النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
أقول: تتمة كلام ابن قتيبة: «فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألْزَمهم لرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - لخدمته وشبع بطنه ... فعرَف ما لم يعرفوا وحفظ ما لم
يحفظوا، أمسكوا عنه». وكلمة «اتهموه» كلمة نابية يتبرّأ منها الواقع، فإنه لم
_________
(1) (ص 222).
(2) (ص 232، 381).
(12/227)
يثبت عن أحدٍ من الصحابة أنه اعترض على شيء
من حديث أبي هريرة إلا عائشة وابن عمر، فأما عائشة فيأتي قريبًا (1) قولها: «إنك
لتحدّث حديثًا ما سمعته» فأجابها ذاك الجواب الصريح فأقرَّت. وقد تتبَّع أبو ريَّة
الأحاديث التي انتقدَتْها عائشةُ على أبي هريرة، ويأتي الجوابُ الواضحُ عنها، وأنّ
أكثرها قد ثبت مِن رواية غير أبي هريرة من الصحابة. على أن انتقاد عائشة لها ليس
على وجه الاتهام بكذبٍ ونحوه ــ معاذ الله ــ وإنما فيه الاتهام بالخطأ، وقد اتهمت
عائشة بالخطأ عُمرَ وابنَ عمر كما مرَّ (ص 51) (2) ويأتي. وقد عدَّ الحاكمُ في
«المستدرك» (3) عائشةَ في الصحابة الذين رووا عن أبي هريرة كما يأتي.
وأما ابن عمر فإنما استغربَ حديثًا واحدًا من حديث أبي هريرة، فاستشهدَ أبو هريرة
عائشةَ فشهدت، فعاد ابن عمر بطيب الثناء على أبي هريرة وقال له: «يا أبا هريرة
كنتَ ألْزَمَنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعلمنا بحديثه». وممَن روى هذا
الحاكم في «المستدرك» (510: 3) وصححه وأقرَّه الذهبي (4).
وفي «تهذيب التهذيب» (5) و «الإصابة» (6): «وقال ابن عمر: أبو هريرة
_________
(1) (ص 231).
(2) (ص 99).
(3) (3/ 513).
(4) وقد تقدم (ص 205).
(5) (12/ 240).
(6) (7/ 438).
(12/228)
خيرٌ منِّي وأعلم». زاد في «الإصابة»: «بما
يحدِّث»، وفي «الإصابة» (1): «أخرج مسدَّد من طريق عاصم بن محمد بن زيد بن عبد
الله بن عمر عن أبيه قال: كان ابن عمر إذا سمع أبا هريرة يتكلّم قال: إنا نعرف ما
يقول، لكنا نجبُن ويجترئ». وعاصم وأبوه ثقتان.
وفي «المستدرك» (510: 3) من طريق [ص 119] « ... جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن
حذيفة رضي الله عنه قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فقال ابن عمر: أُعيذكَ بالله أن تكون في شكٍّ مما يجيء به،
ولكنه اجترأ وجَبُنَّا». وهكذا ذكره الذهبي في «تلخيص المستدرك»: «جرير عن الأعمش
... » وقد سمع أبو وائل من ابن عمر، فأخشى أن يكون ذِكْر حذيفة مزيدًا على سبيل
الوهم. والله أعلم.
وفي «الإصابة» (2): «رُوّينا في فوائد المزكّي تخريج الدارقطني من طريق عبد الواحد
بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رَفَعَه: «إذا صلى أحدُكم ركعتي الفجر
فليضطجع على يمينه». فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟
قال: لا. فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أَكْثَرَ أبو هريرة. فقيل لابن عمر: هل تنكر
شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: ما
ذنبي إن كنتُ حفظتُ ونسوا. وقد روى ابن عمر عن أبي هريرة كما في «التهذيب» (3)
وغيره.
قال أبو ريَّة: (وممن اتَّهَمَ أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي).
_________
(1) (7/ 440). ووقع في «الإصابة»: «بن يزيد» خطأ.
(2) (7/ 440 ــ 441).
(3) (12/ 237).
(12/229)
أقول: هذا أَخَذَه مِن كتاب ابن قُتيبة (1)،
وإنما حكاه ابنُ قُتيبة عن النظَّام بعد أن قال ابن قتيبة: «وجَدْنَا النظَّام
شاطرًا من الشطَّار، يغدو على سُكْر ويروح على سُكْر، ويبيت على جرائرها، ويدخل في
الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات ... ثم ذكر أشياء من آراء النظَّام المخالفة
للعقل وللإجماع، وطعْنَه على أبي بكر وعمر وعليّ وابن مسعود وحُذيفة. فمَنْ كان
بهذه المثابة كيف يقبل نقله بلا سند؟
ومن الممتنع أن يكون وقع مِن عمر وعثمان وعليّ وعائشة أو واحد منهم رَمْيٌ لأبي
هريرة بتعمّد الكذب أو اتهام به ثم لا يشتهر ذلك ولا يُنْقل إلا بدعاوى مَن ليس
بثقة ممن يعادي السنَّةَ والصحابَة كالنظَّام وبعض الرافضة. وقد تقدم ويأتي (2)
ثناءُ بعض أكابر الصحابة على أبي هريرة، وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه، وأطبق
أئمة التابعين من أبناء أولئك الأربعة وأقاربهم وتلاميذهم على تعظيم أبي هريرة
والرواية عنه والاحتجاج بأخباره.
وعند أهل البدع من المعتزلة والجهمية والرافضة والناصبة حكايات معضلة مثل هذه
الحكاية، تتضمّن الطعنَ القبيح في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وعائشة وغيرهم، وفي
كثير منها ما هو طعن في النبي - صلى الله عليه وسلم -. والحكم في ذلك واحد، وهو
تكذيب تلك الحكايات البتة.
[ص 120] قال أبو ريَّة: (ولما قالت له عائشة: إنك لتحدِّث حديثًا ما سمعتُه من
النبي - صلى الله عليه وسلم -، أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار إذ قال لها ...
شغلك عنه - صلى الله عليه وسلم - المرآة
_________
(1) (ص 204 ــ 206).
(2) (ص 312 ــ 315).
(12/230)
والمكحلة. وفي رواية: ما كانت تشغلني عنه
المكحلة والخضاب، ولكن أرى ذلك شغلك).
