النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
ضرورة
الاهتمام بالسنن النبوية
المقدِّمة
فصل
في تعريف السنَّة
أولاً: التعريف اللغوي:
ثانياً: في لسان الشارع والصدر الأول:
فصلٌ
في الحث على التمسك بالسنَّة
فصل
في حكم ترك السنن
فصل
في قواعد للتعامل مع السنَّة
فصل
في ردِّ شبهات أُثيرت حول الاهتمام بالسُّنَّة
ضرورة
الاهتمام بالسنن النبوية
تأليف
عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم
دار المنار
(/)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بين يدي الرسالة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [سورة آل عمران: الآية 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [سورة النساء: الآية 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [سورة الأحزاب: الآيتان: 70،
71]
أما بعد، فإنه لا يخفى على مسلم يدبُّ الآن على وجه الأرض؛
(1/5)
ما يُعايِشُهُ المسلمونَ من ضعفٍ تغلْغَلَ
في كل جانبٍ من جوانبِ حياتهم، سياسياً كان، أو اقتصادياً، أو غير ذلك.
ولقد تنبَّهَ الساعونَ إلى الإصلاح مُنْذُ أَمَدٍ إلى هذا الضَّعْفِ، فعملوا على
تشخيصه وتحديده، ومِنْ ثَمّ على علاجه واستئصاله.
إلا أن السُّبُلَ تفرَّقتْ بهم عند وَصْفِ العلاج، واجتثاثِ الداءِ، تبعاً
لاختلافِ منهجهم، وتعدُّدِ فِرَقِهِمْ.
وما من ريب أنَّ ما حلَّ بالمسلمين هو بسبب ابتعادهم عن دينهم، وانغماسهم في
الشهوات المحرَّمة.
وبما أن الأمر كذلك - وهو كذلك فإنَّ رسولنا صلى الله عليه وسلم أبان لنا هذا
الدَّاءَ وَوَصَفَ لنا دواءه بما لا يَدَعُ مجالاً - عند ذي العقول - للاختلافِ
والتنازع.
فقد أخرج أبو داود في سننه «3/ 740» وغيره؛ عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول:
«إذا تبايعتم بالعِيْنَةِ.
وأخذتمْ أذنابَ البقرِ.
ورضيتم بالزَّرعِ.
وتركتم الجهاد:
سَلَّطَ اللَّهُ عليكم ذُلاً؛ لا يَنزعُهُ حتى ترْجعوا إلى دينكم».
فالمَخْرَجُ الوحيدُ من هذا الذَلّ، هو: الرجوع إلى شرعِ الله تعالى، والعَمَلِ
به. وهذا قد شهد به القرآن في مواضع كثيرة.
(1/6)
قال تعالى:
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ
أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ
مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [سورة المائدة: الآيتان
65، 66].
ومع وضوح هذا الأمر، وجلائه، فإنً أُناساً من المنتسبين إلى «الدعوة» ضربوا صفحاً
عن الرضوخ لهذا الأمر الجلي، ورضوا بما أَمْلَتْهُ عليهم عقولُهم القاصرة، وآراؤهم
الكاسدة، فابتغوا إصلاحَ المسلمين بما لم يشْرَعه الله تعالى، ولا رسوله صلى الله
عليه وسلم، فكانَ عاقبة أمرهم خسراً، ونهايةُ إقدامِهم وبالاً، والله لا يصلحُ عمل
المفسدين.
وكانَ من بين ما اقترفَتْهُ أيديهم؛ تلك الحملةُ الشعواء على لواء السُّنِة
المطهَّرة، والهدي النبوي؛ إذْ جعلوا الاهتمامَ بالسنن، والحرصَ على تطبيقها في
كلّ شؤوننا؛ عائقاً من عوائِقِ تصحيح مَسَارِ المسلمين، وانتشالهم من أوحالِ
الضعفِ.
فجاءت كتبهم، ومحاضراتهم، ودروسهم؛ مقررةً لهذه الفكرة النكراء، تارةً بالتصريح،
وأخرى بالتلويح، وثالثة الأثافي باسمِ الغَيْرَةِ على السُّنَّةِ والحفاظِ على
أوقات المسلمين!!.
فطوراً: يشنِّعونَ على فاعِل السنَّة، والمحافظِ عليها؛ بحجُّةِ تفريقِهِ وِحْدَةَ
المسلمين، بفعله هذا!!!
وطوراً: يبالغون في ضرورة معرفة الواقع - على جميع
(1/7)
المسلمين - حتى يُصْرَفَ الناسُ عن العلم
الشرعيّ، والعناية بالسنَّة، إلى متابعة: الجرائد والمجلات، وأخبار السياسات،
فيصبحُ الممدوحُ من أغرق في هذه الأمور، والمُزْرى به من أقبل على الفقه في دين
الله، وعَكفَ على السنن تعلماً وعملاً.
فَلَمَّا خرجت هذه الزوابع في وجهِ السُّنةِ، وتخلَّى عن تزييفها كثير ممن ظننَّاه
أغيَر مَنْ نرى على السُّنَّةِ؛ استعنتُ الله تعالى، فكتبتُ هذه الرسالةَ راجياً
منه تعالى أن يجعلها له خالصةً، وأن يعمَّ بنفعها الجميع.
وخلاصة ما أريدُ إيصالهُ إلى القُرَّاء الفضلاءِ في هذه الرسالة التَّنبِيْه على
ضرورةِ الاهتمام بالسنن الثابتة عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، تعلماً،
وتعليماً، وإرشاداً.
وأَنَّ مَكْمَنَ الضعفِ عندنا، إنما جاء من جرّاءِ البعدِ عن دين الله تعالى،
فرائضه ونوافله، فالطريقُ الصحيحُ لرفع هذا الضعفِ، ينحصر في مراجعةِ ديننا،
والحرصِ على العمل به، والدعوة إليه جميعاً، كما قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ..} الآية،
[سورة البقرة: الآية 208].
وليس من طريقٍ إلى ذلك، سوى هذا الطَّريقِ، فبِهِ تنشأ الأجيال على السنَّة،
ويُغْرَسُ في قلوبهم محبَّةُ الدين، محبَّةً تَضْعُفُ بجانبها محبَّةُ النفس،
والمالِ، والولدِ، عندئذٍ تتهيأ النفوس لقبولِ كلّ خيرٍ، وتجود بكلّ ما تَمْلِكُ
نصرةً لهذا الدين.
(1/8)
ولقد بينتُ بعضَ الفوائد - العامَّة
والخاصَّة - المترتبةِ على العمل بالسنَّة، ليكون ذلك مشوِّقاً إلى العمل بها،
حاثاً على الاهتمام بتطبيقها.
كما أوردتُ بعض الشبه التي ينعِق بها مَنْ لا خلاقَ له؛ تزهيداً في السنةِ،
وتقليلاً من أهميتها، ورددتُها، مراعياً الاختصار، وبالله التوفيق.
(1/9)
المقدِّمة
الحمد لله الذي أمرنا بالدخول في دينه كافةً: فرائضه، ونوافِلِه، فقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}.
والصلاة والسلام الأتمانِ الأكملانِ على من بُعِثَ إلينا ليكون لنا فيه أسوةً حسنةٌ
في كلّ شؤونه، في قيامه وقعوده، وحركاته وسكونه، القائل: «عليكم بسنَّتي وسنَّة
الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ».
صلَّى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرّ الميامين، المشرَّفين
بشرف اتِّباع السنَّة، القائلين: «الاعتصام بالسُنَّةِ نجاة».
رضي الله عنهم، ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم، إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنّ أحقّ ما اعتنى به المسلم، وأولى ما صرف فيه أوقاتَهُ: العملُ الدؤوب على
اقتفاء آثار النبي صلى الله عليه وسلم، وتجسيدها في حياته اليومية، ما استطاع إلى
ذلك سبيلاً.
ذلك بأن غايةَ المؤمن تحصيل الهداية الموصلة إلى دار السعادة، وقد قال تعالى:
(1/11)
{وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}.
وقال:
{وَاْتَّبعُوهُ لَعَلكُمْ تَهْتَدُونَ}.
وقال تعالى:
{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فيِ رَسُولِ اَللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ
يَرْجُواْ اَللهَ وَاُلْيَوْمَ آلاْخِرَ وَذَكَرَ اَلله كَثِيراً}.
وهذه الآية - كما قال ابن كثير -: «أصلٌ كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه
وسلم، في أقواله، وأفعاله، وأحواله».
وهذه الأسوة إنما يسلكها ويوفق لها: من كان يرجو الله واليوم الآخر.
فإن ما معه من الإيمان، وخوف الله، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه: يحثّهُ على التأسي
بالرسول صلى الله عليه وسلم (1).
وشرف المؤمن ومنزلته إنما تقاس باتباعه، فكلما كان تحرِّيهْ للسنَّة أكثر كان
بالدرجات العلى أحقُّ وأجدر.
ولذا كان العلماء السابقون من السلف الصالح يجعلون معيارَ مَنْ يؤخذ عنه العلم -
وهو أشرف مأخوذ - تمسكه بالسنة، كما قال إبراهيم النخعي - رحمه الله -: «كانوا إذا
أتوا الرجل يأخذون عنه العلم: نظروا إلى صلاته، وإلى سنَّته، وإلى هيئته؛ ثم
يأخذون عنه».
_________
(1) تفسير السعدي 6/ 209.
(1/12)
وقال أبو العالية: «كنا نأتي الرجل لنأخذ عنه
فننظر إذا صلى: فإن أحسنها جلسنا إليه، وقلنا: هو لغيرها أحسن؛ وإن أساءَها قمنا
عنه، وقلنا: هو لغيرها أسوأ» (1).
وفي الرسالة «القشيرية» (2) عن ذي النون المصري أنه قال:
«من علامة المحب لله عز وجل؛ متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم؛ في أخلاقه،
وأفعاله، وأوامره، وسننه».
وهذا حق مأخوذ من كتاب الله تعالى، قال تعالى:
{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اَللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحَبِبْكُمُ اللهُ وَيَغَفْر
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قال الحسن البصري:
«فكان علامة حبَّهم إياه: اتباع سنة رسوله» (3).
وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (4) عن أبي الدرداء أنه قال {فَاتَّبِعُوهُ}: على
البِرِّ والتقوى، والتواضع، وذلّة النفس».
ولقد كان للعلماء الربانيين - على مرِّ العصور - يد ظاهرةٌ في الحث على العمل
بالسنَّةِ - بمعناها الأصلي - إرشاداً، وتعليماً، وتأليفاً.
_________
(1) سنن الدارمي 1/ 93 - 94.
(2) 1/ 75.
(3) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 204، وأخرج نحوه الطبري 3/ 232، واللالكائي
1/ 70.
(4) 2/ 204.
(1/13)
وبفضل الله، ثم بفضل هذه الجهود المبذولة،
التي فنيتْ فيها الأعمار، وتجشَّمتْ من أَجْلها الأخطار، وأوثر في سبيلها الإعْسار
على الإيسار: وصلت إلينا «السنَّة» مكلوءةً، محفوظةً، مخدومة، لينصَبَّ جهدنا على
تعلُّمها، والانقياد لها، والدعوة لها، والدعوة إليها.
ولم تزلْ بحمد الله وتوفيقه وإعانته - في كلّ عصرٍ من العصور - طائفة تصرف هَمَّها
وتنُشِّئْ أبناءها على العناية العظيمة بالسنَّة النبوية، لا فرقَ في ذلك بين شيءٍ
منها، الكل يؤتى به كما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، بضابطه الشرعي الوارد في
الحديث الصحيح: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
يدعون إلى الأخذ بالسنَّة، والحرص عليها، جملةً وتفصيلاً، وينكرون على منْ حاد عن
هذا الطريق بأي نوع من أنواع الحيدة، أولئك الذين قال فيهم أبو عبد الله الحاكم:
«قومٌ سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلَفِ من الماضين، ودمغوا أهل البدع
والمخالفين بسننِ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أجمعين ... فعقولهم بلذاذة
السنَّة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة؛ تعلّمُ السَنن سرْوْرُهم،
ومجالسُ العلم حبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها
أعداؤهم» (1).
