاة ــ عن أحمد
ولا هو في الخَبَر, مع أن الظاهر خلافُه, فإن الثوب المسدولَ لا يكاد يسلم من
إصابة البشرة, فلو كان هذا شرطًا لَبُيِّن,
_________
(1) (ش): «بدنها» تصحيف.
(2) أخرجه ابنُ خزيمة (2690)، والحاكم: (1/ 453) وصححه على شرط الشيخين.
(3) (1833)، وأخرجه أحمد (24021)، وابن ماجه (2935). وفي إسناده ضعف.
(4) لم أره في «التعليقة» المطبوعة، وذكره عنه ابن قدامة في «المغني»، والزركشي في
«شرح الخرقي»: (3/ 140).
(5) (5/ 155).
(1/353)
وإنما مُنِعَت المرأةُ مِن البرقع والنقاب
ونحوهما مما يُعَدّ لستر الوجه, قال أحمد: لها أن تسدل على وجهها مِن فوق, وليس
لها أن ترفع الثوبَ مِن أسفل. كأنه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها. تم كلامه.
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المرويِّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
«إحرام الرجل في رأسه, وإحرام المرأة في وجهها» (1) فجعَلَ وجهَ المرأة كرأس
الرجل, وهذا يدلُّ على وجوب كشفه؟
قيل: هذا الحديث لا أصل له, ولم يروه أحدٌ مِن أصحاب الكتب المعتمد عليها, ولا
يُعْرَف له إسناد, فلا تقوم به حُجّة (2) , ولا يُتْرَك له الحديثُ الصحيحُ
الدالُّ على أن وجهها كبدنها, وأنه يحرم عليها فيه ما أُعِدّ للعضو كالنقاب
والبرقع ونحوه, لا مطلق الستر كاليدين. والله أعلم.
_________
(1) لم أجده مرفوعًا بهذا اللفظ، وأخرجه الدارقطني (2761)، ومن طريقه البيهقي (5/
47)، وأخرجه العقيلي: (1/ 116) من طريق هشام بن حسان، عن عُبيد الله بن عمر، عن
نافع، عن ابن عمر موقوفًا. قال البيهقي: هكذا رواه الدراوردي وغيره موقوفًا على
ابن عمر.
أما المرفوع فأخرجه الدارقطني (2760)، وابن عدي: (1/ 357)، ومن طريقه البيهقي: (5/
47) من طريق أيوب بن محمد أبو الجمل، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر
بلفظ: «ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها».
قال ابن عدي: لا أعلمه يرفعه عن عبيد الله غير أبي الجمل هذا. قال البيهقي: «وأيوب
بن محمد أبو الجمل ضعيف عند أهل العلم بالحديث، فقد ضعفه يحيى بن معين وغيره، وقد
رُوي هذا الحديث من وجه آخر مجهول عن عبيد الله بن عمر مرفوعًا والمحفوظ موقوف».
وانظر «علل الدارقطني» (2938)، و «نصب الراية»: (3/ 93)، و «البدر المنير»: (6/
329 - 331).
(2) ينظر «مجموع الفتاوى»: (26/ 112).
(1/354)
115/ 1750 - وعن نافعٍ، عن ابن عمر، عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه، زاد: «ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ الحرام، ولا
تلبسُ القُفَّازَين».
وأخرجه البخاريُّ والترمذي والنسائي (1).
هذا مستثنى من تضييع المال، وكل إتلاف وباب المصلحة فليس بتضييع وليس في أوامر
الشريعة إلا الاتباع. وقال عطاء: لا يقطعهما فإن في قطعهما فسادًا .... أن يكون لم
يبلغه حديث ابن عمر. وقال الشافعي: أرى أن يقطعهما لأن ذلك في حديث ابن عمر وإن لم
يكن في حديث ابن عباس، وكلاهما صادق حافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لم
يروه الآخر إما غير رغبة وإما شك فيه فلم يؤدّه، وإما سكت عنه وإما أدّاه فلم
يُؤدَّ عنه لبعض هذه المعاني إطلاقًا.
والقفّاز بالضم والتشديد شيء يلبسه نساء العرب في أيديهن يُغطّي الأصابع والكف
والساعد من البرد، يُحْشى بقطن ويكون له أزرار تُزَرّ على الساعدين. وقيل: هو ضربٌ
من الحليّ ... المرأة لديها.
وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا شيء على المرأة في لباسه، وعللوا حديثَ ابن عمر بأن
ذكر القفّازين إنما هو قول ابن عمر ليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعَلَّق
الشافعيُّ القولَ في ذلك (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: تحريم لبس القُفَّازَين قول عبد الله بن عمر وعطاء
_________
(1) أخرجه أبو داود (1825)، والبخاري (1838)، والترمذي (848)، والنسائي (2673).
(2) تعليق المنذري من قوله: «هذا مستثنى ... » إلى هنا، ساقط من مطبوعة «المختصر»
وهوفي المخطوط (ق 54 ب) في طرتها. وقد أشار إليه المجرِّد وأن ابن القيم ساقه إلى
قوله: «وعلق الشافعي القولَ في ذلك». وتصحفت في ط. المعارف «علق» إلى «على»!
(1/355)
وطاوس ومجاهد وإبراهيم النَّخَعي ومالك
والإمام أحمد والشافعي في أحدِ قوليه وإسحاق بن راهويه (1). وتُذْكَر الرخصة عن
عليّ وعائشة وسعد بن أبي وقاص, وبه قال الثوريُّ وأبو حنيفة (2) والشافعيُّ في
القول الآخر (3).