أقول: تتمة الرواية الأخيرة كما في «البداية» (1): «فقالت: لعله». والذي أنكره أبو
ريَّة من جواب أبي هريرة عظيم الفائدة للباحث المحقق، وذلك أن أبا هريرة كان شديد
التواضع، وقد تقدم أمثلة من ذلك (2)، وعائشةُ معروفة بالصرامة وقوة العارضة،
فجوابه يدلّ على قوة إدلاله بصدقه ووثوقه بحفظه، ولو كان عنده أدنى تردّد في صدقه
وحفظه لاجتهد في الملاطفة، فإن المريب جبان، وسكوت عائشة بل قولها: «لعله» أي: لعل
الأمر كما ذكرتَ يا أبا هريرة. يدل دلالة واضحة أنه لم يكن عندها ما يقتضي اتهام
أبي هريرة.
هذا، وحجة أبي هريرة واضحة، فإن عائشة لم تكن ملازمةً للنبي - صلى الله عليه وسلم
-، بل انفردت عن الرجال بصحبته - صلى الله عليه وسلم - في الخلوة، وقد انفردت
بأحاديث كثيرة تتعلَّق بالخلوة وغيرها فلم ينكرها عليها أحد، ولم يقل أحدٌ ــ ولا
ينبغي أن يقول ــ: إن سائر أمهات المؤمنين قد كان لهنّ من الخلوة بالنبي - صلى
الله عليه وسلم - مثل ما لها، فما بالُ الرواية عنهن قليلة جدًّا بالنسبة إلى
رواية عائشة.
قال: (على أنه لم يلبث أن عاد فشهد بأنها أعلم منه ... ذلك أنه لما روى حديث (مَنْ
أصبح جنبًا فلا صوم عليه) ... أنكرت عليه عائشةُ هذا الحديث فقالت: إن رسول الله
كان يدركه الفجر وهو جُنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم، وبعثت إليه بأن لا يحدِّث
بهذا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يسعه إزاء ذلك إلا الإذعان
والاستخذاء وقال: إنها أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي، وإنما سمعته من الفضل بن
العباس).
_________
(1) (11/ 374). وقد سبق.
(2) (ص 208 ــ 209).
(12/231)
أقول: لم أجد حديث أبي هريرة هذا بلفظ: «فلا
صوم عليه» وإنما وجدته بلفظ «فلا يصم» ونحوه، ولا ريب أنه إذا كان في رمضان يلزمه
قضاء ذاك اليوم. هذا، وقوله: «هي أعلم» لا يناقض جوابه المتقدم، وإنما المعنى: هي
أعلم بذاك الشأن الذي تتعلّق به المسألة، ووجه ذلك واضح.
وقد عرفتَ صرامةَ عائشة وشدّة إنكارها ما ترى أنه خطأ. وسيأتي طرفٌ من ذلك (1) ــ
وشدّتها على أبي هريرة خاصة ــ فاقتصارها إذ بلغها حديثُه هذا على أن بعثت إليه أن
لا يحدِّث بهذا الحديث [ص 121] وذِكْرها فِعْل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - =
يدلّ دلالة قوية أنها عرفت الحديث ولكنها رأت أنه منسوخ بفعل النبيّ - صلى الله
عليه وسلم -.
ويؤيد هذا أنّ ابنَ اختها وأخصّ الناس بها وأعلمهم بحديثها: عُروة بن الزبير
استمرّ قولُه على مقتضى الحديث الذي ذكره أبو هريرة، وهذا ثابت عن عروة، وانظر
«فتح الباري» (124: 4) (2)، وذكر مثله أو نحوه عن طاووس وعطاء وسالم بن عبد الله
بن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وهؤلاء من كبار فقهاء التابعين بمكة
والمدينة والبصرة والكوفة. والنظر يقتضي هذا، وشرح ذلك يطول. وكأنَّ عُروة حَمَل
فعلَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكرتْه عائشة على الخصوصية أو غيرها مما
لا يقتضي النسخ.
واستدلّ الجمهور على النَّسْخ بقول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ
الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]. قالوا: فهذه الآية
نَسَخَتْ بالإجماع
_________
(1) (ص 380 ــ 381).
(2) (4/ 147 ــ السلفية).
(12/232)
ما كان قبل ذلك من تحريم الجماع في ليالي
رمضان بعد النوم، وهي تتضمن إحلاله في آخر جزء من الليل بحيث ينتهي بانتهاء الليل،
ومن ضرورة ذلك أن يصبح جُنُبًا. فهذان شاهدا عَدْلٍ بصحة حديث أبي هريرة وصدقه؛
الأول: اقتصار عائشة على ما اقتصرت عليه. الثاني: مذهب تلميذها وابن اختها عروة.
وثَمَّ شاهد ثالث: وهو أن المتفق عليه بين أهل العلم وعليه دلَّ القرآن أنه كان
الحكم أوَّلًا تحريم الجماع في ليالي رمضان بعد النوم، وأنَّ مَن فعل ذلك لم يصح
صومه ذلك اليوم، والحكمة في ذلك ــ والله أعلم ــ أن يطول الفصل بين الجماع وبين
طلوع الفجر، ولما كان من المحتمل أن يلجأ بعضُ الناس إلى السهر طول الليل ويجامع
قبيل الفجر بحجّة أنه إنما جامع قبل النوم ناسب ذلك أن يحرّم كونه جُنبًا عند طلوع
الفجر، ليضطرّ من يريد الجماع ممن يَسْهر إلى أن يقدّمه قبل الفجر بمدة تتسع له
وللغسل بعده، فيحصل بذلك المقصود مِن طول الفصل. وهذا هو مقتضى حديث أبي هريرة.
وشاهد رابع: وهو أَنَّا مع عِلْمنا بصدق أبي هريرة وأمانته، لو فرضنا جدلًا خلاف
ذلك، فأيّ غرض شخصيّ لأبي هريرة في أن يرتكب الكذب على النبيّ - صلى الله عليه
وسلم - ليحمل الناس على ما تضمّنه حديثه؟ لا غرض له البتة، وإذًا فلابد أن يكون
كان عنده دليلٌ فَهِمَ منه ذلك، وقد عرفنا أنَّه قَلّما يلجأ إلى الاستنباط
الدقيق، وإنما يتمسَّك بالنصوص، وقد نصَّ هو على أن دليله هو ذاك الحديث، فبان أن
الحديث كان عنده.
فهذه أربعة شهود على صِدْق أبي هريرة في هذا الحديث، وفوق ذلك ما ثبت من دينه
وأمانته، ودلّ عليه الكتاب والسنة كما يأتي في فصل عدالة
(12/233)
الصحابة (1)، وشهد به جَمْعٌ من الصحابة،
وأجمع عليه أهل العلم، فهذا هو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال؟
قال أبو ريَّة: (فاستشهد ميتًا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - كما قال ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث»).
أقول: قد تقدّم أنّ الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض، ويقول أحدُهم فيما سمعه من
أخيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ».
وكان ذلك يُفْهَم على الاحتمال بدون إيهام لاشتهار عُرْفِهم به قبل عُرْفِ
المحدّثين. وقد أخذ أبو هريرة عن غيره من الصحابة في حياة النبيّ - صلى الله عليه
وسلم - وعَقِبَ وفاته، ثم طال عمره حتى كانت قضية هذا الحديث في إمارة مروان على
المدينة وذلك في خلافة معاوية، وكان معظم الصحابة قد ماتوا، فما الذي يستغرب من أن
يكون مخبر أبي هريرة قد مات؟
وقد تقدَّم بيان الأدلة الواضحة على صدق أبي هريرة وصحَّة حديثه هذا. لكن انظر إلى
عبارة أبي ريَّة في قوله (فاستشهد ... كما قال ابن قتيبة ... ) ألا ترى أن هذا
الخبر يُعْطِي بأن ابن قتيبة قال ذلك من عنده وأنَّه رأيه، لكنّ الواقع أن ابن
قتيبة إنما حكى ذلك عن النظَّام بعد أن وصفه بما تقدّم ثم ردَّ عليه، فماذا تقول
في أبي رية؟ (2).
ثم قال ص 168: (وكان عليّ رضي الله عنه سيِّئ الرأي فيه، وقال عنه: ألا إنه أكذب
الناس، أو قال: أكذب الأحياء على رسول الله لأبو هريرة).
_________
(1) (ص 365).
(2) وقد تقدم نحو صنيعه هذا مع ابن عساكر، ونبهتُ عليه فيما سبق، انظر (ص 226)
حاشية (2).
(12/234)
أقول: لم يذكر أبو ريَّة مصدره فنفضحه،
وكأنه أخذ هذا من كتاب عبد الحسين الرافضي (ظلمات بعضها فوق بعض) انظر (ص 119)
(1).
ثم رأيت مصدره وهو «شرح النهج» لابن أبي الحديد (360: 1) (2) حكاية عن الإسكافي،
ومع تهوُّر ابن أبي الحديد والإسكافي فالعبارة هناك «وقد رُوي عن عليّ عليه السلام
أنه قال ... » ولكن أبا ريَّة يجزم. راجع (ص 109) (3).
قال: (ولما سمع أنه يقول: حدثني خليلي. قال له: متى كان النبي خليلك؟).
أقول: هذا من دعاوى النظَّام على عليّ، وقد كان أبو ذر يقول هذه الكلمة، والنبي -
صلى الله عليه وسلم - خليل كلّ مؤمن وإن لم يكن أحد من الخلق خليلًا له - صلى الله
عليه وسلم - لقوله: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر» (4). والخليل
كالحبيب، فكما أنه لا يلزم من كون إنسان حبيبك أن تكون حبيبه فكذلك الخليل،
والخُلّة أعظم مِن المحبة، فلا يلزم من نفي الخلّة نفي المحبة.
قال أبو ريَّة: (ولما روى حديث: متى استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها
في الإناء [ص 123] فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» لم تأخذ به عائشة
_________
(1) (ص 230).
(2) (4/ 68). قال العلامة ابن الوزير اليماني معلقًا على هذا الخبر: «هذا مما يقطع
العارف ببطلانه عن عليّ عليه السلام، وأرجو ألا تصحّ حِكايته وتقريره عن ابن أبي
الحديد»، وذكر قبل ذلك أن بعض أعداء ابن أبي الحديد زاد مثل هذه الأخبار في كتابه؛
لأنها لا تليق به. انظر «العواصم والقواصم»: (2/ 43 ــ 44).
(3) (ص 210 ــ 211).
(4) أخرجه البخاري (466)، ومسلم (2382) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(12/235)
وقالت: كيف نصنع بالمهراس» وعلّق عليه:
«المهراس صخر ضخم منقور لا يحمله الرجال ولا يحركونه يملؤونه ماء ويتطهَّرون).
أقول: قد أسلفتُ (ص 108) (1) أن عائشة لم تتكلّم في هذا الحديث بحرف، وإنما
يُرْوَى عن رجل يقال له قين الأشجعي (2) أنه قال لأبي هريرة لمَّا ذكر الحديث:
«فكيف نصنع إذا جئنا مهراسكم هذا؟» فقال أبو هريرة: «أعوذ بالله من شرِّك». كره
أبو هريرة أن يقول مثلًا: إن المهراس ليس بإناء، والعادة أن يكون ماء الإناء
قليلًا، وماء المهراس كثيرًا. أو يقول: أرأيت لو كانت يدك ملطخة بالقذر؟ أو يقول:
إن وجدت ماء غيره أو وجدت ما تغرف به فذاك وإلا رجوت أن تُعْذَر، أو نحو ذلك؛ لأن
أبا هريرة رضي الله عنه كان يتورَّع عن تشقيق المسائل، ويدع ذلك لمن هو أجْرَأُ
وأشدُّ غوصًا على المعاني منه. وقد كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يلتزم في
الوضوء أن يغسل يديه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، ثبت ذلك من حديث عثمان وعبد الله
بن زيد (3). ولا يخفى ما في ذلك مِنْ رعاية النظافة والصحة.
قال أبو ريَّة: (ولما سمع الزبير أحاديثه قال: صدق، كذب).
_________
(1) (ص 208).
(2) مسند أحمد (382: 2) [8965]. [المؤلف].
أقول: سنده حسن من أجل محمد بن عَمرو بن علقمة.
ووقع في «المسند»: «قيس الأشجعي» وصوابه: «قين» بالنون. انظر «مسند أبي يعلى»
(5973)، و «معرفة الصحابة»: (4/ 2363)، و «الإصابة»: (5/ 567)، و «تكملة الإكمال»:
(4/ 679). ووقع في (ط): «فكيف تصنع».
(3) حديث عثمان أخرجه البخاري (159)، ومسلم (227).
وحديث عبد الله بن زيد أخرجه البخاري (186)، ومسلم (235).
(12/236)
أقول: عزاه إلى «البداية» (8: 109) (1) وهو
هناك عن ابن إسحاق عن عمر ــ أو عثمان ــ بن عروة بن الزبير عن عروة قال: «قال لي
أبي ــ الزبيرـ: أَدْنِني من هذا اليماني ــ يعني أبا هريرة ــ فإنه يكثر الحديثَ
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدّث، وجعل
الزبير يقول: صدق، كذب. صدق، كذب. قال: قلت: يا أبت ما قولك: صدق، كذب؟ قال: يا
بني أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا أشكّ
فيه، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه».
أقول: في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا
اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعتُ
رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه
أوشك الله أن يعمّهم بعقابه». انظر «تفسير ابن كثير» (3: 257) (2).
فالوضع على غير الموضع ليس بتغيير اللفظ، فإن الناس لم يغيّروا مِن لفظ الآية
شيئًا، وإنما هو الحَمْل على [غير] (3) المحمل الحقيقي. ومثال ذلك في الحديث: أن
[ص 124] يذكر أبو هريرة حديث النهي عن الادّخار مِن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وحديث
النهي عن الانتباذ في الدّبّاء والنقير والمزفَّت، فيرى الزبير أن النهي عن
الادخار إنما كان لأجل الدافَّة، وأنّ النهي عن الانتباذ في تلك الآنية إنما كان
إذ كانوا حديثي عهد بشرب الخمر؛
_________
(1) (11/ 375 ــ 376). وأخرجه ابن عساكر في «تاريخه»: (67/ 356).
(2) (3/ 1260 ــ 1261).
(3) سقطت من (ط).
(12/237)
لأن النبيذ في تلك الآنية يُسْرع إليه
التخمّر، فقد يتخمّر فلا يصبر عنه حديث العهد بالشرب. ونحو ذلك. وأن أبا هريرة إذ
أخبر بذلك على إطلاقه يفهمه الناس على إطلاقه، وذلك وَضْعٌ له على غير موضعه.
ففي القصة شهادةُ الزبير لأبي هريرة بالصدق في النقل، فأما ما أخذه عليه فلا
يضرُّه، فإن في الأحاديث الناسخَ والمنسوخ، والعامَّ والخاص، والمطلقَ والمقيّد،
وقد يعلم الصحابي هذا دون ذاك، فعليه أن يبلّغ ما سمعه، والعلماء بعد ذلك يجمعون
الأحاديث والأدلة، ويفهمون كلًّا منها بحسب ما يقتضيه مجموعها، وراجع (ص 32) (1).
قال أبو رية ص 169: (وعن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا
هريرة يحدّث عن رسول الله: «إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار» فطارت شققًا ثم
قالت: كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم من حدَّث بهذا عن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -، إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كان أهل الجاهلية
يقولون: إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار». ثم قرأت: {مَا أَصَابَ مِنْ
مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ
أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22]).
أقول: أخرج أحمد وأبو داود بسند جَيِّد عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: «لا عَدْوى
ولا طِيَرة ولا هام، إن تكن الطِّيَرةُ في شيء ففي الفَرَس والمرأة والدار» انظر
«مسند أحمد» الحديث (502 و 554) (2). وفي «فتح الباري» (6: 45) (3): «الطِّيَرة
والشؤم بمعنى واحد». وفي «الصحيحين» (4)
_________
(1) (ص 63 ــ 64).
(2) (1554 و 1615).
(3) (6/ 61).
(4) البخاري (2858)، ومسلم (2225).
(12/238)
وغيرهما من حديث ابن عمر قال: سمعتُ النبيَّ
- صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار» لفظ
البخاري في كتاب الجهاد، باب ما يُذْكَر من شؤم الفرس، وفي «الصحيحين» (1) وغيرهما
من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: «إن كان ففي المرأة والفرس والمسكن». زاد مسلم: «يعني
الشؤم». وجاء نحوه بسند جَيِّد عن أمِّ سلمة وزادت: «والسيف» راجع «فتح الباري»
(6: 47) (2). وفي «صحيح مسلم» (3) من حديث جابر مرفوعًا: «إن كان في شيء ففي
الرَّبع والخادم والفرس».
أما روايته عن أبي هريرة فعزاه أبو ريَّة إلى «تأويل مختلف الحديث» (4) لابن
قتيبة، وقد رواه الإمام أحمد [ص 125] في «المسند» (6: 150 و 240 و 246) (5) من
طريق قتادة عن أبي حسَّان. وليس بالصحيح عن عائشة؛ لأن قتادة مدلِّس، ولو صحّ عن
عائشة لما صح المنسوب إلى أبي هريرة لجهالة الرجلين، وليس في شيء من روايات أحمد
لفظ «كذب» ولو صحّت لكانت بمعنى «أخطأ» كما يدلّ عليه آخر الحديث. وقد تبين أنه لا
خطأ، فقد رواه جماعة من الصحابة كما علمت. فأما معناه والجمع بينه وبين الآية
فيُطْلَب من مظانّه.
قال أبو ريَّة: (وأنكر عليه ابن مسعود قوله: مَن غسَّل ميتًا ... وقال فيه قولًا
شديدًا، ثم قال: يا أيها الناس لا تنجسوا موتاكم).
_________
(1) البخاري (2859)، ومسلم (2226).
(2) (6/ 63).
(3) (2227).
(4) (ص 172).
(5) (25168 و 26034 و 26088).
(12/239)
أقول: عزاه إلى «جامع بيان العلم» لابن عبد
البر (2: 85) (1) وهو هناك بغير إسناد، وفي «سنن البيهقي» (1: 307) عن ابن مسعود:
«إنْ كان صاحبكم نجسًا فاغتسلوا وإن كان مؤمنًا فلم نغتسل (2)؟» وسنده واه. وقد
جاء الغسل مِن غَسْل الميت من حديث عليّ وفِعْلِه، ومن حديث عائشة وحذيفة وأبي
سعيد والمغيرة، راجع «سنن البيهقي» (1: 299 - 307)، و «تلخيص الحبير» (ص 50 و 157)
(3). فمن أهل العلم مَن يستحب، ومنهم مَن يوجب، ومنهم من يقول: منسوخ، ومنهم من
ينكر. ويظهر لي أن مَنْ جعله من باب التطهُّر لحَدَث أو نجس قد أبعد، ومن أنكره
لأن الميت ليس بنجس قد أبعد، وإنما هو لمعنى آخر. والعارفون بعلم النفس والصحة
يرون له تعلُّقًا بذلك، والله أعلم.
قال: (ولمّا روى حديث: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه» فقال له
مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر
أبو هريرة).
أقول: تصرَّفَ أبو ريَّة في هذا، والحديث في «سنن أبي داود» (4) في آخره «قال:
فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا، قال:
فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبي إن كنتُ حفظتُ ونسوا».
_________
(1) (2/ 915 ــ ت الزهيري).
(2) (ط): «تغتسل»، وفي هامش السنن نسخة كذلك. وقال البيهقي عقِب الحديث: إسناده
ليس بالقوي.
(3) (1/ 144 ــ 146 و 2/ 72).
(4) (1263). وأخرجه ابن خزيمة (1120)، وابن حبان (2468).
(12/240)
وقد تقدم (ص 119) (1) مع بعض ما يناسبه. وفي
«الصحيحين» (2) وغيرهما عن عائشة رضي الله عنه قالت: «كان النبيّ - صلى الله عليه
وسلم - إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شِقّه الأيمن».
قال أبو ريَّة: (ولا نستوفي ذكر انتقاد الصحابة له والشك في روايته ... ).
أقول: قد اتضح بحمد الله عزَّ وجلّ الجواب عمَّا ذَكر، ومنه يُعْلَم حال مالم
يَذكر.
قال: (وقد امتد الإنكار عليه واتهامه في رواياته إلى مَن بَعْد الصحابة).
أقول: قد تبين أنه لم يتهمه أحدٌ من الصحابة، بل أثنوا عليه وسمعوا منه ورووا عنه،
وسيأتي تمام ذلك [ص 126] وتبيّن قيام حجته الواضحة في أكثر ما انتُقِد عليه، وعذره
الواضح في ما بقي، وبذلك سقط ما يخالفه من كلام مَنْ دونهم، وسنرى.
قال: (روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: أقلِّد مَن كان من القضاة المفتين
من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعبادلة الثلاثة، ولا أستجيز خلافهم برأيي
إلا ثلاثة نفر ــ وفي رواية: أقلد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأيي إلا ثلاثة
نفر ــ: أنس بن مالك وأبو هريرة وسمرة بن جندب» فقيل له في ذلك، فقال: أما أنس فاختلط
في آخر عمره، وكان يُستفتى فيُفتي من عقله، وأنا لا أقلد عقله، وأما أبو هريرة
فكان يروي كلَّ ما سمع من غير أن يتأمل في المعنى، ومن غير أن يعرف الناسخ من
المنسوخ).
أقول: عزا أبو ريَّة هذه الحكاية إلى «مختصر كتاب المؤمل» (3)
_________
(1) (ص 229 ــ 230).
(2) البخاري (626)، ومسلم (736).
(3) (ص 62 ــ 63 ــ ت مقبول)، وليس في النشرة الجديدة للكتاب المطبوع بعنوان «خطبة
الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول» تحقيق د. جمال عزّون. انظر (ص 133 ــ 134)
فهل سقط منها أو لا يوجد في النسخ الخطية التي اعتمدها؟
(12/241)
لأبي شامة، وأبو شامة من علماء الشافعية في
القرن السابع (1) بينه وبين محمد بن الحسن عدة قرون، ولا ندري من أين أخذ هذا. وقد
احتاج العلَّامة الكوثري في رسالته «الترحيب» (ص 24) (2) إلى هذه الحكاية. ومع
سَعَة اطلاعه على كتب أصحابه الحنفية وغيرهم لم يجد لها مصدرًا إلا مصدر أبي ريَّة
هذا. وحكايةٌ مثل هذه عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة لا توجد في كتب الحنفية أيّ
قيمةٍ لها؟ (3).
هذا، والحكاية لا تتعرَّض للأحاديث التي يرويها الصحابة، وإنما تتعلَّق بقول
الصحابي الموقوف عليه هل يجوز لمن بعده مخالفته برأيه؟ فحاصلها أنَّ أبا حنيفة
يقول: إنه لا يخالف قول أحدٍ من الصحابة برأيه سوى أولئك الثلاثة.
فأقول: أما أنس فراجع «طليعة التنكيل» الطبعة الثانية (ص 101 - 108) (4). وأما أبو
هريرة فقوله فيه: «يروي كلّ ما سمع». يعني بها: كلّ ما سمعه من الأحاديث، وليس هذا
بطعن في روايته ولا هو المقصود، وإنما هو مرتبط بما بعده وهو قوله: «من غير ... »
والمدار على هذا، يقول: إنه لأجل هذا لا يوثَق بما قاله برأيه؛ إذ قد يأخذه من
حديث منسوخ ونحو ذلك،
_________
(1) توفي سنة (665 هـ).
(2) (ص 317 ــ بذيل تأنيب الخطيب).
(3) ذكر هذا القول صاحب «المحيط البرهاني»: (8/ 408 ــ 410 ــ دار إحياء التراث).
ووفاته سنة (571 هـ) ولم يُسند الخبر؛ فالقول فيه كالقول في أبي شامة. وانظر
«التنكيل»: (1/ 21 - 22) للمؤلف.
(4) (ص 78 - 85 ــ طبعتنا).
(12/242)
وسيأتي ما فيه (1).
وفي الحاشية (2): (قال في «مرآة الوصول» وشرحها «مرقاة الأصول» من أصول الحنفية
رحمهم الله في بحث الراوي: وهو إن عرف بالرواية فإن كان فقيهًا تقبل منه الرواية
مطلقًا سواء وافق القياس أو خالفه. وإن لم يكن فقيهًا (كأبي هريرة وأنس) رضي الله
عنهما فترد روايته).
أقول: في هذا أمران، الأول: أن الصواب: «في «مرقاة الوصول» وشرحها «مرآة الأصول».
الثاني: أن مؤدَّى العبارة ــ على ما نقله أبو ريَّة ــ ردُّ رواية أبي هريرة وأنس
ونحوهما مطلقًا، لكن تمام العبارة في مصدره: «إن لم يوافق ــ الحديث الذي رواه ــ
قياسًا أصلًا، حتى إن وافق قياسًا وخالف قياسًا تقبل». على أن [ص 127] هذا القول
قد ردَّه محقّقو الحنفية، قال ابن الهمام في «التحرير»: «وأبو هريرة فقيه». قال
شارحه ابن أمير الحاج (2: 251) (3): «لم يعدم شيئًا من أسباب الاجتهاد، وقد أفتى
في زمن الصحابة، ولم يكن يفتي في زمنهم إلا مجتهد، وروى عنه أكثر من ثمانمائة رجل
من (4) بين صحابي وتابعي، منهم ابن عباس وجابر وأنس، وهذا هو الصحيح».
ذكر أبو ريَّة في الحاشية (5): أن في قوله: «يروي كلَّ ما سمع» إشارة
_________
(1) وقال أبو ريَّة في حاشية ص 334: «من أجل ذلك لم يأخذ أبو حنيفة بما جاء عن أبي
هريرة وأنس بن مالك وسمرة ... » كذا يقول أبو رية، فانظر واعتبر! [المؤلف].
(2) هذه الحاشية حُذِفت من الطبعات اللاحقة. انظر (ص 178 ــ ط السادسة).
(3) (4/ 134).
(4) في أصله: «ما».
(5) هذه الحاشية أيضًا لا وجود لها في الطبعات اللاحقة. انظر (ص 178 ــ 179).
(12/243)
إلى حديث: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكلِّ
ما يسمع» (1).
أقول: هذا الحديث عام يشمل ما يسمع مما يُعلم أو يُظن أنه كذب، وأبو هريرة إنما
كان يحدّث بالعلم، بما يعلم أو يعتقد أنه صدق، فأين هذا من ذاك؟
وقال ص 170: (وروى أبو يوسف قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجيئني عن رسول الله يخالف
قياسنا، ما نصنع به؟ فقال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي.
فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟ قال: ناهيك بهما. فقلت: وعلي وعثمان، قال:
كذلك، فلما رآني أعد الصحابة قال: والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالًا - وعدَّ منهم
أبا هريرة وأنس بن مالك).
أقول: لم يذكر مصدره. وهذه عادته (الحميدة) في تدليس بلاياه. ثم وجدت مصدره وهو
«شرح نهج البلاغه» لابن أبي الحديد (1: 360) (2) عن أبي جعفر الإسكافي فراجع ما
تقدم (ص 109) (3).
ولا ريب أنَّ هذا لا يصح عن أبي يوسف ولا أبي حنيفة، والمعروف عنهما وعن أصحابهما
في كتب العقائد والأصول وغيرها ما عليه سائر أهل السنة: أن الصحابة كلّهم عدول،
وإنما يقول بعضهم: إن فيهم من ليس بفقيه أو مجتهد، قال ابن الهمام في «التحرير»
(4): « ... يقسم الراوي الصحابي إلى مجتهد كالأربعة والعبادلة، فيقدَّم على القياس
مطلقًا، وعَدْل ضابط كأبي هريرة وأنس وسلمان وبلال فيقدَّم، إلا إن خالف كلَّ
الأقيسة على قول عيسى والقاضي أبي زيد ... » ثم قال بعد ذلك: «أبو هريرة مجتهد»
كما تقدّم.
_________
(1) أخرجه مسلم في مقدمة «صحيحه» (5) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) (4/ 68).
(3) (ص 210 ــ 211).
(4) (4/ 131 ــ 132 ــ مع شرحه التقرير).
(12/244)
وغير عيسى وأبي زيد ومَنْ تَبِعه يرون تقديم
الخبر مطلقًا. راجع «فواتح الرحموت» (145: 2).
ثم حكى أبو ريَّة ما رُوي عن إبراهيم: (كان أصحابنا يَدَعون من حديث أبي هريرة، ما
كانوا يأخذون بكلِّ حديث أبي هريرة. كانوا يرون في حديث أبي هريرة (1) شيئًا، ما
كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار أو حثّ على
عمل صالح أو نهي عن شرّ جاء بالقرآن (2)، دعني من حديث أبي هريرة (3)، إنهم كانوا
يتركون كثيرًا من حديثه).
أقول: ذكر ابن كثير في «البداية» (109: 8) (4) بعضَ هذه الكلمات عن ابن عساكر، ولم
يسق السند بتمامه. وباقيها أخذه أبو ريَّة من «شرح النهج» لابن أبي الحديد (360:
1) (5) حكاه ابن أبي الحديد عن الإسكافي، وراجع (ص 109) (6)، وقد تقدم (ص 121) (7)
أخذ إبراهيم بحديث أبي هريرة الذي أخبرت عائشة بخلافه فترك أبو هريرة [ص 128] الإفتاء
به وقال: «إنما حدثنيه الفضل بن عباس»، وأَخْذُهُ به يدلّ على ثقةٍ بالغةٍ بأبي
هريرة وحديثه.
_________
(1) في كتاب أبي ريَّة (ص 179 ــ ط: 6): «في أحاديث رسول الله».
(2) عند أبي ريَّة: «جاء في القرآن».
(3) عند أبي ريَّة: «دعني من أبي هريرة».
(4) (11/ 377 ــ 378). وقال ابن كثير عقبه: «وقد انتصر ابنُ عساكر لأبي هريرة،
وردّ هذا الذي قاله إبراهيم النخعي. وقد قال ما قاله إبراهيم طائفة من الكوفيين
والجمهور على خلافهم» اهـ. وانظر «تاريخ دمشق»: (67/ 360 ــ 362).
(5) (4/ 68).
(6) (ص 210 ــ 211).
(7) (ص 232 ــ 233).
(12/245)
ثم إن صحَّتْ تلك الكلمات أو بعضها فقوله:
«كان أصحابنا» يريد بهم أشياخه من الكوفيين، وإليهم يرجع الضمير في قوله: «كانوا».
وحقُّ هذه الكلمات ــ إن صحَّت عن إبراهيم ــ أن تُنتقد عليه لا على أبي هريرة.
وقد تقدم بيان حال أبي هريرة عند الصحابة وثناؤهم عليه وسماعهم منه وروايتهم عنه،
ويأتي لذلك مزيد، وبان سقوط كلّ ما خالف ذلك من مزاعم أهل البدع، وظهرت حجةُ أبي
هريرة فيما انتقده بعضهم عليه.
ثمَّ إن التابعين من أهل الحجاز وعلمائه وهم أبناء علماء الصحابة وتلاميذهم والذين
حضروا مناظرتهم لأبي هريرة وعَرفوا حقيقة رأيهم فيه= أطبقوا هم وعلماء البصرة
والشام وسائر الأقطارـ سوى ما حُكِي عن بعض الكوفيين ــ على الوثوق التامّ بأبي
هريرة وحديثه.
وقد كان بين الكوفيين والحجازيين تباعُد، والكوفيون نشأوا على الأحاديث التي
عرفوها من رواية الصحابة الذين كانوا عندهم، ثم حاولوا تكميل فقههم بالرأي وجَرَوا
على مقتضاه، ثم كانوا إذا جاءهم بعد ذلك حديث بخلاف ما قد جروا عليه وأَلِفُوه
تلكَّأوا في قبوله وضربوا له الأمثال. وإذ كان أبو هريرة مكثرًا كانت الأحاديث
التي جاءتهم عنه بخلاف رأيهم أكثر من غيره، فلهذا ثَقُل على بعضهم بعضُ حديثه، وساعد
على ذلك ما بلغهم من أنَ بعضَ الصحابة قد انتقد بعض أحاديث أبي هريرة. وقد كان أهل
الحجاز أيضًا ينفرون عن الأحاديث التي تأتيهم عن أهل العراق، حتى اشتهر قولهم:
نزِّلوا أهلَ العراق منزلةَ أهلِ الكتاب، لا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم (1).
وعلى كلّ حال فقد انحصر مذهبُ أهل العراق في أصحاب أبي حنيفة،
_________
(1) قاله مالك. انظر «جامع بيان العلم وفضله»: (2/ 1108).
(12/246)
وقد علمتَ بأن أبا هريرة عندهم عدل ضابط،
واعتراف محققيهم بأنه مع ذلك فقيه مجتهد، والأحاديث التي يخالفونها من مروياته
سبيلها سبيل ما يخالفونه من مرويَّات غيره من الصحابة، والحقّ أحقُّ أن يُتّبع،
والله الموفق.
قال أبو ريَّة ص 171: (وقال أبو جعفر الإسكافي: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير
مرضي بالرواية).
أقول:
وقد زادني حبًّا لنفسي أنني ... بغيضٌ إلى كلِّ امرئ غير طائل (1)
قال: (ضربه عمر وقال: أكثرْتَ من الحديث، وأحْرِ بكَ أن تكون كاذبًا على رسول
الله).
أقول: عزاه أبو ريَّة إلى «شرح النهج» (2) لابن أبي الحديد، وقد مرَّ النظرُ فيه
(ص 109) (3)، وراجع (ص 119) (4).
قال: (وفي «الأحكام» للآمدي: أنكر الصحابةُ على أبي هريرة كثرة روايته .. ).
أقول: قد فرغنا من هذا.
[ص 129] قال: (وجرت مسألة المصرَّاة في مجلس الرشيد، فتنازع القومُ فيها وعلت
أصواتُهم، فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة، فردَّ بعضهم الحديثَ وقال:
أبو هريرة متهم، ونحا نحوه الرشيد).
_________
(1) البيت للطِّرِمّاح بن حكيم ضمن قصيدة له. انظر «ديوان الحماسة»: (1/ 130) لأبي
تمام، و «الحيوان»: (3/ 112) للجاحظ، و «الشعر والشعراء»: (2/ 589).
(2) (4/ 68).
(3) (ص 210 ــ 211).
(4) (ص 229 ــ 230).
(12/247)
أقول: جوابُ الحكاية في تتمتها التي حذفها
أبو ريَّة وأخفى المصدر، وقد كنتُ وقفتُ عليها بتمامها في «تاريخ بغداد» أحسب، ولم
أهتد إليها الآن (1)،
وقد كان يحضر مجلس الرشيد بعض رؤوس البدعة كبِشر
_________
(1) هي فيه (11/ 196 ــ 197) في ترجمة عمر بن حبيب العدوي.
أقول: وقد بتر القصة أبو رية كما هي عادته، وفي آخرها رجوع الرشيد إلى الحق
واعترافه بخطئه. هذا لو كانت القصة ثابتة، فكيف وفي سندها محمد بن يونس الكُدَيمي
وهو متهم بالوضع. انظر «الكامل»: (6/ 292)، و «الكشف الحثيث» (ص 254).
والقصة كما رواها الخطيب في «تاريخه» قال: أخبرني الأزهري حدثنا عبيد الله بن محمد
بن حمدان العكبري، حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم النحوي، حدثنا أبو العباس محمد بن
يونس الكُديمي، حدثنا يزيد بن مرة الزارع، قال: حدثنا عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس
هارون الرشيد، فجرت مسألة، فتنازعها الحضور وعلت أصواتهم، فاحتجّ بعضهم بحديث
يرويه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة
والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يحل هذا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -؛ فإن أبا هريرة متهم فيما يرويه وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم
ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو
هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن نبي الله وغيره، فنظر إليَّ الرشيد نظر
مُغضب، فقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب،
فدخل عليّ فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنّط وتكفّن، فقلت: اللهم إنك
تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك وأجللت نبيك - صلى الله عليه وسلم - أن يُطْعَن على
أصحابه، فسلّمْني منه، فأُدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي مِن ذهب، حاسر عن
ذراعيه، بيده السيف وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما
تلقَّاني أحدٌ من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين!
إن الذي قلتَه وجادلتَ عليه فيه إزراء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى
ما جاء به، إذا كان أصحابه كذَّابين فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام في الصيام
والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه ثم قال لي:
أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله. وأمر لي
بعشرة آلاف درهم. ا? .
(12/248)
المرّيسي.
وذكر أبو ريَّة كلامًا لجولد زيهر اليهودي وغيره من المستشرقين لا شأن لنا به؛
لأننا نعرف هؤلاء وافتراءهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى القرآن،
وراجع (ص 72 و 94 و 99) (1).
وقال أبو ريَّة ص 172: (أَخْذه عن كعب الأحبار ... اليهودي الذي أظهر الإسلام
خداعًا وطوى قلبه على يهوديته).
أقول: قد تقدّم النظرُ في حال كعب بما فيه كفاية، وسيلقى المجازف عاقبةَ تهجُّمه
{سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19].
ثم ذكر رواية الصحابة عن كعب، وقد تقدم النظر في ذلك (ص 73 و 110 و 115) (2).
قال: (ويبدو أن أبا هريرة كان أول الصحابة انخداعًا وثقة فيه).
أقول: إنما الثابت أنه حكى عنه شيئًا مما نسبه كعب إلى صحف أهل الكتاب، وليس في
هذا ما يدلّ على ثقة.
قال: (وروايةً عنه وعن إخوانه).
_________
(1) (ص 142 ــ 143 و 183 ــ 185 و 193).
(2) (ص 143 ــ 145 و 212 ــ 214 و 222).
(12/249)
أقول: إننا نتحدَّى أبا ريَّة أن يجمع عشر
حكايات مختلفة يثبت أن أبا هريرة رواها عن كعب، فأما إخوانه؛ فعبد الله بن سلام لا
يطعن فيه مسلم، وتميم الدَّاري قريب منه، ولعله لا يثبت لأبي هريرة عن كلٍّ منهما
إلا خبر واحد.
وذكر كلامًا من تهويله تُعْرَف قيمتُه من النظر في شواهده.
قال: (فقد روى الذهبي في «طبقات الحفاظ» في ترجمة أبي هريرة أن كعبًا قال فيه، أي
في أبي هريرة: ما رأيت أحدًا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة. ورواية
البيهقي في «المدخل» من (1) طريق بكر بن عبد الله عن (2) أبي رافع أن أبا هريرة
لقي كعبًا فجعل يحدّثه ويسأله، فقال كعبٌ: ما رأيت رجلًا لم يقرأ التوراة أعلم بما
في التوراة من أبي هريرة).
أقول: هي حكاية واحدة. فالذي في كتاب الذهبي: «الطيالسي أخبرنا عِمْران القطّان عن
بكر بن عبد الله عن أبي رافع ... » فذكرها. وعمران القطان ضعيف ولا يتحقق سماعه من
بكر، وفي القرآن والسنَّة قصص كثيرة مذكورة في التوراة الموجودة بأيدي أهل الكتاب
الآن، فإذا تتبَّعها أبو هريرة وصار يذكرها لكعب كان ذلك كافيًا لأن يقول كعب تلك
الكلمة، ففيم التهويل الفارغ؟
[ص 130] قال: (ومما يدلك على أن هذا الحبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى
جعله يردّد كلامَ هذا الكاهن بالنص ويجعله حديثًا مرفوعًا ما نورد لك شيئًا منه،
روى البزار [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن
الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة. فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال [أبو
سلمة]: أحدِّثك عن رسول الله
_________
(1) في كتاب أبي ريَّة «في». [المؤلف].
(2) فيه «بن». [المؤلف].
(12/250)
وتقول: ما ذنبهما؟ . وهذا الكلام نفسه قد
قاله كعب بنصه، فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب: يُجَاء بالشمس والقمر كأنهما
ثوران عقيران فيقذفان في جهنم).
أقول: عزاه أبو ريَّة إلى «حياة الحيوان» (1)، وسيأتي ما فيه. قال البخاري في باب
صفة الشمس والقمر من بدء الخلق من «صحيحه» (2): حدثنا مسدَّد حدثنا عبد العزيز بن
المختار حدثنا عبد الله الدَّانَاجُ قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الشمس والقمر مكوَّران
يوم القيامة».
وفي «فتح الباري» (214: 6) (3): أنّ البزَّار والإسماعيلي والخطَّابي أخرجوه من
طريق يونس بن محمد عن عبد العزيز بن المختار، وزادوا بعد كلمة (مكوَّران): «في
النار».
أما «حياة الحيوان» للدميري ــ مصدر أبي ريَّة ــ فإنه ذكر أولًا حديث البخاري، ثم
حديث البزار وفيه: «ثوران» كما مرَّ، وظاهر ما في «فتح الباري» أو صريحه: أن الذي
في رواية البزّار والإسماعيلي والخطَّابي «مكوّران» كرواية البخاري لا «ثوران»
(4).
_________
(1) (1/ 592 ــ دار البشائر). ولعلّ مصدره «البداية والنهاية»: (1/ 79 ــ 80).
(2) (3200).
(3) (6/ 299).
(4) ثم وجدت بعضهم نقل رواية البزار بلفظ «ثوران مكوران» جمع بين الكلمتين.
[المؤلف].
أقول: الذي في «مسند البزار» (8696): «ثوران» كما نقل الدميري وابن كثير. أما
الرواية المجموعة فيها الكلمتان فأخرجها تمَّام في «فوائده» (1534)، والضياء
المقدسي في «ذكر النار» (77).
(12/251)
ثم قال الدَّميري: وروى الحافظ أبو يعلى
الموصلي (1) من طريق دُرُست بن زياد عن يزيد الرَّقَاشي، وهما ضعيفان، عن أنس بن
مالك رضي الله عنه أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الشمس والقمر ثوران
عقيران في النار». وقال كعب الأحبار: يُجَاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما
ثوران عقيران، فيُقْذَفان في جهنم ليراهما مَنْ عَبَدهما، كما قال الله تعالى:
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:
98] الآية.
دُرُست ويزيد تالفان، فالخبر عن أنس وكعب ساقط، مع أنه لم يتبيَّن مَنْ القائل:
«قال كعب ... »؟ وبهذا يُعلم بعض أفاعيل أبي ريَّة. فأما المتن كما رواه البخاري
فمعناه في كتاب الله عزَّ وجلّ، ففي سورة القيامة: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8)
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة: 8 - 9]، وفي سورة التكوير: {إِذَا
الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1].
وزيادة غير البخاري: «في النار» يشهد لها قول الله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}
[الأنبياء: 98] وفي «صحيح البخاري» (2) وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا في