النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
(1) كذا ولعلها: «معنعنة».
(12/406)
الرابعة: الطعن المعقول هو الذي يتحرَّى
أضعف نقطة في السند، فما باله عَمَد إلى أقوى مَنْ فيه وهو الصحابي؟ وهو أبو ذرّ
الغفاري، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أظلَّت الخضراء ولا أقلَّت
الغبراء مِنْ ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر» (1). ثبتَ مِن حديث أمير المؤمنين عليّ
وعدد من الصحابة.
الخامسة: أن أبا ذر لم يُنقل عنه إصغاء إلى كعب، ولا إلى مَن هو مثل كعب، بل جاء
أنَّ كعبًا قال في مجلس عثمان: ما أُدِّيَتْ زكاتُه فليس بكنز. فضربه أبو ذرّ
بعصاه، وقال: ما أنت وهذا يا ابن اليهودية؟ أو كما قال. وفي «المسند» (162: 5) (2)
عنه: «لقد تركنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وما يتقلَّب في السماء طائر
إلا ذكرنا منه علمًا». وفي البخاري (3) عنه أنه قال في زمان عثمان: «لا والله لا
أسألهم دُنْيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله عزَّ وجل». أفتراه يستغني عن
إخوانه مِنْ جِلَّة الصحابة هذا الاستغناء ثم يأخذ عن كعب أو نحوه؟
[ص 216] السادسة: أن مَنْ سمع مِنْ الصحابة من كعب لم يسمعوا منه إلا بعض ما يخبر
به عن صحف أهل الكتاب، ورواية أبي هريرة عن كعب قليلة وكلها من هذا القبيل، وراجع
(ص 68 و 73) (4).
السابعة: لم يذكر دليلًا على دعواه أنَّ أبا هريرة وابن عباس كانا يُصدِّقان
كعبًا، ولا أعلم أنا دليلًا على ذلك، أما إخبارهما عنه ببعض ما يُخْبِر به عن
_________
(1) تقدم تخريجه (ص 206 ــ 207).
(2) (21439).
(3) (1408)، وهو في مسلم أيضًا (992).
(4) (ص 132 و 139).
(12/407)
صُحُف أهل الكتاب فغايته أنهما كانا يميلان
إلى عدم كذبه.
الثامنة: أن الذي عُرِف للصحابة في قول أحدهم: «قال النبي - صلى الله عليه وسلم -
... » أنه إن لم يكن سماعًا له من النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو سماعٌ له من
صحابي آخر ثابت الصحبة كما تقدم (ص 115) (1). وجميع ما ثبت عنهم جملةً وتفصيلًا
مما فيه ذِكْر إرسالهم إنما هو هذا، و (2) الدليل الصريح الذي استدلوا به على أنَّ
أبا هريرة قد يرسل: إنما هو حديثه في مَنْ أصبح جُنبًا فلا يصبح ... (3)، وقد بيّن
أنه سمعه من صحابيين فاضِلَين وهما أسامة بن زيد والفضل بن عباس، مع أنه قلّما كان
يذكر الحديثَ بل كان الغالب من حاله أن يفتي بذلك فتوى ولا يذكر النبي - صلى الله
عليه وسلم -.
ولا يُعْلَم أحدٌ من الصحابة قال في حديث: «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ...
» ثم بيّن أو ذَكَر مرةً أخرى أو تبيَّن بوجه من الوجوه أنه عنده عن تابعيّ عن
صحابي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. بل يعزّ جدًّا أَخْذ الصحابي عن تابعي عن
صحابي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إنما توجد أمثلة يسيرة جدًّا لصغار
الصحابة يُسْنِدونها على وجهها، راجع (ص 156 - 157) (4).
وكان الصحابي إذا قال: «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ... » كان محتملًا عند
السامعين للوجهين كما مرَّ، فأما أن يكون إنما سمعه مِن تابعيّ عن صحابيّ عن
النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن عندهم محتملًا، وإذ لم يكن محتملًا فارتكاب
الصحابي إياه
_________
(1) (ص 222 ــ 223).
(2) (ط): «أو».
(3) تقدم (ص 226).
(4) (ص 298 ــ 301).
(12/408)
كذب، وقد برَّأهم الله تعالى عن الكذب.
وأبعد من ذلك أن يكون إنما سمعه من تابعي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبعد
وأبعد أن يكون التابعي مثل كعب.
التاسعة: زعم ــ مع الأسف ــ أن هذا أقرب تصوير للطعن، وهو كما ترى أبعد تصوير، بل
هو محض الباطل، ولو احتجتُ إلى الطعن في سند الخبر لأريتُك كيف يكون الطعن المعقول
بشواهده من كلام الأئمة كابن المديني والبخاري وأبي حاتم وغيرهم، فإنَّ لهم عللًا
ليست كلٌّ منها قادحة حيث وقعت، ولكنها تقدح إذا وقعت في خبر تحقَّق أنه منكر.
وهذا من أسرار الفن (1).
العاشرة: أن هذا الطعن يترتّب عليه من المفاسد مالا يعلمه إلا الله تعالى، وهي
المَكِيدة التي مرَّت الإشارة إليها (ص 201) (2)، وإيضاحها قبل ذلك، وكلّ من
التأويل ولو مستكرهًا والوقف أسلم من هذا الطعن [ص 217]. ولو غير السيد رشيد رضا
قاله لذكرت قصة المرأة التي اشتكى طفلُها ولم تعلم ما شكواه، غير أنها نظرت إلى
يافوخه يضطرب ــ كما هو شأن الأطفال ــ فأخذت سكينًا وبطَّت يافوخَه كما يُصنع
بالدّمل ... إلى آخر ما جرى.
الحادية عشرة: قوله في أبي هريرة: «من القطعي ... لتأخر إسلامه». قد تقدم رده (ص
156) (3).
_________
(1) انظر مقدمة تحقيق «الفوائد المجموعة» (ص 8 ــ 9) للمؤلف.
(2) (ص 380). وانظر ما سبق (142 ــ 150 و 161 ــ 177 و 209 ــ 214 و 300 و 325 ــ
327).
(3) (ص 298 ــ 299).
(12/409)
الثانية عشرة: لا يخفى حال ما ذكره أخيرًا
وسمَّاه تأويلًا.
وذكر ص 340 الحكايات عن كعب ووهب وقال: (لم يكن يحيى بن معين وأبو حاتم وابنه
وأمثالهم يعرفون ما يصح من ذلك وما لا يصح، لعدم اطلاعهم على تلك الكتب).
أقول: في هذا أمور:
الأول: أن الأئمة كانوا يعرفون النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته، فبذلك كانوا
يعرفون حال كعب ووهب فيما نسباه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا وثّقوهما
فمعنى ذلك أنهم عرفوا صِدْقهما في هذا الباب، وهذا هو الذي يهمُّ المسلمين. فأما
ما حكياه عن صُحُف أهل الكتاب فليس بحجة سواء أصَدَقا فيها أم كَذَبا.
الثاني: تقدم في فصل الإسرائيليات (ص 67 - 95) (1) ما يُعلم منه: أن غالب ما يُنسب
إلى كعب لا يثبت عنه، ومرَّ (ص 91) (2): أن في كتاب «فضائل الشام» سبع عشرة حكاية
عن كعب لا تثبت عنه ولا واحدة منها. وعسى أن يكون حال وهب كذلك. فمَنْ أراد
التحقيق فليتتبع ما يثبت عنهما صريحًا بالأسانيد الصحيحة، ثم ليعرضه على كتب أهل
الكتاب الموجودة كلها، ويتدبَّر الأمر الثالث وهو ما تقدم (ص 69 - 72) (3): مِن
تتبُّع اليهود ما كان موجودًا في العالم ــ عند ظهور الإسلام وبعده إلى مدّة ــ
مِن نُسَخ كتبهم في العالم كلّه وإتلافها لمخالفتها ما يرضونه من نُسَخ حديثة
أبقوها، مع ما عُرف عنهم من استمرار التحريف عمدًا، وانقراض كثير من كتبهم البتة،
ثم
_________
(1) (ص 130 ــ 184).
(2) (ص 171).
(3) (ص 134 ــ 140).
(12/410)
ليحكم.
قال: (وإننا نرى بعض الأئمة المجتهدين قد تركوا الأخذ بكثير من الأحاديث الصحيحة
... ).
أقول: قد تقدم النظر في هذا (ص 35 و 178) (1).
وقال ص 341 في حكايات كعب ووهب: (وما كان منها غير خرافة فقد تكون الشبهة فيه
أكبر، كالذي ذكره كعبٌ مِن صفة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في التوراة).
أقول: قد مرَّ الخبر (ص 70 - 71) (2) وأنه ثابت عن عبد الله بن عَمرو بن العاص عن
التوراة، ويُروى عن عبد الله بن سلام وعن كعب. [ص 218] فأما الشبهة التي أشار
إليها فلا يكاد يوجد حقٌّ لا يمكن أن يحاول مُبْطِل بناء شبهة عليه، فمَنْ التزم
أن يتخلَّى عن كلِّ ما يمكن بناء شبهة عليه أوْشَك أن يتخلى عن الحقِّ كلِّه.
وقال: (وإني لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول عالم صحابي يخالف ظاهر القرآن، وإن
وثَّقوا رجاله، فربَّ راوٍ يوثَّق للاغترار بظاهر حاله وهو سيء الباطن).
أقول: قد تقدم (ص 14) (3) ما نقله أبو ريَّة عن صاحب «المنار» قال: «النبي - صلى
الله عليه وسلم - مبيِّن للقرآن بقوله وفعله، ويدخل في البيان التفصيل والتخصيص
والتقييد، لكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه أو نقض خبر من أخباره». وأوضحتُ
ذلك هناك، فإن أراد هنا بقوله: «يخالف ظاهر القرآن» ما لو صح لكان إبطالًا أو
نقضًا فذاك، فأما البيان بالتفصيل والتخصيص
_________
(1) (ص 71 و 338 ــ 339).
(2) (ص 137 ــ 140).
(3) (ص 29).
(12/411)
والتقييد ونحوها فإنه يثبت بخبر الواحد
بشرطه، وأدلةُ خبرِ الواحد ــ ومنها جَرَيان العمل به في عهد النبي - صلى الله
عليه وسلم - وأصحابه وعمل أهل العلم ــ تشمل هذا، ومنها ما هو نصٌّ فيه. راجع (ص
22 و 45 و 49) (1).
ومما يزيده وضوحًا: أن دلالة العموم ونحوه كثيرًا ما تتخلَّف، وقد قيل: ما مِن
عامّ إلا وقد خُصّ. وذهب بعضهم إلى أنه إذا خُصّ شيءٌ من العام سقطت دلالته على
الباقي. وتخصيص العمومات ثابتٌ في قضايا لا تُحْصَى، فاحتمال القضية له أَبْيَنُ
وأَوْضَح وأَوْلَى مِن احتمالٍ لا يمكنك أن تثبته في واقعة واحدة، وهو كَذِب راوٍ
وثَّقه الأئمة المتثبِّتون وصحَّحوا حديثه محتجّين به، ولم يطعن فيه أحد منهم
طعنًا بيِّنًا. أما كعب ووهب فليسا من هذا لوجهين: الأول: أنهما ليسا بهذه الدرجة،
راجع (ص 69 - 70) (2). الثاني: أنه لم يثبت ما نسبه إليهما من سوء الظن.
ثم قال أبو ريَّة ص 342: (جل أحاديث الآحاد لم تكن مستفيضة في القرن الأول). ونقل
عبارةً للسيد رشيد رضا في مقدمته لـ «مغني ابن قدامة».
وقد تقدَّم النظر فيها (ص 15) (3)، وعبارة السيد رشيد: «جلّ الأحاديث التي يحتجّ
بها أهل الحديث على أهل الرأي والقياسيين من علماء الرواية»، ثم قال صاحب
«المنار»: «فعلم بذلك أنها ليست من التشريع العام الذي جرى عليه عمل النبيّ - صلى
الله عليه وسلم - وأصحابه، وليست مما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ
الشاهد فيه الغائب ... ».
_________
(1) (ص 45 و 89 و 99).
(2) (ص 135 ــ 138).
(3) (ص 31).
(12/412)
أقول: قد تقدَّم دفع هذا (ص 28 - 35) (1)،
وراجع (ص 20 - 21) (2) و (ص 52) (3). [ص 219] ثم حكى كلمات عمن ليس قوله حجة، ولا
ذَكَر حُجة، فأعرضتُ عنها، ومنها ما عزاه إلى كتاب ليس عندي (4)، فليراجع.
ثم ذكر ص 347 - 348: آيات من القرآن، وقد تقدّم ما يتعلق بذلك (ص 13) (5).
ثم ذكر ص 348: قول ابن حجر في «الفتح» (6) في الكلام على حديث إيصاء النبي - صلى
الله عليه وسلم - بالقرآن: «اقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم، ولأن
فيه تِبيان كلِّ شيء إما بطريق النصّ أو بطريق الاستنباط، فإذا تَبِعَ الناسُ ما
في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به».
كذا صنع أبو رية! وآخر عبارة ابن حجر في «الفتح» (5: 268) هكذا: « ... عملوا بكلِّ
ما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - به؛ لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] الآية ... ».
وقال ص 349: (وعن أبي الدرداء مرفوعًا: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وماحرم فهو
حرام، وما سكت عنه فهو عافية ... ).
أقول: هذا يرويه إسماعيل بن عَيّاش، وهو صدوق، عن عاصم بن
_________
(1) (ص 56 ــ 69).
(2) (ص 41 ــ 44).
(3) (ص 102).
(4) (ط): «عنده» والصواب ما أثبت.
(5) (ص 27).
(6) (5/ 361).
(12/413)
رجاء بن حَيْوَة، وهو صدوق يهم، عن أبيه
رجاء، عن أبي الدرداء. ورجاء لم يدرك أبا الدرداء، فالخبر منقطع مع ما في سنده
(1)، ولو صحَّ لما كان فيه ما يخالف الحجج القطعية، فقد حرَّم الله في كتابه معصية
رسول الله والمخالفة عن أمره، وأمر بأخذ ما آتى، والانتهاء عما نهى. وراجع (ص 13)
(2).
ثم ذكر مرسل ابن أبي مُلَيكة، وقول عمر: «وعندنا كتاب الله حسبنا». وقد تقدّم
النظر فيهما (ص 36 و 39) (3).
قال: (ولما سُئلت عائشةُ عن خُلق النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قالت: إنَّ
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان خلقه القرآن).
أقول: خلقه - صلى الله عليه وسلم - يشمل جميع أحواله وأفعاله وأقواله، فرأتُ
عائشةُ أنه لا يمكنها تفصيل ما تعلم مِن ذلك كله لذلك السائل، وعلمَتْ أنه يقرأ
القرآن وفيه تفصيل كثير من الأخلاق التي كانت من خُلُق النبيّ - صلى الله عليه
وسلم - وإجمال الباقي فأحالته عليه، وقد عاد السائل فسألها عن هدي النبي - صلى
الله عليه وسلم - في أعماله، فأخبرته. وفي ذلك وسائر أحاديث عائشة نفسها ذِكْر
أشياء كثيرة جدًّا لا يفهمها الناس مِن نصِّ القرآن وإنما هي من بيانه (4) له بما
فيه التفصيل والتخصيص والتقييد ونحو ذلك.
ثم قال أبو ريَّة: (وقال الأستاذ الإمام محمد عبده رضي الله عنه: إن المسلمين ليس
_________
(1) أخرجه البزار (4087)، والدارقطني: (3/ 59)، والحاكم: (2/ 375)، والبيهقي: (10/
12) وغيرهم. وصحح إسناده الحاكم. وفيه النظر الذي ذكره المؤلف.
(2) (ص 27).
(3) (ص 72 و 78).
(4) (ط): «بيان».
(12/414)
لهم إمام في هذا العصر غير القرآن).
[ص 220] أقول: ها أنتم تلقِّبون الشيخ محمد عبده نفسه بهذا اللقب نفسه (الإمام)
وتقتدون به، وتترضَّون عنه كما يُترَضَّى عن الصحابة، مع أنكم كثيرًا ما تذكرون
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فلا تصلّون عليه، وتسيئون القولَ في الصحابة رضي
الله عنهم، وفي كتاب أبي ريَّة كثيرٌ من ذلك، فكأنكم أردتم له أن تسلبوا أئمة
الحقِّ هذا اللقب وتخصّوه به.
أما القرآن فهو الإمام حقًّا، وهو نفسه يثبت الإمامةَ للنبيّ - صلى الله عليه وسلم
-، ثم كلّ راسخ في العلم والدين مُبلِّغ لأحكام الشرع فإنه إمام، إلا أنه
كالمبلِّغ لتكبيرات إمام الصلاة، وإن بان وقوعُه في مخالفةٍ للإمام اتبعنا الإمامَ
دونَه.
وقال: (لا يمكن لهذه الأمة أن تقوم ما دام هذه الكتب فيها).
أقول: إن أراد جميع الكتب غير القرآن فالواقع أنَّ فيها الحق والباطل، وكثير من
الحق الذي فيها إذا فات لا يُعَوَّض، فأما الباطل فكما قيل: إن ذهب عَير، فعَير في
الرباط، ومَن عَرف الحقَّ واتبعه فقد استقام، ولا يضره بعد ذلك أن يعرف أضعافَ
أضعافِه من الباطل.
وذكر ص 350 أمورًا قد تقدَّم النظر فيها (ص 175 - 177) (1) وغيرها.
ثم قال: ( ... ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا).
أقول: تقدم تفنيد هذا، وبيان ما وقع فيه من الغلط (ص 15) (2).
قال ص 351: (هذه هي سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أما إطلاقها على ما يشمل
الأحاديث فاصطلاح حادث).
_________
(1) (ص 332 ــ 334).
(2) (ص 31).
(12/415)
أقول: تقدم تفنيده (ص 12) (1).
ثم قال: (أحاديث الآحاد التي لم يعمل بها جمهور السلف هي محل اجتهاد في أسانيدها
ومتونها؛ لأن ما صح منها يكون خاصًّا بصاحبه).
أقول: إن أراد بقوله: (صاحبه) من عَرف صحّته، بمعنى أنه ليس له إلزام غيره فسيأتي
قريبًا، وإن أراد به الصحابي الذي ورد فيه، فإنما يصح هذا حيث يثبت دليل على
الخصوصية. وراجع (ص 28 - 35) (2).
قال: (ومن صح عنده شيء منها روايةً ودلالةً عمل به، ولا تُجْعَل تشريعًا عامًّا
تُلزمه الأمة إلزامًا تقليدًا لمن أخذ به).
أقول: على مَنْ صحّ عنده أن يُبيِّن ذلك لغيره ويعذره إن خالفه ولم يتبيَّن له
عناده أو زيغه، وإلا لزمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الإمام أن يمنع
من يتبيَّن له خطؤه من الإفتاء بذلك الخطأ، ويمنع الناس من الأخذ بفتواه، وفي سيرة
عمر رضي الله عنه ما يبيّن هذا.
[ص 221] ثم ذكر أشياء قد تقدَّم النظر فيها، إلى أن قال: (وما كل مالم يصح سنده يكون
متنه غير صحيح).
أقول: وجه ذلك أنه قد يثبت بسند آخر صحيح، لكن لا يخفى أن هذا الاحتمال لا يفيد
المتنَ شيئًا من القوَّة، غايته أن يقتضي التريُّث في الجزم بضعفه مطلقًا حتى يبحث
فلا يوجد له سند صحيح.
وذكر أشياء تقدَّم النظر فيها، إلى أن قال ص 352: (ولم يَظْهر البخاريُّ ولا غيره
من كتب الحديث إلا بعد انقضاء خير القرون).
_________
(1) (ص 25).
(2) (ص 56 ــ 69).
(12/416)
أقول: هذا مأخوذ من قدح بعض الملحدين في
القرآن؛ بأن المصاحف لم تكن في عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وكما يقال
لهذا: ليس المدار على المصاحف إنما المدار على ما فيها، وقد ثبت أنه القرآن الذي
أنزله الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فكذلك نقول هنا: الأحاديث التي في
«صحيح البخاري» ثبت أنها كانت معروفة عند خير القرون، وإنما رواها الثقات منهم
وعنهم، بل ثبتت بالحجة الشرعية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال: (لم يقل أحدٌ من سلف الأمة وأئمة الفقه: إن معرفة الدين تتوقَّف على الإحاطة
بجميع ما رواه المحدِّثون ولا بأكثرها).
أقول: لا ريب أن الأحاديث الضعيفة والواهية والمكذوبة لا تتوقّف معرفةُ الدين على
الوقوف عليها، ومِن الصحيحة ما يُرْوَى من عِدّة طرق قد تبلغ المِئين، ويكفي
لمعرفة الدين معرفة المتن من طريق صحيحة منها.
ومنها أحاديث يتفق العددُ منها في المعنى أو فيما هو المقصود، كأحاديث تحريم الربا
وأحاديث التشهُّد، ويكفي لمعرفة الدين معرفة واحدٍ منها.
ومنها أحاديث يوجد في كتاب الله عز وجل ما يفيد معناها، ويكفي لمعرفة الدين معرفة
تلك الدلالة من القرآن.
وبعد هذا كله، فمعرفة الدين ليست أمرًا لا يزيد ولا ينقص، وقد عَلِمْنا أنّ
الشريعةَ لم توجب أن يكون كلّ مسلم عالمًا، وإنما أوجبت على الأمة أن يكون فيها
علماء بقدر الكفاية يرجع إليهم العامّة في كلِّ ما يعرض لهم، ولم توجب على العالم
أن يكون محيطًا بالدين، بل كما أن العامِّي يستكمل ما يحتاج إليه بسؤال العلماء،
فكذلك العالم يستكمل ما يخفى عنه أو يُشْكِلُ
(12/417)
عليه بمراجعة غيره من العلماء. وراجع (ص 32
- 33) (1).
قال: (قال البيضاوي في حديث: «لا وصية لوارث»: والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة له
بالقبول لا يلحقه بالمتواتر).
[ص 222] أقول: هذا رأي البيضاويّ، فإذا خالفه غيره فالمدار على الحجة. وهكذا كلّ
ما يحكيه أبو ريَّة عن فلان وفلان. ومن تدبَّر آيات المواريث علم أنها تفيد معنى
هذا الحديث.
ثم ذكر قضايا قد تقدَّم النظر فيها، إلى أن قال ص 353: (ربَّ راوٍ هو موثوق به عند
عبد الرحمن بن مهدي ومجروح عند يحيى بن سعيد القطان، وبالعكس، وهما إمامان عليهما
مدار النقد في النقل، ومِنْ عِندهما يُتلقَّى معظم شأن الحديث).
أقول: الغالب اتفاقهما، والغالب فيما اختلفا فيه أن يستضعفَ يحيى رجلًا فيتركَ
الحديثَ عنه، ويرى عبد الرحمن أنَّ الرجلَ وإن كان فيه ضعف فليس بالشديد، فيحدّث
عنه، ويثني عليه بما وافق حاله عنده، وقد قال تلميذُهما ابنُ المَديني: «إذا اجتمع
يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على تَرْك رجل لم أُحدِّثْ عنه، فإذا اختلفا أخذت
بقول عبد الرحمن لأنه أقْصَدُها وكان في يحيى تشدّد» (2).
والأئمة الذين جاؤوا بعدهما لا يجمدون على قولهما بل يبحثون وينظرون ويجتهدون
ويحكمون بما بان لهم. والعارفُ الخبيرُ الممارس لا يتعذَّر عليه معرفة الراجح فيما
اختلف فيه مَن قبله، وعلى فَرْض أننا لم نعرف
_________
(1) (ص 64 ــ 67).
(2) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد»: (10/ 243)، وانظر «تهذيب التهذيب»: (6/ 252).
(12/418)
مِنْ حال راوٍ إلا أن يحيى تركه وأن عبد
الرحمن كان يُحدِّث عنه، فمقتضى ذلك أنه صدوق يهم ويخطئ، فلا يسقط ولا يحتجّ بما
ينفرد به.
قال: (إن ما كان قطعيّ الدلالة في النصوص فهو الشرع العام الذي يجب على جميع
المسلمين اتباعه عملًا وقضاء، وإن ما كان ظنّي الدلالة موكول إلى اجتهاد الأفراد
في التعبّدات والمحرمات، وإلى أُولي الأمر في الأحكام القضائية. إن ما كانت دلالته
على التحريم من النصوص ظنية غير قطعية لا يُجْعَل تشريعًا عامًّا تُطالب به كلّ
الأمة، وإنما يعمل فيه كلّ أحد باجتهاده، فمن فهم منه الدلالة على تحريم شيء امتنع
منه، ومن لم يفهم منه ذلك جرى فيه على أصل الإباحة).
أقول: قد تقدم النظر في نظرية «دين عام ودين خاص» (ص 9 و 14 - 15 و 28 - 34 و 100)
(1) وقريبًا (ص 220 - 221) (2)، وكذلك حال الاجتهاد والمجتهد.
هذا، والأدلة القطعية تبيِّن أن الواجب على كلِّ مسلم طاعة الله ورسوله ما استطاع،
فيما ثبت بدليل قطعيّ المتن والدلالة أو ظَنِّيِّهما، أو قطعيّ أحدهما ظنّي الآخر،
وأنّ على [ص 223] العاميّ العملَ بما يعلمه من الشريعة قطعًا أو ظنًّا، والرجوعَ
فيما يجهله إلى العلماء الموثوق بعلمهم ودينهم، فإذا أفتاه أحدُهم بأمر لزمه العمل
به سواء أكان قطعيًّا أو ظنيًّا، فإن اختلف عالمان فقد قال الله تبارك وتعالى:
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] فعلى العامّي أن يتحرَّى
أقرب الأمرين إلى طاعة الله وطاعة رسوله، وإذا علم الله تعالى حرصه على طاعته
سبحانه فلا بد أن يُهيّئ له مِنْ أمره رَشَدًا.
_________
(1) (ص 20 و 29 ــ 32 و 55 ــ 67 و 194).
(2) (ص 415 ــ 418).
