النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
عبد العزيز بن أبي ثابت [عمران] ابن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال:
حدثنا أبي عن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن المِسْور بن مَخْرمة ... قال: خرج عمر
بن الخطاب يطوف في السوق، فلقيه أبو لؤلؤة ... قال [أبو لؤلؤة]: لئن سلمت لأعملنّ
لك رحًى يتحدّث بها مَنْ بالمشرق والمغرب، ثم انصرف. فقال عمر: لقد توعَّدني
العبدُ آنفًا. قال: ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان من
_________
(1) والملجئ لأبي ريَّة إلى هذا هو محاولته التمكين لتلك المكيدة. [المؤلف].
(2) «تاريخ الطبري»: (2/ 559)، و «تاريخ ابن الأثير»: (3/ 49 ــ 50).
(12/150)
الغد جاء كعب الأحبار فقال له: يا أمير
المؤمنين اعهد فإنك ميّت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله
عز وجل التوراة. قال عمر: آلله أنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا،
ولكن أجد صفتك وحليتك ... فلما كان من الغد جاء كعب فقال: ... بقي يومان. قال: ثم
جاء مِن غَدِ الغد فقال: ... بقي يوم وليلة وهي لك إلى صبيحتها ... » وقال فيه:
«فضُرِب عمر ستّ ضربات» وفي آخرها: «ثم توفي ليلة الأربعاء لثلاثٍ بقين من ذي الحجة».
أقول: هل يسمع عمر هذا الوعيد الشديد مِن عبد كافر ثم لا يحترس منه، ولا يأمر
بالقبض عليه وسجنه أو ترحيله من المدينة؟ أو على الأقل يضع عليه عيونًا تراقبه،
فقد كان لعمر عيون على الناس ترقب أقلَّ من هذا، وكان له عيون على عُمّاله في
البلدان البعيدة، أو ليس عمر هو الذي رجع عن بلد الطاعون فقال له أبو عبيدة:
أفرارًا من قَدَرِ الله؟ فقال عمر: لو غيرك يا أبا عبيدة قالها. نعم نَفرُّ من
قَدَر الله إلى قَدَر الله (1). هب أن عمر لم يبال بنفسه، أفلم يكن بقاء ذلك العبد
الكافر بين ظهراني المسلمين خطرًا عليهم، وقد جاهر الخليفة بالتوعُّد، فما عسى أن
يكون حاله مع غيره؟ قد يقال: يمكن أن تكون وُضعت عليه عيون راقبته مدّة فلم يُرَ
منه ما يُنكر، فتُرِك. لكن [ص 77] هذه الحكاية تجعل التوعّد يوم الجمعة 22 ذي
الحجة سنة 23 والقتل بعد ذلك بأربعة أيام.
أضف إلى ذلك أنه قد ثبت أنّ عمر قال في خطبته في تلك الجمعة:
_________
(1) أخرجه البخاري (5729)، ومسلم (2219).
(12/151)
«رأيت ديكًا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه
إلّا حضور أجلي» (1). وفي بعض الروايات أنه ذكر أن الرؤيا عبرت بأن رجلًا من
الأعاجم يعتدي عليه. راجع «فتح الباري» (7: 50) (2). هل يخبر عمر بهذه الرؤيا في
اليوم الذي توعَّده فيه الأعجمي ثم لا يحترس ولا يقبض على ذاك الأعجمي؟
وفوق هذا تزعم الحكاية أنّ كعبًا جاء إلى عمر بعد الإخبار بالرؤيا وإيعاد الأعجمي
بيوم واحد فقال لعمر ما تقدم. أفلم يكن في اقتران هذه الثلاثة ما يدعو إلى
الاحتراس؟
أمر آخر: تقدم (ص 46) (3) تشديد عمر على أبي موسى لما أخبر بخبرٍ عن النبيّ - صلى
الله عليه وسلم -، فهل يُعقل أنّ عمر هذا الذي شدَّد على أخيه المؤمن الصادق
المهاجر القديم للإسلام، لا يشدِّد على كعبٍ حديثِ العهدِ باليهودية ولا صحبة له
ولا هجرة، مع أن خبره أَوْلَى وأحقّ بأن يُستنكر؟
أمر ثالث: عَهْدُنا بهذا الحميريّ داهيًا، فهل يعقل أن يكون واقفًا على المؤامرة
ثم يقع منه ما حكته الحكاية؟ المعقول أن يسكت إن كان له هوًى في قتل عمر، وأن
يخبره بالمؤامرة على وجهها إن لم يكن له هوًى في قتله. أما السكوت فخشية أن يؤدّي
كلامه إلى حبوط المؤامرة، بأن يحترس عمر ويقبض على أبي لؤلؤة، وقد يجر إلى اكتشاف
المؤامرة ووقوع كعب نفسه. وأما الإخبار بالمؤامرة على وجهها فلأنه بذلك يكون له
يدٌ عند عمر
_________
(1) أخرجه مسلم (567).
(2) (7/ 63).
(3) (ص 89).
(12/152)
والمسلمين ينال بها جاهًا ومكانة. وكلا هذين
الغرضين أهمّ وأعظم مِن حُبّه إيهام اطلاعه على بعض أمور المستقبل، على أنّ هذا قد
كان حاصلًا في الجملة، فقد كانوا يعرفون معرفته بصحف أهل الكتاب ويعرفون أن فيها
أشياء من ذلك.
ومَنْ قَابَلَ هذه الحكاية بالروايات الصحيحة وَجَدَ مخالفة: منها عدد الطعنات،
اتفقت الروايات الصحيحة على أنها ثلاث فقط، ووقع في هذه الحكاية أنها ست. فأنت ترى
أن النظر في متن هذه الحكاية يبين أنها مدخولة لا يمكن الاعتماد عليها في شيء،
ويؤكِّد ذلك سقوطُ سندها، فإن سليمان مجهول لم نجد له ترجمة، وأبوه ساقط الحديث
كما بيَّنه جمعٌ من الأئمة، وعبد الله بن جعفر لا بأس به، فأما أبوه جعفر بن
المسور فلا يعرف برواية أصلًا، ولا يُدْرى أدرك أباه أم لا.
[ص 78] وقال ص 117: (ووقع في رواية أبي إسحاق عند ابن سعد: وأتى كعب عمر فقال: ألم
أقل لك إنك لا تموت إلا شهيدًا، وإنك تقول: من أين وإني في جزيرة العرب).
أقول: هي عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون. وأبو إسحاق مشهور بالتدليس ولم يذكر
سماعًا. وروى غيره القصة عن عمرو بن ميمون كما في «صحيح البخاري» (1) وغيره بدون
هذه الزيادة. ومع هذا فأيّ شيء فيها؟ أما الشهادة فقد كان عمر مُبَشَّرًا بها
يقينًا، ففي «الصحيحين» (2) وغيرهما من حديث أنس: «أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم
- صعد أُحُدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم
_________
(1) (3700).
(2) البخاري (3675)، ولم أجده في مسلم.
(12/153)
فقال: اثبت أُحُد، فإنما عليك نبي وصدِّيق
وشهيدان». وصحّ معناه من حديث عثمان وبريدة وأبي هريرة وسهل بن سعد. راجع «فتح
الباري» (7: 32) (1).
وفي «الصحيحين» (2) وغيرهما سؤال عمر لحذيفة عن الفتنة، وقول حذيفة: «لا بأس عليك
منها يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقًا» قال عمر: «يفتح الباب أو
يكسر؟ » قال حذيفة: «لا بل يكسر». قيل لحذيفة: «علم عمر بالباب؟ » قال: «نعم، كما
أنّ دون غدٍ الليلة، إني حدَّثته حديثًا ليس بالأغاليط» ثم بيَّن حذيفة أن الباب
هو عمر نفسه. فالمراد بقوله: «يفتح أو يكسر»: يموت أو يقتل.
وثَمَّ أخبار أخرى كرؤيا عوف بن مالك في عهد أبي بكر، وفيها في ذكر عمر «شهيد مستشهد»
(3). وفي «صحيح البخاري» (4) أن عمر قال: «اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك وموتًا في
بلد رسولك» وراجع «فتح الباري» (4: 86) (5) و (6: 446) (6). ولا ريب أنّ كعبًا كان
عارفًا بصحف أهل الكتاب وأن فيها أخبارًا عن المستقبل، وأنه كان يوجد في صحفهم في
صدر الإسلام ما لا يوجد عندهم الآن، راجع ما تقدم (ص 72) (7). وشأن عمر من
_________
(1) (7/ 38).
(2) البخاري (525)، ومسلم (144).
(3) أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (351)، وابن سعد في «الطبقات»: (3/ 307)، وصحح
ابن حجر سنده في «الفتح»: (4/ 101).
(4) (1890).
(5) (4/ 101).
(6) لم أجد الإحالة إلى الصفحة، وانظر (6/ 10 ــ 11).
(7) (ص 142 ــ 143).
(12/154)
أعظم الشؤون في العالم وأحقّها أن يبشِّر به
الأنبياء السابقون عند تبشيرهم بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ومع هذا فليس في
رواية أبي إسحاق ذكر التوراة، فقد يكون استند إلى تلك الأخبار الصحيحة عن النبيّ -
صلى الله عليه وسلم -.
قال أبو ريَّة: (وإليك خبرًا عجيبًا من أخبار ذلك الكاهن لعله يمتلخ منك عرق الشك
في اشتراكه في هذه المؤامرة، فقد أخرج الخطيب عن مالك أن عمر دخل على أم كلثوم بنت
علي، وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي ــ أي كعب الأحبار
ــ يقول: إنك على باب (1) من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله. ثم خرج فأرسل إلى
كعب، فجاءه فقال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل
الجنة، فقال عمر: ما هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار! قال كعب: إنا لنجدك في كتاب
الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا متّ اقتحموا. وقد
صدقت يمينه ... فقد قتل عمر في ذي الحجة سنة 23 هـ).
[ص 79] أقول: ذكر ابن حجر في «فتح الباري» (2) هذه الحكاية في شرح حديث حذيفة الذي
فيه وصفُ عمر بأنه باب مغلق دون الفتنة، وقد تقدم قريبًا. وفي «الفتح» أيضًا (2:
446) (3) حديثٌ فيه: أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى عمر وقال: «هذا
غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغَلْق ما عاش»، وأن أبا ذرٍّ
قال لعمر: «يا غلق الفتنة» (4). فغير منكر أن يكون في
_________
(1) «على باب» سقطت من (ط)، واستدركتها من كتاب أبي ريَّة.
(2) (13/ 50).
(3) (6/ 606). والإحالة في (ط) على المجلد الثاني من «الفتح» خطأ.
(4) الذي في «الفتح» أن أبا ذرّ قال لعمر: «يا قفل الفتنة». والذي قال له: «يا غلق
الفتنة» هو عثمان بن مظعون.
(12/155)
صحف أهل الكتاب إشارة إلى هذا المعنى بنحو
ما في الحكاية ــ إن صحت ــ وإنما الذي يُستنكر أن يكون فيها بيان وقت موت عمر على
التحديد.
وقد كان عمر في شهر ذي الحجة سنة 23 حاجًّا، واتفق هناك علامات تُؤذِن بقرب موته،
منها أنّ رجلًا ناداه: يا خليفة. فقال آخر من حُزاة العرب: إنا لله، ناداه باسم
ميت. ثم لما كان يرمي الجمرة أصابت حصاةٌ جبهةَ عمر فأَدْمته، فقال ذاك الحازي:
إنا لله، أُشْعِرَ أمير المؤمنين. والإشعار: تدمية البعير الذي يُهدى ليُنْحَر.
وجاء عن عائشة أنها سمعت عقب ذاك الحج منشدًا ينشد:
أبعد قتيلٍ بالمدينة أظلمَتْ ... له الأرضُ تهتزّ العِضاهُ بأسْؤق
عليك سلامٌ مِن إمام وباركت ... يدُ الله في ذاك الأديم الممزَّق
الأبيات ...
ولما انصرف عمر من الحج دعا الله تعالى فقال: «اللهم كبرت سِنّي وضعفت قوَّتي
وانتشرت رعيَّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مفرّط» (1). فلما قدم المدينة خطبَ
الناسَ وقال في خطبته: «رأيتُ ديكًا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي»
(2).
_________
(1) هذه الأخبار أخرجها ابن سعد في «الطبقات الكبرى»: (3/ 309 ــ 310، 347 ــ
348).
(2) أخرجه مسلم (567) وقد تقدم.
(12/156)
فمن الجائز ــ إن صحت تلك الحكاية ــ أن
يكون كعب استند إلى بعض هذه العلامات أو شبهها، وقد يكون مع ذلك وجد في صحفه
إشارةً فَهِم منها بطريق الرمز مع النظر إلى القرائن والعلامات السابقة أن عمر لا
يعيش بعد تلك السَّنَة.
وبعد، فسند الحكاية غير صحيح، تفرَّد بها عن مالك رجلٌ يقال له: «عبد الوهاب بن
موسى» لا يكاد يُعْرَف، وليس من رجال شيء من كتب الحديث المشهورة، ولا ذُكِر في
«تاريخ البخاري» ولا كتاب ابن أبي حاتم، بل قال الذهبيّ في «الميزان» (1): «لا
يُدْرَى مَن ذا الحيوان الكذَّاب». وفي مقدمة «صحيح مسلم» (2): «الذي نعرف من
مذهبهم في قبول ما يتفرَّد به المحدِّث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل
العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجِد كذلك، ثم
زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قُبِل منه (3) ... ». وهذا الرجل لم يُمعن في
المشاركة فضلًا عن أن يكون ذلك على [ص 80] الموافقة. لكن هذا الشرط لا يتقيَّد به
بعضُ المتأخِّرين كابن حبان والدارقطني. ومن ثَمَّ ــ والله أعلم ــ وثَّق
الدارقطنيُّ عبدَ الوهاب هذا، وزعم أن الخبر صحيح عن مالك. أما بقية سنده عن مالك
فهو عن عبد الله بن دينار عن سعد الجاري، وسعد الجاري غير مشهور ولا موثَّق، ولا
يُدرى أدركه عبد الله بن دينار أم لا.
_________
(1) (3/ 398). وانظر تعقب الحافظ ابن حجر للذهبي في «لسان الميزان»: (5/ 308 ــ
310).
(2) (1/ 7).
(3) في «الصحيح»: «قُبِلت زيادته».
(12/157)
ومقطع الحق أن ليس بيد من يتَّهم كعبًا
بالمؤامرة غير كلمات يُروى أن كعبًا قالها لعمر. وقد كان عمر والصحابة أعلم بالله
ورسله وكتبه منَّا، وأعْلَم بعد أن طُعِن عمر بالمؤامرة وقد انكشفت وهو حيّ، وأعلم
بحال كعب لأنه صَحِبَهم وجالسهم. والمعقول أنه لو كان في ما خطب به عمر ما يوجب
اتهامه لاتهموه، وقد علمنا أنهم لم يتهموه لا قبل انكشاف المؤامرة ولا بعده، فوجب
الجزم بأنه لم يقع منه ما يقتضي اتهامه.
قال أبو ريَّة ص 118: (حديث الاستسقاء ... ).
حكى أنّ كعبًا في عام الرمادة قال لعمر: «إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا
استسقوا بعَصَبة الأنبياء».
أقول: لم يعزُ هذا إلى كتابٍ لينظر في سنده، ولا أراه إلا ساقطًا (1).
قال: (ومما لا مراء فيه أن هذا اليهودي قد أراد بقوله هذا أن يخدع عمر عن أول أساس
جاء (2) عليه الدين الإسلامي وهو التوحيد الخالص، ليزلقه إلى هوَّة التوسل الذي هو
الشرك بعينه).
أقول: أما المسلمون الذي يعرفون الإسلام، فالذي لا مراء فيه عندهم أن أبا ريَّة
مجازف، وأنه على فرض صحّة هذه الحكاية ليس فيها ما يدلّ على سوء طوية كعب، وأن
استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما لا علاقة له بالشرك البتة، بل هو أمر يقره
الشرع إجماعًا، ويؤيده الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ
ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ
_________
(1) ذكر الخبر ابنُ عبد البر في «الاستيعاب»: (2/ 814)، والعسكري في «الأوائل» (1/
255 ــ 256) وأسنده إلى المدائني عن شيوخه، فالسند كما قال المؤلف.
(2) كذا في (ط) والذي في كتاب أبي ريَّة: «قام».
(12/158)
لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ
تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]»، وقال: سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ
وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون: 5] , وقال تعالى
في يعقوب وبنيه: {قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا
خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ} [يوسف: 97 - 98].
وتواتر في السُّنة طلب الصحابة من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو لهم
بالسُّقيا وغيرها. وأمرنا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن نسلّم عليه في التشهد،
وبالصلاة عليه والدعاء له عقب الأذان، وغير ذلك مما صورتُه طلب الدعاء.
ثم ذكر خبر أنس الذي في «صحيح البخاري» (1) أن عمر قال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك
بنبينا - صلى الله عليه وسلم -[ص 81] فتسقينا، وإنا نتوسَّل إليك بعمّ نبينا
فاسقنا» وزعم أنه لا يصح، وعارضه بروايات منها: عن خوَّات قال: «خرج عمر يستسقي
بهم فصلّى ركعتين فقال: اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك، فما برح من مكانه حتى
مُطِروا» (2).
أقول: لا أدري ما سنده (3)، ولو صح فلا يعارض خبر أنس، فقد تكون واقعة أخرى، فإن
عمر لبث خليفة عشر سنين، وقد تكون واقعة واحدة اختصر خوَّات في ذكرها.
_________
(1) (1010).
(2) أخرجه ابن أبي الدنيا في «مجابو الدعوة» (43)، ومن طريقه اللالكائي في «كرامات
الأولياء» (69).
(3) في سنده عطاء بن مسلم الخفّاف متكلّم فيه من جهة حفظه، قال في «التقريب»:
«صدوق يخطئ كثيرًا». وفيه أيضًا شيخه عبد الله العمري، وهو ضعيف.
(12/159)
قال: (وعن الشعبي قال: خرج عمر يستسقي
بالناس فما زاد على الاستغفار ... ).
أقول: الشعبي لم يدرك عمر، وعمر لبث خليفةً عشر سنين، فلم يكن استسقاؤه مرة واحدة
(1).
قال: (وقال الجاحظ: ولما صعد (عمر) على المنبر قابضًا على يد العباس ... ). فذكر
نحو خبر الشعبيّ، وذكر أبو ريَّة أنّ الطبريّ أخرجه في «تفسيره» (2)، وأنّ ابنَ
قتيبة ذكره في «الشعر والشعراء» (3).
أقول: نعم، ولكن لم يقل أحد: «قابضًا على يد العباس» إلا الجاحظ، فأراه زادها
توهّمًا.
قال: (قال معاوية لكعب ... ) عزا هذا إلى «تفسير ابن كثير» (3: 101). وإنما هو فيه
(5: 323) (4) قال في سنده: «ابن لهيعة حدثني سالم بن غيلان عن سعيد بن أبي هلال:
أن معاوية الخ» وابن لهيعة ضعيف، وسعيد بن أبي هلال وُلد بعد موت كعب بنحو أربعين
سنة.
قال: (وذكر القرطبيُّ في تفسير سورة غافر عن خالد بن معدان عن كعب ... ).
أقول: قال القرطبي (5): «قال ثور بن زيد عن خالد ... » ولا أدري كيف السند إلى
ثور، وخالد لم يدرك كعبًا.
_________
(1) خبر الشعبي أخرجه عبد الرزاق (4902)، وابن أبي الدنيا في «المطر» (84).
(2) (23/ 294).
(3) (2/ 702).
(4) (5/ 2189 ــ ت البنا).
(5) (15/ 192 ــ دار الكتب العلمية). ولم أجده مسندًا.
(12/160)
قال: (وفي التفسير أن عبد الله بن قلابة
الخ).
أقول: عبد الله بن قلابة مجهول لا ذِكْر له إلا في هذه الحكاية، وفي السند إليه
عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف كثير التخليط (1).
قال ص 121: (وأخرج أبو الشيخ في «العظمة» عن كعب ... ).
أقول: كتاب «العَظَمة» تكثر فيه الرواية عن الكذَّابين والساقطين والمجاهيل (2).
قال: (وعن وهب بن منبه: أربعة أملاك يحملون العرش ... ).
أقول: وهذا أيضًا من كتاب «العَظَمة» (3).
[ص 82] قال: (وقرأ معاوية الخ).
أقول: في سنده سعيد بن مَسْلَمة بن هشام، قال فيه البخاري: «منكر الحديث فيه نظر»،
وهذا من أشدِّ الجرح في اصطلاح البخاري. وفي سياق القصة ما يشعر بانقطاع آخرها.
قال ص 122: (وذكر الحافظ ابن حجر أنَّ كعب الأحبار روى أن باب السماء الذي يقال
له: مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، فأخذ منه بعض العلماء أن الحكمة في الإسراء
إلى بيت المقدس قبل العروج ليحصل العروج مستويًا ... ). قال أبو ريَّة: (وهكذا
تنفذ الإسرائيليات إلى معتقداتنا).
_________
(1) أخرج هذا الأثر في قصة إرم ذات العماد أبو الشيخ في «العظمة»: (4/ 1493 ــ
1502)، والثعلبي في «الكشف والبيان»: (10/ 197). وفي سندها أيضًا عبد الله بن صالح
كاتب الليث وفيه ضعف.
(2) والخبر في «العظمة»: (4/ 1384). وفي سنده عبد الله بن صالح أيضًا.
(3) (2/ 600).
(12/161)
أقول: الحكاية عن كعب لا ندري ما سندها (1)،
وذاك الأخْذُ إنما هو احتمال لا تثبت به عقيدة ولا تنتفي.
قال: (وقال ابن حجر بعد أن أورد تلك الخرافة ... ).
أقول: من أين لك أنها خرافة؟
قال: (وروى كعب: أن في الجنة مَلَكًا الخ).
أقول: ذكره بنحو ما هنا ابنُ القيم في «حادي الأرواح» (2) المطبوع مع «إعلام
الموقعين» (1: 314) وهو من رواية شِمْر بن عطية عن كعب، وشِمْر لم يدرك كعبًا،
وليس في الحكاية ما يستنكره المسلم.
قال: (ومما يدلُّك على أن الصحابة كانوا يرجعون إليه (3) حتى فيما هو من علمهم ــ
وبخاصة عندما قال: ما من شيء إلا وهو مكتوب في التوراة ــ: أن أبا عبد الرحمن محمد
بن الحسين النيسابوري ذكر أن عمر قال لكعب ــ وذكر الشعر ــ: يا كعب هل تجد للشعر
ذكرًا في التوراة ... ).
أقول: عزاه إلى كتاب «العمدة» (4) لابن رَشيق، وابن رَشيق لم يلق النيسابوري،
والنيسابوري ضعيف جدًّا حتى اتُّهِم بالوضع، تجد ترجمته في
_________
(1) ذكر الحافظ الخبرَ بمعناه في «فتح الباري»: (7/ 196)، وذكر نصه الآلوسي في
«روح المعاني»: (8/ 14).
(2) (1/ 424 ــ دار عالم الفوائد). والأثر أخرجه ابن أبي شيبة (35143)، وابن أبي
الدنيا في «صفة الجنة» (223)، وأبو الشيخ في «العظمة» (2/ 751).
(3) هذا من محاولات أبي ريَّة تمكين تلك المكيدة التي مرت ص 73 [143]. [المؤلف].
(4) (1/ 8 ــ دار الخانجي).
(12/162)
«لسان الميزان» (5: 140) (1). وبينه وبين
عمر أكثر من ثلاثمائة سنة. وهب أنّ القصة صحّت فأيُّ شيء فيها يدلّ على تلك الدعوى
الفاجرة؟ وما نسبه إلى كعب من قوله: «ما من شيء الخ» لم يعزه (2).
قال: (وروى البيهقي في «الأسماء والصفات» بسند صحيح عن ابن عباس [قال] ... في كل
أرض نبيّ كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى).
أقول: أما هذا فليس سنده بصحيح؛ لأنه من طريق شريك عن عطاء بن السائب عن أبي
الضُّحى عن [ص 83] ابن عباس، وشريك يخطئ كثيرًا ويدلِّس، وعطاء بن السائب اختلط
قبل موته بمدَّة، وسماعُ شريك منه بعد الاختلاط. لكن أخرج البيهقي (3) عقب هذا
بسندٍ آخر من طريق «آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن عَمْرو بن مرّة عن أبي الضُّحى
عن ابن عباس في قوله عز وجل: {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ
مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12] قال: في كلِّ أرض نحو إبراهيم». ثم قال البيهقي: «إسناد
هذا عن ابن عباس صحيح، وهو شاذٌّ بمَرَّة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا».
وأخرجه ابن جرير (4) عن عَمْرو بن عليّ عن غُنْدَر عن شعبة فذكره بنحوه، وزاد
«ونحو ما على الأرض
_________
(1) (7/ 92 ــ 93 ــ ت أبو غدة).
(2) أخرجه الطبراني في «الكبير» (18/ 346)، ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة
الصحابة»: (4/ 116). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (7/ 267 ــ 268): «مرسل». وقد
تقدم (ص 136 - 137). ولفظه في بعض المصادر: «ما من الأرض شيء إلا وهو مكتوب ... »،
وفي بعضها: «ما من الأرض شبر ... ».
(3) «الأسماء والصفات» (832).
(4) (23/ 78).
(12/163)
من الخلق».
وعلى هذا فالمعنى ــ والله أعلم ــ أنّ في كلِّ أرض خلقًا كنحو بني آدم، وفيهم مَن
يَعْرف الله تعالى بالنظر في آياته كما عرف إبراهيم عليه السلام، وهذا القول قد
يتوصَّل إليه بالنظر في الآية المذكورة وسياقها، وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الحجر: 85].
وقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:
56] وغيرها. على أن بعضهم قد فسر ما جاء في الرواية الأخرى التي قدَّمتُ أنها لا
تصح، ففي «روح المعاني» (1): «لامانع عقلًا ولا شرعًا من صحته، والمراد أنّ في كلّ
أرض خَلْقًا يرجعون إلى أصلٍ واحد رجوع بني آدم في أرضنا إلى آدم عليه السلام،
وفيهم أفراد ممتازون على سائرهم كنوح وإبراهيم فينا».
أما ما في «البداية» (2): «محمول إن صحّ نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس رضي الله
عنه عن الإسرائيليات» فغير مرضيّ، فابن عباس ــ كما مرَّ ويأتي ــ كان ينهى عن
سؤال أهل الكتاب، فإنْ كان مع ذلك قد يسمع مِن بعض مَن أسلم منهم أو يسأله فإنما
ذلك شأن العالم يسمع ما ليس بحجّة، لعله يجد فيه ما ينبّهه ويَلْفِتُ نظرَه إلى
حجة. وسيأتي تمام هذا إن شاء الله (3).
وقال ص 123: (وفي «تفسير الطبري» (4) أن ابن عباس سأل كعبًا عن سدرة
_________
(1) (28/ 143).
(2) «البداية والنهاية»: (1/ 42 ــ 43 ــ دار هجر).
(3) (ص 170، 183).
(4) (22/ 33).
(12/164)
المنتهى. فقال: إنها على رؤوس حَمَلة العرش،
وإليها ينتهي علم الخلائق، وليس لأحد وراءها علم، ولذلك سميت سدرة المنتهى لانتهاء
العلم بها).
أقول: هو من طريق الأعمش عن شِمْر بن عطية عن هلال بن يساف قال: سأل ابنُ عباس
كعبًا وأنا حاضر» كذا قال، والأعمش مشهور بالتدليس، وهلال بن يساف لم يدرك كعبًا.
قال أبو ريَّة: (هذا ما قاله لتلميذه الثاني، أما تلميذه الأول فهو أبو هريرة ...
).
أقول: لم يتعلَّما من كعب شيئًا، وإنما سمعا منه شيئًا محتملًا فحكياه، أو سألاه
سؤالَ خبيرٍ ناقد لينظرا ما يقول، ولا يضرهما تهكُّم أبي ريَّة، كما لم يضر
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قول المشركين: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}
[النحل: 103].
[ص 84] قال: (ففي حديث له: أنها شجرة تخرج من أصلها أنهار الخ).
أقول: هذا رواه أبو جعفر الرازي (1)، وشكَّ فيه فقال: «عن الربيع بن أنس عن أبي
العالية عن أبي هريرة أو غيره». وأبو جعفر والربيع فيهما كلام. وقال ابن حبان في
الربيع: «الناس يتَّقون مِن حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه، لأن في أحاديثه
عنه اضطرابًا كثيرًا» (2).
قال: (وفي حديث المعراج: أنه لما فرض الله خمسين صلاة على العباد في النهار وفي
الليل ولم يستطع أحد من الرسل جميعًا غير موسى أن يفقه استحالة أدائها على البشر،
فهو وحده الذي فطن لذلك ... وكأن الله سبحانه ... كان لا يعلم مبلغ قوة احتمال
عباده ... وكذلك لا يعلم محمد ... حتى بصَّره موسى. وهكذا ترى الإسرائيليات تنفذ
إلى ديننا ... ولا تجد أحدًا إلا قليلًا يزيفها ... ).
_________
(1) أخرجه من طريقه ابن جرير: (22/ 37).
(2) «الثقات»: (4/ 228).
(12/165)
أقول: إن كانت الإسرائيليات تشمل عند أبي
ريَّة كلَّ خبرٍ فيه فضيلة لموسى عليه السلام ففي القرآن كثير منها، بل في عدة
آيات منه ذِكْر تفضيل بني إسرائيل على العالمين وغير ذلك. وإن كانت خاصة بما ألصق
بالإسلام وليس منه من مقولات أهل الكتاب، فلم يزل أهل العلم يتتبعونها ويزيِّفونها.
أما سكوتهم عن محاولة تزييف ما ثبت في أحاديث الإسراء فعذرهم واضح، وهو أنه لم
يبلغ أحدٌ منهم في العلم والعقل والحياء مبلغ أبي رية. ودونك الجواب:
كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين كما ثبت في «الصحيح» (1)، فخمسون صلاة مائة
ركعة، وليس أداء مائة ركعة في اليوم والليلة بمستحيل، وفي الناس الآن من يصلي في
اليوم والليلة نحو مائة ركعة، ومنهم من يزيد، وفي تراجم كثير من كبار المسلمين
أنَّ منهم من كان يصلي أكثر من ذلك بكثير، بل إن أداء مائة ركعة في اليوم والليلة
ليس بعظيم المشقَّة في جانب ما لله عز وجل من الحقّ وما عنده من عظيم الجزاء في
الدنيا والآخرة، نعم قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ
أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 45 -
46]. وما وقع في كلام موسى: «إن أمتك لا تطيق» وفي رواية: «لا تستطيع» ليس معناه
أن ذلك مستحيل، وإنما معناه أن ذلك يشقُّ عليها، ولهذا أطلق هذه العبارة بعد بيان
رجوع الصلاة إلى خمس، قال موسى: «إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم». وراجع
«مفردات [ص 85] الراغب» (2) (طوع) و (طوف).
فأما الله تعالى فالفرض في عِلْمِه خمس صلوات فقط. ولكنه سبحانه
_________
(1) البخاري (350)، ومسلم (685) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) (ص 529 - 532 ــ دار القلم).
(12/166)
إذا أراد أن يرفع بعض عباده إلى مرتبةٍ هيّأ
له ما يستحقّ به المرتبة، ومِن ذلك أن يهيئ ما يفهم منه العبد أنه مكلّف بعمل
معيَّن شاقّ، فيقبل التكليف ويستعدّ لمحاولة الأداء، فحينئذ يعفيه الله تعالى من
ذلك العمل، ويكتب له جزاءَ قبوله ومحاولةِ الوفاء به أو الاستعداد لذلك= ثوابَ
مَنْ عَمِلَه. ومن هذا القبيل قصة إبراهيم في ذبح ابنه.
وأما محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان يعلم أن الأداء ممكن كما مرَّ، وكان في ذلك
المقام الكريم مستغرقًا في الخضوع والتسليم، ووفّقه الله عز وجل لقبول ما فهمه في
فرض خمسين والاستعداد لأدائها، ليكون هذا القبول والاستعداد مقتضيًا لاستحقاق ما
أراد الله عز وجل أن يعطيه وأمته من ثواب خمسين صلاة. وقبوله واستعداده عنه وعن
أمته في حكم قبول الأمة، فإنها تَبَع له وكان هو النائب عنها، على أنه ما من مؤمن
من أمته يطَّلع على الحديث ويراجع نفسه إلا رأى أنه لو كان المفروض خمسين صلاة
لبذَلَ وُسعه في أدائها والوفاء بها. فأما المراجعة للتخفيف بعد مشورة موسى فإنما
كانت بعد أن استقرَّ القبول والعزم على الأداء، وعلى وجه الرجاء إن خفف فذاك وإلا
فالقبول والاستعداد بحاله.
ولم يذكر في الحديث أن أحدًا من الرسل اطلع على فرض الصلاة وإنما فيه أنه لما مرَّ
محمد بموسى عليهما السلام سأله موسى فأخبره فقال موسى: «إن أمتك لا تستطيع خمسين
صلاة كل يوم، وإني والله قد جرَّبتُ الناسَ قبلك وعالجت بني إسرائيل أشدَّ
المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك» (1). واختصَّ موسى بالعناية لأنه
أقرب الرسل حالًا إلى محمد؛ لأن كلًّا منهما رسول منزل عليه كتاب تشريعي سائسٌ
لأمة أُرِيدَ لها
_________
(1) أخرجه البخاري (349)، ومسلم (162) في حديث الإسراء الطويل.
(12/167)
البقاء لا أن تصطلم بالعذاب، وقُضي لمحمد أن
تطول معالجتُه لأمته كما طالت معالجة موسى لأمته، ووجوه الشبه كثيرة؛ ولهذا أتى
القرآن بذكر موسى في مواضع كثيرة، منها عقب آية الإسراء، قال الله تعالى:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ
وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي
وَكِيلًا} [الإسراء: 1 - 2].
هذا، وحديث الإسراء ثابت مستفيض من رواية جماعة من الصحابة، وعليه إجماع الأمة،
ولايضرّه أن يجهل بعض الناس حِكْمة عالم الغيب والشهادة في بعض ما اشتمل عليه، ولا
أن يكفر به من يكفر. والله الموفق.
[ص 86] قال أبو ريَّة ص 124: (هل يجوز رواية الإسرائيليات؟)
أقول: المعلوم دينًا وعقلًا أن الأخبار إنما تُحْظَر روايتها إذا ترتَّبت عليها
مفسدة، وقد كثر في القرآن والسنة حكاية ما هو حق من الإسرائيليات وحكاية ما هو
باطل مع بيان بطلانه، فدلّ ذلك على جواز ما كان من هذا القبيل، وبقي المحتمل، وما
لا تظهر مفسدة في روايته على أنه محتمل.
قال أبو ريَّة: (روى أحمد عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبيّ - صلى
الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبيّ - صلى الله عليه
وسلم - فغضب وقال: أمتهوِّكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لو أن موسى كان
حيًّا ما وسعه إلا أن يتَّبعني. وفي رواية: فغضب وقال: جئتكم بها بيضاء نقية، لا
تسألوا أهل الكتاب عن شيء فيخبروكم بحقّ فتكذّبوا به أو بباطل فتصدّقوا به).
أقول: هذا من رواية مُجالد عن الشعبي عن جابر (1)، ومجالد ليس
_________
(1) أخرجه أحمد (14631)، وأبو يعلى (2135)، والبيهقي: (2/ 10 ــ 11).
(12/168)
بالقوي، وأحاديث الشعبي عن جابر أكثرها لم
يسمعه الشعبي من جابر كما مرَّ (ص 38) (1). وعلى فرض صحته فالغضب من المجيء بذاك
الكتاب كان لسبببين:
الأول: إشعاره بظنِّ أن شريعتهم لم تُنسخ، ولهذا دفع ذلك بقوله: «لو أن موسى كان
حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني».
والثاني: أنه قد سبق للمشركين قولهم في القرآن والنبي - صلى الله عليه وسلم -:
{أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً
وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5] وفي اعتياد الصحابة الإتيان بكتب أهل الكتاب وقراءتها
على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ترويج لذاك التكذيب. والسببان منتفيان عمن اطلع
على بعض كتبهم بعد وفاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كعبد الله بن عَمرو.
أما قوله: «لا تسألوا الخ» فقد بيَّن أن العلة هي خشية التكذيب بحق أو التصديق
بباطل، والعالم المتمكِّن مِن معرفة الحق من الباطل ومن المحتمل بمأمَنٍ من هذه
الخشية، يوضّح ذلك: أن عمر رضي الله عنه ــ وهو صاحب القصة ــ كان بعد النبيّ -
صلى الله عليه وسلم - يسمع من مسلمي أهل الكتاب وربما سألهم، وشاركه جماعة من
الصحابة ولم ينكر ذلك أحد.
قال: (وروى البخاري عن أبي هريرة: لا تصدقوا الخ).
أقول: الذي في «صحيح البخاري» (2): «عن أبي هريرة قال: كان أهلُ الكتاب يقرؤون
التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال
_________
(1) (ص 75).
(2) (4485).
(12/169)
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا
تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم الخ» [ص 87] فلم يَنْهَ عن السماع والاستماع،
وإنما نهى عن التصديق والتكذيب. ولا ريب أن المنهيّ عنه هو التصديق المبنيّ على
حُسن الظنّ بصحفهم، والتكذيب المبنيّ على غير حجة، فلو قامت حجة صحيحة وجب العمل
بها.
قال: (وروى البخاري ... عن ابن عباس أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء
وكتابكم الذي أنزل الله على رسول الله أحدث الكتب تقرؤونه محضًا لم يُشَبْ، وقد
حدثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا كتابَ الله وغيروه الخ).
أقول: هذا مِن قول ابن عباس، وقد علمنا أنه كان يسمع ممن أسلم من أهل الكتاب، وقد
رُوي أنه سأل بعضهم، وأبو ريَّة يُسْرِف في هذا حتى يرمي ابنَ عباس بأنه (تلميذ
لكعب)، وبالتدبُّر يظهر مقصوده، ففي بقية عبارته: «لا والله ما رأينا رجلًا منهم
يسألكم عن الذي أنزل إليكم» فدلّ هذا أن كلامه في أهل الكتاب الذين لم يُسْلموا،
فأما الذي أسلموا فعَمَل ابن عباس يقتضي أنه لا بأس للعالم المحقق ــ مثله ــ أن
يسأل أحدهم.
قال ص 125: (وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء
فإنهم لن يَهدوكم وقد ضلوا. إما أن تكذِّبوا بحق أو تصدّقوا بباطل»).
أقول: في سنده نظر (1)، فإن صحّ فقد تقدَّم معناه في حديث جابر وأثر ابن عباس (2).
_________
(1) أخرجه عبد الرزاق (10162)، وابن جرير (18/ 423) من طريق الأعمش عن عمارة بن
عمير عن حريث بن ظهير به. وأخرجه ابن أبي شيبة (26952) من طريق الأعمش عن عمارة عن
عبد الرحمن بن يزيد به. وسنده كما قال المؤلف، ففيه حريث بن ظهير قال الذهبي: لا
يُعرف، وقال الحافظ: مجهول.
(2) تقدّما قريبًا.
(12/170)
قال: (ولكن ما لبث الأمر أن انقلب بعد أن
اغترَّ بعض المسلمين بمن أسلم من أحبار اليهود خدعة (؟) فظهرت أحاديثُ رفعوها إلى
النبيّ تبيح الأخذ وتنسخ ما نهى عنه، فقد روى أبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن
العاص وغيرهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «حدِّثوا عن بني إسرائيل
ولا حرج»).
أقول: صحَّ هذا من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عَمرو وأبي سعيد الخدري، وليس
بمخالف لما تقدم، كيف والحجة مما تقدم إنما هي في حديث أبي هريرة، فأما حديث جابر
فلم يصح، وأثر ابن عباس مِنْ قوله، وقد بيَّنه سياقُه وفِعْلُه، وأثر ابن مسعود ــ
إن صحّ ــ فقد تقدم حمله، ولو كان مخالفًا لكان رأي صحابيّ قد خالفه غيره، فالحجة
في حديث أبي هريرة فقط، وهو بيِّن في الإذن بالسماع والاستماع، ولم ينه إلا عن
التصديق أو التكذيب بلا حجة. والرواية إما في معنى السماع والاستماع، فيدلّ الحديث
على الإذن فيها، وإما مسكوتٌ عنها، فتبيّن أن حديث: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا
حرج» (1) غير مخالف لحجة، ولو كان مخالفًا فأيُّما أولى أن يؤخذ به؟ أدلةُ المنع
قد عرفتَ حالها، أما أدلة الجواز فصنيع القرآن والسنن الثابتة، وحديثٌ صحيح صريح
يرويه جماعة من الصحابة، وعَمَل عمر وعثمان وجماعة من الصحابة.
قال: (وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو من تلاميذ كعب الأحبار).
أقول: لم يتعلّما من كعب شيئًا وإنما سمعا منه شيئًا من الحكايات ظنَّا أو جوَّزا
صحتها فنقلاها، والذي يصح عنهما من ذلك شيء يسير. وكأنَّ أبا ريَّة يريد أنهما
لمّا سَمِعا من كعب أحبَّا أن يرويا عنه، فخافا أن ينكر الناسُ عليهما، فافتريا ــ
والعياذ بالله ــ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذاك الحديث يدفعان به إنكار
_________
(1) أخرجه البخاري (3461).
(12/171)
الناس، وساعدهما على ذلك غيرهما من الصحابة
كأبي سعيد الخدري. كأنَّ أصحابَ محمد - صلى الله عليه وسلم - جماعة من اللصوص لا
يَزَعهم دين ولا حياء، وكأنَّ صُحبتهم له ومجالستهم، وحفظهم للقرآن والسنن،
ومحافظتهم على الطاعة طول عمرهم لم تُفِدْهم في دينهم وأخلاقهم شيئًا بل زادتهم
وبالًا، فقد كانوا في جاهليتهم يتحاشَون من الكذب. ولا ريب أنَّ مِثْل هذا لا
يقوله مسلم عاقل يعرف محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ويؤمن بالقرآن وما فيه من
الثناء البالغ على الصحابة، ويعرفُ الصحابةَ أنفسَهم. ولو أريد من ثلاثة معروفين
من أصحاب السيد رشيد رضا أن يتَّفقوا على الكذب عليه لغرضٍ من الأغراض لعزَّ ذلك،
مع الفارق العظيم بين هذا وذاك من وجوه عديدة.
هذا، وسبيل المؤمنين الذي جرى عليه العمل في حياة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
وفي عهد أصحابه: قبول خبر الصحابي الواحد، فإن عَرَض احتمال خطأ أو نحوه (1) فقام
صحابيّ آخر فأخبر بمثل ذاك لم يبق إلا القبول، كما يروى في خبر محمد بن مَسْلمة
بمثل ما أخبر به المغيرة في ميراث الجدّة فأمضاه أبو بكر، وكشهادة أبي هريرة
لحسَّان بإنشاده الشعر في المسجد في حياة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فأقرَّه
عمر، وكخبر أبي سعيد الخدري بمثل خبر أبي موسى في الاستئذان فاطمأنّ إليه عمر، وقد
قال الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ
لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى
وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
قال أبو ريَّة: (وقد جاءت الأخبار بأن الثاني وهو عبد الله بن عمرو بن العاص أصاب
يوم اليرموك زاملتين من علوم أهل الكتاب، فكان يحدّث منهما بأشياء كثيرة من
_________
(1) (ط): «أو نحو».
(12/172)
الإسرائيليات، وقد قال فيهما الحافظ ابن
كثير: إن منها المعروف والمشهور، والمنكور والمردود).
أقول: هو نفسه رضي الله عنه لم يكن يثق بها، ولهذا كان يسمِّي صحيفته عن النبيّ -
صلى الله عليه وسلم - «الصادقة» تمييزًا لها على تلك الصحف، وإنما كان يحكي من تلك
الصحف ما قام دليلٌ على صِدقه، كصفة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أو كان
محتملًا فيحكيه على الاحتمال.
[ص 89] قال: (رواية بعض الصحابة عن أحبار اليهود.
كان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدقوهم فيما يقولون،
ويروون عنهم ما يفترون).
أقول: إن أراد بالتصديق أن كعبًا ــ مثلًا ــ كان إذا قال: إني أجد في التوارة كيت
وكيت، صدَّقوه في أنّ ذلك في التوراة التي بأيدي أهل الكتاب حينئذ، وقد عرفوا أنّ
فيها كثيرًا من التحريف والتبديل، فهذا محتمل؛ لأن كعبًا أسلم ثم تعلَّم الإسلام
وبقي محافظًا على الإسلام مجتنبًا للكبائر متمسِّكًا بالعبادة والتقوى، فكان عدلًا
عندهم فيما يظهر، فعاملوه بحسب ذلك، وهذا هو الحق عليهم.
وإن أراد بالتصديق أن كعبًا ــ مثلًا ــ كان لو قال: إنّ مِن صفة الله تعالى كذا،
لاعتقدوا ــ بناء على قوله أو صُحُفه ــ أن تلك صفة الله تعالى حقًّا، فهذا كذب
عليهم (راجع ص 68) (1) أما أنّ مسلمي أهل الكتاب كانوا يفترون، فهذه دعوى يُعْرَف
حالها مما مرَّ ويأتي.
قال: (وقد نصَّ رجال الحديث في كتبهم أن العبادلة الثلاثة وأبا هريرة ومعاوية وأنس
وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار وإخوانه).
_________
(1) (ص 133 ــ 134).
(12/173)
أقول: أما الرواية عن كعب فقد ذُكِرَت
لهؤلاء ولعمر ولعلي ولابن مسعود كما في «فتح المغيث» للسخاوي (ص 405) (1). وعادةُ
أهل الحديث أن يقولوا: «روى عن فلان، روى عنه فلان» ولو لم يكن المروي إلا حكاية
واحدة، وهذا هو الحال هنا تقريبًا، فإنك لا تجد لهؤلاء عن كعب إلا الحرف والحرفين
ونحوها، وكثير من ذلك يأتي ذِكْر كعب فيه عَرَضًا، راجع (ص 69) (2). وأما روايتهم
عن إخوانه، فمن هم؟ راجع (ص 70) (3).
قال ص 126: (وكان أبو هريرة الخ).
أقول: ستأتي ترجمة أبي هريرة رضي الله عنه، وتُعْلَم براءته (4).
قال: (وقد استطاع أن يدسّ من الخرافات والأوهام والأكاذيب في الدين ما امتلأت به
كتبُ التفسير والحديث والتاريخ فشوَّهتْها وأدخلت الشك إليها).
أقول: إنما كان كعب يخبر عن صحف أهل الكتاب، وقد عرف المسلمون قاطبةً أنها مغيَّرة
مبدَّلة، فكلّ ما نُسِب إليه في الكتب فحكمه حكم تلك الصحف، فإن كان بعضُ الآخذين
عنه ربما يحكي قوله ولا يسمِّيه، فغايته أن يُعَدَّ قولًا للحاكي نفسه وقوله غير
حجة، وما جاوز هذا من شطحات أبي ريَّة زيَّفته في غير هذا الموضع. (راجع ص 73)
(5).
قال: (تكذيب الصحابة لكعب ... نهى عمر كعبًا عن التحديث ... وقال له: لتتركن
الحديث [عن الأُوَل] أو لألحقنك بأرض القِرَدة).
_________
(1) (4/ 166 ــ ط الدار السلفية).
(2) (ص 135 ــ 136).
(3) (ص 138 ــ 139).
(4) (ص 194).
(5) (ص 145).
(12/174)
أقول: مرَّ ما فيه (ص 74) (1) وقد أسقط أبو
ريَّة هنا كلمة: «عن الأُوَل» لحاجة في نفس إبليس (2) سيأتي شرحها في الكلام على
(ص 163) (3).
قال: (وكان علي يقول: إنه لكذّاب».
أقول: لم يَعْزُ أبو ريَّة هذا إلى كتاب، ولا عثرتُ عليه، ولو كان له أصل لذُكِر
في ترجمة كعب من كتب الجرح والتعديل.
[ص 90] وذَكَر عن معاوية أنه (ذكر كعبًا فقال: إنه من أصدق هؤلاء المحدِّثين عن
أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب). وعلَّق على كلمة (أصدق) أن في
رواية «أمثل» وإنما وقع بلفظ (أمثل) في عبارة نَقَلها ص 128 عن «اقتضاء الصراط المستقيم»
(4)، وعلَّق هناك: أنها هي الرواية الصحيحة، أما رواية «أصدق» فيبدو أنها محرَّفة.
كذا يجازف هذا المسكين! وصاحب «الاقتضاء» يورد في مؤلّفاته الأحايثَ من حفظه،
وإنما الرواية «أصدق» كما في «صحيح البخاري» (5) وغيره. هذا وقد بيَّن أهل العلم
أن مقصود معاوية بالكذب: الخطأ. راجع «فتح الباري» (13: 282) (6) و «تهذيب
التهذيب» (7). والسياق يوضّح
_________
(1) (ص 147).
(2) هي المكيدة التي تقدمت الإشارة إليها ص 73 و 74 و 75 و 82 و 89. [المؤلف].
(3) (ص 214 ــ 216).
(4) (2/ 349).
(5) (7361).
(6) (13/ 335).