إلا أنَّ هذه الطائفة - المنصورة الناجية - لا تَسْلَمْ في كلّ عصرٍ من جاهلٍ أو
صاحب هوى يكيد لها المكائد، وينصب لها العِداء، ويلصق بها أعظم الفِرَى.
_________
(1) معرفة علوم الحديث، ص: 4 - ط 3، الهند.
(1/14)
وما وَجَدَتْ هذه الفرقةُ الناجيةُ - في هذا
الزمن - أشَدّ وأنكى من أولئك الذين وقفوا في وجه السنَّة، يريدون إطفاءَ نورها،
وتَزْهِيْدَ المسلمين فيها، بتلك الطُّرقِ والوسائل المبطَّنَةِ، التي يحسبها
الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً!.
ولقد تشكَّلَ هذا الوقوف في وجه السنَّة في صورٍ كلُّ صورٍ تلائم الظَّرْفَ الذي
«نُظّم» لها أن تنزل فيه.
فتارةً يُشَنَّعُ على فاعلِ السنّةِ باسم: تفريقه - بهذا الفعل - وحدة المسلمين!
وكذبوا وأيم الله!!
وتارة بالهمز واللمز على المعتنين بالسَّنن النبوية: بحثاً، وتقريراً، وعملاً،
ودعوةً، وذلك تحت مظلة تقسيم الدين إلى «جزئيات» ينعى على «المُغْرِقِ» فيها، و
«كليات» يلام المفرِّط فيها.
وسيأتي - إن شاء الله -؛ نقض هذا التفريق بين الشريعة في آخر هذه الرسالة.
إلاَّ إنني هنا أجدُ ضرورة المبادرة بنقل كلامٍ رصينٍ متين لإمام العصر، ومحدِّث
الدنيا، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - في معرضِ حديثه مع أحد أفراد إحدى
الجماعات الحزبية الإسلامية - قال فيه:
«... الذي نعرفه من كلّ الدعاة الإسلاميين اليوم غير الذين ينتمون إلى «منهج السلف
الصالح»: تقسيمُ الإسلام إلى أصولٍ وفروعٍ - وكما قلنا آنفا: تقسيم الإسلام إلى
لبّ وقشور -.
هذه باقعةُ الدَّهْرِ! تهلكُ المسلمين، وتجعلهم يبتعدون عن الإسلام من حيث هم
يريدون أن يقتربوا.
(1/15)
الآن - بما عندك من ثقافةٍ وعندي من علمٍ -
لا نستطيع أن نميز الأصول من الفروع، إلا أن يقصد بالأصول ما يتعلق بالعقائد فقط،
وليس منها ما يتعلق بالأحكام.
حينئذٍ: الصلاة وهي الركن الثاني: لا تدخل في الأصول، وإنما تدخل في الفروع،
لماذا؟ لأنها ليس لها علاقة بالعقيدة المحضة.
هذا التقسيم: خطرٌ خطرٌ جداً.
ولذلك: أنا أعرف أنه مضى على بعض الجماعات قديماً، كانوا يدعون إلى تبني الإسلام
كُلًّا.
وهذه دعوة الحق، لأن الإسلام كما جاءنا يجب أن نتبناه.
ولكن من الناحية العملية: ممكنٌ أن إنسانا فرداً - مثلاً - أو جماعة يستطيعون أن
يطبقوا جانباً منه، ولا يستطيعون أن يطبقوا جانباً آخر.
لكن من ناحية الفكر: الإسلام يجب تبنِّيهِ كُلًّا لا يتجزأ؛ مثلاً: فرضٌ، سنَّة،
مستحبٌ، مندوبٌ ... إلى آخره، لا نقول: هذا مندوب ليس له قيمة، وهذا مستحب ليس له
قيمة ... علينا نحن فقط الفرائض، لا، نحنُ ندعو إلى هذا الإسلام بكامله، ثم كلّ
إنسانٍ يأخذُ منه ما ينهض به، ويستطيع أن يقوم به. اهـ. (1)
وهذا المنهج الذي ذكره الشيخ - وفقه الله - هو المنهج السليم، والصراط المستقيم
الذي كان عليه السلف الصالح - رضوان الله
_________
(1) من شريط صوتي مسجل، بتصرفٍ يسيرٍ.
(1/16)
عليهم - كما ستراه في العرض الآتي إن شاء
الله تعالى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد (1).
كتبه
عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم
الرياض 19/ 1 / 1413 هـ
_________
(1) اعترافاً بالفضل لأهله؛ أشكر الشيخين الفاضلين: الشيخ محمد بن عمر بازمول،
والشيخ مساعد بن سليمان الراشد، حيث قرأ كل واحد منهما هذه الرسالة - بعد صفها
بالطابع - وأبدى بعض ملاحظاته وتوجيهاته، فجزاهما الله عني خير الجزاء.
(1/17)
فصل
في تعريف السنَّة
لعل من الضروري - قبل الدخول في الموضوع - التعرض لمعنى السنَّة، في كلٍّ من:
لسان العرب الأقحاح.
ولسان الشارع والصدر الأول.
وعرف المتشرعين من المحدِّثين، والأصوليين، والفقهاء.
ثم بعد ذلك تحديد المعنى الذي يبنى عليه هذا الكتاب، فأقول:
أولاً: التعريف اللغوي:
السنَّة في اللغة تطلق على: السيرة، حسنة كانت أو قبيحة.
قال خالد بن زهير الهذلي:
فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سيرةٍ أَنتَ سرتها ... فأوَّلُ راضٍ سنَّةً مَنْ يَسِيْرُها
(1)
وتطلق - أيضا - على: الطريقة؛ مأخوذة من: السَّننِ، وهو:
_________
(1) لسان العرب 3/ 2124 / الجدول الثاني، ط دار المعارف المصرية، والصحاح للجوهري
5/ 2139 / الجدول الأول، ط دار العلم للملايين - بيروت.
(1/19)
الطريقُ، يقال: خُذْ على سَنَنِ الطريق،
وَسُنَنِهِ (1).
ثانياً: في لسان الشارع والصدر الأول:
إذا ورد لفظ السنَّة في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، أو كلام الصحابة،
والتابعين وكان ذلك في سياق الاستحسان: فإنما يراد بها المعنى الشرعيُّ العام
الشامل للأحكام: الاعتقادية، والعملية؛ واجبةً كانت، أو مندوبة، أو مباحة.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (2):
«... تقرَّر أن لفظ السنَّة إذا ورد في الحديث لا يراد به التي تقابل الواجب ...».
اهـ.
وقال ابن عَلَّان في «دليل الفالحين» (3) على حديث «فعليكم بسنَّتي»: «أي طريقتي،
وسيرتي القويمة التي أنا عليها، مما فصَّلْتُهُ لكم من الأحكام الاعتقادية،
والعملية الواجبة والمندوبة، وغيرها.
وتخصيص الأصوليين لها: بالمطلوب طلباً غيرَ جازم: اصطلاحٌ
_________
(1) تهذيب اللغة للأزهري 12/ 301 / الجدول الثاني، ط الدار المصرية للتأليف
والترجمة - وقد فسر الأزهري، وكذا الخطابي - كما في إرشاد الفحول ص: 31 - السنّة:
بالطريقة المستقيمة، وهو خلاف قول جمهور اللغويين، أفاد ذلك العلامة عبد الغني عبد
الخالق، في كتابه الماتع (حجية السنة) ص: 46، ط المعهد العالي للفكر الإسلامي
بواشنطن.
(2) 10/ 341، ط 1 السلفية.
(3) 1/ 415، ط الحلبي، عام 1397 هـ.
(1/20)
طارئٌ، قصدوا به التمييز بينها، وبين
الفرض». اهـ.
وقال الصنعاني في «سبل السلام» (1) على حديث أبي سعيد، في التيمم، وفيه: «أصبتَ
السنَّة»:
«أي الطريقة الشرعية». اهـ.
وقال السهارنفوري في «بذل المجهود» (2) على الحديث السابق:
«أيْ صادفتَ الشريعةَ الثابتة بالسُّنَّةِ». اهـ.
وفي «الصحيح» (3) عن عبد الله المزني - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: «صلوا قبل صلاة المغرب - قال في الثالثة -: لمن شاء، كراهيةَ أنْ يتخذها
الناسُ سنةً».
قال الحافظ في «الفتح»: «ومعنى قوله: «سنة» أي: شريعةً وطريقةً لازمة». اهـ.
وقال - أيضا - على قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن رغب عن سنَّتي فليس مني»:
«المراد بالسنَّة: الطريقة، لا التي تقابل الفرض ... والمراد: مَنْ تركَ طريقتي
وأخذ بطريقة غيري: فليس مني». اهـ (4).
_________
(1) 1/ 186، ط 1، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
(2) 3/ 70، ط 3 المكتبة الإمدادية بمكة المكرمة.
(3) 3/ 59، (مع الفتح).
(4) الفتح 9/ 105.
(1/21)
وهكذا بالتتبع لكثير من النصوص المشتملة على
لفظ «السنَّة» يتبيَّن أن المراد بها - إذا كانت في سياق الاستحسان -: الطريقة
المحمودة والسيرة المرضية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم عموماً.
وعلى هذا: فإن مما يجب التنبيه عليه ما قد يقع من بعض المنتسبين للعلم من تنزيل
لفظ «السنَّة» الوارد في كلام الشارع على المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء، فيحصل
الخطأ الفاحش، ويُخْرجُ بالأحكام عن مراد الشارع.
ثالثاً: في عرف المحدِّثين:
السنَّة عند جمهورِ المحدِّثين مرادفة للحديث، وهو:
ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ، أو فعلٍ وتقريرٍ، أو صفة خَلْقِية،
أو خُلُقِيَّة، أو سيرةٍ بعد البعثة، وقد يدخل بعض ما قبلها (1).
رابعاً: السنَّة عند الأصوليين:
السنَّة عند الأصوليين: أصل من أصول الأحكام الشرعية، ودليل من أدلتها.
وقد عرَّفها الفتوحي في «الكوكب» (2) فقال:
_________
(1) ينظر (مجموع فتاوى شيخ الإسلام) 18/ 9 - 10، و (أسباب اختلاف المحدثين) للأحدب
1/ 25، و (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي) للسباعي ص: 47، ط 4 المكتب
الإسلامي.
(2) 2/ 159، (مع الشرح) ط 1 أم القرى.
(1/22)
«قول النبي صلى الله عليه وسلم غير الوحي
(1)، وفعله، وتقريره، وَزِيْد: الهمُّ».
وعرَّفها الآمدي في «الأحكام» (2) فقال:
«ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الأدلة الشرعية، مما ليس بمتلوٍّ، ولا هو
معجز، ولا داخل في المعجز».
ويدخل في ذلك: أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وتقاريره».
وإدخال «الهمّ» في التعريف، ردَّه العراقي فقال:
«الهم إنما يطلع عليه بقولٍ أو فعلٍ، فالاستدلال بما دلَّ منهما، فلا حاجة
لزيادته». اهـ (3) وهو متجهٌ.
ويظهر الفرق بين تعريفي المحدثين والأصوليين في
«الصفة» النبوية، فإنها عند المحدثين مندرجة في حدِّ السنَّة، لأنهم ينظرون إلى
النبي صلى الله عليه وسلم على أنه الأسوةُ للأمة، فينقل إليها كلّ ما أثر عنه،
أَثْبَتَ حُكْماً شرعياً أو لا.
وليست «الصفة» كذلك عند الأصوليين، لأنهم إنما يبحثون عما يُثْبتُ الأحكامَ
ويقرِّرها، فلم تدخل الصفة عند جماهيرهم في حدِّ السنَّة (4).
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن بعض الأصوليين يرى أن رُتْبَةَ السُّنَّةِ
متأخرةٌ عن الكتاب في الاعتبار.
_________
(1) أي غير القرآن.
(2) 1/ 169، ط 1: النور بالرياض، عام 1387 هـ.
(3) حاشية العطار على جمع الجوامع 2/ 128، ط الحلبي، عام 1358 هـ.
(4) انظر المصدر السابق، و (حجية السنة) ص: 76، و (السنة ومكانتها) ص: 48.
(1/23)
وقد أجاد العلامة الشيخ عبد الغني عبد
الخالق في ردِّ هذا القول، وبيان بطلانه، حيث عَقَدَ مبحثاً في كتابه الماتع
«حجَّية السُّنَّةَ» (1) لهذا الغرض، يقول في صدره:
السنَّة مع الكتاب في مرتبةٍ واحدةٍ: من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على الأحكام
الشرعية، ولبيان ذلك نقول:
من المعلوم: أنه لا نزاع في أن الكتاب يمتاز عن السنة ويفضل عنها: بأنَّ لفظه
منزلٌ من عند الله، متعبَّد بتلاوته، معجزٌ للبشر عن أن يأتوا بمثله، بخلافها: فهي
متأخرة عنه في الفضل من هذه النواحي.
ولكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما من حيث الحجيَّة: بأن تكون مرتبتها التَّأخُّر عن
الكتاب في الاعتبار والاحتجاج، فتُهْدرُ ويُعْمَل به وحده لو حصل بينهما تعارض.
وإنما كان الأمر كذلك: لأن حجيَّةَ الكتاب إنما جاءتْ من ناحية أنه وحي من عند
الله ... ، والسنَّة مساوية للقرآن من هذه الناحية: فإنها وحيٌ مثله، فيجب القول
بعدم تأخرها عنه في الاعتبار. اهـ.
خامساً: السنَّة عند الفقهاء:
استيفاء هذا المبحث يحتاج إلى إسهاب كبير، قد لا يعود على القارئ بكثير فائدة فيما
يتصل بموضوعنا، إلا أننا نمرُّ على ما قاله فقهاء المذاهب في هذا الصدد على وجه
الاختصار، فنقول:
_________
(1) ص: 485 إلى ص: 494.
(1/24)
قول الحنابلة:
قال الفتوحي في «الكوكب» (1) في تعريف «المندوب»:
«والمندوب شرعاً: ما أثيب فاعله - ولو قولاً وعملَ قلبٍ - ولم يعاقب تاركه مطلقاً.
ويُسَمَّى: سنَّةً، ومستحباً، وتطوُّعاَ، وطاعةً، ونفلاً، وقربةً، ومرغباً فيه،
وإحساناً؛ وأعلاه: سنَّة، ثم فضيلة، ثم نافلة». اهـ.
وعرَّفه ابن بدران في «المدخل» (2) بتعريف الفتوحي السابق، وزاد:
«سواءُ تركه إلى بدلٍ، أو لا».
وهو: مرادف للسنة والمستحب.
فالسواك، والمبالغة في المضمضة، والاستنشاق، وتخليلُ الأصابع، ونحو هذا يقال له:
مندوب، وسنَّة، ومستحب». اهـ.
وذكر الشيخ أبو طالب البصري في «الحاوي الكبير» (3) أن المندوب ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يعظم أجره، فيسمَّى سنةً.
والثاني: ما يقلُّ أجره، فيسمى: نافلةً.
_________
(1) مع شرحه 1/ 402 - 403، ط أم القرى.
(2) ص: 152، ط الرسالة، تحقيق معالي الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن التركي.
(3) بواسطة نقل الفتوحي عنه في شرح الكواكب 1/ 404 - 405.
(1/25)
والثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين،
فيسمى: فضيلةً، ورغيبةً (1). اهـ.
وقال المرداوي في «التحرير» (2): «يسمى المندوب: سنَّةً ومستحباً». اهـ.
قول الشافعية:
قال البيضاوي في «المنهاج».
«والمندوب: ما يُحمد فاعله، ولا يذمُّ تاركه؛
ويسمى: سنَّةً، ونافلةً». اهـ.
وقال الرازي في «المحصول»:
«أما المندوب فهو: الذي يكون فعله راجحاً على تركه في نظر الشرع، ويكون تركه
جائزاً».
وعدَّد الرازيُّ أسماءه، وفسَّر معانيها، فذكر منها:
«مُرَغّب فيه، ومستحب، ونفلٌ، وتطوُّع، وسنَّة، وإحسان».
قال: «ولفظ السنَّة مختص - في العرف - بالمندوب؛ بدليل أنه يقال هذا الفعل واجبٌ،
أو سنَّة». اهـ (3).
_________
(1) ذكر الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتابه (حجية السنة) ص: 67 أنه لم يعثر في
كلام الحنابلة على تحديد لترتيبهم المندوب: سنَّة ثم فضيلة ثم نافلة.
(2) بواسطة نقل ابن بدران في شرح الروضة 1/ 113، ط 1 الملك عبد العزيز.
(3) المحصول 1 / ق 1/ 129 - 130، ثم ذكر بعد هذا خلاف بعضهم في إطلاق لفظ السنَّة
وأنه لا يختص بالمندوب، بل هو عام في كل ما علم وجوبه أو ندبيته بأمر النبي صلى
الله عليه وسلم أو بإدامة فعله ... إلخ وهذا هو المعنى العام الذي سبق أن بيّناه.
(1/26)
وفي «لطائف الإشارات»:
«ويُسَمَّى المندوبُ: السُّنَّة، والمستحبَّ، والتطوُّعَ ومثلها: الحَسَنُ
والنَّفْلُ، والمرغبُ فيه.
فهذه الألفاظ مترادفةٌ عرفاً، خلافاً للقاضي حسين والبغوي والخوارزمي من أصحابنا
نفيهم ترادفها، حيث قالوا:
السنَّة: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
والمستحب: ما فعله مرَّةَّ، أو مرتَّين.
والتطُّوع: ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد (1).
ولم يتعرَّضوا للمندوبِ لشموله الأقسام الثلاثة، فهو مرادفٌ لكلّ منها». اهـ (2).
قال السبكي في «جمع الجوامع»:
«والمندوب، والمستحب، والتطوع، والسنَّةُ: مترادفةٌ، خلافاً لبعض أصحابنا، وهو
لفظيُّ». اهـ.
_________
(1) أي الشرعية.
(2) لطائف الإشارات شرح نظم الورقات، للشيخ عبد الحميد بن محمد، ص: 11، ط الحلبي،
عام 1369 هـ.
وينظر (المجموع) للنووي 4/ 2، ط 1 المنيرية و (مسائل ابن منقور) 1/ 92 - 93، ط 4،
عام 1401 هـ.
(1/27)
قال الجلالُ المحليُّ في شرحه (1):
«وهو» أي الخلاف «لفظيٌّ» أي عائداً إلى اللفظ، والتسمية.
إذْ حاصله: أن كلًّا من الأقسام الثلاثة كما يسمى باسمٍ من الأسماء الثلاثة -
السنَّة والمستحب والتطوع كما ذُكرَ - هل يُسَمَّى بغيره منها؟
فقال البعض: لا، إذ السنَّة: الطريقة والعادة؛ والمستحب: المحبوب؛ والتطوع:
الزيادة.
والأكثر: نعم، ويَصْدُقُ على كلّ من الأقسام الثلاثة أنه: طريقة وعادة في الدين،
ومحبوب للشارع بطلبه، وزائد على الواجب». اهـ.
وقال الشَّرواني في حاشيته على «تحفة المحتاج» (2) بعد أن ذكر خلاف القاضي: «مع
أنه لا خلاف في المعنى، فإن بعض المسنوناتِ أكد من بعضٍ قطعاً، وإنما الخلاف في
الاسم نهاية ومعنى». اهـ.
قول المالكية:
قال القرافي في «شرح تنقيح الفصول» (3):
«والمندوب: ما رجع فعلُهُ على تركه شرعاً، من غير ذمٍّ». اهـ.
قال ابن رشد في «المقدمات» (4):
_________
(1) 1/ 127 (بحاشية العطار)، ط 1 المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
(2) 2/ 219، تصوير: دار الفكر.
(3) ص: 71، ط مكتبة الكليات الأزهرية بمصر، ودار الفكر - بيروت.
(4) 1/ 64، دار الغرب الإسلامي، وينظر (نشر البنود على مراقي السعود) 1/ 38 - 40،
وشرح الباجي على الموطأ 1/ 226، تصوير: دار الكتاب الإسلامي.
وقال في آخر المبحث: (وهذه كلها عبارات اصطلاح بين أهل الصنعة ولا خلاف في تأكد
ركعتي الفجر ...) إلخ.
وينظر أيضا (عارضة الأحوذي) لابن العربي 2/ 241.
(1/28)
«والمستحب: ما كان في فعله ثوابٌ، لم يكن في
تركه عقابٌ ... وهو يَنْقَسِم على ثلاثة أقسامٍ:
سنن، ورغائبُ، ونوافل.
فالسننُ: ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، واقترن بأمره ما يدلُّ على أن
مراده به: الندب: أو لم تقترن به قرينة على مذهب من يحمل الأوامر على الندب ما لم
يقترن بها ما يدل أن المراد بها الوجوب.
أو ما داوم النبي صلى الله عليه وسلم على فعله بخلاف صفة النوافل.
والرَّغائب: ما داوم النبي صلى الله عليه وسلم على فعله بصفة النوافل، أو رغّب فيه
بقوله: مَنْ فعل كذا فله كذا.
والنوافل: ما قرّر الشرع أن في فعله ثواباً، من غير أن يأمر النبي صلى الله عليه
وسلم به، أو يُرَغِّب فيه، أو يداوم على فعله». اهـ.
قال التنوخي في شرحه لمتن الرسالة (1) على قول القيرواني: «وركعتا الفجر من
الرغائب، وقيل من السنن»: وفائدة الخلاف تفاوت الثواب، فإن ثواب السنَّة أكثر من
ثواب الرغيبة والنافلة ... هذا في الفعل؛ وأما في الترك عمداً: فإن قلنا إنها
سنَّة: جرى فيها الخلاف في تارك السنن عمداً: هل يأثم أم لا؟» اهـ.
_________
(1) 2/ 337 - 338، ط 1 الحمالية بمصر، عام 1332 هـ.
(1/29)
وبعد هذا العرض الموجز لهذه المذاهب نرى أنه
لا خلاف بينها في الجملة، وإن اختلفت الألفاظ فإن المعنى واحدٌ.
ولذا قال السبكي في «الإبهاج» (1) على قول البيضاوي «ويسمى سنَّة ونافلة»:
«من أسمائه - أيضا - أنه مرغّب فيه، وتطوع، ومستحب، والترادف في هذه الأسماء عند
أكثر الشافعية، وجمهور الأصوليين».
ثم ذكر خلاف القاضي حسين من الشافعية، وذكر كلام المالكية، ثم قال:
«وللحنفية اصطلاح آخر في الفرق بين السنَّة والمستحب». اهـ.
وقال صاحب كتاب (الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية» (2):
«يرى جمهور الأصوليين: أن كلمة «مندوب» ترادف في الاصطلاح: كلمة سنَّة، أو مستحب،
أو نفل، أو تطوع.
وخالف في ذلك الحنفية، وفرَّقوا بين السنَّة والنفل، وجعلوا المندوب هو الذي يرادف
النفل، كما جعلوا السنَّة أعلى منه مرتبة». اهـ.
_________
(1) 1/ 57 - 58، ط الكليات الأزهرية، عام 1401 هـ.
وينظر فتاوى السبكي 1/ 159 - 160، فإنه مهم جداً.
(2) هو محمد البيانوني، ص: 163، ط دار القلم - دمشق.
(1/30)
وهذا هو بيان اصطلاح الحنفية:
قال الكمال ابن الهمام في «التحرير» (1):
«السنَّة ... في فقه الحنفية: ما واظب [صلى الله عليه وسلم] على فعله مع تركٍ مَّا
بلا عذرٍ ... وما لم يواظبْهُ: مندوبٌ ومستحبٌ وإن لم يفعله بعد ما رغب فيه». اهـ.
وهذا التعريف غير جامعٍ - على مذهب الحنفية - لأن الخطبة الثانية، والاعتكاف،
والترتيب والموالاة في الوضوء، والمضمضة والاستنشاق، ونحوها سننٌ عندهم مع ثبوت
المواظبة عليها من غير تركٍ، ولذا فإن شارحَ «مُسَلّم الثبوت» حذف جملة «مع تركٍ
ما بلا عذرٍ» فكان التعريف جامعاً لجميع السنن في مذهبهم، لكنه يصير غير مانع:
لشموله الفرضَ والواجب (2).
وقال في متن «مختصر المنار» (3) في مبحث تقسيم العزيمة إلى أربعة أنواع:
وسنة، وهي: الطريقة المسلوكة في الدين.
وحكمها: المطالبة بإقامتها من غير افتراضٍ ولا وجوب.
ونفلٌ: وهو: ما زاد على العبادات، وحكمه: إثابة فاعله، ولا معاقبة على تاركه،
ويلزم بالشروع». اهـ.
_________
(1) ص: 303، ط 1 الحلبي، عام 1351 هـ.
(2) شرح مسلم الثبوت ج 2/ 97 - 181، بواسطة (حجية السنة) ص: 55.
(3) ص: 14، تصوير مكتبة الشافعي بالرياض.
(1/31)
قال ابن نجيم في «البحر الرائق شرح كنز
الدقائق» (1):
«هي - أي السنَّة - اصطلاحاً: الطريقة المسلوكة في الدين، وكذا في «العناية» وفيه
نظر؛ لشموله: الفرض والواجب.
فزاد في «الكشف» من غير افتراضٍ ولا وجوب.
وفيه نظر؛ لشموله: المستحب والمندوب.
والأولى أن يقال:
هي الطريقة المسلوكة في الدين، من غير لزومٍ، على سبيل المواظبة».
ثم أورد ابن نجيم بعض التعريفات، ونقضها، ثم قال:
«والذي يظهر للعبد الضعيف أن السنَّة: ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليه، لكن
إن كانت لا مع الترك فهي دليل السنَّة المؤكدة، وإن كانت مع الترك أحياناً فهي
دليل غير المؤكدة، وإن اقترنت بالإنكار على من لم يفعله فهي دليل الوجوب». اهـ.
هذا وسيأتي حكم كلّ من السنَّة والمندوب، وتقسيمُ السنَّة عند الحنفية إن شاء الله
في مبحث «حكم ترك السنن».
_________
(1) 1/ 17، تصوير دار الكتاب الإسلامي.
(1/32)
مردّ الخلاف في الاصطلاحات السابقة
استعرضنا فيما مضى المصطلحات في السنَّة، وتبين لنا الاختلاف بينها.
«ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلافهم في الأغراض التي يعني بها كل فئة من
أهل العلم».
فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام الهادي، الذي
أخبر الله عنه أنه أسوةٌ لنا وقدوة؛ فنقلوا كلَّ ما يتصل به من سيرةٍ، وخلقٍ،
وشمائل، وأخبارٍ، وأقوال، وأفعالٍ، سواءٌ أثبت ذلك حكماً شرعياً أم لا.
وعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله المشرِّع، الذي يضع قواعد للمجتهدين من
بعده، ويبين للناسِ دستور الحياة، فَعُنُوا بأقواله، وأفعاله، وتقريراته التي تثبت
الأحكام، وتقرِّرُها.
وعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا تخرج أفعاله عن
الدلالة على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد، وجوباً أو حرمةً
أو إباحة، أو غير ذلك» (1).
_________
(1) السنُة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي، ص: 48 - 49.
(1/33)
ونحن نريد بالسنَّة في بحثنا هذا ما عناه
جمهور الفقهاء، وهي ما يطلق في مقابلة الواجب.
ومما يجدر التنبيه عليه أننا عندما نستدل بالأحاديث والآثار التي يرد فيها لفظ
"السنَّة" فإنما نستدلّ بعمومها، لا أنها وضعت للدلالة على السنَّة
بالمعنى الاصطلاحي الفقهيّ.
* * *
(1/34)
فصلٌ
في الحث على التمسك بالسنَّة
"السنَةُ هي الجُنَّةُ الحَصِيْنَةُ لِمَنْ تَدَرَّعها، والشِّرْعة
المَعِيْنَةُ لمن تَشَرَّعها، دِرْعُهَا صَافٍ، وَظِلُّها ضافٍ، وبيانها وافٍ،
وبرهانُهَا شافٍ.
وهي الكافلة بالاستقامةِ، والكافية في السلامة، والسُّلَّمُ إلى درجاتِ المقامة،
والوسيلة إلى الموافاةِ بصنوف الكرامة.
حافِظُهَا محفوظٌ، وملاحِظُها مَلْحُوْظٌ، والمقتدي بها على صراط مستقيم، والمهتدي
بمعالمها صائرٌ إلى مَحَلِّ النَّعيْمِ المقيم" (1).
ولقد توافرت النصوص الشرعية وأقوال الصحابة والتابعين المرضية على الترغيب فيها،
والحث على التمسك بها.
فمن الكتاب قوله تعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو
اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.
__________
(1) من كتاب "ضوابط الأحاديث" للشيخ يحيى المَغْربي، مخطوط في إصطنبول،
في مكتبة لا لَهْ لي/ برقم 622، والنقل عنه بواسطة محقق كتاب "تحفة
الأخيار" تأليف: اللكْنَوِيْ. ط مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب.
(1/35)
وقوله:
{قُلْ إِن كُنتُمْ تحِبُّونَ اَللهَ فَاَتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واَللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
وقوله تعالى:
{وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ}.
وقوله:
{وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.
وقد تقدَّم الكلام على هذه الآيات، وستأتي الإشارة إليها أيضاً.
* * *
ومن السنَّة ما رواه الإمام مسلم في «صحيحه» (1) عن جابر بن عبد الله - رضي الله
عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته
واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيشٍ، يقول: صبّحكم ومساكم ... ويقول: «أما بعد، فإن
خير الحديث كتابُ الله، وخير الهُدى هُدَى محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة
ضلالة».
وفي «المسند» عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعظنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم موعظةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب؛
قلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مُوَدِّعٍ، فما تَعْهَدُ إلينا؟
قال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي
_________
(1) كتاب الجمعة 2/ 592، ط 1، محمد فؤاد عبد الباقي.
(1/36)
إلا هالك؛ ومن يعشْ منكم فسيرى اختلافاً
كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين ...» الحديث.
وفي لفظ له - أيضا - عنه رضي الله عنه، قال:
صلَّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة
بليغة، ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب؛ قلنا: يا رسول الله! كأن هذه موعظةُ
مودِّع؛ فأوصنا.
قال:
«أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه مَنْ يعش منكم يرى
بعدي اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا
عليها بالنواجِذِ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعةٌ، وإن كل بدعة
ضلالة» (1).
* * *
وفي سنن ابن ماجه (1/ 4)، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال:
خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: «الفقر
تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبنَّ عليكم الدنيا صبًّا، حتى لا يزيغ قلب أحدكم
إزاغةً إلا هيه؛
_________
(1) رواه أصحاب السنن إلا النسائي، قال الترمذي (5/ 45): حديث حسن صحيح، وقال
الحاكم أبو عبد الله (1/ 96 - المستدرك): حديث صحيح ليس له علة، واقره الذهبي.
وصححه شيخ الإسلام في (الاقتضاء) 2/ 579، وقال الحافظ ابن كثير في (تحفة الطالب)
ص: 163: صححه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، والدغولي، وقال شيخ الإسلام الأنصاري: هو
أجود حديث في أهل الشام، وأحسنه. اهـ. وصححه الضياء في (اتباع السنن واجتناب
البدع) ص: 32.
(1/37)
وأيمُ الله! لقد تركتكم على مثل البيضاء،
ليلها ونهارها سواء» (1).
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: «لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما
يحركُ طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً».
رواه أحمد، والطبراني وزاد:
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بقي شيءٌ يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا
وقد بُيِّنَ لكم» (2).
* * *
وأما أقول الصحابة، والتابعين، والعلماء في الحث على السنَّة فكثيرةٌ جداً؛ منها:
_________
(1) إسناده حسن.
(2) قال الهيثمي بعد ما ذكر هذا السياق: ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن
عبد الله بن يزيد المقري، وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم، اهـ. انظر المسند 5/
153.
وقد روى الطبراني - أيضاً - الموقوف منه، عن أبي الدرداء، وقال الهيثمي (8/ 264):
ورجاله رجال الصحيح.
وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (3/ 1473) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال:
(إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم،
وينذرهم شر ما يعلمه لهم).
(1/38)
ما رواه الدارمي في سننه «1/ 44»، في باب
«اتباع السنَّة» عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال:
«كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنَّة نجاة».
«وروى المروزي في كتاب السنَّة «ص: 29» عن هشام بن عروة، عن أبيه - رحمه الله -
قال:
«السُّنَنَ السُّنَنَ؛ فإن السُّنَنَ قِوَامُ الدين».
وأخرج أبو نعيم في الحلية «6/ 142» عن الأوزاعي أنه قال:
«كان يقال: خمسٌ كان عليه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان.
لزوم الجماعة، واتباع السنَّة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل
الله».
وأخرج البيهقي (1) من طريق مالك أن رجاءً حدَّثه «أن عبد الله بن عمر كان يتبع أمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثاره، وحاله، ويهتمّ به حق كان قد خيف على عقله
من اهتمامه بذلك».
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال:
«فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبَّع الدُّبَّاءَ من حوالي الصَّحْفَة، فلم
أزل أحبّ الدباءَ من ذلك اليوم».
_________
(1) كما في مفتاح الجنة للسيوطي (ص: 62)، وقد أخرج نحوه أبو نعيم في الحلية (1/
310).
(1/39)
وقد بوَّب النووي على هذا الحديث في شرحه
لصحيح مسلم، فقال: باب جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين .. اهـ.
* * *
وأخرج الدارمي في سننه «1/ 44» عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن عبد
الله بن الديلمي قال:
«بلغني أن أول ذهاب الدين ترك السنن، يذهب الدينُ سنَّةً سنَّةً، كما يذهب الحبل
قوةً قوةً».
وأخرج المروزي في السنَّة «ص: 28» عن عبد الله بن عون أنه قال: «ثلاث أرضاها لنفسي
ولإخواني:
أن ينظر هذا الرجل المسلم القرآنَ، فيتعلمه، ويقرأه، ويتدبره، وينظر فيه.
والثانية: أن ينظر ذاك الأثرَ والسنَّةَ؛ فيسأل عنه، ويتَّبِعَهُ جُهْدَه.
والثالثة: أن يدع الناس إلا من خير».
وأخرج اللالكائي في شرح اعتقاد أهل الحديث «1/ 65»، عن الفضيل بن عياض، أنه قال:
«إن لله عباداً يحيي بهم البلادَ، وهم أصحاب السنَّة».
* * *
وأخرج أبو نعيم في الحلية «10/ 302»، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء
أنه قال:
«من ألزم نفسه آداب السنَّة: غمر الله قلبه بنور المعرفة؛ ولا مقام
(1/40)
أشرف من متابعة الحبيب في: أوامره، وأفعاله،
وأخلاقه، بآدابه؛ قولاً، وفعلاً، ونية، وعقداً».
وفيها أيضاً «10/ 257»، عن الجنيد أنه قال:
«الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول؟؟؟؟؟ سنته ولزم طريقته، فإن
طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه».
وفيها أيضاً «10/ 190»، عن أبي محمد سهل بن عبد الله التُّستري، أنه قال: «أصولنا
ستة أشياء:
التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكل
الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق».
وقال: «على هذا الخَلْقِ مِنَ اللهِ: أن يلزموا أنفسهم سبعة أشياء:
فأولها: الأمر والنهي - وهو الفرض -، ثم السنَّة، ثم الأدب، ثم الترهيب، ثم
الترغيب، ثم السَّعة.
فمن لم يلزم نفسه هذه السبعة، ولم يعمل بها لم يكمل إيمانه، ولم يتمَّ عقله، ولم
يتهنَّأ بحياته، ولم يجد لذة طاعة ربه».
وجاء في «الشفاء» للقاضي عياض «2/ 558» عنه - رحمه الله - أنه قال:
«أصول مذهبنا ثلاثةٌ:
الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال.
والأكل من الحلال.
(1/41)
وإخلاص النية في جميع الأعمال».