(12/419)
وعلى كلِّ مسلم الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ويتأكَّد ذلك على الرّجل في أهله، وعلى كلِّ راعٍ في رعيته، وعلى كلِّ مَن
عرف حكمًا بدليل قطعيّ أو ظنيّ أن يرشد من يراه من المسلمين يخالفه جهلًا به،
وينكر على من يراه يعرض عنه على وجهٍ مُنكر. وليس له الإنكار على مَنْ يُعرض عنه
على وجهٍ معروف. والوجه المعروف هو ما يسمى «اختلاف الاجتهاد» أو «اختلاف وجهة
النظر» مع اتحاد القصد في طاعة الله ورسوله.
أما القضاء، فالفرض فيه أن يكون بما أنزل الله يقينًا أو ظنًّا، وذلك يشمل الأدلة
الشرعية كلَّها، فإذا كان القاضي مجتهدًا فذاك، وإلَّا أخذ بما يتبيّن له رُجحانُه
مِنْ أقوال أهل العلم.
ثم ذكر قضايا تقدم النظر فيها (ص 175 و 202 و 218) (1).
ثم ذكر عن السيد رشيد رضا: « ... ونحن نجزم بأنَّا نسينا وضيَّعنا من حديث نبينا -
صلى الله عليه وسلم - حظًّا عظيمًا لعدم كتابة علماء الصحابة كلّ ما سمعوه، ولكن
ليس منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين، فإنّ أمور الدين معروفة في القرآن
ومُبيَّنة بالسنة العملية، وما دُوِّن من الأحاديث فهو مزيد هداية وبيان».
أقول: قد تكفَّلَ الله عزَّ وجلَّ بحفظ دينه، فمحالٌ أن يذهب منه ما يقتضي
نَقْصَه، والمؤسف حقًّا أن يجمع بعضُنا بين التحسُّر على ما لم يُحْفَظ، والتجنِّي
على ما حُفظ، ومحاولة حطِّه عن درجته. راجع (ص 14 - 50) (2).
ثم قال أبو ريَّة: (قال الإمام أبو حنيفة: ردّي على كلِّ رجل يحدِّث عن النبي -
صلى الله عليه وسلم -
_________
(1) (ص 332 و 381 و 411).
(2) (ص 29 ــ 100).
(12/420)
بخلاف القرآن ليس ردًّا على نبي الله - صلى
الله عليه وسلم - ولا تكذيبًا له، ولكنه ردّ على من يحدِّث عنه بالباطل، والتهمة
دخلت عليه، ليس على نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، وكل شيء تكلم به النبي - صلى
الله عليه وسلم - فعلى الرأس والعين، قد آمنا به وشهدنا أنه كما قال، ونشهد أنه لم
يأمر بشيء يخالف أمر الله، ولم [ص 224] يبتدعْ ولم يتقوَّلْ غير ما قاله الله ولا
(1) كان من المتكلّفين).
أقول: هذه العبارة من كتاب «العالم والمتعلم»، وفي نِسْبته إلى أبي حنيفة ما فيها
(2)، والكلامُ هناك في مسائل اعتقادية ومخالفة يراها مناقضة. فأما تبيين السنة
للقرآن بما فيه التفصيل والتخصيص والتقييد ونحوها كما مرَّ (ص 14 و 218) (3) فثابت
عند الحنفية وغيرهم، سوى خلاف يسير يتضمّنه تفصيلٌ مذكور في أصولهم، يتوقّف فهمه
على تدبّر عباراتهم ومعرفة اصطلاحاتهم، وبعض مخالفيهم يقول: إنهم أنفسهم قد خالفوا
ما انفردوا به هناك في كثير من فروعهم ووافقوا الجمهور. بل زاد الحنفية على
الشافعية فقالوا: إن السنة المتواترة تنسخ القرآن، وإن الحديث المشهور أيضًا ينسخ
القرآن، وكثير من الأحاديث التي يطعن فيها أبو ريَّة هي على اصطلاح الحنفية
مشهورة.
ثم ختم أبو ريَّة كتابه بنحو ما ابتدأه من إطرائه وتقديمه إلى المثقفين (4)،
والبذاءة على علماء الدين، ثم الدعاء والثناء، وأنا لا أثني على كتابي، ولا
أُبرِّئ نفسي، بل أَكِلُ الأمرَ إلى الله تبارك وتعالى، فهو حسبي ونعم الوكيل،
_________
(1) (ط): «ولو» والتصحيح من كتاب أبي رية.
(2) تكلم المؤلف عليه بالتفصيل في «التنكيل»: (1/ 663 - 665).
(3) (ص 29 و 411).
(4) انظر تعليق المؤلف على هذا الثناء (ص 7 ــ 8). وأما البذاءة فقد حذفها أبو
ريَّة من الطبعات اللاحقة ترويجًا لكتابه، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
(12/421)
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على
خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه.
انتهى بعون الله تعالى جَمْع هذا الكتاب في أواخر شهر جمادى الآخرة سنة 1378.
والحمد لله ربّ العالمين.
(12/422)
ملحقان
بكتاب "الأنوار الكاشفة"
(12/423)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذان تعليقان كتبهما المصنّف رحمه الله قبل تأليفه "الأنوار الكاشفة"
بغرض أن يكون أحدهما تقديمًا لكتاب الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة "ظلمات أبي
رية ... "، وذلك بطلبٍ من الشيخ الوجيه محمد نصيف؛ فكتب أولًا تسع ورقات، ثم
كتب ثانيًا تسع عشرة ورقة، تكلم فيهما عن كتاب أبي ريَّة وغرضه منه، ثم ناقشه في
عدة قضايا رئيسة في الكتاب، قال: إنها ملاحظات يسيرة، وعَزَم وهو يكتب هذه الورقات
على تأليف كتاب مستوفًى في الردّ عليه، بل كان يحيل إليه لاستكمال مبحث أو قضية،
فأثبتنا هذين التعليقين ملحقين بكتاب "الأنوار الكاشفة"، وقد وقع فيهما
من الفوائد ما ليس في "الأنوار ... "، وتبين منهما سبب تأليفه للكتاب.
والملفت للانتباه أنّ المصنّف لم يكتب شيئًا بخصوص كتاب الشيخ محمد عبد الرزاق
حمزة، مع أنه هو باعثه الأول لكتابة هذه الأوراق، بل أخذ في الردّ على أبي ريَّة
ومناقشته.
ويلاحظ أيضًا أن هذا التقديم المفترض لكتاب "ظلمات أبي ريَّة ... " لم
يُنشر معه، فالله أعلم.
المحقق
(12/425)
الملحق الأول
(12/427)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد، فإن فضيلة أخي العلَّامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة كَتَب وهو على فراش
المرض ــ عافاه الله ــ مطالعات وملاحظات على كتاب ألَّفه الأستاذ محمود أبو
رَيَّة وسمَّاه: "أضواء على السُّنَّة المحمدية". فأرسل إليَّ حضرة
المُحسن الكريم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف تلك الملاحظات، وتقدَّم إليَّ بأن أكتبَ
كلمة تكون بمثابة مقدمة، فاحتجت مع الاطلاع على الملاحظات أن أطالعَ كتاب أبي
رَيَّة؛ فَتَبيَّن لي أن استيفاء الكلام له وعليه يستدعي تأليفًا مستقلًّا، عسى أن
يتيسّر لي فيما بعد. وأكتفي الآن بملاحظات يسيرة.
ساءني من أبي ريَّة أنه بينا هو يطعن في بعض الصحابة والأئمة، ويرى أنه لا ينبغي
أن يَثْقُل ذلك على أهل العلم؛ إذا به يثقل عليه غاية الثقل أن يخالفه مخالفٌ أو
يتعقّبه متعقِّب، فيحاول كَفَّهم عن ذلك بكلام ....
كقوله ص 14: (وقد ينبعث له من يتطاول إلى معارضته ممن تعفَّنت أفكارهم وتحجّرت
عقولهم).
وقال ص 354: (وإن تَضِق به صدورُ الحشويّة وشيوخ الجهل من زوامل الأسفار الذين
يخشون على علمهم المزوّر من سطوة الحق، ويخافون على كساد بضاعتهم العفنة التي
يستأكلون بها أموال الناس بالباطل أن يكشفهم نورُ العلم الصحيح ويهتك سترهم ضوءُ
الحجّة البالغة= فهذا لا يهمّنا؛ إذ ليس لمثل هؤلاء خَطَر عندنا ولا وزن في
حسابنا).
(12/429)
أما الذي يدُلُّ عليه صنيعك يا أبا ريَّة،
فهو أنه لولا شدَّة خوفك من نقضهم كلامَك ما حاولت أن تتّقيهم بهذا السلاح.
[ص 1] وبينا هو يطعن على الصحابة والأئمة، ويخالف علماء المسلمين كلهم؛ إذا به
ينكر على بعض كبار العلماء مخالفته لعالمٍ أو عالمين من المتأخرين. انظر تعليقه
على ص 38 ــ 39، وراجع مصادره التي أحال عليها ليتبيَّن لك صنيعه.
وبينا هو يذكر كثرة الأحاديث الموضوعة والواهية في الكتب العلمية؛ إذا به يحتجّ
بكلّ ما يوافق هواه في أيِّ كتاب كان، بدون نظر إلى سندٍ ولا مستندٍ، كما فعل في
ترجمة أبي هريرة.
وبينا هو يقلّل من شأن أئمة الأُمَّة بما يعلم منه أنه لو احتجَّ عليه بكلامهم لم
يقبله، بل قد رأى كثيرًا من كلامهم فأعرض عنه وخالفهم فيه؛ إذا به يحتجّ بكلام أبي
حيّان التوحيدي، وابن أبي الحديد، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وطه حسين، ولهذا نظائر
كثيرة في كتابه.
لماذا لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتابة الحديث؟
للعلماء قولان في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتابة الحديث، منهم مَن
يقول: إنه لم يَنْه، ومنهم مَن يقول: إنه نهى ثم رخَّص. فذكر أبو ريَّة هذه
المسألة وجَمَد على النهي وساق ما ورد فيه، وزعم أنه أصح مما ورد في الترخيص، فذكر
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثين:
أحدهما: حديث أبي سعيد، نَسَبه أبو ريَّة إلى "صحيح مسلم" (1) وغيره
_________
(1) (3004).
(12/430)
وساقه بلفظ: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: "لا تكتبوا عنّي شيئًا سوى القرآن، فمن كتب عنّي غير القرآن
فليمحه".
ولفظ مسلم مخالف لهذا وفيه زيادة.
[ص 2] الثاني: ما رواه كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن
ثابت على معاوية فسأله عن حديث، وأمر إنسانًا أن يكتبه، فقال زيد: "إنَّ رسولَ
الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه" (1).
فأما حديث مسلم عن أبي سعيد، فقد أعلَّه البخاريُّ وغيرُه كما في "فتح
الباري" (2)، وقالوا: الصواب مِن قول أبي سعيد، وفي "كتاب العلم"
(3) لابن عبد البرّ من طرق عن أبي نضرة قال: قيل لأبي سعيد: لو أكْتَبْتَنا
الحديث؟ فقال: لا نُكْتِبكم، خذوا عنا كما أخذنا عن نبيّنا - صلى الله عليه وسلم
-. زاد في رواية: "أردتم أن تجعلوه قرآنًا"! ، وفي رواية:
"مصاحف". وهذا يشهد لقول البخاري؛ إذ الظاهر أنه لو كان عند أبي سعيد
نصّ من النبي - صلى الله عليه وسلم - لذَكَرَه ولم يكتفِ بما قال هنا.
وأما الحديث الثاني، فكثيرٌ ضعيف، والمطَّلب لم يُدرك زيد بن ثابت.
وأما أحاديث الجواز:
فمنها: حديث الصحيفة التي كانت عند علي، وهو في "الصحيحين" (4)، وهو
ثابت من عِدة طُرق.
_________
(1) تقدم (ص 45).
(2) (1/ 208).
(3) (1/ 272 ــ 273).
(4) البخاري (111)، ومسلم (1370).
(12/431)
ومنها حديث: "اكتبوا لأبي شاه"
وهو في "الصحيحين" (1) وغيرهما.
ومنها حديث أبي هريرة: أن عبد الله بن عمرو [بن] العاص كان يكتب. أخرجه البخاري
(2) وغيره، ورواه الإمام أحمد وغيره، وفيه: أن عبد الله بن عمرو "استأذن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - في الكتاب عنه فأذن". وقد ورد ذلك من حديث عبد
الله بن عمرو. راجع: المستدرك 1/ 104 فما بعدها، ومسند أحمد بتحقيق العلَّامة أحمد
محمد شاكر ج 10 الحديث (6510) (3). وهناك أحاديث أخرى.
وقد قال أبو ريَّة نفسه في حاشية ص 23: (أملى النبي - صلى الله عليه وسلم - كتبًا
في الشرائع والأحكام جهر بها رُسله وعماله في الأمصار المفتوحة؛ بعضها في الصدقات
والفرائض، ولا يتعدى ما كُتب عن الرسول في عصره عشر صفحات ... ).
أقول: أما صحيفة عبد الله بن عمرو فالظاهر أنها كبيرة، وكان يسمّيها
"الصادقة".
[ص 3] زعم أبو رية أن أحاديث النهي أصح، وقد علمتَ سقوطَ هذا. وحكى عن رشيد رضا أن
حديث أبي شاه غير معارض لأحاديث النهي. قال: "على قاعدتنا التي مدارها على أن
نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن كتابة حديثه مراد به أن لا تُتَّخذ دينًا عامًّا
كالقرآن، وذلك أن ما أمر بكتابته لأبي شاه هو خطبة خطبها - صلى الله عليه وسلم -
يوم فتح مكة، موضوعها تحريم مكة ولُقَطة الحرم. وهذا من بيانه - صلى الله عليه
وسلم - للقرآن ... ".
_________
(1) البخاري (2434)، ومسلم (1355).
(2) (113).
(3) انظر ما تقدم (ص 46 ــ 47).
(12/432)
أقول: الذي يتحصّل من هذا أنه يرى أن القرآن
وما يبيِّنه من السُّنَّة هو من الدين العام فهو مأمور بكتابته، وأما ما عداه فليس
من الدين العام، فلذلك نهى عن كتابته، وتلك الخطبة من البيان فهي من الدين العام،
فلذلك أمر بكتابتها.
وأقول: لا ريب أن أفعاله وأقواله وتقريراته - صلى الله عليه وسلم - التي تبيّن
القرآن كانت كثيرة جدًّا، وليست قاصرة على تلك الخطبة. ثم المفهوم من كلام أبي
ريَّة وما ينقله عن رشيد رضا هو أن الدين العام محصور في السُّنَّة العملية
المتواترة؛ ككون الصلوات خمسًا ونحو ذلك. وأن أحكام القرآن ليست من الدين العام
إلا ما تكون دلالته قطعية على فرض تسليمه بقوله. وقد نقل أبو ريَّة في أواخر
الكتاب وقرّر: أن النصوص اللفظية من القرآن وغيره دلالتها كلها لفظية.
فنقول: لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتابة السنن العملية المتواترة، وهي
من الدين العام عندك، وأمر بكتابة القرآن كله، وكثيرٌ منه أو كله ليس دلالته من
الدين العام عندك. فثبت بهذا سقوط العلة التي زعمت.
[ص 4] إذن فالعلة الصحيحة للأمر بكتابة القرآن هي ما فهمه أهل العلم هنا، وهو أن
ألفاظه مع كونها مقصودة لمعانيها مقصودة لذاتها؛ لأنها كلام الله تبارك وتعالى،
تعبد عباده بتلاوتها، ولها النصيب الوافر من الإعجاز، وأما غير القرآن فليس مثله
في ذلك.
فأما النهي عن كتابة الحديث فقد علمت أنه لم يتحقق صحته وعلمتَ ما يعارضه.
وذكر أبو ريَّة أثرًا عن عائشة: أن أبا بكر كتب خمسمائة حديث ثم أتلفها
(12/433)
خشية أن يكون منها ما أخطأ فيه الذي حدَّثه
به، وخشية أن يردَّ الناسُ غيرها من الحديث بحجة أنه لو كان صحيحًا لكتبه أبو بكر.
وذكر أثرًا عن عمر أنه جمع الصحابة واستشارهم في كتابة السنن، فأشاروا بذلك،
ففكَّر عمر مدَّة ثم عزم أن لا يكتبها قائلًا: إني ذكرتُ قومًا كانوا قبلكم كتبوا
كُتُبًا فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله ....
وهذان الأثران ــ إنْ صحَّا ــ فدلالتهما واضحة على أن أبا بكر وعمر وسائر الصحابة
كانوا يرون أن كتابة الحديث لم ينه عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما كانوا
يجتهدون برأيهم.
ودين الإسلام دين واحد إنما تختلف الأحكام باختلاف أحوال الناس، فكلّ من سمع من
النبي - صلى الله عليه وسلم - خبرًا فهو قطعي في حقّه يحكم عليه بحسب ذلك، ومَن لم
يكن حاضرًا وأخبره الذي كان حاضرًا فحكمه بحسبه، وهلم جرًّا.
وبعض الأحكام التي هي بين المسلمين معلومة بالضرورة قد يجهلها بعض مَن يُسلم، ثم يبقى
بعيدًا عن المسلمين أو يتصل به معرفتها بما لا يفيده إلا الظن، فيكون حكمه بحسب
حاله، [ص 5] وبعض الأخبار التي هي عند الجاهل بالحديث ظنيَّة لأنه إنما أخذ بقول
أهل الحديث أنها ثابتة كما يأخذ أحدنا بقول الطبيب، هي عند بعض أهل الحديث
العارفين له يقينية، والحكم على كلٍّ بحسبه.
فأما المنكِرُ والمرتاب فإن حكمه يختلف لأمرين؛ الأول: بذل الوسع وعدمه، الثاني:
منشأ الإنكار والارتياب، فإنه قد يكون أمرًا لا تَبِعةَ فيه، وقد يكون بخلاف ذلك؛
كأن يكون منشؤه عدم الإيمان بالدين أو بأمر يقوم عليه
(12/434)
الدين؛ مثل أن محمدًا رسول الله يُطلعه الله
على ما شاء من غيبه، ويخرق له ما شاء من عادته، ويحفظه من الخطأ في تبليغ دينه.
وقد يكون منشؤه الخروج عن السراط المستقيم سراط محمد وأصحابه، واتّباع غير سبيل
المؤمنين، وأخذ الدين من غير الشرع، وأخذ العقائد من غير المأخَذَين السلفيين.
أحدهما: العقل الصحيح الذي كان حاصلاً للصحابة وغيرهم من العرب حين بُعث فيهم محمد
- صلى الله عليه وسلم -، فكان قرينةً صحيحة تكون ركنًا من أركان الكلام، فإذا كان
بدونها مُفهمًا لخلاف الواقع، كانت مانعة من فهم ذلك، مخرجةً للكلام عن أن يكون
كذبًا.
وثانيهما: الشرع، إلى غير ذلك مما ليس هذا موضع تفصيله.
وكذلك ما للإمام إلزام الناس به، وما عليه من حياطة المسلمين، والضرب على يد من
يُحاول تشكيكهم والعبث بدينهم، وما على المسلم من الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وما هو حدُّ ذلك، كل هذا ليس هذا موضع الكلام فيه (1).
[ص 6] حديث "من كذَبَ علَيَّ"
صح من طريق جماعة من الصحابة تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكذب عليه
بألفاظ مختلفة، اشتهر منها على ألسن الناس: "مَنْ كذب عليَّ متعمّدًا
فليتبوّأ مقعده من النار" (2)، وجاء في عدد من الروايات (3) هكذا أو بهذا
المعنى،
_________
(1) بعده في الأصل في منتصف السطر "أصل" وترك بعده بياضًا بمقدار ستة
أسطر.
(2) أخرجه البخاري (108)، ومسلم (2) من حديث أنسٍ رضي الله عنه.
(3) الأصل: "الرواية" سهو.
(12/435)
وفي عدد منها بدون كلمة "متعمدًا"
أو بما يؤدِّي معناه.
والعارف إذا تدبَّر هذه القضية علم أن هناك عدة احتمالات:
الأول: أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كرَّر النهي في مناسبات متعددة؛ لأن
شأن هذا الأمر عظيم.
الثاني: أن يكون لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدًا، ولكنّ الرواة تصرَّفوا
فيه بحسب الرواية بالمعنى.
الثالث: أن يكون بعض الرواة زاد أو نقص خطأ.
الرابع: أن يكون بعضهم زاد أو نقص عمدًا.
فأما العارف بالسُّنَّة ورواتها، فإنه إذا أخرج من حسابه الروايات التي يكون في
سندها كذَّاب أو متهم أو مغفَّل أو مجهول= سقط الاحتمال الرابع.
ثم أخرج من حسابه الروايات التي يكون في سندها من يُخطئ، وقد جاء بلفظ ليس له
متابعة صحيحة ولا شاهد صحيح= سقط الاحتمال الثالث.
ثم إذا وجد أن الروايات الصحيحة التي فيها ذكر "متعمدًا" أو ما في معناه
متعددة، والروايات الصحيحة التي ليس فيها هذه الكلمة أو ما في معناها متعددة= لم
يسعه إلا أن يقول: إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر كلمة
"متعمدًا" أو ما في معناها تارةً، ويسكت عنها أخرى. ولهذا نظائر في كتاب
الله عزَّ وجلَّ، [ص 7] فقد وعد الله عزَّ وجلَّ الجنة جزاءً لبعض الأمور ولم
يقيّدها كلها بالموت على الإيمان، وقَيَّد بذلك في بعضها، وأوعد الله عزَّ وجلَّ
بالنار على الكفر وغيره ولم يقيّد بعدم التوبة، وقَيَّد بذلك في بعض المواضع.
(12/436)
ولنفرض أن كلمة "متعمدًا" لم تصح
ولا ما في معناها، فقد دل عليها الأصول القطعية؛ يقول الله عزَّ وجلَّ: {لَا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، {لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].
وقال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا
تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5]، وعلَّم
اللهُ عبادَه أن يقولوا: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ
أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وما علّمهم ذلك إلا ليستجيب لهم. وقد ثبت مقتضى ذلك
في الصحيح، وهو أن الصحابة لمَّا قالوا ذلك، قال الله تعالى: "قد
فعلتُ".
والإنسان معرَّض لأن يقع منه الخطأ مع أنه لم يقصِّر، وقد ذكر أبو ريَّة ص 20 حكم
كلام الرسول في الأمور الدنيوية بما تحسن مراجعته.
نعم، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - معصوم في تبليغ الدين، لكن أصحابه غير
معصومين، فهُم معرَّضون لأن يقع منهم الخطأ ولو نادرًا.
قال أبو رية ص 41: (إن العقل السليم والخلق الكريم ينفران من قبول رواية
"متعمدًا"؛ لأن الكذب هو أبو الرذائل كلها، سواء كان عن عمدٍ أو غير
عمد).
كذا يقول! علمتَ أنه إما أن يكون يفهم من كلمة "متعمدًا" خلاف ما نفهمه
نحن، وإما أن يكون مُكابرًا يكلِّف الناس أن يكونوا معصومين! مع أنه قد اعترف (1)
بأنهم ليسوا ــ ولا في إمكانهم أن يكونوا ــ معصومين، وأن المعصوم هو النبي - صلى
الله عليه وسلم - خاصةً في التبليغ عن ربِّه، فإن كان مكابرًا فلا معنى للكلام
معه.
_________
(1) ضرب المؤلف عليها سهوًا.
(12/437)
وإن كان يفهم منها معنًى غير الذي نفهمه
فنحن نبيّن له المعنى الذي نفهمه: أن التعمّد يشمل من يعلم أن خبره مخالف للواقع
أو يظن ذلك أو يجوِّزه تجويزًا لا يبلغ من الضعف أن لا يحضر في نفس المخبر، وعلى
هذا فلا يخرج إلا من يعتقد أن خبره مطابق للواقع اعتقادًا لا تخالطه أدنى ريبة.
[ص 8] وأنا نفسي جَرَت لي قضية علمت بها يقينًا أن الإنسان الضابط قد يشاهد واقعةً
مشاهدةً لا لبس فيها، ثم يعرض له ما يجعله بعد يومين أو أكثر يقطع قطعًا باتًّا
بخلاف الواقع فيها، ثم يعرض ما ينبهه على خطائه فيزول القطع السابق.
وقد أخبر عمر بن الخطاب وابنه عبد الله خبرًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
فأخبر الناسُ عائشةَ بذلك فأنكرته، وقالت: "إنكم لتحدثونني عن غير كاذبين ولا
مكذَّبِين، ولكن السمع يخطئ ... " إلخ. وقد ذكره بنحوه أبو ريَّة ص 50.
وبهذه المناسبة ننظر في حقيقة الكذب: ذهب الجمهور ــ كما يقولون ــ إلى أنه الخبر
المخالف للواقع. وذهب جماعة من أشهرهم الجاحظ إلى أنه لابدّ مع المخالفة للواقع أن
يكون مخالفًا لِما في نفس المخبر, ومعنى هذا أن قيد التعمّد [ص 9] في مفهوم الكذب،
فما لم يكن متعمَّدًا فليس بكذب. وأبو ريَّة يقدِّس الجاحظ، ولكنه هنا لم يعرِّج
على قوله لمخالفته هواه.
والحكاية التي ذكرها عن عائشة قد تشهد لقول الجاحظ.
والتحقيق عندي أنه إذا [قيل: ] (1) "هذا القول كذب" ونحو ذلك، كما
_________
(1) زيادة يستقيم بها السياق، وبقي مما لم يضرب عليه المؤلف قوله: "من
حيث" ولا مكان لها.
(12/438)
يقال بصرف النظر عن المُخبِر فهو بمعنى
"مخالف للواقع" فأما "كذب" بلفظ الماضي أو "يكذب"
أو "كاذب" ونحو ذلك من الكلمات التي يلاحَظ معها المخبِر، فالعُرف
العامّ يخصّها بالعمد، ألا ترى أن في أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - في