النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
قال ص 15: (وإذا كان هذا الكتاب سيغير ولا ريب من آراء كثير من المسلمين
(12/22)
فيما ورثوه من عقائد ... فإنه سيقفهم ــ إن
شاء الله ــ على حقائق كثيرة تزيدهم تبصرة وعلمًا بدينهم، ويحل لهم مشاكل متعددة
مما تضيق به صدورهم، ويدفع شبهات يتكئ عليها المخالفون ... ) (1).
أقول: الكلام على هذا نحوٌ مما قبله.
وبعد، فإنَّ أضرَّ الناسِ على الإسلام والمسلمين هم المحامون الاستسلاميون، يطعن
الأعداء في عقيدة من عقائد الإسلام أو حُكْم من أحكامه ونحو ذلك، فلا يكون عند
أولئك المحامين من الإيمان واليقين والعلم الراسخ بالدين، والاستحقاق لعون الله
وتأييده ما يثبِّتهم على الحق، ويهديهم إلى دفع الشبهة، فيلجأون إلى الاستسلام
بنظام، ونظام المتقدمين: التحريف، ونظام المتوسطين: زَعْمُ أن النصوص النقلية لا
تفيد اليقين، والمطلوبُ في أصول الدين اليقين، فعزلوا كتابَ الله وسنةَ رسوله عن
أصول الدين، ونظام بعض العصريين: التشذيب. وأبو ريَّة يحاول استعمال الأنظمة
الثلاثة ويوغل في الثالث.
على أن أولئك الذين سمَّيْتُهم محامين كثيرًا ما يكونون هم الخصوم، والباطل جشع،
وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ
السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71]. [ص 11] وقال الله
عزوجل: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [البقرة: 120]، وقال سبحانه:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ
تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ
_________
(1) هذه الفقرة حذفها أبو رية من الطبعات اللاحقة.
(12/23)
وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [آل عمران: 100 - 101]
والرسول فينا بسنته. وقال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى
يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ
دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
[البقرة: 217].
قال أبو ريَّة ص 15: (وإني لأتوجه بعملي هذا ــ بعد الله سبحانه وله العِزة ــ إلى
المثقفين من المسلمين خاصة، وإلى المهتمين بالدراسات الدينية (1) عامة) ــ يعني
المستشرقين من اليهود والنصارى والملحدين ــ (ذلك بأن هؤلاء وهؤلاء الذين يعرفون
قدره (2). واللهَ أدعو أن يجدوا فيه جميعًا ما يرضيهم ويرضي العلم والحق معهم).
أقول: أما المستشرقون فالذي يرضيهم معروف. وأما المثقَّفون فيريد أبو ريَّة
الثقافة الغربية، ويُطْمِع أبا ريَّة فيهم أن يرى أكثرهم عزلًا عن الواقيَيْنِ
الإسلاميَّيْنِ: العلم الديني، والمناعة. وأما علماء المسلمين، وعامتهم ــ وهم
مَظّنة الخير ــ فهم عند أبي ريَّة سفهاء، واقرأ عشرين آية من أول سورة البقرة.
ثم ختم أبو ريَّة مقدمته بالدعاء لمجهوده وكتابه. وأنا أسأل الله تبارك وتعالى أن
ينفعني والمسلمين ومن شاء من عباده بما في كتابي من صواب، ويقيني وإياهم شرَّ ما
فيه من خطأ، ويوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.
* * * *
_________
(1) غيَّره في الطبعات اللاحقة إلى "الإسلامية".
(2) غيَّره في الطبعات اللاحقة إلى: "يعرفون قيمته ويدركون قدْره".
(12/24)
السُّنَّة
[ص 12] ثم شرع أبو ريَّة بعد الخطبة في الكتاب فقال في ص 16: (السنة ... )، ونقل
عبارات منها عبارة عن "تعريفات الجرجاني" (1) زاد في آخرها زيادة في نحو
ثلاثة أسطر لم أجدها في "التعريفات"، في آخرها: (ثم اصطلح المحدّثون على
تسمية كلام الرسول حديثًا وسنة) (2).
ثم قال أبو ريَّة: (وقالوا: السنة تطلق في الأكثر على ما أضيف إلى النبي من قول أو
فعل أو تقرير).
أقول: تُطلق السنة لغةً وشرعًا على وجهين:
الأول: الأمر يبتدئه الرجل فيتبعه فيه غيره. ومنه ما في "صحيح مسلم" (3)
في قصة الذي تصدَّق بصُرَّة فتبعه الناس فتصدقوا، فقال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: "مَن سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعُمِل بها بعده كُتِب له مثل أجر
مَنْ عَمِل بها ... " الحديث.
والوجه الثاني: السيرة العامة، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا المعنى هي
التي تقابل الكتاب، وتسمى الهَدْي. وفي "صحيح مسلم" (4): أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - كان يقول في خطبته: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله،
وخير الهَدْي هدي محمد، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
_________
(1) (ص 122).
(2) أقول: هذا الكلام نقله أبو ريَّة من مقال لرشيد رضا في "مجلة
المنار": (10/ 846).
(3) (1017).
(4) (867).
(12/25)
هذا وكلّ شأن من شؤون النبي - صلى الله عليه
وسلم - الجزئية المتعلقة بالدين من قول أو فعل أو كفّ أو تقرير= سنةٌ بالمعنى الأول،
ومجموعُ ذلك هو السنة بالمعنى الثاني. ومدلولات الأحاديث الثابتة هو السنة أو من
السنة حقيقة، فإن أُطْلِقَت "السنة" على ألفاظها فمجاز أو اصطلاح. وإنما
أوضحتُ هذا لأن أبا ريَّة يتوهَّم أو يوهم أنه لا علاقة للأحاديث بالسنة الحقيقية.
ثم قال ص 17: (مكان السنة من الدين. جعلوا السنة القولية في الدرجة الثانية أو في
الدرجة الثالثة من الدين ... وأما الذي هو في الدرجة الثانية من الدين فهو السنة
العملية).
أقول: المعروف بين أهل العلم قولهم: "الكتاب والسنة" ثم يقسِّمون دلالات
الكتاب إلى قطعية وغيرها، والسنة إلى متواتر وآحاد، وإلى قول وفعل وتقرير، إلى غير
ذلك من التقسيمات. وسيأتي ذكر "ثلاث مراتب" من صاحب "المنار"،
وننظر فيه (1).
فأما منزلة السنة جملةً من الدين فلا نزاع بين المسلمين أن ما ثبت عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - مِنْ أمر الدين فهو ثابت عن الله عز وجل، ونصوص القرآن في ذلك
كثيرة، منها: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، وكل
مسلم يعلم أن الإيمان لا يحصل إلا بتصديق الرسول فيما بلَّغه عن ربه، وقد بلَّغ
الرسول بسنته كما بلَّغ كتاب الله عزوجل.
ثم تكلَّم الناس في الترتيب بالنظر إلى التشريع، فمِنْ قائل: السنة قاضية على
الكتاب [ص 13]. وقائل: السنة تبيّن الكتاب. وقائل: السنة في المرتبة
_________
(1) انظر (ص 31).
(12/26)
الثانية بعد الكتاب. وانتصر الشاطبي في
"الموافقات" (1) لهذا القول وأطال، ومما استدل به هو وغيره قول الله
عزوجل: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ
الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى
لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 89 - 90].
قالوا: فقوله: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} واضحٌ في أنَّ الشريعة كلها مبيَّنة في
القرآن. ووجدنا الله تعالى قد قال في هذه السورة: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]. فعلمنا أنَّ البيان الذي في قوله: {تِبْيَانًا
لِكُلِّ شَيْءٍ} غير البيان الموكول إلى الرسول. ففي القرآن سوى البيان المفصَّل الوافي
بيانٌ مجمل، وهو ضربان: الأول: الأمر بالصلاة والزكاة والحج والعدل والإحسان
وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وتحريم الخبائث، وأكل أموال
الناس بالباطل، أو غير ذلك.
الثاني: الأمر باتباع الرسول وطاعته وأخذ ما آتى والانتهاء عما نهى ونحو ذلك. وفي
"الصحيحين" (2) وغيرهما عن علقمة بن قيس النخعي ــ وكان أعلمَ أصحاب عبد
الله بن مسعود أو مِنْ أعلمهم ــ قال: "لعن عبد الله الواشمات والمتنمِّصات
والمتفلِّجات للحُسْن المغيرات خلق الله.
_________
(1) (4/ 294 فما بعدها).
(2) البخاري (4886، 5939)، ومسلم (2125).
(12/27)
فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد الله: وما
لي لا ألعن مَنْ لَعَن سولُ الله وفي كتاب الله؟ قالت: والله لقد قرأت ما بين
اللوحين فما وجدته، قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
ظاهرُ صنيع ابن مسعود أن الاعتماد في كون القرآن مبيِّنًا لكلِّ ما بيَّنَتْه
السنة على الضرب الثاني، وتعقيب آية التبيان بالتي تليها، كأنه يشير إلى أن
الاعتماد على الضربين مجتمعين، ورجَّحه الشاطبي (1) وزعم أن الاستقراء يوافقه.
فعلى هذا لا يكون للخلاف ثمرة.
ثم قال قوم: جميع ما بيَّنه الرسول عَلِمَه بالوحي. وقال آخرون: منه ما كان
باجتهاد أَذِنَ الله له فيه وأقرَّه عليه. ذكرهما الشافعي في "الرسالة"
(2). ثم قال (ص 104) (3): "وأيّ هذا كان، فقد بيَّن الله أنه فرض فيه طاعة
رسوله ... ".
وبالغ بعضهم فقال: كلّ ما بلَّغه الرسول فَهِمَه من القرآن. ونسبه بعض المتأخرين
إلى الشافعي، فعلى هذا كان القرآن في حق الرسول تبيانًا لكلِّ شيء وتفصيلًا، فأما
في حقِّ غيره فعلى ما مرَّ. والله الموفق.
ثم نقل أبو ريَّة كلامًا من "موافقات الشاطبي". وكلام
"الموافقات" طويل جدًّا، وفي ما تركه أبو ريَّة منه ما قد يخالف ظاهر
بعض ما نقله، وإنما الكلامُ العربيّ الناصع كلام الشافعي في "الرسالة".
_________
(1) في "الموافقات" الموضع السالف.
(2) (ص 91 ــ 103).
(3) أي الشافعي في "الرسالة".
(12/28)
[ص 14] ثم قال أبو ريَّة ص 19: (وكان الإمام
مالك يراعي كل المراعاة العمل المستمر والأكثر، ويترك ما سوى ذلك وإن جاء فيه
أحاديث).
أقول: كان مالك رحمه الله يدين باتباع الأحاديث الصحيحة، إلا أنه ربما توقف عن
الأخذ بحديث ويقول: ليس عليه العمل عندنا. يرى أن ذلك يدلُّ على أن الحديث منسوخ
أو نحو ذلك.
والإنصاف أنه لم يتحرَّر لمالكٍ قاعدة في ذلك، فوقعت له أشياء مختلفة. راجع
"الأم" للشافعي (7: 177 - 249) (1). وقد اشتهر عن مالك قوله: "كلّ
أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" (2) يعني النبي - صلى الله عليه
وسلم -. وقوله للمنصور ــ إذ عرض عليه أن يحمل الناس على "الموطأ" ــ:
"إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفرقوا في الأمصار فعند أهل كلّ
مِصْر علم" (3).
قال أبو ريَّة ص 19: (وقال [مالك] أحبّ الأحاديث إليّ ما اجتمع الناس عليه).
أقول: لا ريب أنَّ المُجْمَع عليه أعلى من غيره، مع قيام الحجة بغيره إذا ثبت عند
مالك وغيره.
ثم حكى عن صاحب "المنار" قوله: (والنبي مبيِّن للقرآن بقوله وفعله،
ويدخل في البيان التفصيل والتخصيص والتقييد، لكن (4) لا يدخل فيه إبطال حُكْم من
_________
(1) (8/ 524 فما بعدها ــ دار الوفاء).
(2) ذكره أبو شامة في "خطبة الكتاب المؤمل" (ص 136) والذهبي في
"السير": (8/ 93). وقد نُقِل نحوه عن عدد من السلف منهم ابن عباس ومجاهد
وغيرهم. انظر "جامع بيان العلم وفضله": (2/ 925 ــ 926).
(3) أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم": (1/ 532). وفي سنده
الواقدي.
(4) في كتاب أبي ريَّة: "ولكن".
(12/29)
أحكامه، أو نقض خبر من أخباره، ولذلك كان
التحقيق أن السنة لا تنسخ القرآن).
أقول: أما الإبطال ونقض الخبر بمعنى تكذيبه، فهذا لا يقع من السنة للقرآن، ولا من
بعض القرآن لبعض، فالقرآن كله حق وصدق: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ
يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]. وأما
التخصيص والتقييد ونحوهما والنسخ، فليست بإبطال ولا تكذيب، وإنما هي بيان.
فالتخصيص ــ مثلًا ــ إن اتصل بالخطاب بالعام، كأنْ نزلت آية فيها عموم ونزلت معها
آية من سورة أخرى فيها تخصيص للآية الأولى، أو نزلت الآية فتلاها النبي - صلى الله
عليه وسلم - وبيَّن ما يخصِّصها فالأمر واضح؛ إذ البيان متصل بالمبيَّن فكان معه
كالكلام الواحد. وإن تأخر المخصّص عن وقت الخطاب بالعام ولكنه تبعه قبل وقت العمل
بالعام أو عنده فهذا كالأول عند الجمهور، وهذا مرجعه إلى عُرْف العرب في لغتهم كما
بينه الشافعي في "الرسالة" (1).
أما إذا جاء بعد العمل بالعام ما صورته التخصيص، فإنما يكون نسخًا جزئيًا، لكن
بعضهم يُسمِّي النسخ تخصيصًا جزئيًّا كان أو كليًّا، نظرًا إلى أن اقتضاء الخطاب
بالحكم لشموله لما يستقبل من الأوقات عموم، والنسخُ إخراج لبعض تلك الأوقات وهو
المستقبل بالنسبة إلى النص الناسخ، وهذا مما يحتج به مَنْ يجيز نسخ بعض أحكام
الكتاب بالسنة.
_________
(1) قد يكون كذلك في غير العربية، ولكن الشافعي رأى بعض المستعربين يستنكرونه،
فجوّزمخالفة لغاتهم الأعجمية للعربية في ذلك. [المؤلف]. وانظر "الرسالة"
(ص 52 وما بعدها).
(12/30)
[ص 15] قال صاحب "المنار":
(والعمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة الأولى، والسنة العملية المتفق
عليها في المرتبة الثانية، وما ثبت عن النبي وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في
الدرجة الثالثة).
أقول: قد سبق أن المعروف بين أهل العلم ذكر الكتاب والسنة ثم يقسمون السنة إلى
متواتر وآحاد وغيرذلك.
قال: (ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى.
وقد قرر ذلك الغزالي).
علق أبو ريَّة في الحاشية: (قرر الغزالي ذلك في كتاب القسطاس المستقيم). وعبارة
صاحب "المنار" في مقدمته لـ"مغني ابن قدامة": "فمن مقتضى
أصولهم كلهم وجوبُ ترك أسباب كل هذا التفرق والاختلاف (1)، حتى قال الغزالي في
"القسطاس المستقيم" بالاكتفاء بالعمل بالمجمع عليه، وعدّ المسائل الظنية
المختلف فيها كأنْ لم تكن".
كذا قال. والذي في "القسطاس المستقيم" خلاف هذا، فإن فيه (ص 89) (2) فما
بعدها: أنه يعظ العاميَّ الطالبَ الخلاصَ من الخلافِ في الفروع بأن يقول له:
"لا تشغل نفسك بمواقع الخلاف مالم تفرغ من جميع المتفق عليه، فقد اتفقت الأمة
على أن زاد الآخرة هو التقوى والورع، وأن الكسب الحرام والمال الحرام والغيبة
والنميمة والسرقة والخيانة ... حرام،
_________
(1) أسباب التفرق والاختلاف الواجبُ تركُها باتفاقهم هي: الجهل والهوى والتعصب،
وكذلك الخطأ بقدر الوسع. فأما أن يترك أحدهم ما يراه حقًّا فلا قائل به، بل هو
محظور باتفاقهم. [المؤلف].
(2) (ص 65 - 66 ــ ت محمود بيجو).
(12/31)
والفرائض كلها واجبة، فإنْ فرغت من جميعها
علَّمْتُكَ طريقَ الخلاص من الخلاف". قال: "فإنْ هو طالبني بها قبل
الفراغ من هذا كله فهو جَدَليّ وليس بعامي ... نعم لو رأيتم صالحًا قد فرغ من حدود
التقوى كلها وقال: ها أنا تُشْكل عليّ مسائل ... فأقول له: إن كنتَ تطلبُ الأمان
في طريق الآخرة فاسْلُكْ سبيلَ الاحتياط وخُذْ بما يتفق عليه الجميع، فتوضأ مِنْ
كلِّ ما فيه خلاف، فإنَّ كل مَنْ لا يُوجبه يستحبه .. فإنْ قال: هو ذا يثقل عليَّ
... ، فأقول له: الآن اجتهد مع نفسك وانظر إلى الأئمة أيهم أفضل .. فمن غلب على
ظنك أنه الأفضل فاتبعه".
حاصل هذا: أن الغزالي كان يعلم أن العامة في زمانه ينتسب كل منهم إلى مذهب ويتعصب
له، فإنْ فُرِضَ أن أحدهم سأل عن الخلاف وكيف يتخلّص منه، فلن يكون إلا أحد رجلين:
إما فارغًا متلهّيًا، وإما وَرِعًا تقيًّا، والتقيّ الورع لابدّ أن يكون قد شَغَلَ
فِكْرَه المحافظةُ على الفرائض المتفق عليها، وتجنّب المحرمات المتفق عليها، وعمل
بذلك على مذهبه قبل أن يشغله الخلاف. فإذا كان السائل مقصِّرًا مفرِّطًا وجاء يسأل
عن الخلاف، فلن يكون إلا متلهّيًا، فيقال له: ابدأ بالعمل بما تعلمه يقينًا ثم سل،
فإنْ أبى فهو جَدَليّ يتعنَّت في السؤال ولا يَهمُّه العمل، والإعراض عن مثله
أَوْلى.
فأما من أتى بما عليه بحسب مذهبه وسأل عن الخَلاص [ص 16] من الخلاف، فالظاهر أنه
يسأل ليعلم ويعمل.
قال الغزالي: "فأقول له: إنْ كُنْتَ تطلب الأمان في طريق الآخرة، فاسلُكْ
سبيل الاحتياط وخذ بما يتفق عليه الجميع"، وفسَّرَ ذلك بما بعده. وذلك يوضِّح
قطعًا أن مراده بما يتفق عليه الجميع أن يلتزم أن يكون وضوؤه
(12/32)
الذي يُصلِّي به وضوءًا يتفق العلماء على
صحته، يتوضأ مِنْ كلّ ما قال عالم: إنه ينقض الوضوء. وهكذا في سائر عمله، يأخذ
بالأشدّ الأشدّ من أقوال المختلفين. وفهم منها صاحب "المنار" أن لا
يتوضأ من شيء قال عالم: إنه لا ينقض الوضوء. وهكذا في سائر عمله يأخذُ بالأخفّ
الأخفّ من أقوال المختلفين. فلينظر العالم أين هذا من ذاك؟
على أنه إن لم يتوضأ إلا مِمَّا اتفقوا على أنه ينقض الوضوء قد يكون وضوؤه باطلًا
باتفاقهم، وذلك أنّ بعض العلماء يوجب الوضوء بمسّ الذَّكَر ولا يوجبه من خروج
الدم، وبعضهم يعكس، فإذا وقع لعاميّ هذا وهذا ولم يتوضأ، فوضوؤه الأول باطل باتفاق
الفريقين. ومع أن مراد الغزالي الاحتياط الأكيد اقتصر على أن فيه "الأمان في
طريق الآخرة" ومع أن صاحب "المنار" قَلَبه إلى التفريط الشديد لم
يقتصر على أن صاحبه يكون ناجيًا في الآخرة بل زاد "مقربًا عند الله
تعالى".
وبعد، فلندع الغزالي وصاحب "المنار"، ولنرجع إلى الحجة. إننا نعلم أن
لكثير من علماء الفرق زلّات وشواذّ مخالفة لدلالات واضحة مِن القرآن، ولأحاديث
تبلغ درجة التواتر المعنوي أو درجة القطع عند من يعرف الرواية والرواة، ومثل هذا
غير قليل، فالمقتصر على ما اتفق عليه على ما فهمه صاحب "المنار" لابدّ
أن يخالف الكتاب والسنة حتمًا في كثير من القضايا، هذا في المخالفة القطعية، فأما
الظنية فحدِّث عن كثرتها ولا حرج.
ومن جهة آخرى، فمن المحال عادةً أن يكون الحقُّ دائمًا من المسائل الخلافية مع
المرخِّصين، فالترخُّص فيها كلها تركٌ متيقّن لكثير من الحق. ولنفرض أن جماعة
تَتَبَّعوا أقوال علماء المسلمين من جميع الفرق، ثم جمعوا
(12/33)
كتابًا ضمَّنوه ما اتفق المسلمون على أنه
واجب أو حرام أو باطل (1) وأهملوا ما عدا ذلك، فهل يقال: إنَّ مَن حافظ على ما في
ذاك الكتاب بدون نظر إلى غيره "كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مُقرَّبًا عند
الله تعالى" ثم يستغني الناسُ بذاك الكتاب عن كتاب الله وتفسيراته، وعن كتب
السنة وشروحها ومتعلقاتها، وعن كتب الفقه كلها، ثم لا يعدم المشذّبون مقالًا يشكك
في ما ضمه ذاك الكتاب، كالشك في تحقق الإجماع وفي حجيته، ولتغير الأحكام بتغير
الزمان. وحينئذ يستريح الذين يدعون أنفسهم بالمصلحين مِن كلِّ أثر للإسلام.
وقال ابن حزم في "الأحكام" (3: 114) (2): "وبالجملة فهذا مذهب لم
يُخلَق له معتَقِد قط، وهو أن لا يقول القائل بالنص حتى يوافقه الإجماع، بل قد
صحَّ الإجماع على أن قائل هذا القول معتقدًا له كافر بلا خلاف، لرفضه القول
بالنصوص التي لا خلاف في وجوب طاعتها".
هذا وقد برئت ذمة الغزالي من ذاك القول كما علمت. وأنا أجلّ السيد محمد رشيد رضا
عن أن يقول به [ص 17] متصوِّرًا حقيقته، وإنما هذا شأن الإنسان، كمن يكون على جسر
غير محجّر فتستولي على ذهنه خشيةُ السقوطِ من جانب فيتأخر عنه ويتأخر حتى يسقط
بغير اختياره من الجانب الآخر.
بلى مَنْ عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى،
وهذا المُتَّفق عليه هو العمل بالدلائل القطعية والظنية من كتاب الله تعالى ومن
سنة رسوله الثابتة قطعًا أو ظنًّا، فالعالم يتحرَّى ذلك بالنظر في
_________
(1) انظر هل يسمحون بزيادة "أو مندوب" [المؤلف].
(2) طبعة أحمد شاكر وتقديم إحسان عباس.
(12/34)
الأدلة، فإن اشتبهت عليه أو تعارضت أخذ
بأحسنها مع تَجُنِّب خَرْق الإجماع الصحيح.
والعامي يسأل العلماء ويأخذ بفتواهم، فإن اختلفوا عليه احتاط أو طلب ترجيحًا ما،
وإذا علم اللهُ حُسْنَ نِيَّتِهِ فلابد أن ييسر له ذلك. فأما تقليد الأئمة فمهما
قيل فيه فلا ريب أنه خير بكثير من تتبُّع الرخص. وراجع "الموافقات" (4:
72 ــ 86) (1).
ثم قال أبو ريَّة ص 20: (حكم كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الأمور
الدنيوية ... ).
إلى أن قال: (أما كلامه صلوات الله عليه في الأمور الدنيوية فإنه كما قالوا من
الآراء المحضة، ويسمِّيه العلماء إرشادًا أي إنَّ أمره - صلى الله عليه وسلم - في
أي شيء من أمور الدنيا يُسمَّى أمر إرشاد (2) ... لأنه لا يقصد به القربة ولا فيه
معنى التعبّد. ومن المعلوم أنه لا دليل على وجوب أو ندب إلا بدليل خاص).
أقول: ليس في هذا الكلام ما يصح أن يكون قاعدة ثابتة، فأمور الدنيا خاضعة لأحكام
الشرع، وقد أمر الله تعالى بطاعة رسوله وحَذَّر من المخالفة عن أمره، فأَمْرُه -
صلى الله عليه وسلم - بشيء دليلٌ قام على وجوبه، إلا أن يقوم دليل يصرف الأمرَ عن
الوجوب إلى غيره. وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
ثم قال: (لأن الرسل غير معصومين في غير التبليغ. قال السفَّاريني ... قال ابن
حمدان ... "وإنهم معصومون فيما يُؤدُّونه عن الله تعالى، وليسوا بمعصومين في
غير ذلك"، وقال ابن عقيل ... لم يعتصموا في الأفعال، بل في نفس الأداء، ولا
يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدّونه عن الله تعالى ... وقال القاضي عياض:
... ).
_________
(1) (5/ 97 ــ 103) دار ابن عفان.
(2) كذا في (ط)، وفي كتاب أبي ريَّة: "ويسميه العلماء أمر إرشاد، أي ... يسمى
إرشادًا .. ".
(12/35)
أقول: هذا الذي اقتصر عليه أبو ريَّة يوهم
أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليسوا معصومين عن تعمُّد الكذب في غير التبليغ،
ولا عن الكبائر ولا عن صغائر الخسَّة. وفي هذه الكتب التي نقل عنها وغيرها بيانُ
عصمتهم عن ذلك وعن غيره مما ترى تفصيله فيها.
احتاج أبو ريَّة إلى صنيعه ليردَّ كثيرًا من الأحاديث الصحيحة بزعم أنها لم تكن
على وجه التبليغ، وأن الأنبياء إنما عُصِمُوا من الكذب في التبليغ. فليتدبر القارئ
[ص 18] هذا مع قول أبي ريَّة نفسه في حاشية ص 39: (ولعنة الله على الكاذبين،
متعمدين وغير متعمدين)!
وذكر قصة التأبير، فدونك تحقيقَها: أخرج مسلم في "صحيحه" (1) من حديث
طلحة قال: "مررتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوم على رؤوس النخل
فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ " فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى
فيلقح، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أظنُّ يغني ذلك
شيئًا". قال: فأُخْبِرُوا بذلك فتركوه، فأُخْبِرَ رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا فلا
تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدَّثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله
عز وجل".
ثم أخرجه (2) عن رافع بن خَديج وفيه: "فقال: لعلكم لولم تفعلوا كان
خيرًا". فتركوه فنقصت .. فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم
فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر". قال عكرمة: أو نحو
هذا".
_________
(1) (2361).
(2) (2362). (ط): "فنقضت" خطأ، وفي مسلم: "فنفَضَت أو فنقصت".
(12/36)
ثم أخرجه (1) عن حماد بن سلمة، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت، عن أنس ... " وفيه: فقال: "لو لم
تفعلوا لصلح"، وقال في آخره: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
عادة مسلم أن يرتّب روايات الحديث بحسب قُوَّتها، يقدِّم الأصح فالأصح (2).
قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث طلحة: "ما أظن يغني ذلك شيئًا"،
إخبار عن ظنه، وكذلك كان ظنه، فالخبر صِدْق قطعًا، وخطأ الظن ليس كذبًا، وفي معناه
قوله في حديث رافع: "لعلكم ... " وذلك كما أشار إليه مسلم أصح مما في
رواية حماد، لأن حمادًا كان يخطئ.
وقوله في حديث طلحة: "فإني لن أكذب على الله" فيه دليل على امتناع أن
يكذب على الله خطأ؛ لأن السياق في احتمال الخطأ، وامتناعه عمدًا معلوم من باب
أَوْلى، بل كان معلومًا عندهم قطعًا. ونقل عن "شفاء عياض" (3) قال: وفي
حديث ابن عباس في الخَرْص: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا
بشر، فما حدّثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ
وأصيب".
أقول: ذكر شارح "الشفاء" (4) أن البزار أخرجه بسند حسن، وتحسين
_________
(1) (2363).
(2) وانظر ما سيأتي (ص 316 ــ 317).
(3) (2/ 870 ــ 871 ــ ط البجاوي).
(4) "شرح الملا علي قاري": (2/ 338). وهو عند البزار: (11/ 42، 250).
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": (1/ 182): "إسناده حسن إلا أن
إسماعيل بن عبد الله الأصبهاني لم أر من ترجمه". وعلق الحافظ في "مختصر
زوائد البزار": (1/ 138): "قلت: هو الحافظ الشهير سمويه، ترجمه أبو نعيم
في تاريخه، ووثقه ابن منده وأبو الشيخ وأبو نعيم وغيرهم".
(12/37)
المتأخرين فيه نظر، فإنْ صحَّ فكأنهم مرّوا
بشجر مثمر فخرصوه يجرِّبون حَدْسهم، وخَرَصها النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءت
على خلاف خرصه. ومعلوم أن الخرص حَزْر وتخمين، فكأنَّ الخارص يقول: أظن كذا. وقد
مَرّ حكمه. والله أعلم.
وقال أبو رية قبل هذا: (وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصدّق بعض ما
يفتريه المنافقون، كما وقع في غزوة تبوك وغيرها، وصدَّق بعض أزواجه، وتردد في حديث
الإفك .. حتى نزل عليه آيات البراءة).
وذكر ص 142 عن صاحب "المنار": ( ... والنبي - صلى الله عليه وسلم - ما
كان يعلم الغيب، فهو كسائر البشر [ص 19] يحمل كلام الناس على الصدق؛ إذ لم تحف به
شبهة، وكثيرًا ما صدَّق المنافقين والكفار في أحاديثهم. وحديث العرنيين وأصحاب بئر
معونة مما يدل على ذلك .. إذ أذن لبعض المعتذرين من المنافقين في التخلُّف عن غزوة
تبوك، وما علَّله به وهو قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة:
43] وإذا جاز على الأنبياء والمرسلين أن يصدِّقوا الكاذب فيما لا يخلّ بأمر الدين
... ).
وذكر ص 22 عن عياض حديث: ("فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق
فأقضي له". وفي رواية: "ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَن بحجته من بعض فأقضي
له على نحو ما أسمع ... ").
أقول: لم يكن - صلى الله عليه وسلم - يعلم من الغيب ما لم يُعْلِمْه الله تعالى
به، ولم يكن ــ بأبي وأمي ــ مغفَّلًا، ولم يصدّق المنافقين أي يعتقد صدقهم، بل
ولا ظنَّه،
(12/38)
وإنما كان الأمر عنده على الاحتمال. ولهذا
عاتبه الله عزَّ وجلَّ على الإذن لهم. هذا واضح بحمد الله.
والعُرَنيون لم يتحقَّق منهم كذب، فلعلهم كانوا صادقين في إسلامهم، وإنما بدا لهم
أن يرتدُّوا لمَّا وجدوا أنفسهم منفردين بالإبل والراعي بعيدًا عن المدينة.
وقصة بئر معونة اختلف فيها، فلم يتحقَّق فيها شاهد على ما نحن فيه. راجع "فتح
الباري" (7: 296) (1).
وقصته مع بعض أزواجه أراها في "الصحيحين" (2) عن عائشة: "أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلًا، فتواصيتُ
أنا وحفصة أنّ أيّتنا دخل عليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فلتقل: إني لأجد
منكَ ريح مغافير، أكلتَ مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: لا، بل شربت
عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له. فنزلت: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ
تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] إلى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى
اللَّهِ} [التحريم: 4] لعائشة وحفصة ... ".
وتمام الآية: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ
أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم: 1]، ولو كان النبي - صلى الله
عليه وسلم - صدَّق المرأة في أنّ لذاك العسل رائحة كريهة لكان امتناعه لكراهيتها،
وكذلك كان خلقه الكريم المطلوب منه شرعًا، وسياق الآية يخالف ذلك كما هو واضح.
_________
(1) (7/ 310 و 379 وما بعدها).
(2) البخاري (4912)، ومسلم (1474).
(12/39)
فالذي يظهر أنه - صلى الله عليه وسلم -
فَطَنَ للحيلة، وعلم أن قائلة ذلك إنما غارت لطول مكثه عند ضرّتها، وانفرادها
بسقيه العسل الذي يحبه، فحملتها شدة الغيرة، فتكرَّم فلم يكاشفها، وامتنع مِنْ
شُرب العسل عند ضرّتها تطييبًا لنفسها.
وأما تردّده في قصة الإفك، فليس فيه ما يوهم التصديق ولا ظن الصدق.
وأما قوله: "فأحسب أنه صادق" فالحسبان هو الظن، ولينظر سند هذه الرواية
(1).
[ص 20] وذكر ص 22 عن "شفاء عياض" (2): (فأما ما تعلق منها ــ أي معارف
الأنبياء ــ بأمر الدنيا فلا يشترط في حق الأنبياء العصمة من عدم معرفة الأنبياء
ببعضها أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه).
أقول: كلمة "اعتقادها" فيها نظر، فينبغي أن يقال بدلها:
"ظنها".
* * * *
_________
(1) هذا اللفظ في البخاري (7181)، ومسلم (1713) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(2) (2/ 730 ــ البجاوي).
(12/40)
كتابة الحديث في عهد النبي - صلى الله عليه
وسلم -
تعرَّض أبو ريَّة ص 7 ــ 8 لهذه القضية، ثم أفردها بفصل ص 23، فمما قاله: ( ...
تضافرت الأدلة ... على أن أحاديث الرسول صلوات الله عليه لم تكتب في عهد النبي -
صلى الله عليه وسلم - كما كان يكتب القرآن، ولا كان لها كُتَّاب يُقيّدونها عند
سماعها منه وتلفظه بها .. ).
أقول: قد وقعت كتابةٌ في الجملة كما يأتي، لكن لم تشمل ولم يؤمر بها أمرًا.
أما حكمة ذلك فمنها: أن الله تبارك وتعالى كما أراد لهذه الشريعة البقاء أراد
سبحانه أن لا يكلِّف عباده من حفظها إلا بما لا يشقّ عليهم مشقة شديدة، ثم هو
سبحانه يحوطها ويحفظها بقدرته، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه
الوحي يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل فراغه خشية أن ينسى شيئًا منه، فأنزل الله
عليه: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وقوله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ
لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا
قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}
[القيامة: 16 ــ 19]، وقوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ
اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى}
[الأعلى: 6 ــ 8].
وكانت العرب أمة أُميّة يندر وجود من يقرأ أو يكتب منهم، وأدوات الكتابة عزيزة،
ولاسيما ما يكتب فيه. وكان الصحابة محتاجين إلى السعي في مصالحهم، فكانوا في
المدينة منهم من يعمل في حائطه، ومنهم من يبايع في الأسواق، فكان التكليف بالكتابة
شاقًّا، فاقتصر منه على كتابة ما ينزل من
(12/41)
القرآن شيئًا فشيئًا، ولو مرة واحدة في قطعة
من جريد النخل أو نحوه تبقى عند الذي كتبها.
وفي «صحيح البخاري» (1) وغيره من حديث زيد بن ثابت في قصة جمعه القرآن بأمر أبي
بكر: «فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة
التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحدٍ غيره {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128] حتى خاتمة سورة
براءة».
وفي «فتح الباري» (2): أن العسُبَ جريدُ النخلِ، وأن اللخافَ الحجارةُ الرقاقُ،
وأنه وقع في رواية: «القصب والعسب والكرانيف وجرائد النخل»، ووقع في روايات أُخَر
ذكر الرقاع وقطع الأديم والصحف.
[ص 21] وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُلقِّن بعضَ أصحابه ما شاء الله من
القرآن ثم يُلقِّن بعضُهم بعضًا، فكان القرآن محفوظًا جملةً في صدورهم، ومحفوظًا
بالكتابة في قِطَعٍ مُفرَّقةٍ عندهم. والمقصود أنه اقتصر من كتابة القرآن على ذاك
القدر؛ إذ كان أكثر منه شاقًّا عليهم، وتكفَّل الله عز وجل بحفظه في صدورهم وفي
تلك القطع، فلم يتلف منها شيء، حتى جُمِعت في عهد أبي بكر، ثم لم يتلف منها شيء
حتى كتبت عنها المصاحف في عهد عثمان، وقد قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وتكفُّله سبحانه بحفظه لا يعفي
المسلمين أن يفعلوا ما يمكنهم كما فعلوا ــ بتوفيقه لهم ــ في
_________
(1) (4986).
(2) (9/ 14 ــ السلفية).
(12/42)
عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان.
فأما السُّنَّة فقد تكفَّل الله بحفظها أيضًا، لأن تكفُّله بحفظ القرآن يستلزم
تكفُّله بحفظ بيانه وهو السُّنة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة
قائمة والهداية باقية بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمدًا خاتم الأنبياء وشريعته
خاتمة الشرائع. بل دلَّ على ذلك قوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}
[القيامة: 19]، فحفظ الله السُّنة في صدور الصحابة والتابعين حتى كُتِبَت
ودُوِّنَت كما يأتي، وكان التزام كتابتها في العهد النبوي شاقًّا جدًّا؛ لأنها
تشمل جميعَ أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وأحواله وما يقوله غيره
بحضرته أو يفعله وغير ذلك. والمقصود الشرعي منها معانيها، ليست كالقرآن المقصود
لفظه ومعناه؛ لأنه كلام الله بلفظه ومعناه، ومعجز بلفظه ومعناه، ومُتَعبَّد
بتلاوته بلفظه بدون أدنى تغيير= لاجَرَمَ خفَّف الله عنهم، واكتفى من تبليغ السنة
غالبًا بأنْ يَطَّلِعَ عليها بعضُ الصحابة، ويكمل الله تعالى حفظها وتبليغها
بقدرته التي لا يعجزها شيء. فالشأن في هذا الأمر: هو العلم بأن النبي - صلى الله عليه
وسلم - قد بلّغ ما أُمِر به، التبليغ الذي رضيه الله منه، وأن ذلك مظنَّة بلوغه
إلى من يحفظه من الأمة ويبلغه عند الحاجة ويبقى موجودًا بين الأمة.
وتكفُّلُ اللهِ تعالى بحفظ دينه يجعل تلك المظنَّة مئِنَّة، فتمَّ الحفظُ كما أراد
الله تعالى، وبهذا التكفُّل يُدْفَع ما يتطرق إلى تبليغ القرآن كاحتمال تلف بعض
القطع التي كتبت فيها الآيات، واحتمال أن يغير فيها من كانت عنده، ونحو ذلك.
ومن طالع تراجم أئمة الحديث من التابعين فمَنْ بَعْدَهم، وتدبر ما آتاهم الله
تعالى من قوَّة الحفظ والفهم والرغبة الأكيدة في الجد والتشمير لحفظ
(12/43)
السُّنة وحياطتها= بان له ما يحيِّر عقلَه،
وعَلِم أن ذلك ثمرة تكفُّلِ الله تعالى بحفظ دينه. وشأنهم في ذلك عظيم جدًّا، أو
هو عبادة من أعظم العبادات وأشرفها، وبذلك يتبين أن ذلك من المصالح المترتبة على
ترك كتابة الأحاديث كلها في العهد النبوي، إذ لو كتبت لانسدَّ باب تلك العبادة، [ص
22] وقد قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
وثَمَّ مصالحُ أخرى منها: تنشئةُ علومٍ تحتاج إليها الأمة، فهذه الثروة العظيمة
التي بيد المسلمين من تراجم قدمائهم، إنما جاءت من احتياج المحدِّثين إلى معرفة
أحوال الرواة، فاضطروا إلى تتبُّع ذلك، وجمع التواريخ والمعاجم، ثم تَبِعهم
غيرُهم.
ومنها: الإسناد الذي يُعْرَف به حال الخبر، كان بدؤه في الحديث، ثم سرى إلى
التفسير والتاريخ والأدب.
هذا، والعالم الراسخ هو الذي إذا حصل له العلم الشافي بقضية لزمها ولم يبالِ بما
قد يشكّك فيها، بل إما أن يُعْرِض عن تلك المشكّكات، وإما أن يتأمَّلَها في ضوء ما
قد ثبت. فههنا مَنْ تدبَّر كتاب الله، وتتبَّع هدي رسوله، ونظر إلى ما جرى عليه
العملُ العامّ في عهد أصحابه وعلماء أمته، بوجوب العمل بأخبار الثقات عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - وأنها من صُلْب الدين، فمَنْ أعرض عن هذا وراح يقول: لماذا
لم تُكْتَب الأحاديث؟ بماذا، لماذا؟ ويتَّبع قضايا جزئية ــ إمَّا أن لا تثبت،
وإما أن تكون شاذة، وإما أن يكون لها مَحْملٌ لا يخالف المعلوم الواضح ــ مَنْ كان
هذا شأنه فلا ريب في زيغه.
(12/44)
هل
نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتابة الحديث؟
قال أبو ريَّة ص 23: (وقد جاءت أحاديث صحيحة وآثار ثابتة تنهى كلها عن كتابة
أحاديثه - صلى الله عليه وسلم -).
أقول: أما الأحاديث فإنما هي حديث مختلف في صحته، وآخر متفق على ضعفه.
فالأول: حديث مسلم (1) وغيره عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «لا تكتبوا عنّي، ومن
كتب عنّي غيرَ القرآن فليمحُه، وحدِّثوا عني ولا حرج، ومَن كَذَب علَيَّ ــ قال
همام: أحسبه قال «متعمدًا» ــ فليتبوّأ مقعده من النار». هذا لفظ مسلم. وذكره أبو
ريَّة مختصرًا، وذكر لفظين آخرين، وهو حديث واحد.
والثاني: ذكره بقوله: «ودخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث وأمر إنسانًا أن
يكتبه، فقال له زيد: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن لا نكتب شيئًا
من حديثه. فمحاه» (2).
وقد كان ينبغي لأبي ريَّة أن يجريَ على الطريقة التي يُطْريها وهي النقد التحليلي
فيقول: معقول أن لا يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتابة أحاديثه لقلَّة
الكَتَبَة وقلَّة ما يُكْتَب فيه والمشقة، فأما أن ينهى عن كتابتها ويأمر بمحوها
فغير معقول، كيف وقد أذن لهم في التحديث فقال: «وحدثوا عني ولا حرج»؟
أقول: أما حديث أبي سعيد ففي «فتح الباري» (1: 185) (3): «منهم
_________
(1) (3004).
(2) أخرجه أحمد (21579)، وأبو داود (3647) وسيتكلم المصنف عنه بعد قليل.
(3) (1/ 208 ــ السلفية).
(12/45)
(يعني الأئمة) من أعلّ حديث أبي سعيد وقال:
[ص 23] الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره». أي الصواب أنه من قول أبي
سعيد نفسه، وغلط بعض الرواة فجعله عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -،
وقد أورد ابن عبد البر في كتاب «العلم» (1) (1: 64) قريبًا من معناه موقوفًا على
أبي سعيد من طرقٍ لم يذكر فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأما حديث زيد بن ثابت فهو من طريق كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب
قال: دخل زيد بن ثابت الخ. وكثير غير قوي، والمطلب لم يدرك زيدًا.
أما البخاري فقال في «صحيحه» (2): «باب كتابة العلم» ثم ذكر قصة الصحيفة التي كانت
عند علي رضي الله عنه، ثم خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - زمن الفتح وسؤال رجل
أن يكتب له، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اكتبوا لأبي فلان» وفي غير هذه
الرواية «لأبي شاه» (3)، ثم قول أبي هريرة: «ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه
وسلم - أحدٌ أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عَمرو، فإنه كان يكتب
وأنا لا أكتب»، ثم حديث ابن عباس في قصة مرض النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقوله:
«ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده». وفي بعض روايات حديث أبي هريرة في
شأن عبد الله بن عَمرو: «استأذن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب بيده
ما
_________
(1) «جامع بيان العلم وفضله»: (1/ 272 ــ 273 ــ ابن الجوزي). وذكر الخطيب في
«تقييد العلم» (ص 32) أن همام بن يحيى تفرد برواية الحديث عن زيد بن أسلم مرفوعًا.
(2) كتاب العلم، باب رقم (40) الأحاديث (111 ــ 114).
(3) عند البخاري (2434).
(12/46)
سمع منه فأذن له» رواه الإمام أحمد والبيهقي
(1). قال في «فتح الباري» (1: 185) (2): «إسناده حسن، وله طريق أخرى ... ». وله
شاهد من حديث عبد الله بن عمرو نفسه جاء من طرق، راجع «فتح الباري» و «المستدرك»
(1: 104) و «مسند أحمد» بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله الحديث: (6510)
وتعليقه.
وقد اشتهرت صحيفة عبد الله بن عمرو التي كتبها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -،
وكان يغتبط بها ويسميها «الصادقة»، وبقيت عند ولده يروون منها، راجع ترجمة عَمرو
بن شُعيب في «تهذيب التهذيب» (3). أما ما زَعَمه أبو ريَّة أن صحيفة عبد الله بن
عَمْرو إنما كانت فيها أذكار وأدعية فباطل قطعًا.
أما زيادة ما انتشر عن أبي هريرة من الحديث عما انتشر عن عبد الله بن عمرو؛ فلأنَّ
عبد الله لم يتجرَّد للرواية تجرُّد أبي هريرة، وكان أبو هريرة بالمدينة وكانت
دارَ الحديث لعناية أهلها بالرواية، ولرحلة الناس إليها لذلك، وكان عبد الله تارةً
بمصر، وتارة بالشام، وتارة بالطائف، مع أنه كان يكثر من الإخبار عما وجده من كتب
قديمة باليرموك، وكان الناس لذلك كأنهم قليلو الرغبة في السماع منه، ولذلك كان
معاوية وابنه قد نهياه عن التحديث.
فهذه الأحاديث ــ وغيرها مما يأتي ــ إن لم تدل على صحَّة قول البخاري وغيره: إن
حديث أبي سعيد غير صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنها تقضي
_________
(1) «المسند» (9231)، و «المدخل إلى السنن» (751).
(2) (1/ 208 ــ السلفية).
(3) (8/ 48 ــ 55).
(12/47)
بتأويله، وقد ذَكرَ في «فتح الباري» (1)
أوجهًا للجمع، والأقرب ما يأتي: قد ثبت في حديث [ص 24] زيد بن ثابت في جمعه
القرآن: «فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللخاف»، وفي بعض رواياته ذكر القصب
وقطع الأديم. وقد مرَّ قريبًا (ص 20) (2)، وهذه كلها قطع صغيرة، وقد كانت تنزل على