النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
مسلم: «ولا تؤمن الرجل في أهله ولا في سلطانه».
وفي لفظ أبي
داود:«ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه».
قال الخطابي في
معالم السنن([507]):
(وأما قولـه: ولا يؤم الرجل في بيته، معناه أن صاحب المنزل أولى بالإمامة في بيته،
إذا كان من القراءة والعلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة...... و قوله: ولا سلطانه،
على معنى ما يتسلط عليه الرجل من ملكه في بيته، أو يكون إمام مسجد في قومه
وقبيلته) ا.هـ.
وقال النووي:
(معناه: ما ذكر أصحابنا وغيرهم:أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره،
وإن كان ذلك الغير أفقه وأورع وأفضل منه.
وصاحب المكان
أحق، فإن شاء تقدم، وإن شاء قدم من يريده، وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة
لباقي الحاضرين؛ لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء. فقال أصحابنا: فإن حضر السلطان
أو نائبه قدم على صاحب البيت وإمام المسجد و غيرهما، لأن ولايته وسلطانه عامة.
قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه) شرح مسلم([508]) .
وقال ابن قدامة
في الكافي([509]):
(فإن أذن صاحب البيت لرجل فهو بمنزلته، فإن اجتمع السلطان وصاحب البيت فالسلطان
أولى؛ لأن ولايته على البيت وصاحبه، وإن اجتمع السلطان وخليفته فالسلطان أولى؛ لأن
ولايته أعمَّ، وإن اجتمع العبد وسيده في بيت العبد فالسيد أولى؛ لأنه مالك العبد
وبيته، وإن اجتمع المؤجر والمستأجر في الدار فالمستأجر أولى؛ لأنه أحق بالمنفعة،
وإمام المسجد الراتب فيه بمنزلة صاحب البيت؛ لا يجوز لأحد أن يؤم فيه بغير إذنه).
من
حِكـََم هذا الحُكم:
قال العلامة
المباركفوري: ( وتحريره أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتآلفهم
وتوادهم، فإذا أم الرجلُ الرجلَ في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع
ربقة الطاعة. وكذلك إذا أمه في قومه وأهله، أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع، وظهور
الخلاف الذي شرع لدفعه الاجتماع، فلا يتقدم
رجل على ذي السلطنة لا سيما الأعياد والجماعة، ولا على إمام الحي ورب البيت إلا
بالإذن قاله الطيبي) ا.هـ. تحفة الأحوذي([510]).
من
السنن المهجورة في آداب النوم
المسألة السادسة والخمسون (56) نفض الفراش عند النوم.
عن أبي هريرة - t - قال: قال
النبي - ﷺ-: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة([511])
إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن
أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».
أخرجه البخاري
ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه([512])
وغيرهم.
وعند الترمذي في
أولـه: «إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه».
وقال الترمذي:
(حديثٌ حسنٌ).
وفي رواية
البخاري([513])
«فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرًّات».
وفي رواية مسلم:
«إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه وليُسمِّ الله».
قال النووي في
شرح مسلم([514]):
(داخلة الإزار:طرفه. ومعناه: أنه يستحب أن ينفض فراشه قبل أن يدخل فيه لئلا يكون
فيه؛ حية أو عقرب أو غيرهما من المؤذيات.ولينفض يده مستورة بطرف إزاره؛ لئلا يحصل
في يده مكروه إن كان هناك) ا.هـ.
وأما لفظة
"بصنفة ثوبه": فقد ذكر الحافظ ابن حجر الأقوال في معناها ثم قال:
(فالأولى هنا أن يقال المراد طرفه الذي من الداخل جمعاً بين الروايتين) ا.هـ. فتح
الباري([515]) .
المسألة السابعة والخمسون (57) وضع اليد اليمنى تحت الخد
الأيمن عند النوم.
روى البخاري([516]) عن
حذيفة بن اليمان - رضي الله عنهما - قال: (كان النبي - ﷺ - إذا أخذ مضجعه من الليل، وضع يده تحت خدِّه، ثم يقول: «اللهم
باسمك أموت وأحيا» وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه
النشور».بوب البخاري عليه (باب وضع اليد تحت الخد اليمنى).