ونَهْي المرأةِ عن لُبسهما ثابتٌ في الصحيح, كنهي الرجل عن لُبس القميص والعمائم,
وكلاهما في حديثٍ واحدٍ, عن راوٍ واحدٍ. وكنهيه المرأةَ عن النقاب, وهو في الحديث
نفسه. وسنةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أولى بالاتباع, وهي حجةٌ على مَن
خالفها، وليس قولُ مَن خالفها حجةً عليها.
وأما تعليل حديث ابن عمر في القُفّازَين بأنه مِن قوله (4). فإنه تعليل باطل, وقد
رواه أصحابُ الصحيح والسنن والمسانيد عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
في حديث نَهْيه عن لبس القُمُص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ولبسها
القفازين. ولا ريب عند أحدٍ من أئمة الحديث أن هذا كلَّه حديث واحد من أصح
الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرفوعًا إليه, ليس من كلام ابن عمر.
_________
(1) ينظر: «التمهيد»: (15/ 108)، و «المغني»: (5/ 158 - 159)، و «الإنصاف»: (5/
503)، و «روضة الطالبين»: (3/ 127)، ولقول إسحاق «مسائل الكوسج»: (5/ 2189).
(2) ينظر لمذاهبهم: «مصنف ابن أبي شيبة» (14433 - 14443)، و «التمهيد»: (15/ 107)،
و «بدائع الصنائع»: (2/ 186).
(3) ينظر «نهاية المطلب»: (4/ 249)، و «روضة الطالبين»: (3/ 127).
(4) نقل البيهقي: (5/ 47) عن الحاكم أن الحافظ أبا عليّ النيسابوري قال: إن قوله
في حديث ابن عمر: «لا تنتقب المرأة» من قول ابن عمر وقد أدرج في الحديث.
(1/356)
وموضع الشُّبْهَة في تعليله أن نافعًا اختلف
عليه فيه: فرواه الليث بن سعد عنه، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم
-,فذكر فيه: «ولا تلبس القُفّازين» قال أبو داود (1): ورواه حاتم بن إسماعيل ويحيى
بن أيوب، عن موسى بن عُقْبة، عن نافع على ما قال الليث. ورواه موسى بن طارق، عن
موسى بن عُقْبة موقوفًا على ابن عمر. وكذلك رواه عُبيدُ الله بن عمر ومالكٌ وأيوبُ
[عن نافع عن ابن عمر] (2) موقوفًا, وكذلك هو في «الموطأ» (3) عن نافع: أن عبد الله
بن عمر كان يقول: «لا تنتقِبُ المرأةُ, ولا تلبس القُفّازين. ولكن قد رفعه الليثُ
بن سعد وموسى بن عُقبة في الأكثر عنه. وإبراهيم بن سعيد أيضًا رفَعَه عن نافع,
ذكره أبو داود (4). ورواه محمد بن إسحاق عن نافع مرفوعًا, كما تقدم.
فأما حديث الليث بن سعد فأخرجه البخاري في «صحيحه» والترمذي (5). وقال: حديث صحيح.
ورواه النسائي في «سننه» (6). ولم يروا وَقْف مَن وَقَفه عِلّة.
_________
(1) عقب الحديث رقم (1825).
(2) ما بين المعقوفين مستدرك من «سنن أبي داود».
(3) (918).
(4) بعد حديث (1825) ووقع في الأصل و (ش): «إبراهيم بن سعد» والتصويب من «السنن».
وقال عَقبه: «إبراهيم بن سعيد المديني شيخ من أهل المدينة ليس له كبير حديث».
(5) البخاري (1838)، والترمذي (833)، وعبارة الترمذي في المطبوع: «حسن صحيح».
(6) (2673).
(1/357)
وأما حديث موسى بن عُقبة فرواه النسائي في
«سننه» (1) عن سُويد بن نَصْر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عُقبة فذكر
الحديث وقال في آخره: «ولا تنتقب المرأةُ الحرام ولا تلبس القُفّازين» مرفوعًا.
قال البخاري (2): «تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عُقبة، وجُوَيرية،
وابنُ إسحاق في النقاب والقفازين». وقال عبيد الله: [ولا وَرْس] وكان يقول: «لا
تَنْتَقِبُ المُحْرِمةُ ولا تلبس القُفّازين». وقال مالك عن نافع عن ابن عمر: «لا
تَنْتَقِبُ [المُحْرِمة] (3)» وتابعه ليثُ بن أبي سُلَيم.
فالبخاري - رحمه الله - ذكر تعليلَه، ولم يرها عِلّة مؤثِّرة, فأخرجه في «صحيحه»
عن عبد الله بن يزيد، حدثنا الليث، حدثنا نافع، عن ابن عمر فذَكَره.
10 - باب المحرم يَنْكِح (4)
116/ 1767 - وعن ابن عباس: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تزوَّج ميمونةَ وهو
مُحْرِم».
وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي بنحوه (5).
وعن سعيد بن المسيَّب، قال: وَهِمَ ابنُ عباس في تزويج ميمونة وهو محرم.
_________
(1) (2681).
(2) (3/ 15) عقب حديث (1838) وما بين المعقوفين مستدرك منه وسقط من الأصل و (ش،
هـ).
(3) في الأصل و (ش): «المرأة» والمثبت من «الصحيح».
(4) كذا في الأصل و (ش)، والذي في «السنن» و «مختصره»: «يتزوّج» ولعله اختلاف نسخ.
(5) أخرجه أبو داود (1844)، والبخاري (1837)، والترمذي (842)، والنسائي (2839).
(1/358)
قال أبو عُمر النَّمري: والرواية أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - تزوّج ميمونة وهو حلال متواترة عن ميمونة وعن أبي
رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن سليمان بن يسار مولاها، وعن يزيد بن
الأصم وهو ابن أخيها، وهو مولى سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد
الرحمن وابن شهاب وجمهور علماء المدينة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم
ينكح ميمونة إلا وهو حلال قبل أن يُحرِم، وما أعلم أن أحدًا من الصحابة روى أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكح ميمونة وهو محرم إلا عبد الله بن عباس،
ورواية مَن ذكرنا معارضة لروايته، والقلبُ إلى رواية الجماعة أمْيَل، لأن الواحد
أقرب إلى الغلط. وأقرب أحوال حديث ابن عباس أن يجعل متعارضًا مع رواية مَن ذكرنا،
فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بجميعها، ووجب طلب الدليل على هذه المسألة من غيرها،
فوجدنا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
نهى عن نكاح المحرم وقال: «لا يَنكِح المحرم ولا يُنْكِح» فوجب المصير إلى هذه
الرواية التي لا معارض لها» (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وعن سعيد بن المسيب قال: «وهم ابن عباس في تزويج
ميمونةَ وهو محرم» , وقد روى مالك في «الموطأ» (2) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن
سُليمان بن يَسار: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا رافع مولاه
ورجلًا من الأنصار, فزوَّجاه ميمونة بنت الحارث, ورسول الله - صلى الله عليه وسلم
- بالمدينة قبل أن يخرج» , وهذا وإن كان ظاهره الإرسال فهو متصل (3) , لأن سليمان
بن يسار رواه عن أبي رافع: «أن رسول الله تزوَّج ميمونةَ وهو حلال,
_________
(1) كلام ابن عبد البر غير موجود في مطبوعة «المختصر» وسقناه من طرة المخطوط، حيث
أشار المجرِّد على أن المنذريَّ قد ساق كلامه إلى قوله: «لا معارض لها».
(2) (996).
(3) ينظر «التمهيد»: (3/ 151) لابن عبد البر.
(1/359)
وبنى بها وهو حلال, وكنتُ الرسولَ بينهما»
(1). وسليمان بن يسار مولى ميمونة, وهذا صريح في تزوّجها بالوكالة قبل الإحرام
(2).
11 - باب لَحْم الصيد للمحْرِم
117/ 1774 - وعن أبي قَتادة: أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى
إذا كان ببعض طريقِ مكةَ، تخلَّف مع أصحابٍ له مُحْرِمين، وهو غيرُ محرمٍ، فرأى
حمارًا وحشيًّا، فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابَه أن يُناولوه سَوْطَه، فأبوا،
فسألهم رُمْحَه، فأبوا، فأخذَه ثم شَدَّ على الحمار فقتله، فأكلَ منه بعضُ أصحاب
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبى بعضُهم، فلما أدركوا رسولَ الله - صلى
الله عليه وسلم - سألوه عن ذلك؟ فقال: «إنما هي طُعْمَة أطعَمَكُموها الله تعالى».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (3). ووقع في البخاري ومسلم (4): «أنه -
صلى الله عليه وسلم - أكل منه». وأخرجه الدارقطني في «سننه» (5) من حديث مَعْمَر
بن راشد، وفيه: «وإني إنما اصطدته لكَ، فأمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -
أصحابَه فأكلوا، ولم يأكل حين أخبرتُه أني اصطدته له». قال الدارقطني: قال أبو بكر
ــ يعني النيسابوري ــ قوله: «اصطدتُه لكَ»، وقوله: «ولم يأكل منه» لا أعلم أحدًا
ذكَرَه في
_________
(1) أخرجه أحمد (27197)، والترمذي (841)، والنسائي في «الكبرى» (5402)، وابن حبان
(4130) وقال الترمذي: حديث حسن.
(2) بهامش الأصل: «بلغ مقابلة».
(3) أخرجه أبو داود (1852)، والبخاري (2914)، ومسلم (1196)، والترمذي (863)،
والنسائي (2816).
(4) أخرجه البخاري (2854)، ومسلم (1196/ 63)، ولفظه: «قال: هل معكم منه شيء؟ قال:
معنا رجله، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكلها».
(5) (2749).
(1/360)
هذا الحديث غير مَعْمر. وقال غيره: هذه لفظة
غريبة، لم نكتبها إلا من هذا الوجه. هذا آخر كلامه. وقد تقدم في «الصحيحين»: «أنه
أكل منه - صلى الله عليه وسلم -».
قال ابن القيم - رحمه الله -: وروى مسلم في «صحيحه» (1) من حديث عبد الرحمن بن
عُثمان التيمي قال: «كُنّا مع طلحةَ بن عُبيد الله في طريق مكة, ونحن محرمون،
فأهدوا لنا لحم صيدٍ وطلحةُ راقد, فمنّا مَن أكل ومِنّا مَن تورَّع فلم يأكل, فلما
استيقظ قال للذين أكلوا: أصبتم, وقال للذين لم يأكلوا: أخطأتم, فإنّا قد أكلنا مع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن حُرُم».
وروى مالك (2) عن يحيى بن سعيد: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة،
عن عُمَير (3) بن سَلَمة الضّمْري، عن البَهْزيّ (4): «أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - خرج يريد مكة, وهو محرم, حتى إذا كانوا بالروحاء, إذ حمارٌ وحشيٌّ
عقير, فذُكِر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فقال: «دعوه, فإنه يوشك أن
يأتي صاحبُه» , فجاء البهزيُّ ــ وهو صاحبه ــ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار, فأمرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
أبا بكر فقَسَمه بين الرفاق ثم مضى, حتى إذا كان بالأُثاية بين الرُّوَيْثة
والعَرْج (5) , إذا ظبيٌ حاقِفٌ في ظلّ وفيه سهم, فزعم أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - أمرَ رجلًا يقف عنده, لا يريبُه أحدٌ من الناس
_________
(1) (1197).
(2) في «الموطأ» (1008). وأخرجه النسائي في «الكبرى» (3786)، وابن حبان (5111)
وغيرهم.
(3) وقع في الأصل و (ش): «عمرو» والتصويب من «الموطأ» ومصادر الحديث.
(4) زاد في ط. الفقي: «يزيد بن كعب».
(5) الأثاية والرّوَيثة والعَرْج مواضع بين مكة والمدينة. ينظر «المعالم الأثيرة»
(ص 15، 131، 181).
(1/361)
حتى جاوزوه».
وفي «الصحيحين» (1) عن الصّعْب بن جَثَّامة: «أنه أَهْدى لرسول الله - صلى الله
عليه وسلم - حمارًا وحشيًّا, وهو بالأبواء أو بودَّان، فردَّه عليه رسولُ الله -
صلى الله عليه وسلم -, وقال: «إنّا لم نردَّه عليك إلا أنا حُرُم». ورواه مسلم (2)
عن سفيان, وقال: «لحم حمار وَحْش».
قال الحُمَيدي: كان سفيان يقول في الحديث: «أَهديتُ لرسول الله - صلى الله عليه
وسلم - لحمَ حمارِ وَحْشٍ»، وربما قال سفيان: «يقطر دمًا»، وكان فيما خلا ربما
قال: «حمار وحش» ثم صار إلى «لحم» حتى مات.
وفي رواية لمسلم (3): «شقّ حمار وحش وهو محرم (4) فردَّه»، وفي رواية له: «عَجُز
حمار فردَّه»، وفي رواية له: «رجل حمار».
قال الشافعي (5): فإن كان الصّعْبُ أهدى للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الحمار
حيًّا, فليس لمُحْرِم ذبح حمار وحشيّ, وإن كان أَهدَى له لحمًا, فقد يحتمل أن يكون
علم أنه صِيْدَ له, فردَّه عليه. وإيضاحه في حديث جابر.
قال: وحديث مالك «أنه أهدى إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حمارًا» أثبت مِن
حديث من حَدَّث (6) «أنه أهدى له من لحم حمار». تم كلامه.
_________
(1) أخرجه البخاري (1825)، ومسلم (1193).
(2) (1193/ 52).
(3) كل هذه الروايات برقم (1193/ 54).
(4) «وهو محرم» ليست في «صحيح مسلم».
(5) نقله البيهقي في «معرفة السنن والآثار»: (4/ 199)، و «السنن الكبرى»: (5/
193).
(6) «من حدّث» سقطت من ط. الفقي.
(1/362)
قال البيهقي (1): وروى يحيى بن سعيد، عن
جعفر بن عَمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: «أن الصعبَ بن جَثَّامة أهدى للنبيِّ -
صلى الله عليه وسلم - عجز حمار وهو بالجُحْفة, فأكل منه وأكل القوم». قال: وهذا
إسناد صحيح, فإن كان محفوظًا فكأنه ردَّ الحيَّ وقبل اللحمَ, تم كلامه.
وقد اختلف الناسُ قديمًا وحديثًا في هذه المسألة, وأشكلت عليهم الأحاديثَ فيها,
فكان عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكلَ ما صادَه الحلال من الصيد, وبه
قال أبو حنيفة وأصحابه, وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفَّان والزبير بن
العوَّام وأبي هريرة, ذَكَر ذلك ابنُ عبد البر (2) عنهم.
وحُجَّتهم: حديث أبي قتادة المتقدِّم, وحديث طلحة بن عُبيد الله، وحديث البَهْزيّ.
وقالت طائفة: لحم الصيد حرامٌ على المحرم بكلِّ حال, وهذا قول عليّ وابن عباس وابن
عمر. قال ابن عباس: «{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [المائدة: 96] هي
مبهمة». ورُوي عن طاوس وجابر بن زيد وسفيان الثوري المنع منه (3). وحجة هذا
المذهب: حديث ابن عباس عن الصّعْب بن جَثَّامة (4) , وحديث عليّ في أول الباب (5)
, واحتجّوا بظاهر الآية, وقالوا: تحريم الصيد يعمّ
_________
(1) في «السنن الكبرى»: (5/ 193).
(2) في «التمهيد»: (21/ 152 - 153).
(3) ينظر «التمهيد»: (9/ 60 - 61).
(4) سبق تخريجه.
(5) أخرجه أبو داود (1849)، وأحمد (783).
(1/363)
اصطياده وأكله.
وقالت طائفة: ما صاده الحلالُ للمحرِمِ ومِن أجله, فلا يجوز له أكله, [و] (1) ما
لم يَصِدْه من أجله, بل صاده لنفسه أو لحلال, لم يَحْرُم على المُحْرِم أكلُه,
وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم, وقول إسحاق وأبي ثور (2). قال ابن
عبد البر (3): وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب.
قال: وحجة من ذهب هذا المذهب: أنه عليه تصحّ الأحاديث في هذا الباب, وإذا حُمِلت
على ذلك لم تتضادّ ولم تختلف ولم تتدافع, وعلى هذا [ق 71] يجب أن تُحْمَل السنن
ولا يُعارَض بعضُها ببعض ما وُجِد إلى استعمالها سبيل. تم كلامه.
وآثار الصحابة كلُّها في هذا الباب إنما تدلُّ على هذا التفصيل؛ فروى البيهقيُّ
(4) من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «رأيتُ عثمانَ بن عفان بالعَرْج في
يوم صائف وهو محرم، وقد غطَّى وجهَه بقطيفةِ أرجوان, ثم أُتيَ بلحمِ صيدٍ, فقال
لأصحابه: كلوا, قالوا: ألا تأكل أنتَ؟ قال: إني لست كهيئتكم, إنما صِيْدَ من
أجلي».
وحديث أبي قتادة والبَهْزيّ وطلحة بن عُبيد الله قضايا أعيان لا عموم لها, وهي
تدلّ على جواز أكل المحرم من صيد الحلال, وحديثُ
_________
(1) زيادة يستقيم بها السياق، وأصلحها في ط. الفقي: «فأما ما لم».
(2) ينظر «التمهيد»: (21/ 153)، و «نهاية المطلب»: (4/ 408 - 409)، و «المغني»:
(5/ 135)، و «مسائل الكوسج»: (5/ 2242).
(3) في «التمهيد»: (21/ 153 - 154)، وينظر «الاستذكار»: (11/ 277).
(4) في «الكبرى»: (5/ 191)، وأخرجه مالك في «الموطأ» (1016).
(1/364)
الصّعْب بن جَثَّامة يدلّ على منعه منه,
وحديث جابر صريح في التفريق. فحيثُ أكَلَ عُلِم أنه لم يُصَد لأجله, وحيثُ امتنَع
عُلِم أنه صيدَ لأجله, فهذا فعله وقوله في حديث جابر يدلُّ على الأمرين, فلا تعارض
بين أحاديثه - صلى الله عليه وسلم - بحال.
وكذلك امتناع عليٍّ مِن أكلِه لعله ظنَّ أنه صِيْد لأجله, وإباحة النبي - صلى الله
عليه وسلم - لأصحابه حمارَ البهزيِّ، ومنعهم من التعرُّض للظبي (1) , لأن الحمار
كان عقيرًا في حدِّ الموت, وأما الظبي فكان سالمًا لم يسقط إلى الأرض, فلم يتعرَّض
له لأنه حيوانٌ حيٌّ. والله أعلم.
12 - بابُ الإحْصَارِ
118/ 1784 - وعن أبي حاضِرٍ الحِمْيري ــ وهو عثمان بن حاضر ــ قال: «خرجت
مُعْتَمِرًا، عام حاصَر أهلُ الشام ابنَ الزُّبير بمكّةَ، وبعثَ معي رجالٌ من قومي
بهَدْي، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخلَ الحرمَ، فنحرتُ الهَدْيَ
مكاني، ثم أحللتُ، ثم رجعتُ، فلما كان من العام المقبل خرجتُ لأقضيَ عُمرتي،
فأتيتُ ابنَ عباس، فسألته؟ فقال: أبْدِلَ الهديَ، فإنّ رسولَ الله - صلى الله عليه
وسلم - أمرَ أصحابَه أن يُبْدِلوا الهديَ الذي نحروا عامَ الحديبية في عمرةِ
القضاء» (2).
في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدَّم الكلامُ عليه. وقال البيهقي: ولعله إن
_________
(1) في الطبعتين زيادة: «الحاقف» ولا وجود لها في الأصل و (ش، هـ).
(2) أخرجه أبو داود (1864)، والحاكم: (1/ 485 - 486) وقال: صحيح الإسناد. والضياء
في «المختارة»: (11/ 186) من طريق محمد بن إسحاق عن عَمرو بن ميمون عن أبي حاضر به.
ومحمد بن إسحاق متكلم فيه، وهو مدلس وقد عنعن، فالإسناد ضعيف.
(1/365)
صحّ الحديثُ استحبّ الإبدال وإن لم يكن
واجبًا، كما استحبّ الإتيان بالعمرة وإن لم يكن قضاء ما أحصر عنه واجبًا
بالتحلُّل. والله أعلم.
وإن صحَّ حديثُ الحجَّاج بن عَمرو فقد حَمَله بعضُ أهل العلم أنه يحلّ بعد فواته
بما يحلّ به من يفوته الحجُّ بغير مَرَض, فقد رُوِّينا عن ابن عباس ثابتًا عنه أنه
قال: «لا حَصْر إلا حَصْر عدوٍّ». تم كلامه.
وقال غيره: معنى حديث الحجاج بن عَمرو أن تحلله بالكَسْر والعَرَج إذا كان قد
اشترط ذلك في عقد الإحرام, على معنى حديث ضُباعة. قالوا: ولو كان الكسرُ مبيحًا
للحلِّ, لم يكن للاشتراط معنى. قالوا: وأيضًا فلا يقول أحدٌ بظاهر هذا الحديث,
فإنه لا يحلِّ بمجرَّد الكَسْر والعَرَج, فلا بد من تأويله, فيحمله على ما ذكرناه.
قالوا: وأيضًا فإنه لا يستفيد بالحلّ زوال عذره, ولا الانتقال من حاله, بخلاف
المحصر بالعدو. وقوله: «وعليه الحجُّ مِن قابل» هذا إذا لم يكن حجَّ الفرضَ, فأما
إن كان متطوِّعًا, فلا شيء عليه غير هَدْي الإحصار. قال البيهقي (1): وحديث
الحجَّاج بن عَمرو قد اختلف في إسناده, والثابت عن ابن عباس خلافه, وأنه لا حصر إلا
حصر العدوّ. تم كلامه (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: اختلف العلماء من الصحابة فمَن بعدَهم فيمن مُنِعَ
من الوصول إلى البيت بمرض أو كَسْر أو عَرَج هل حكمه حكم المحْصَر
_________
(1) في «السنن الكبرى»: (5/ 220).
(2) هذا التعليق بطوله من قوله: «وإن صح حديث الحجاج» إلى هنا للمنذري مع تصرُّف
لابن القيم فيه، وهو في (خ- المختصر) (ق 58 ب) في طرتها، وسقط من طبعة «المختصر»،
وقد ساق منه المجرِّد إلى آخر كلام البيهقي، وظنه الفقي في طبعته للمؤلف فنسبه
إليه.
وكلام البيهقي في «الكبرى»: (5/ 220)، وفي «المعرفة»: (4/ 245 - 246).
(1/366)
بالعدوّ (1) في جواز التحلُّل؟ فرُوي عن ابن
عباس وابن عمر ومروان بن الحكم: أنه لا يُحِلّه إلا الطواف بالبيت، وهو قول مالك
والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور من مذهبه (2).
ورُوي عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدوِّ، وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة
وأصحابه، وإبراهيم النخعي وأبي ثور وأحمد في الرواية الأخرى عنه (3).
ومن حُجّة هؤلاء: حديث الحجَّاج وأبي هريرة وابن عباس. قالوا: وهو حديث حسن يحتجُّ
بمثله.
قالوا: وأيضًا ظاهرُ القرآن بل صريحُه يدلُّ على أن الحصر يكون بالمرض، فإن لفظ
الإحصار إنما هو للمرض، يقال: أحْصَره المرضُ وحَصَره العدوُّ، فيكون لفظ الآية
صريحًا في المريض، وحصر العدوّ ملحقٌ به، فكيف يثبت الحكم في الفرع دون الأصل؟
قال الخليلُ (4) وغيره: حصرتُ الرجلَ حصرًا منعتُه وحبستُه، وأُحْصِر عن بلوغ
المناسك بمرضٍ أو نحوه.
قالوا: وعلى هذا خُرِّج قولُ ابن عباس: «لا حصر إلا حصر العدوّ» (5)،
_________
(1) سقطت من ط. الفقي.
(2) ينظر «التمهيد»: (15/ 207 - 210)، و «نهاية المطلب»: (4/ 428 - 429)، و
«المغني»: (5/ 203)، و «مسائل الكوسج»: (5/ 2326).
(3) ينظر «التمهيد»: (15/ 205، 206)، و «المغني»: (5/ 203).
(4) ذكره في «التمهيد»: (15/ 194)، وينظر «الصحاح»: (2/ 632).
(5) أخرجه البيهقي في «الكبرى»: (5/ 219)، وفي «المعرفة»: (4/ 242).
(1/367)
ولم يقل: لا إحصار إلا إحصار العدوّ. فليس
بين رأيه وروايته تعارض، ولو قُدِّر تعارضهما فالأخذ بروايته دون رأيه، لأن روايته
حجة ورأيه ليس بحجة.
قالوا: وقولكم: لو كان يحلّ بالحصر لم يكن للاشتراط معنى. جوابه من وجهين:
أحدهما: أنكم لا تقولون بالاشتراط ولا يفيد الشرط عندكم شيئًا. فلا يحل عندكم بشرط
ولا بدونه، فالحديثان معًا حجة عليكم، وأما نحن فعندنا أنه يستفيد بالشرط فائدتين:
إحداهما: جواز الإحلال، والثانية: سقوط الدم، فإذا لم يكن شرط استفاد (1) بالعذر
الإحلال وحده، وثبت وجوب الدم عليه، فتأثير الاشتراط في سقوط الدم.
وأما قولكم: إن معناه أنه يحلّ بعد فواته بما يحلّ به مَن يَفُوته الحجّ لغير مرض،
ففي غاية الضعف، فإنه لا تأثير للكَسْر ولا للعَرَج في ذلك، فإن المفوت يحل صحيحًا
كان أو مريضًا.
وأيضًا: فإن هذا يتضمّن تعليقَ الحكم بوصف لم يعتبره النص، وإلغاء الوصف الذي
اعتبره، وهذا غير جائز.
وأما قولكم: «إنه يُحْمَل على الحلّ بالشرط»، فالشرط إما أن يكون له تأثر في الحلّ
عندكم, أو لا تأثير له, فإن كان مؤثرًا في الحِلّ لم يكن الكَسْر والعَرَج هو
السبب الذي عُلِّق الحكمُ به, وهو خلاف النص, وإن لم يكن له تأثير في الحلّ بطَلَ
حَمْل الحديث عليه.
_________
(1) غير محررة في الأصل، ولعلها ما أثبت.
(1/368)
قالوا: وأما قولكم: «إنه لا يقول أحد
بظاهره» فإنّ ظاهره أنه بمجرَّد الكَسْر والعَرَج يحلّ.
فجوابه: أن المعنى: فقد صار ممن يجوز له الحلّ بعد أن كان ممنوعًا منه, وهذا كقوله
- صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقبل الليلُ من هاهنا وأدبرَ النهارُ من هاهنا, فقد
أفطر الصائم» (1) وليس [ق 72] المراد به أنه أفطر حكمًا, وإن لم يباشر المفطِّرات,
بدليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السّحَر, ولو أفطروا حكمًا لاستحالَ منهم
الوصال, ولقوله تعالى: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا
غَيْرَهُ} [البقرة:230] فإذا نكَحَت زوجًا آخر حلَّت, لا بمجرَّد نكاح الثاني, بل
لا بدَّ من مفارقته, وانقضاء العدة, وعَقْد الأول عليها.
قالوا: وأما قولكم: «إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التي هو عليها ولا
التخلص من أذاه, بخلاف مَن حَصَره العدوُّ= كلامٌ لا معنى تحته, فإنه قد يستفيد
بحله أكثر مما يستفيده المحصر بالعدوِّ, فإنه إذا بقي ممنوعًا من اللباس وتغطية
الرأس والطيب مع مرضه, تضرَّر بذلك أعظم الضّرَر في الحرِّ والبرد, ومعلوم أنه قد
يستفيد بحله من الترَفُّه ما يكون سبب زوال أذاه, كما يستفيد المحصر بالعدوِّ
بحلِّه, ولا فرق بينهما, فلو لم يأت نصٌّ بحلّ المحصَر بمرضٍ لكان القياس على
المحصر بالعدوِّ يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدلّ عليه؟ والله أعلم.
13 - بابُ استلامِ الأركان
119/ 1795 - وعنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يَدَعُ أن يستلمَ
الرُّكْنَ
_________
(1) أخرجه البخاري (1954)، ومسلم (1100) من حديث عمر - رضي الله عنه -.
(1/369)
اليماني والحَجَر في كلِّ طَوْفة، قال (1):
وكان عبد الله بن عمر يفعله.
وأخرجه النسائي (2). وفي إسناده عبد العزيز بن أبي روَّاد، وفيه مقال.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى ابن حبان في «صحيحه» (3) عن ابن عمر عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - قال: «مَسْح الحَجَر والركن اليماني يحطّ الخطايا حطًّا».
وروى النسائي (4) من حديث حنظلة بن أبي سفيان قال: «رأيت طاوسًا يمرُّ بالركن, فإن
وجد عليه زحامًا مرَّ ولم يُزاحِم, فإن رآه خاليًا قَبَّله ثلاثًا, ثم قال: رأيتُ
ابنَ عباس فَعَل مثل ذلك, ثم قال ابن عباس: رأيتُ عمر بن الخطاب فعَلَ مثل ذلك, ثم
قال: «إنك حَجَر لا تنفع ولا تضر, ولولا أني رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه
وسلم - قَبَّلك ما قَبَّلتك» , ثم قال عمر - رضي الله عنه -: «رأيتُ رسولَ الله -
صلى الله عليه وسلم - فَعَل مثل ذلك». وترجم عليه النسائيُّ: «كم يُقَبِّل
الحَجَرَ؟» (5).
وفي النسائي (6) عن عمر: «أنه قَبَّل الحجرَ الأسودَ والتزمه, وقال: رأيتُ أبا
القاسم - صلى الله عليه وسلم - بك حَفِيًّا».
_________
(1) من (خ- المختصر)، والقائل هو نافع.
(2) أخرجه أبو داود (1876)، والنسائي في «الكبرى» (3914)، وابن خزيمة (2723)،
والحاكم: (1/ 456).
(3) (3698). وأخرجه أحمد (5621)، والترمذي (959)، والحاكم: (1/ 489) وإسناده جيّد.
(4) (2938).
(5) هذا في «السنن الكبرى» (3908) بنحوه، أما في «المجتبى» فترجم للباب بقوله:
«كيف يُقبِّل».
(6) (2936). وأخرجه مسلم (1271).
(1/370)
وفي النسائي (1) عن ابن عباس، عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الحَجَر الأسود من الجنة».
وفي «صحيح أبي حاتم» (2) عن نافع بن شيبة الحَجَبِي قال: سمعتُ عبدَ الله بن
عَمْرو يقول: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو مُسنِدٌ ظهرَه إلى
الكعبة: «الركنُ والمَقامُ ياقوتتان من ياقوت الجنة, ولولا أن الله طمس نورَهما,
لأضاءا ما بين المشرق والمغرب».
وفي «صحيحه» (3) أيضًا عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«إن لهذا الحَجَر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمَه يومَ القيامة بحقٍّ».
وفي «صحيحه» (4) أيضًا عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليبعثنَّ الله
هذا الركنَ يوم القيامة له عينان يُبصِر بهما, ولسانٌ ينطق به, يشهد لمن استلَمَه
بالحقِّ».
وأخرج النسائي (5) عن ابن عباس: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يطوف
بالبيت على راحلته, فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه.
_________
(1) (2935). وأحمد (2795)، وأخرجه الترمذي (877)، وابن خزيمة (2733)، قال الترمذي:
حسن صحيح.
(2) (3710). وأخرجه أحمد (7000)، والترمذي (878)، وابن خزيمة (2732).
(3) (3711). وأخرجه أحمد (2398)، وابن خزيمة (2736).
(4) (3712). وأخرجه أحمد (2215)، والترمذي (961)، وابن ماجه (2944)، وابن خزيمة
(2735).
(5) (2955)، وفي «الكبرى» (3912)، والبخاري (1612)، والترمذي (865).
(1/371)
وفي «الصحيح» (1) عن ابن عمر: «أنه سُئل عن
استلامِ الحَجَر؟ فقال: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يستلمه ويقبِّله».
رواه البخاري.
وهذا يحتمل الجمعَ بينهما, ويحتمل أنه رآه يفعل هذا تارة وهذا تارة.
وقد ثبت تقبيل اليدِ بعد استلامه، ففي «الصحيحين» (2) أيضًا عن نافع قال: «رأيت
ابنَ عُمَر استلم الحَجَر بيده, ثم قَبَّل يده, وقال: ما تركته منذ رأيتُ رسولَ
الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله».
فهذه ثلاثة أنواع صحّت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: تقبيلُه, وهو أعلاها,
واستلامُه وتقبيلُ يده, والإشارة إليه بالمحْجَن وتقبيله، لما رواه مسلم (3) عن
أبي الطفيل قال: «رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالبيت, ويستلم
الحَجَر بمحْجَنٍ معه, ويقبِّل المِحْجَن».
وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (4) عن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال
له: «يا عمر إنك رجلٌ قويٌّ, لا تزاحم على الحَجَر, إن وجدت خَلْوة فاستلمه, وإلا
فاستقبله, وهلِّل, وكبِّر».
وأما الركن اليماني, فقد صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه استلمه, من
رواية ابن عمر وابن عباس, وحديث ابن عمر في «الصحيحين» (5): «لم يكن رسولُ الله -
صلى الله عليه وسلم -
_________
(1) أخرجه البخاري (1611).
(2) أخرجه مسلم (246). ولم أجده في البخاري!
(3) (1275).
(4) (190) وهو مرسل.
(5) أخرجه البخاري (166)، ومسلم (1187).
(1/372)
يمسّ مِن الأركان إلا اليمانِيَيْن». وحديث
ابن عباس في الترمذي (1).
وقد روى البخاري في «تاريخه» (2) عن ابن عباس قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - إذا استلمَ الركنَ اليمانِيَ قَبَّله».
وفي «صحيح الحاكم» (3) عنه: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقبِّل الركَن
اليماني, ويضع خَدَّه عليه» وهذا المراد به الأسود, فإنه يسمى يمانيًّا مع الركن
الآخر, يقال لهما: اليمانيين (4) , بدليل حديث عمر في تقبيله الحجر الأسود خاصة
وقوله: «لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبِّلك ما قَبَّلتك» (5)
, فلو قَبَّل الآخرَ لقبَّله عمر. وفي النفس من حديث ابن عباس هذا شيء وهل هو
محفوظ أم لا؟
14 - باب الطواف بعد العصر
120/ 1814 - عن جُبير بن مُطْعِم يبلغ به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا
تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت ويصلي أيّ ساعةٍ شاء من ليل أو نهار».
_________
(1) (858). وهو عند البخاري (1608)، ومسلم (1269).
(2) (1/ 290).
(3) «المستدرك»: (1/ 455). وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه ابن خزيمة (2727)،
والدارقطني (2743)، والبيهقي: (5/ 76) لكن قال البيهقي: تفرّد به عبد الله بن مسلم
بن هرمز وهو ضعيف.
(4) كتب فوقها في الأصل: «كذا». وعلق عليه البيهقي في «السنن»: (5/ 76) بقوله:
«إلا أن يكون أراد بالركن اليماني الحجرَ الأسود، فإنه أيضًا يسمى كذلك، فيكون
موافقًا لغيره».
(5) تقدم تخريجه.
(1/373)
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال
الترمذي: حديث جُبير بن مطعم حديث حسن صحيح (1).
قال المنذري: «فيه دليل على أن الصلاة [جائزة] بمكة في الأوقات المنهيّ عنها في
سائر البلدان، ومنع بعضُهم ذلك لعموم النهي، وتأوّل بعضهم الصلاةَ في هذا الحديث على
الدعاء، وفيه بُعْد» (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى ابن حبان في «صحيحه» (3) عن ابن عمر قال:
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[ق 73] يقول: «مَن طاف بالبيت أسبوعًا، لا
يضع قدمًا ولا يرفع أخرى، إلا حطَّ الله عنه بها خطيئةً, وكتبَ له بها حسنةً ورفعَ
له بها درجةً».
وأخرج النسائي (4) عن عبد الله بن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن
طاف بالبيت أسبوعًا, فهو كعِدْل رَقَبة».
وهذه الأحاديث عامة في كلِّ الأوقات, لم يأتِ ما يُخَصّصها ويخرجها
_________
(1) أخرجه أبو داود (1894)، والترمذي (868)، والنسائي (585، 2924) وفي «الكبرى»
(1574، 3932)، وابن ماجه (1254).
(2) لم يذكر المجرِّد الحديث الذي علق عليه المؤلف ولا كلام المنذري، فذكرناه من
(خ- المختصر) (ق 61 ب)، وفي ط. الفقي ذكر أن كلام المنذري هذا ليس له وإنما هو
كلام الخطابي، وفيه نظر، فهو في (خ- المختصر) مقيّد في طرتها نظير كثير من تعليقات
المنذري، وبمقارنته بكلام الخطابي نجد الفرقَ بينهما، وإن كان مقتبسًا منه كعادته
في تلخيص كلامه.
(3) (3697)، وأخرجه الترمذي (959)، وابن خزيمة (2753)، والحاكم: (1/ 489) وصححه.
(4) (2919) وهي إحدى روايات الحديث السابق.
(1/374)
عن عمومها.
وقد روى الترمذي في «الجامع» (1) من حديث عبد الله بن سعيد بن جُبير، عن أبيه، عن
ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن طاف بالبيت خمسين مرةً
خرج مِن ذنوبه كيوم ولدته أمُّه». قال: وفي الباب عن أنس وابن عمر, وحديث ابن عباس
غريب. وسألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: إنما يروى هذا عن ابن عباس قولَه. وقال
أيوب السختياني: وكانوا يقولون: عبد الله بن سعيد بن جُبير أفضل من أبيه (2).
15 - بابُ طوافِ القارِن
121/ 1815 - عن جابر بن عبد الله قال: «لم يَطُفِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -
ولا أصحابُه بين الصفا والمروةِ إلا طوافًا واحدًا، طوافَهُ الأول» (3).
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (4).
قال ابن القيم - رحمه الله -: اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة
مذاهب:
أحدها: أن على كلٍّ منهما طوافَين وسعْيَين, رُوي ذلك عن علي وابن مسعود, وهو قول
سفيان الثوري, وأبي حنيفة, وأهل الكوفة, والأوزاعي,
_________
(1) (866).
(2) ذكره الترمذي (867) عقب الحديث السابق.
(3) لم يذكر المجرِّدُ أيّ حديث علق عليه ابن القيم، فالظاهر أنه علق على حديث
جابر هذا فذكرناه احتمالًا.
(4) أخرجه أبو داود (1895)، ومسلم (1215)، والترمذي (968)، والنسائي (2986)، وابن
ماجه (2973).
(1/375)
وإحدى الروايات عن الإمام أحمد (1).
الثاني: أن عليهما كليهما طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا, نصّ عليه الإمامُ أحمد في
رواية ابنه عبد الله (2) , وهو ظاهر حديث جابر هذا.
والثالث: أن على المتمتع طوافين وسعيين, وعلى القارن سعي واحد. وهذا هو المعروف عن
عطاء, وطاووس, والحسن (3)، وهو مذهب مالك والشافعي, وظاهر مذهب أحمد (4). وحجتهم
حديث عائشة, وقد تقدم, وذكرنا ما قيل فيه.