النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
(3) أي ابن حبان، وأول كلامه (ص 322).
(4) واختاره القاضي عياض والنووي والعراقي وابن حجر وغيرهم، ينظر «طرح التثريب»:
(5/ 18 - 22)، و «شرح مسلم»: (8/ 135 - 235)، و «فتح الباري»: (3/ 430).
(1/324)
وطائفة قالت (1): قَرَن ابتداءً مِن حين
أحرم, وهو أصح الأقوال, لحديث عُمر وأنس وغيرهما وقد تقدما.
والذين قالوا: أفرد, طائفتان:
طائفةٌ ظنت أنه أفرد إفرادًا اعتمر عقيبه من التنعيم، وهذا غلط بلا ريب, لم يُنقَل
قطّ بإسناد صحيح ولا ضعيف, ولا قاله أحدٌ من الصحابة, [ق 63] وهو خلاف المتواتر
المعلوم مِن فعله - صلى الله عليه وسلم -.
وطائفة قالت: أفرد إفرادًا اقتصر فيه على الحجِّ ولم يعتمر (2). والأحاديثُ
الثابتةُ التي اتفق أئمة الحديث على صحتها صريحة في أنه اعتمر مع حجته، وهذا يبطل
الإفراد قطعًا، فإنه إن كان إفرادًا اعتمر (3) عقيبه, فهو باطل قطعًا, وإن كان
إفرادًا مجرَّدًا عن العمرة, فالأحاديث الصحيحة تدلّ على خلافه.
والذين قالوا: تمتَّعَ طائفتان:
طائفة قالت: تمتَّعَ تمتُّعًا حلّ منه. وهذا باطل قطعًا كما تقدم (4).
وطائفة قالت: تمتّعَ تمتُّعًا لم يحلّ منه لأجل الهدي (5). وهذا وإن كان
_________
(1) وهو قول أحمد كما سبق، وابن تيمية، ينظر «مجموع الفتاوى»: (26/ 62). واختيار
ابن حزم، ينظر «حجة الوداع» (ص 403 وما بعدها).
(2) وهو قول مالك وقوّاه ابن عبد البر، ينظر «الاستذكار»: (13/ 88 - 89)، و
«التمهيد»: (8/ 214).
(3) «مع حجته ... اعتمر» سقط من ط. الفقي.
(4) وهو قول القاضي أبي يعلى في «التعليقة» كما سبقت الإشارة إليه.
(5) وهو قول ابن قدامة في «المغني»: (5/ 85 - 88).
(1/325)
أقلّ خطأً مِن الذي قبله, فالأحاديث الصحيحة
تدلُّ على أنه قَرَن, إلا أن يريدوا بالتمتُّع القِران فهذا حقّ.
وطائفة قالت: أحْرَم إحرامًا مطلقًا, ثم عيَّنه بالإفراد, وهذا أيضًا يكفي في
ردِّه الأحاديثُ الثابتةُ الصريحة.
وطائفةٌ قالت: قَرَن وطاف طوافين, وسعى سعيين. والأحاديث الثابتة التي لا مَطْعَن
فيها تبطل ذلك, والله أعلم (1).
109/ 1732 - وعن حَفصةَ زوجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: يا رسولَ
الله، ما شأنُ الناسِ حَلُّوا ولم تَحْلِل أنتَ مِن عُمْرتك؟ فقال: إني لَبَّدْتُ
رأسي، وقَلّدْتُ هديي، فلا أحِلّ حتى أنحر».
وأخرجه البخاريّ ومسلم والنسائي وابن ماجه (2).
وقد تقدم أن المراد بالعمرة ههنا الحج. وقد رُوِي: «حَلّوا فلم تحْلِل من حَجِّك».
واختُلِف في قولها هذا، فقيل: قالتَ ذلك لأنها ظنّت أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - كان فسخ حجّه بعمرة كما أمر بذلك مَن لا هديَ معه، فذكر - صلى الله عليه
وسلم - لها العلّةَ، وهي سوقُه الهدي. وقيل: معناه ما شأن الناس حلّوا مِن إحرامهم
ولم تحلّ أنتَ من إحرامك الذي ابتدأته معهم بنيّةٍ واحدة، بدليل قوله: «لو استقبلت
من أمري ما استدبرت ما سُقتُ الهدي ولجعلتها عمرة» فعُلِم بهذا أنه لم يحرم بعمرة.
وقيل: معناه: لِمَ لَمْ
_________
(1) ذكر هذه الأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى»: (26/ 74 - 75) وردّها.
(2) أخرجه أبو داود (1806)، والبخاري (1566)، ومسلم (1229)، والنسائي (2682)، وابن
ماجه (3046).
(1/326)
تحلِل من حجّك بعمرة كما أمرتَ أصحابك؟ وقد
تأتي «من» بمعنى «الباء» كما قال تعالى: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}
[الرعد: 11] أي: بأمر الله، يريد ولم تحلّ أنت بعمرة من إحرامك الذي جئت به مفردًا
في حجتك (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقالت طائفة: هذه اللفظة غير محفوظة, فإن عبيد الله
بن عمر لم يذكرها في حديثه. حكاهما ابن حزم (2). وقالت طائفة: هي مروية بالمعنى,
والحديث: «ولم تحِلّ أنتَ مِن حَجِّك» , فأبدل لفظ الحجِّ بالعمرة. وقالت طائفة:
الحديث إنما فيه إقراره لها على أنه في عمرة, وليس فيه أنها عمرة مفردة لا حجَّةَ
معها. وقد أخبر عن نفسه بأنه قَرَن, فهو إذن في حجٍّ وعمرة ومَن كان في حج وعمرة
فهو في عُمرة قطعًا.
وهذه الوجوه بعضها واهٍ وبعضها مُقارِب. فقول من قال: المراد به من حجتك بعيدٌ
جدًّا, إذ لا يُعَبَّر بالعمرة عن الحجّ, وليس هذا عُرْف الشرع, ولا يطلق ذلك إلا
إطلاقًا مقيَّدًا, فيقال: هي الحجّ الأصغر.
_________
(1) ذكر المجرِّد أن المؤلف علَّق على كلام المنذري ــ وساق طرفًا منه ــ وليس
كلام المنذري في المطبوع من «مختصره»: (2/ 329) إلا إلى قوله: «فلم تحلل من حجك»،
وقد وجدنا نصه في (خ - المختصر) (ق 52 ب) معلّقًا في طرة النسخة، فسقناه كاملًا.
وفي ط. الفقي ساق كلام ابن القيم من قوله: «وقد تأتي «من» بمعنى «الباء» ... » وفي
ط. المعارف من قوله: «وقالت طائفة: معناه لم تحلل ... » وذلك ناتج عن عدم وقوفهم
على كلام المنذري. ويظهر لي أن المجرِّد لم يحرِّر مبدأ كلام المؤلف ومنتهى كلام
المنذري، وربما كان ذلك عائدًا إلى تداخل كلام ابن القيم والمنذري. والله أعلم.
(2) في «حجة الوداع» (ص 438).
(1/327)
وقول من قال: إنها ظنّت أنه - صلى الله عليه
وسلم - كان فسخ العمرةَ, كما أمرَ أصحابَه, ولم يحل كما أحلوا، فبعيدٌ جدًّا, فإن
هذا الظن إنما كان يظهر بإحلاله، فبه يكون معتمرًا، فكيف تظنّ أنه قد فسخَ
بعُمَرة, وهي تراه لم يحلّ؟
وأما قول من قال: معناه لم تحلل بعمرة, و «مَن» بمعنى الباء (1)، فتعسُّفٌ ظاهر,
وإضافة العمرة إليه تدل على أنها عمرة مختصة به هو فيها.
وأما قول من قال: معناه لم تحلل من العمرة التي أمرتَ الناسَ بها ففاسدٌ, فإنه كيف
يحلّ مِن عمرةِ غيره؟ وحفصة أجلُّ مِن أن تسأل هذا السؤال (2).
وأما قول مَن قال: إن هذه اللفظة غير محفوظة, ولم يذكرها عُبيد الله، فخطأ من
وجهين، أحدهما: أن مالكًا قد ذكرها, ومالكٌ مالكٌ (3). والثاني: أن عُبيدَ الله
نفسَه قد ذكرها أيضًا, ذكره مسلم في «الصحيح» (4) عن محمد بن المثنّى، حدثنا يحيى
بن سعيد، عن عبيد الله, فذكر الحديثَ, وفيه: «ولم تحِلّ من عمرتك».
وقول مَن قال: مروية بالمعنى بعيدٌ أيضًا.
فالوجه الأخير أقربها إلى الصواب؛ وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن
_________
(1) ينظر «الاستذكار»: (13/ 89)، و «شرح البخاري»: (4/ 248 - 249) لابن بطّال، و
«فتح الباري» (3/ 427).
(2) ينظر «فتح الباري»: (3/ 427).
(3) ينظر «حجة الوداع» (ص 438)، و «التمهيد»: (15/ 298).
(4) (1229).
(1/328)
كونه في عمرة, وهذا لا ينفي أن يكون في حجة.
وأجود منه أن يقال: المراد بالعمرة المُتْعة, وقد تقدم أن التمتُّع يُراد به
القِران, والعمرة تُطلَق على التمتُّع, فيكون المراد لم تحلّ مِن قِرانك، وسَمّتْه
عمرةً, كما يسمّى تمتُّعًا, وهذه لغة الصحابة كما تقدم, والله أعلم.
110/ 1733 - (1) عن سُلَيم بن الأسود: أن أبا ذرٍّ كان يقول، فيمن حجَّ ثمَّ
فسَخَها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للرَّكب الذين كانوا مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -.
وقد أخرجه مسلم في «صحيحه» (2) من حديث يزيد بن شَريك التيمي، عن أبي ذر قال:
«كانت المتعةُ في الحجِّ لأصحابِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - خاصة» وأخرجه
النسائي وابن ماجه (3).
قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا الحديث قد تضمَّن أمرين:
أحدهما: فِعْل الصحابة لها, وهو بلا ريب بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -, وهذا
رواية.
والثاني: اختصاصهم بها دون غيرهم, وهذا رأي. فروايتُه حُجّة ورأيه غير حجة. وقد
خالفه فيه عبد الله بن عباس, وأبو موسى الأشعري.
_________
(1) كذا في «المختصر» وبعض نسخ «السنن» بدون باب قبل الحديث، وفي نسخ أخرى من
«السنن» قبل هذا الحديث: «باب الرجل يهلّ بالحج ثم يجعلها عمرة»، وقد أضافه في ط.
الفقي إلى متن «المختصر»، والأولى تركه رعاية للنُسَخ.
(2) أخرجه أبو داود (1807)، ومسلم (1224).
(3) أخرجه النسائي (3777)، وابن ماجه (2985). وقوله «ابن ماجه» ليست في (خ- المختصر)
وهي في المطبوع.
(1/329)
وقد حَمَله طائفةٌ على أن الذين (1) اختصوا
به هو وجوب الفسخ عليهم حتمًا, وأما غيرهم فيستحبّ له ذلك, هذا إن كان مراده مُتعة
الفسخ, وإن كان المراد مطلق المتعة، فهو خلاف الإجماع والسُّنة المتواترة. والله
أعلم.
111/ 1734 - وعن بلال بن الحارث، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، فَسْخُ الحجِّ لنا
خاصَّة، أو لِمَن بعدَنا؟ قال: «لكم خاصة».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (2). قال الدارقطني: تفرَّد به ربيعة بن عبد الرحمن، عن
الحارث، عن أبيه، وتفرَّد به عبدُ العزيز الدراوردي عنه. هذا آخر كلامه. والحارث
هو ابن بلال بن الحارث، وهو شبيه المجهول. وقد قال الإمام أحمد في حديث بلال هذا:
إنه لا يثبت. هذا آخر كلامه.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد قال عبد الله بن أحمد (3): سألت أبي عن حديث
بلال بن الحارث المزني في فسخ الحج؟ فقال: لا أقول به, وليس إسناده بالمعروف, ولم
يروه إلا الدراورديُّ وحدَه.
وقال عبد الحق (4): الصحيح في هذا قول أبي ذرٍّ غير المرفوع إلى النبي - صلى الله
عليه وسلم -. وقال ابن القطان (5): فيه الحارث بن بلال، عن أبيه بلال بن
_________
(1) كذا في الأصل و (ش، هـ)، والوجه: «الذي».
(2) أخرجه أبو داود (1808)، والنسائي (2808)، وابن ماجه (2984)، وأحمد (15853)،
وفي إسناده ضعف.
(3) في «المسائل»: (2/ 693 - 694)، وانظر «مسائل ابن هانئ»: (1/ 148)، و «مسائل
أبي داود» (ص 408).
(4) في «الأحكام الوسطى»: (4/ 179).
(5) في «بيان الوهم والإيهام»: (3/ 468).
(1/330)
الحارث, والحارث بن بلال لا يُعرَف حاله.
7 - بابُ الرجلِ يحُجُّ عن غيره
112/ 1736 - وعن أبي رَزِين ــ وهو لَقِيْطٌ العُقَيلي ــ أنه قال: يا رسولَ الله،
إن أبي شيخٌ كبير، لا يستطيع الحجَّ والعمرةَ ولا الظَّعَنَ، قال: «احْجُجْ (1) عن
أبيك واعتَمِرْ».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (2). وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام
أحمد: لا أعلم في [ق 64] إيجاب العمرة حديثًا أجودَ مِن هذا ولا أصحّ منه.
قال ابن القيم - رحمه الله -: قول الإمام أحمد, قال البيهقي (3): قال مسلم: سمعتُ
أحمدَ بن حنبل يقول، فذَكَره. وفي «سنن ابن ماجه» (4) بإسنادٍ على شرط «الصحيحين»
عن عائشة قالت: قلتُ: يا رسول الله, هل على النساء جهاد؟ قال: «جهادٌ لا قتالَ
فيه, الحجُّ والعمرة».
واحتجَّ مَن نفى الوجوبَ بحديث جابر: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن
العمرة, أواجبةٌ هي؟ قال: «لا, وأنْ تعتمر خيرٌ لك» , رواه الترمذي (5) من حديث
_________
(1) في (خ- المختصر): «حج» ومثله في «سنن الترمذي»، وفي «السنن» كما أثبتناه.
(2) أخرجه أبو داود (1810)، والترمذي (947)، والنسائي (2621)، وابن ماجه (2906)،
وأخرجه أحمد (16184)، وابن حبان (3991).
(3) في «السنن الكبرى»: (4/ 350).
(4) (2901). وهو بنحوه في البخاري (1520) دون ذكر العمرة. وأخرجه أحمد (25322)،
وابن حبان (3702).
(5) (931). وأخرجه أحمد (14397)، وابن خزيمة (3068) وغيرهم.
(1/331)
الحجَّاج بن أرطاة، عن محمد بن المُنْكَدِر،
عن جابر. وقال: حسن صحيح.
قال البيهقي (1): كذا رواه الحجاج مرفوعًا, والمحفوظ إنما هو عن جابر موقوف عليه
غير مرفوع. وقد نوقش الترمذيُّ في تصحيحه, فإنه من رواية الحجاج بن أرطاة, وقد
ضُعِّف, ولو كان ثقة فهو مدلِّس كبير, وقد قال: «عن محمد بن المنكدر» , لم يذكر
سماعًا. ولا ريب أن هذا قادحٌ في صحة الحديث.
وقد قال الشافعي (2): ليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوُّع, وقد رُوي عن النبيِّ -
صلى الله عليه وسلم - بإسناد ضعيف, لا تقوم بمثله حجة. تم كلامه.
قال البيهقي (3): وروى ابنُ لهيعة، عن عطاء، عن جابر مرفوعًا: «الحجُّ والعمرة
فريضتان واجبتان» , قال البيهقي: وهذا أيضًا ضعيف لا يصح. فقد سقط الاحتجاج برواية
جابر من الطريقين.
وفي «سنن ابن ماجه» (4) من حديث عُمر بن قيس، أخبرني طلحة بن
_________
(1) في «الكبرى»: (4/ 349).
(2) نقله الترمذي في «الجامع»: (3/ 261). وقد قال في «الأم»: (3/ 326): «والذي هو
أشبه بظاهر القرآن وأولى بأهل العلم عندي ــ وأسأل الله التوفيق ــ أن تكون
العمرةُ واجبةً».
(3) في «الكبرى»: (4/ 350).
(4) (2989). من طريق الحسن بن يحيى الخُشني، عن عمر بن قيس به.
قال البوصيري في «مصباح الزجاجة»: (2/ 138): «هذا إسناد ضعيف عمر بن قيس المعروف
بمندل ضعّفه أحمد وابن معين والفلاس وأبو زرعة والبخاري وأبو حاتم وأبو داود
والنسائي وغيرهم، والحسن الراوي عنه ضعيف»، وضعَّفه ابن دقيق العيد كما في «نصب
الراية»: (3/ 150). وقال أبو حاتم في «العلل» (850): حديث باطل.
(1/332)
يحيى، عن محمد بن إسحاق، عن طلحة بن عُبيد
الله: أنه سمع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الحجُّ جهاد, والعمرةُ
تطوُّع» رواه عن هشام بن عمّار، عن الحسن بن يحيى الخُشَني.
8 - باب كيف (1) التلبية
113/ 1738 - عن عبد الله بن عمر: «أنَّ تلبيةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
لبَّيْكَ اللهم لبيك، لبَّيك لا شريكَ لكَ لبيك، إنَّ الحمدَ، والنعمةَ لكَ
والملكَ، لا شريكَ لك، قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك، لبيك
وسَعْديك، والخير بيديك، والرَّغْبَاءُ إليك والعمل».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (2).
قال ابن القيم - رحمه الله -: في معنى التلبية ثمانية أقوال:
أحدها: إجابةً لك بعد إجابة, ولهذا المعنى كُرِّرت التلبية إيذانًا بتكرير
الإجابة.
الثاني: أنه انقياد لكَ بعد انقياد, من قولهم: لبَّبْتُ الرجلَ, إذا قبضتُ على
تلابيبه, ومنه: «فلبّبْتُه بردائه». والمعنى: انقدْتُ لكَ, وسَعَت نفسي لك خاضعةً
ذليلة, كما يُفْعَل بمن لُبِّبَ بردائه, وقُبِضَ على تلابيبه.
الثالث: أنه مِن «لَبّ بالمكان» , إذا أقام به ولزمه. والمعنى: أنا مقيم على
_________
(1) ط. المعارف: «كيفية» خطأ.
(2) أخرجه أبو داود (1812)، والبخاري (1549)، ومسلم (1184/ 19)، والترمذي (849)،
والنسائي (2750)، وابن ماجه (2918).
(1/333)
طاعتك ملازم لها. اختاره صاحب «الصَّحاح»
(1).
الرابع: أنه مِن قولهم: «داري تلُبُّ دارَك» , أي تواجهها وتقابلها, أي: أنا
مواجِهُك بما تحبُ متوجِّه إليك. حكاه في «الصَّحاح» (2) عن الخليل.
الخامس: معناه: حُبًّا لكَ بعد حُبّ, مِن قولهم: امرأةٌ لَبَّة, إذا كانت مُحِبّة
لولدها.
السادس: أنه مأخوذ مِن لُبّ الشيء, وهو خالصه, ومنه: لُبّ الطعام, ولُبّ الرجل:
عقلُه وقلبُه. ومعناه: أخلصت لُبّي وقَلْبي لك, وجعلتُ لك لُبِّي وخالصتي.
السابع: أنه مِن قولهم: فلانٌ رَخيُّ اللَّبَبِ, وفي لَبَبٍ رَخِيٍّ, أي: في حالٍ
واسعةٍ منشرح الصدر. ومعناه: أني منشرحُ الصدر متسعُ القلب لقبول دعوتك وإجابتها,
متوجه (3) إليك بلَبَبٍ رَخِيّ توجّه (4) المحبّ إلى محبوبه, لا بِكُره ولا
تكلُّف.
الثامن: أنه من الإلباب, وهو الاقتراب: أي اقترابًا إليك بعد اقتراب, كما يتقرَّب
المحبّ من محبوبه.
و «سعديك»: من المساعدة, وهي المُطاوَعة. ومعناه: مساعدةً في طاعتك وما تحبّ بعد
مساعدة.
_________
(1) (1/ 216).
(2) (1/ 216).
(3) الأصل و (ش): «متوجًا» والوجه ما أثبت.
(4) ط. الفقي: «يوجد».
(1/334)
قال الجَرْمي (1): ولم يُسْمَع «سعديك»
مفردًا.
و «الرَّغْباء إليك» يقال: بفتح الراء مع المدّ, وبضمها مع القَصْر. ومعناها الطلب
والمسألة والرغبة.
واختلف النُّحاة في الياء في «لبيك». فقال سيبويه (2): هي ياء التثنية. وهو من
المُلْتَزم نصبُه على المصدر, كقولهم: حمدًا وشكرًا وكرامةً ومسرَّةً.
والتزموا تثنيتَه إيذانًا بتكرير معناه واستدامته. والتزموا إضافتَه إلى ضمير
المخاطَب لما خصوه بإجابة الداعي. وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادرًا, كقول
الشاعر (3):
دعوتُ لِمَا نابني مسورًا ... فلبَّى فلبَّيْ يَدَي مسور
والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ}
[الملك:4] وليس المراد ما يشفع الواحد فقط. وكذلك «سعديك ودواليك».
وقال يونس: هو مفرد, والياء فيه مثل الياء في «عليك وإليك ولديك».
ومِن حُجَّة سيبويه على يونس: أن «على» و «إلى» يختلفان بحسب الإضافة, فإن جَرَّا
مُضمرًا كانا بالياء, وإن جَرَّا ظاهرًا كانا بالألف، فلو كان «لبيك» كذلك لما كان
بالياء في جميع أحواله، سواء أضيف إلى ظاهر أو
_________
(1) تصحف في ط. الفقي إلى «الحربي». والجَرْمي هو: صالح بن إسحاق أبو عمرو الجرمي
(ت 225) له تصانيف كثيرة في النحو واللغة. ينظر «إنباه الرواة»: (2/ 80)، و «وفيات
الأعيان»: (2/ 285).
(2) في «الكتاب»: (1/ 350 - 354).
(3) البيت من شواهد سيبويه. وانظر «الخزانة»: (1/ 268).
(1/335)
مضمر, كما قال: «فلبّي يَدَي مِسْور».
وقالت طائفة من النحاة: أصلُ الكلمة لبًّا لبًّا, أي إجابة بعد إجابة, فثقل عليهم
تكرار الكلمة, فجمعوا بين اللفظين ليكون أخفَّ عليهم, فجاءت التثنيةُ وحُذِف
التنوين لأجل الإضافة.
وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة:
إحداها: أن قولك «لبيك» يتضمن إجابة داعٍ دعاك ومنادٍ ناداك, ولا يصح في لغةٍ ولا
عقل إجابةُ مَن لا يتكلَّم ولا يدعو (1).
الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم, ولا يقال «لبيك» إلا لمن تحبُّه وتعظِّمُه,
ولهذا قيل في معناها: أنا مواجِهٌ لك بما تحبّ, وأنها من قولهم: امرأة لَبَّة, أي
مُحِبّة لولدها.
الثالثة: أنها تتضمّن التزام دوام العبودية, ولهذا قيل: هي من الإقامة, أي: أنا
مقيم على طاعتك.
الرابعة: أنها تتضمن الخضوعَ والذُّلَّ, [ق 65] أي خضوعًا لك (2) بعد خضوع, من
قولهم. أنا مُلِبّ بين يديك, أي خاضع ذليل.
الخامسة: أنها تتضمّن الإخلاص, ولهذا قيل: إنها من اللُّبّ, وهو الخالص.
_________
(1) بعده في الأصل: «من أجابه» ثم ضبّب على الكلمتين ووضع فوق الضبة ميمًا صغيرة
«ضـ م» والظاهر أنه إشارة إلى حذفها لأن المعنى تام بدونها، وكذلك لم يكتبها في ش.
ولم يُتنبه لهذه الإشارة في الطبعتين فأثبتوها.
(2) سقطت من ط. الفقي.
(1/336)
السادسة: أنها تتضمّن الإقرار بسمع الرب
تعالى, إذ يستحيل أن يقول الرجل «لبيك» لمن لا يسمع دعاءه.
السابعة (1): أنها تتضمّن التقرُّب من الله, ولهذا قيل: من الإلباب, وهو التقرُّب.
الثامنة: أنها جُعِلَت في الإحرام شعار الانتقال (2) من حال إلى حال, ومن مَنْسك
إلى مَنْسك, كما جُعل التكبير في الصلاة شعار الانتقال (3) من ركن إلى ركن, ولهذا
(4) السنةُ أن يُلَبِّي حتى يَشْرَع في الطواف, فيقطع التلبية, ثم إذا سار لبَّى
حتى يقف بعرفة فيقطعها، ثم يلبِّي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها، ثم يلبِّي حتى يرمي
جمرة العقبة فيقطعها، فالتلبية شعار الحجِّ والتنقُّل في أعمال المناسك, فالحاجُّ
كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: «لبيك اللهم لبيك» كما أن المصلي يقول في انتقاله
من ركن إلى ركن: «الله أكبر»، فإذا حلّ من نُسُكه قطعها, كما يكون سلام المصلي
قاطعًا لتكبيره.
التاسعة: أنها شعار التوحيد وملّة إبراهيم, الذي هو روح الحجِّ ومقصده, بل روح
العبادات كلها والمقصود منها. ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يُدْخَل
فيها بها.
العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يُدخَل منه إليه,
_________
(1) الأصل و (ش، هـ): «السابع» سهو.
(2) في الطبعتين: «شعارًا لانتقال» والمثبت من الأصل أصح.
(3) ط. المعارف: «شعارًا لانتقال» مخالف للأصل، وتحرفت في ط. الفقي إلى: «سبعًا،
للانتقال»!
(4) زاد في ط. الفقي: «كانت» والعبارة مستقيمة بدونها.
(1/337)
وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك
له.
الحادية عشر: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو مِن أحبِّ ما يَتَقرَّب به العبدُ
إلى الله, وأول من يُدعَى إلى الجنة أهلُه, وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها.
الثانية عشر: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلِّها, ولهذا عرَّفها باللام
المفيدة للاستغراق, أي النعم كلها لك ومنك (1) , وأنتَ موليها (2) والمُنْعِم بها.
الثالثة عشر: أنها مشتملة على الاعتراف بأن المُلْك كلَّه لله وحده, فلا مُلك على
الحقيقة لغيره.
الرابعة عشر: أن هذا المعنى مؤكَّد الثبوت بـ «إنَّ» المقتضية تحقيق الخبر
وتثبيته، وأنه مما لا يدخله ريبٌ ولا شكّ.
الخامسة عشر: في «أنّ» وجهان: فتحها وكسرها, فمن فتحها تضمَّنت معنى التعليل, أي
لبيك لأنّ الحمدَ والنعمةَ لك. ومَن كسرها كانت جملةً مستقلّةً مستأنَفَةً, تتضمن
ابتداءَ الثناء على الله, والثناءُ إذا كَثُرت جُمَلُه وتعدَّدَت كان أحسن من
قِلّتها, وأما إذا فُتِحت فإنها تُقدَّر بلام التعليل المحذوفة معها قياسًا,
والمعنى: لبيك لأن الحمد لك، والفرق (3) بين أن تكون جُمَل الثناء علةً لغيرها
وبين أن تكون مستقلةً مرادة لنفسها, ولهذا قال
_________
(1) سقطت من ط. الفقي.
(2) ط. المعارف: «مولاها»!
(3) كذا في الأصول، ولعلها: «وفرقٌ».
(1/338)
ثعلب (1): من قال «إن» بالكسر فقد عمّ, ومَن
قال: «أن» بالفتح فقد خصّ.
ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين:
{إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور:
28] بكسر «إن» وفتحها. فمَن فتَحَ كان المعنى: «ندعوه لأنه هو البَرُّ الرحيم»،
ومَن كَسَر كان الكلام جملتين, إحداهما قولهم: «ندعوه» , ثم استأنف فقال: «إنه هو
البر الرحيم» , قال أبو عبيد (2): والكسر أحسن, ورجَّحَه بما ذكرناه.
السادسة عشر: أنها متضمِّنة للإخبار عن اجتماع المُلْك والنعمة والحمد لله عز وجل,
وهذا نوعٌ آخر مِن الثناء عليه, غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العَليَّة, فله
(3) سبحانه من أوصافه العُلى نوعا ثناءٍ: نوعٌ متعلِّق بكلّ صِفَةٍ صِفَةٍ (4) على
انفرادها, ونوعٌ متعلِّق باجتماعها، وهو كمالٌ مع كمال، وهو غاية الكمال, والله
سبحانه يَقْرِن في صفاته بين المُلك والحمد, ويُنَوِّع هذا المعنى إذ (5) اقتران
أحدهما بالآخر من أعظم الكمال؛ فالملك وحدَه كمال, والحمد كمال، واقتران أحدهما
بالآخر كمال, فإذا اجتمع المُلك المتضمِّن للقدرة مع النعمة المتضمِّنة لغاية النفع
والإحسان والرحمة، مع
_________
(1) ذكر قولَه الخطابي في «غريب الحديث»: (3/ 246)، وعياض في «المشارق»: (1/ 43).
(2) ينظر «إعراب القرآن» (ص 887 - 888) للنحاس، و «البحر المحيط»: (8/ 150) لأبي
حيان. وقرأ بفتح «أنّه» نافع والكسائي، والباقون بالكسر. ينظر «المبسوط» (ص 351)
لابن مهران.
(3) الأصل و (ش): «فإنه» ولعلها ما أثبت.
(4) صحّح عليهما في الأصل مرتين.
(5) ط. الفقي: «وسوغ ... أن» خطأ وتصرف في النص.
(1/339)
الحَمْد المتضمِّن لغاية الجلال والإكرام
الداعي إلى محبَّته= كان في ذلك من العَظَمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو
أهله, وكان في ذِكْر الحَمْد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه,
والتوجُّه بدواعي المحبَّة كلها إليه= ما هو مقصود العبودية ولُبّها. وذلك فضل
الله يؤتيه من يشاء.
ونظير هذا: اقتران الغِنَى بالكرم, كقوله: {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}
[النمل:40] فله كمالٌ مِن غناه وكرمه, ومنِ اقتران أحدهما بالآخر.
ونظيره اقتران العِزّة بالرحمة: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}
[الشعراء:9]. ونظيره اقتران العفو بالقدرة: {فَإِنَّ (1) اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا
قَدِيرًا} [النساء:149]. ونظيره اقتران العِلْم بالحلم: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَلِيمٌ} [النساء:12]. ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة: {وَاللَّهُ قَدِيرٌ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة:7]. وهذا يُطْلِع ذا اللبِّ على رياضٍ من
العلم أنيقات, ويفتح له بابَ محبَّةِ الله ومعرفته, والله المستعان وعليه التكلان.
السابعة عشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل ما قُلتُ أنا والنبيون
من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
قدير» (2) وقد اشتملت التلبيةُ على هذه الكلمات بعينها, وتضمَّنت معانيها,
_________
(1) وقع في الأصل و (ش، هـ): «وكان الله عفوًّا ... » وهم.
(2) أخرجه الترمذي (3585) من طريق حماد بن أبي حميد, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن
جده به. قال الترمذي: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد ... ليس
بالقوي عند أهل الحديث». وأخرجه مالك (572، 1270)، ومن طريقه البيهقي: (4/ 284، 5/
117) من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال
البيهقي: هذا مرسل، وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصّلًا ووصله ضعيف.
(1/340)
وقوله: «وهو على كل شيء قدير» , لك أن
تُدخلها تحت قولك في التلبية: «لا شريك لك»، ولك أن تُدخلها تحت قولك: «إن الحمد
(1) لك». ولك أن تُدخلها تحت إثبات الملك له تعالى, [ق 66] إذ لو كان بعض
الموجودات خارجًا عن قُدْرته ومُلكه, واقعًا بخلق غيره, لم يكن نفي الشريك عامًّا,
ولم يكن إثبات الملك والحمد له عامًّا, وهذا من أعظم المحال, والمُلك كلُّه له,
والحمد كلُّه له, وليس له شريك بوجه من الوجوه.
الثامنة عشر: أن كلمات التلبية متضمِّنة للردِّ على كلِّ مُبطِل في صفات الله
وتوحيده؛ فإنها مُبْطِلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول
الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطِّلين لصفات الكمال التي هي مُتعَلَّق الحمدِ,
فهو سبحانه محمودٌ لذاته ولصفاته ولأفعاله, فمَن جَحَد صفاته وأفعاله فقد جَحَد
حَمْدَه.
ومُبْطِلةٌ لقول مجوس الأمة من (2) القدَرِيَّة الذين أخرجوا عن ملكِ الرب وقدرتِه
أفعالَ عبادِه من الملائكة والجن والإنس, فلم يُثبِتوا له عليها قدرةً، ولا جعلوه
خالقًا لها. فعلى قولهم لا تكون داخلةً تحت مُلكه, إذ مَنْ لا قدرةَ له على الشيء
كيف يكون (3) داخلًا تحت ملكه؟ فلم يجعلوا الملكَ كلَّه لله, ولم يجعلوه على كلِّ
شيء قدير.
_________
(1) ط. الفقي زاد: «والنعمة» وليست في الأصل.
(2) سقطت من ط. الفقي.
(3) ط. الفقي: «يكون هذا الشيء» وهو إقحام لا موجب له!
(1/341)
وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيءٍ
البتة. فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها بايَنَ جميعَ الطوائف المبطلة
(1).
التاسعة عشر: في عطف المُلك على الحمد والنعمة بعد كمال الخَبَر, وهو قوله: «إنّ
الحمدَ والنعمةَ لك والملك» ولم يقل: إن الحمد والنعمة والملك لك= لطيفة بديعة,
وهي: أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلّتين, فإنه لو قال: «إن الحمد والنعمة
والملك لك» كان عطفُ الملكِ على ما قبله عطفَ مفردٍ على مفردٍ, فلما تمَّت الجملةُ
الأولى بقوله «لك» ثم عَطَف الملكَ, كان تقديره: والملك لك. فيكون مساويًا لقوله:
«له الملك وله الحمد» , ولم يقل: له الملك والحمد, وفائدته تكرار الجُمَل (2) في
الثناء.
العشرون: لمَّا عَطَف النعمةَ على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر, كان فيه إشعار
باقترانهما وتلازمهما, وعدم مفارقة أحدهما للآخر, فالإنعام والحمد قرينان.
الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة، وهو (3): أنه أخبر
أنه لا شريك له عقب إجابته بقوله «لبيك» , ثم أعادها عقب قوله: «إنّ الحمدَ
والنعمةَ لك والملك لا شريكَ لك». وذلك يتضمَّن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة
والملك, والأول يتضمَّن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة, وهذا نظير قوله
تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
_________
(1) هكذا استظهرتها في الأصل و (ش)، وفي الطبعتين: «المعطلة».
(2) ط. الفقي: «الحمد».
(3) ط. الفقي: «وهي».
(1/342)
وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ
قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:
18] فأخبر بأنه «لا إله إلا هو» في أول الآية, وذلك داخل تحت شهادته وشهادة
ملائكته وأولي العلم, وهذا هو المشهود به, ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل,
فأعاد الشهادةَ بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط.
9 - باب ما يلبسُ المُحْرِم
114/ 1749 - عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجلٌ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -:
ما يتركُ المحرمُ من الثياب؟ فقال: لا يلبس القميصَ، ولا البُرْنُسَ، ولا
السراويل، ولا العمامة، ولا ثوبًا مَسَّهُ وَرْسٌ ولا زَعْفران، ولا الخُفَّين،
إلا أن لا يجد النعلَين، فمَنْ لم يجد النعلين فليلبَسِ الخُفَّين، وليقْطَعْهما
حتى يكونا أسفلَ مِن الكعبين».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه (1).
قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث ابن عمر هذا فيه أحكام عديدة:
الحكم الأول: أنه - صلى الله عليه وسلم - سُئل عما يُلْبَس (2) وهو غير محصور,
فأجاب بما لا يُلْبَس لحصره. فعُلِم أن غيرَه على الإباحة، ونبَّه بالقميص على ما
فُصِّل للبدن كلِّه, مِن جُبّة أو دَلَق (3) أو درَّاعة أو عَرَقْشِين (4) ونحوه.
ونبَّه بالعمامة
_________
(1) أخرجه أبو داود (1823)، والبخاري (366)، ومسلم (1177)، والنسائي (2667). ولفظ
أبي داود: «ما يترك المحرم ... »، ولفظ الصحيحين: «ما يلبس المحرم ... ».
(2) زاد في ط. الفقي: «المحرم» ولا وجود لها في الأصل وش.
(3) نوع من الرداء طويل مؤلف من خرق الجوخ من ملابس القضاة والصوفية. ينظر «قاموس
الملابس» (ص 150 - 152)، و «تكملة المعاجم»: (4/ 397) كلاهما لدوزي. و «مسالك
الأبصار»: (4/ 449).
(4) ويقال: عرقـچـين، وهي نوع من اللباس يستعمل لامتصاص العرق، وهي كلمة فارسية مركبة
من كلمتين «عَرَق چين»، ينظر «المعجم العربي لأسماء الملابس» (ص 324).
(1/343)
على كلِّ ساترٍ للرأسِ معتادٍ كالقُبْع (1)
والطاقية والقَلَنْسُوة والكُلْتة (2) ونحوها. ونبَّه بالبُرْنُس على المحيط
بالرأس والبدن جميعًا, كالغفارة (3) ونحوها. ونبَّه بالسراويل على المفصَّل على
الأسافل, كالتُّبّان ونحوه. ونبَّه بالخُفَّين على ما في معناهما, من الجُرْمُوق
(4) والجورب والزَّرْبول ذي الساق (5) ونحوه.
الحكم الثاني: أنه مَنَعه من الثوب المصبوغ بالوَرْس أو الزعفران, وليس هذا لكونه
طِيبًا, فإن الطِّيْب في غير الوَرْس والزعفران أشدّ, ولأنه خصَّه بالثوب دون
البدن. وإنما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم فيه, أن لا يكون مصبوغًا بوَرْس ولا
زعفران، وقد نَهَى أن يتزعفر الرجل (6) , وهذا منهيٌّ عنه خارج الإحرام, وفي
الإحرام أشدّ. والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يتعرَّض هنا إلا
_________
(1) وهو ما يُلبس تحت الخوذة لحماية الرأس، أو طاقية صغيرة توضع تحت العمامة. ينظر
«المعجم العربي لأسماء الملابس» (ص 376).
(2) كذا في الأصل، وفي (ش): «الكلية» تحريف، ويقال: «الكُلُوتة»، وهي غطاء للرأس
مثل الطاقية ونحوها، ينظر المصدر السابق (ص 434 - 435).
(3) الغفارة: خرقة تلبسها المرأة تغطي بها رأسها. ينظر «اللسان»: (5/ 26).
(4) الجرموق: خفّ صغير يلبس فوق الخف، ينظر «اللسان»: (10/ 35). والكلمة فارسية
معربة.
(5) الزربول أو الزربون: نوعٌ من الأحذية، مولّدة. ينظر «تاج العروس»: (18/ 258)،
و «تكملة المعاجم»: (5/ 299).
(6) أخرجه البخاري (5846)، ومسلم (2101) من حديث أنسٍ - رضي الله عنه -.
(1/344)
لأوصاف الملبوس, لا لبيان جميع محظورات
الإحرام.
الحكم الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - رخَّص في لُبس الخُفّين عند عدم النعلين
ولم يذكر فديةً, ورخَّص في حديث كعب بن عُجْرة في حَلْق رأسِه مع الفدية, وكلاهما
محظور بدون العذر. والفرق بينهما: أن أذى الرأس ضرورة خاصة لا تعمّ, فهي رفاهية
للحاجة. وأما لُبس الخُفّين عند عدم النعلين فبَدَل يقوم مقام المُبْدَل,
والمُبْدَل ــ وهو النعل ــ لا فدية فيه, فلا فدية في بدله, وأما حلق الرأس فليس
ببدل، وإنما هو ترفُّه للحاجة, فجُبِر بالدم.
الحكم الرابع: أنه أمَرَ لابس الخُفَّين بقطعهما أسفل مِن كعبيه, في حديث ابن عمر,
لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين صارا شبيهين بالنعل. فاختلف الفقهاء في هذا
القطع, هل هو واجب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه واجب, وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك [ق 67] والثوري وإسحاق وابن
المنذر, وإحدى الروايتين عن أحمد (1) , لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بقطعهما, وتعجَّبَ الخطّابيُّ (2) من أحمد فقال: العجَبُ من أحمد في هذا! فإنه لا
يكاد يخالف سنةً تبلُغُه, وَقلَّت سنةٌ لم تبلُغْه. وعلى هذه الرواية إذا لم
يقطعهما تلزمه الفدية.
والثاني: أن القطع ليس بواجبٍ, وهو أصحّ الروايتين عن أحمد, ويُروى عن عليّ بن أبي
طالب, وهو قول أصحاب ابن عباس, وعطاء,
_________
(1) ينظر: «التمهيد»: (15/ 14)، و «المغني»: (5/ 120 - 121)، و «شرح مسلم»: (8/
75)، و «بدائع الصنائع»: (2/ 184).
(2) في «معالم السنن»: (2/ 177).
(1/345)
وعكرمة (1). وهذه الرواية أصح, لما في
«الصحيحين» (2) عن ابن عباس قال: سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يخطب
بعرفات: «مَن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل, ومن لم يجد نعلين فليلبس خُفّين».
فأطلق الإذن في لبس الخُفّين ولم يشترط القطع، وهذا كان بعرفات, والحاضرون معه إذ
ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبتَه بالمدينة, فإنه كان معه مِن أهل مكة واليمن والبوادي
مَن لا يحصيهم إلا الله تعالى, وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
وفي «صحيح مسلم» (3) عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن لم
يجد نعلين فليلبس خُفّين, ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل» , فهذا كلام مُبتدأٌ
من النبي - صلى الله عليه وسلم -,بَيَّن فيه في عَرَفات ــ في أعظم جَمْع كان له
ــ أن من لم يجد الإزار فليلبس السراويل, ومن لم يجد النعلين فليلبس الخُفَّين,
ولم يأمر بقطعٍ ولا فَتْق, وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة، ولا
سمعوه يأمر بقطع الخُفّين، وتأخير البيان عن وقته ممتنع؛ فدلَّ هذا على أن هذا
الجواز لم يكن شُرِع بالمدينة, وأن الذي شُرِع بالمدينة هو الخفّ المقطوع, ثم شرع
بعرفات الخف (4) من غير قطع.
فإن قيل: فحديث ابن عمر مُقيَّد، وحديث ابن عباس مطلق, والحكم والسبب واحد, وفي
مثل هذا يتعيَّن حَمْل المطلق على المقيَّد, وقد أَمَر في
_________
(1) ينظر: «المغني»: (120 - 121)، و «التمهيد»: (15/ 114).
(2) البخاري (1841)، ومسلم (1178).
(3) (1179).
(4) زاد في ط. الفقي في هذا الموضع والذي قبله كلمة «لبس» قبل «الخف»، والسياق لا
يحتاج إليها.
(1/346)
حديث ابن عمر بالقطع.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن قوله في حديث ابن عمر: «وليقطعهما» قد قيل: إنه مُدْرَج من كلام نافع.
قال صاحب «المغني» (1): «كذلك رُوِيَ في «أمالي أبي القاسم بن بشران» بإسناد صحيح:
أن نافعًا قال بعد روايته للحديث: وليقطع الخُفّين أسفلَ مِن الكعبين». والإدراجُ
فيه محتمل, لأن الجملة الثانية يستقلّ الكلام الأول بدونها, فالإدراج فيه ممكن,
فإذا جاء مصرَّحًا به أن نافعًا قاله زال الإشكال.
ويدلُّ على صحة هذا: أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء, فأخبرَتْه صفيةُ بنت أبي
عبيد عن عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخَّصَ للمحرم أن يلبس الخفين
ولا يقطعهما, قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع» (2).
الجواب الثاني: أن الأمر بالقطع كان بالمدينة و رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يخطب على المنبر, فناداه رجل فقال: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فأجابه بذلك, وفيه
الأمر بالقَطْع، وحديثُ ابن عباس وجابر بعده، وعَمرو بن دينار روى الحديثين معًا
ثم قال: انظروا أيهما كان قبل (3). وهذا يدلُّ على أنهم علموا نسخَ الأمرِ بحديث
ابن عباس.
_________
(1) (5/ 121). وفي «المغني»: «رُوّيناه». وليس الحديث فيما طُبع من «أمالي ابن
بشران».
(2) أخرجه أبو داود (1831)، وأحمد (24067)، وابن خزيمة (2686)، والبيهقي: (5/ 52).
وإسناده حسن.
(3) أخرجه الدارقطني (2471)، والبيهقي: (5/ 51).
(1/347)
وقال الدارقطني (1): قال أبو بكر
النيسابوري: حديث ابن عمر قبل, لأنه قال: نادى رجلٌ رسولَ الله - صلى الله عليه
وسلم - وهو في المسجد» فذَكَره, وابنُ عباس يقول: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يخطب بعرفات.
فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوبُ والثوريُّ وابنُ عيينة وحماد بن زيد وابن
جُرَيج وهُشَيم, كلُّهم عن عَمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس, ولم يقل
أحدٌ منهم «بعرفات» غيرُ شعبة, ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.
قيل: هذا عَنَت (2) , فإن هذه اللفظة متفق عليها في «الصحيحين» , وناهيك برواية
شعبةَ لها, وشعبةُ حفِظَها وغيرُه لم يَنْفِها, بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث
مستقلّة, وليست تتضمن مخالفة للآخرين, ومثل هذا يُقْبَل ولا يُردّ, ولهذا رواها
الشيخان. وقد قال عليٌّ - رضي الله عنه -: «قَطْع الخُفّين فسادٌ، يلبسهما كما
هما» (3). وهذا مقتضى القياس، فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سوَّى بين
السراويل وبين الخفّ في لُبس كلٍّ منهما عند عدم الإزار والنّعْل, ولم يأمر بفتق
السراويل, لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما. ولهذا كان مذهب
الأكثرين: أنه يلبس السراويل بلا فَتْق عند
_________
(1) في «السنن» عقب حديث (2471).
(2) ط. الفقي: «عَبَث».
(3) ذكره في «المغني»: (5/ 120)، وعنه في كتب المذهب، والأثر نسبه أبو يعلى في
«التعليقة»: (1/ 347) وشيخ الإسلام في «شرح العمدة»: (4/ 477) إلى رواية أبي طالب
عن الإمام أحمد. ورواه بنحوه ابن أبي شيبة (14858) عن عكرمة، وابن عبد البر في
«الاستذكار»: (11/ 32) عن عطاء.
(1/348)
عدم الإزار, فكذلك الخُفّ يُلْبَس بلا قطعٍ,
ولا فرق بينهما. وأبو حنيفة (1) طَرَد القياسَ وقال: تُفْتَق السراويل, حتى تصير
كالإزار, والجمهور قالوا: هذا خلاف النص, لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«السراويل لمن لم يجد الإزار» (2) وإذا فُتِق لم يبق سراويل. ومَن اشترط قطعَ
الخُفّ خالفَ القياس مع مخالفته النصَّ المطلق بالجواز. ولا يسلم مِن مخالفة
النصِّ والقياس إلا مَن جوَّز لُبسهما بلا قطع, أما القياس فظاهر, وأما النصّ فما
تقدم تقريرُه (3). والعجبُ أن مَن يوجب القطعَ يوجبُ ما لا فائدةَ فيه, فإنهم لا
يجَوِّزون لُبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما، بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم
جواز لُبسه.
فأيُّ معنًى للقطع والمقطوعُ عندكم كالصحيح؟!
وأما أبو حنيفة (4) - رحمه الله - فيجوِّز لبس المقطوع, وليس عنده كالصحيح, وكذلك
المداس والجمجم ونحوهما.
قال شيخنا (5): وأفتى به جدِّي أبو البركات في آخر عمره [ق 68] لمّا حجَّ. قال
شيخنا: وهو الصحيح, لأن المقطوع لُبسه أصلٌ لا بَدَل.
قال شيخنا (6): فأبو حنيفة - رحمه الله - فهم من حديث ابن عمر أن المقطوعَ
_________
(1) ينظر: «بدائع الصنائع»: (2/ 188)، وهو مذهب المالكية أيضًا كما في «التمهيد»:
(15/ 112).
(2) في حديث ابن عباس، وقد تقدم تخريجه.
(3) في الطبعتين: «تقديره».
(4) ينظر: «بدائع الصنائع»: (2/ 184).
(5) أي ابن تيمية، ينظر: «مجموع الفتاوى»: (21/ 196).
(6) ينظر المصدر نفسه.
(1/349)
لبسه أصلٌ لا بَدَل, فجَوَّز لبسه مطلقًا,
وهذا فهمٌ صحيح, وقولُه في هذا أصحّ من قول الثلاثة. والثلاثةُ فهموا منه الرخصة
في لُبس السراويل عند عدم الإزار والخفِّ عند عدم النعل, وهذا فهمٌ صحيح, وقولهم
في هذا أصح من قوله.
وأحمدُ فهم من النص المتأخر لبس الخفِّ صحيحًا بلا قطع عند عدم النعل, وأن ذلك
ناسخ للأمر بالقطع, وهذا فهم صحيح, وقوله في ذلك أصح الأقوال.
فإن قيل: فلو كان المقطوع أصلًا، لم يكن عدم النعل شرطًا فيه, و النبيُّ - صلى
الله عليه وسلم - إنما جعله عند عدم النعل.
قيل: بل الحديث دليلٌ على أنه ليس كالخفّ, إذ لو كان كالخُفّ لما أمر بقطعه، فدلَّ
على أنه بقطعه يخرج عن شَبَه الخفِّ, ويلتحق بالنعل.
وأما جَعْله عدم النعل شرطًا فلأجل أن القطعَ إفساد لصورته ومالِيَّته, وهذا لا
يُصارُ إليه إلا عند عدم النعل, وأما مع وجود النعل فلا يُفْسِدُ الخفَّ ويُعْدِم
مالِيّته, فإذا تبيَّن هذا تبين أن المقطوع ملحقٌ بالنعل لا بالخُفّ, كما قال أبو
حنيفة, وأن على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه, فإنهم لا يجوِّزون لبس المقطوع,
وهو عندهم كالخفِّ.
فإن قيل: فغايةُ ما يدلُّ عليه الحديث جوازُ الانتقال إلى الخفّ والسراويل عند عدم
النعل والإزار, وهذا يفيد الجواز, وأما سقوط الفدية فلا, فهلَّا قلتم كما قال أبو
حنيفة: يجوز له ذلك مع الفدية؟ فاستفادَ الجوازَ من هذا الحديث, واستفادَ الفديةَ
من حديث كعب بن عُجْرة, حيث جوَّز له
(1/350)