قال الحافظ في
الفتح([517]):
(قال الإسماعلي: ليس فيه ذكر اليمنى، وإنما وقع ذلك في رواية شريك ومحمد بن جابر
عن عبد الملك بن عمير. قلت: (أي ابن حجر): جرى
البخاري على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث.
وطريق شريك هذه
أخرجها أحمد من طريقه.وفي الباب عن البراء أخرجه النسائي من طريق أبي خيثمة
والثوري عن أبي إسحاق عنه-أي البراء - (أن النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، وقال:
«اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك» وسنده صحيح.وأخرجه أيضاً بسند صحيح عن حفصة
وزاد: «يقول ذلك ثلاثاً» ) ا.هـ. كلام الحافظ وفيه الفائدة وكفاية.
وحديث حفصة عند
النسائي([518]) وقال
الألباني: (حسنٌ صحيحٌ).وهو في الكبرى([519]) ،
وحديث البراء في الكبرى عند النسائي([520]) ، وهو
عند البخاري في الأدب المفرد، والترمذي ومسند أحمد وابن حبان([521])،
وصححه الألباني في الصحيحة برقم(2754).
تنبيهٌ
هــــامٌ:
ما ذكره الحافظ
من الزيادة في حديث حفصة(ثلاث مرار)، وهذه الزيادة ذكر الألباني أنها لا تصح
لثلاثة أمور. راجعها مفصلة مبرهنة في بحث ماتع في الصحيحة([522]).
تـنبيـه
ثـانٍ:
البحث هنا كما هو
ظاهرٌ عن وضع اليد اليمنى تحت الخد الأيمن، وأما مطلق الاضطجاع على الشق الأيمن
عند النوم فأدلته معلومة عند كثير من العامة فضلاً عن طلاب العلم، وهي في الصحيحين
وغيرهما. فراجعها في مظانها من كتب الأدعية والآداب.
مسألة الثامنة والخمسون (58) فضل من انتبه من نوم الليل فذكر
الله .
روى البخاري([523]) عن
عبادة بن الصامت - t - عن النبي - ﷺ - قال: «من تعار([524]) من
الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه. لـه الملك ولـه الحمد، وهو على كل
شيء قدير. الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله،
والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال اللهم اغفر لي - أو دعا -
استجيب لـه. فإن توضأ قبلت صلاته».
قال الحافظ:
(وإنما يتفق ذلك لمن تعود الذكر واستأنس به، وغلب عليه حتى صار حديث نفسه في نومه
ويقظته، فأكرم من اتصف بذلك بإجابة دعوته وقبول صلاته).فتح الباري([525]) .
وقال الحافظ
أيضاً: (قال ابن بطال: وعد الله على لسان نبيه أن من استيقظ من نومه لهجاً لسانه
بتوحيد ربه والإذعان لـه بالملك والاعتراف بنعمه يحمده عليها،.وينزهه عما لا يليق
به بتسبيحه والخضوع لـه.بالتكبير والتسليم لـه بالعجز عن القدرة إلا بعونه. أنه
إذا دعاه أجابه، .وإذا صلّى قبلت صلاته,فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل
به ويخلص نيته لربه سبحانه وتعالى) ا.هـ.
ولقد استعاض كثير
من أبناء الزمان بما يرشدهم إليه بعض الأطباء من أنهم ينامون وأكواب اللبن أو
نحوها عند رؤوسهم، فإذا انتبهوا من نومهم وتقلبوا على فرشهم بادروا بشرب ما في ذلك
الكوب.وهذا وإن كان فيه منفعة كما يقول أهل الطب إلا أن ما أرشد إليه النبي صلى
الله عليه وسلم
أفضل وأكمل .
وقد أرشد الرسول
الكريم إلى ما قد علمت من هذا الذكر، وما فيه من التوحيد، فيغفر الله لك ذنبك الذي
هو سبب أمراضك ومصائبك البدنية والنفسية.فاحمد الله على نعمة هذا الدين وأقبل على
آدابه وأحكامه بعلمٍ وعملٍ كلٌ على يقين. والله أعلم.
المسألة التاسعة والخمسون (59) مسح أثر النوم عن الوجه باليد([526]) عند الاستيقاظ.
عن ابن عباس -
رضي الله عنهما - قال: «إنه بات ليلةً عند ميمونة زوج النبي - ﷺ - وهي خالته
فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله - ﷺ - وأهله في طولها فنام رسول الله - ﷺ - حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله
- ﷺ - فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده» الحديث
أخرجه البخاري
ومسلم وأبو داود مختصراً وابن ماجه([527]).
قال النووي -
رحمه الله-: (قولـه فجعل يمسح النوم عن وجهه معناه أثر النوم، وفيه استحباب هذا).
شرح مسلم([528]).
المسألة الستون (60) قراءة الآيات الأخيرة من آل عمران
عند الاستيقاظ من الليل والنظر إلى السماء.
عن ابن عباس -
رضي الله عنهما - قال: «بتُ يوماً عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله - ﷺ - مع
أهله ساعةً ثم رقد،.فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء» اخرجه البخاري
ومسلم([529]) .
وفي رواية
«استيقظ رسول الله - ﷺ - فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات
الخواتم من سورة آل عمران([530]) » .
أخرجه البخاري ومسلم([531]) .
وفي رواية أخرجها مسلم([532]) عن ابن عباس حدَّث:
«أنه بات عند النبي - ﷺ
- ذات ليلةٍ، فقام نبي الله في آخر الليل، فخرج فنظر في السماء، ثم تلا هذه الآية
في آل عمران {إِنّ
فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ ...} ([533]) - حتى بلغ - { فَقِنَا عَذَابَ النّارِ } ([534]) ثم رجع إلى البيت فتسوَّك وتوضأ - ثم قام - فصلى ثم اضطجع - ثم قام -
فخرج فنظر إلى
السماء فتلا هذه الآية.ثم رجع فتسوَّك فتوضأ - ثم قام –
فصلى».
قال النووي في
شرح مسلم([535]):
(وفيه استحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم).ا.هـ. فتلخص مما تقدم أنه
فور استيقاظه يقوم بالتالي :
1 - يمسح النوم
عن وجهه بيديه.
2 - ينظر إلى
السماء إن قدر .
3 - يتلو العشر
الآيات من آخر آل عمران .
من
السنن المهجورة في الطب
ترك
وهجر التداوي بالطب النبوي الكريم من كثير من الناس:
وقبل هذا، لا بد
من الإشارة إلى أنه: قد صح في التداوي في السنة أحاديث كثيرة جداً؛ مما جعل الأئمة
- رحمهم الله - تعالى يفردون لذلك إما مصنفات مستقلةٍ، وإما أبواباً وفصولاً في
مصنفاتهم؛ .وذلك لعظم نفع الطب النبوي المؤيد بالوحي الإلهي.و لا يخفى الفرق
العظيم بين ذلك وبين طب غيرهم، وإن نسبة طب الأطباء إلى طب الأنبياء، كطب العجائز
بالنسبة إلى طبهم كما يقوله الإمام ابن القيم - رحمه الله -.
وانظر إلى صورة
من عناية العلماء في أهم مصادر أئمة الإسلام بعد القرآن - كلام رب العالمين - ألا
وهي كتب السنة، وأهمها الأمهات المعروفة المشهورة بنقل السنة المطهرة، ففي صحيح البخاري
عقد - رحمه الله - كتابين "كتاب المرضى" و"كتاب الطب"، و مسلم
- رحمه الله - في صحيحه "كتاب السلام" يذكر قرابة ( 17باباً ) في الطب و
التداوي، والإمام الترمذي جعل في سننه كتاب الطب عن رسول الله - ﷺ - اشتمل
على (25باباً) في أنواع الطب النبوي ،وابن ماجه في سننه جعل "كتاب الطب"
اشتمل على ( 46بابا)ً وكذا الإمام أبو داود في سننه "كتاب الطب" مشتمل
على(24باباً) في ذلك، فهذه أعظم مصادر السنة، وفيها كما ترى، فما للمسلمين اليوم
في غفلة وجهالة عن هذا الأمر العظيم؟! وصنف فيه الإمام ابن القيم ضمن كتابه العظيم
"زاد المعاد" مجلداً كاملاً، هو الرابع في هديه - ﷺ -في الطب قال فيه: (ونحن نتبع ذلك بذكر فصول نافعة في
هديه في الطب الذي تطبب به ووصفه لغيره،ونبين ما فيه من الحكمة التي تعجز عقول
أكثر الأطباء عن الوصول إليها، وأن نسبة طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم،
فنقول - وبالله المستعان-: ومنه نستمد الحول والقوة) ا.هـ. زاد المعاد([536]).
وهناك أمثلة
كثيرة من الطب النبوي المهجورة من كثير من المسلمين اليوم. أذكر منها ما يفيد
الذكرى وهي كالتالي :
المسألة الحادية والستون (61) التداوي بالتلبينة([537]).
عن عروة، عن
عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها كانت إذا مات الميتُ من أهلها، فاجتمع لذلك النساء، ثم
تفرقن إلاّ أهلها وخاصتها، أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم ثريدٌ، فصُبَّتِ
التلبينة عليها، ثم قالت:كلن منها فإني سمعت
رسول الله - ﷺ - يقول :«التلبينة مُجمة لفؤاد المريض تُذهب بعض الحُزن».
أخرجه البخاري
ومسلم([538]) وفي
رواية عن عائشة أنها كانت تأمر بالتلبينة وتقول: (هو البغيض النافع ) البخاري([539]).
تــنـبـيه:
وأما الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه([540]) .
عن عائشة - رضي
الله عنها - قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصنع، ثم أمرهم فحسوا منه وكان
يقول: «إنه ليرتق فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم»... الحديث .
فهو ضعيف ضعفه
الألباني وغيره، ويغني عنه حديث عائشة المتقدم في التلبينة في الصحيحين.
المسألة الثانية والستون (62) التداوي بالعـسل.
قال
الله تعالى : " يخرج من بطونها شراب
مختلف ألوانه فيه شفاء للناس " قال
ابن كثير في تفسيره([541]):"
أي في العسل شفاء للناس. أي: من أدواء تعرض لهم. قال بعض من تكلم على الطب النبوي
: لو قال فيه الشفاء للناس لكان دواء لكل داء، ولكن قال: فيه شفاء للناس أي يصلح
لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار والشيء يداوى بضده ".
1ـ عن ابن عباس -
رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الشفاء في ثلاث شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار.
وأنهى أمتي عن الكي» اخرجه البخاري([542]) .
2ـ عن
أبي سعيد الخدري - t - قال: «جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال رسول الله: اسقه
عسلاً، فسقاه، ثم جاء، فقال: إني سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً. فقال لـه
ثلاث مرات.ثم جاء الرابعة، فقال:اسقه عسلاً فقال:لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً
فقال رسول الله - ﷺ-: «صدق الله وكذب بطن أخيك» فسقاه فبرأ». أخرجه البخاري ومسلم([543]) .
وقد تحدث عنه ابن
القيم في الزاد([544]).
ومما قاله قوله:"والعسل فيه منافع عظيمة، فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق
والأمعاء وغيرها، محلل للرطوبات أكلا وطلاء، نافع للمشايخ وأصحاب البلغم"،
وقولـه :" وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع
الحلوى ، وطلاء مع الأطلية، ومفرح مع المفرحات، فما خلق لنا شيء في معناه أفضل
منه، ولا مثله، ولا قريبا منه، ولم يكن معول القدماء إلا عليه، وأكثر كتب القدماء
لا ذكر فيها للسكر البتة، ولا يعرفونه، فإنه حديث العهد قريباً" وقال:"وليس
طبه، - ﷺ - كطب الأطباء، فإن طب النبي متيقن قطعي إلهي صادر عن
الوحي، ومشكاة النبوة وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب ... فطب
النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح
الطيبة والقلوب الحية ".
المسألة الثالثة والستون (63) التداوي بالـحـجــامـة.
1ـ عن أنس - t - قال: قال
رسول الله - ﷺ - : «ما مررت ليلة أسري بي بملأ إلا قالوا: يا محمد مرْ أمتك
بالحجامة». وعن ابن عباس «عليك بالحجامة يا محمد».
رواه ابن ماجه([545]) عن أنس، والترمذي
عن ابن عباس([546]) وعن ابن مسعود([547]) وهي شواهد يشد بها
الحديث فيكون صحيحاً لغيره. كما قاله محققا زاد المعاد([548]).
2ـ عن جابر بن
عبد الله، أنه عاد المقنَّع، ثم قال: لا أبرح حتى تحتجم، فإني سمعت رسول الله - ﷺ
- يقول: «إن فيه شفاء». أخرجه البخاري ومسلم([549]) .
3ـ فعن ابن عباس
- رضي الله عنهما - أن النبي - ﷺ-: «احتجم وأعطى الحجام أجره». أخرجه البخاري ومسلم([550]).
4ـ عن أنس - t - أن رسول
الله - ﷺ - حجمه أبو طيبة، فأمر لـه بصاعين من طعام، وكلم مواليه
فخففوا عنه، وقال - ﷺ -: «خير ما تداويتم به الحجامة». أخرجه البخاري ومسلم([551]).
المسألة الرابعة والستون (64) الحمية بتمر العجوة من عالية
المدينة النبوية([552]) .
1ـ عن سعد بن أبي
وقاص - t - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تصبح بسبع تمراتٍ عجوة لم يضره ذلك اليوم سمٌ
ولا سحرٌ». أخرجه البخاري ومسلم([553]) .
وفي لفظٍ:«من أكل
سبع تمرات مما بين لا بتيها حين يصبح لم يضره سمٌ حتى يمسي».
2ـ عن عائشة -
رضي الله عنها - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن في عجوة العالية شفاءٌ أو إنها ترياقٌ أول البكرة».
أخرجه مسلم([554]).
المسألة الخامسة والستون (65) التداوي بالـحـبـة الـسوداء.
عن أبي هريرة - t - قال: قال
رسول الله - ﷺ-: «إن في الحبة السوداء شفاءٌ من كل داء إلا السام([555])».
أخرجه البخاري ومسلم([556]).
قال
ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الزاد: " وهي كثيرة المنافع جداً، وقولـه:
( شفاء من كل داء) مثل قوله تعالى: {
تُدَمّرُ كُلّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبّهَا} أي:
كل شيء يقبل التدمير ونظائره ".
وذكر - رحمه الله
تعالى - جملة من فوائدها فقال([557]) :
"والشونيز([558])حار
يابس في الثالثة، مذهب للنفخ، مخرج لحب القرع، نافع من البرص وحمى الرِّبْعِ([559])
والبلغمية، مفتح للسدد، محلل للرياح، مجفف لبلة المعدة ورطوبتها، وإن دق وعجن
بالعسل وشرب بالماء الحار، أذاب الحصاة التي تكون في الكليتين والمثانة، ويدر
البول والحيض واللبن إذا أديم شربه، وإن سخن بالخل وطلي على البطن، قتل حب القرع،
فإن عجن بماء الحنظل الرطب أو المطبوخ كان فعله في إخراج الدود أقوى، ويجلو ويقطع
ويحلل ويشفى من الزكام البارد، وإذا دق وصير في خرقه واشتم دائما أذهبه، ودهنه
نافع لداء الحية ومن الثآليل والخِـيلان([560])، وإذا
شرب منه مثقال بماء نفع من الـبَـهـَـر وضيق النفس، والضماد به ينفع من الصداع
البارد، وإذا نقع منه سبع حبات عددا في لبن امرأة وسعط به صاحب اليـرقان نفعهُ
نفعا بليغا، وإذا طبخ بخل وتمضمض به نفع من وجع الأسنان عن برد، وإذا استعطى به
مسحوقا نفع من ابتداء الماء العارض في العين، وإن ضمد به مع الخل قلع البثور
والجرب المتقرح، وحلل الأورام البلغمية المزمـنة والأورام الصلبة، وينفع من اللقوة
إذا تـُسُـعِّـطَ بدهنه، وإذا شرب منه مقدار نصف مثقال إلى مثقال نفع من لسع
الرُّتـَيْـلاء([561])، وإن
سحق ناعما وخلط بدهن الحبة الخضراء وقطر منه في الأذن ثلاث قطرات نفع من البرد
العارض فيها والريح والسدد، وإن قلي ثم دق ناعما ثم نقع في زيت وقطر في الأنف ثلاث
قطرات أو أربع نفع من الزكام العارض معه عطاس كثير، وإذا أحرق وخلط بشمع مذاب بدهن
السوس أو دهن الحناء وطلي به القروح الخارجة من الساقين بعد غسلها بالخل نفعها
وأزال القروح، وإذا سحق بخل وطلي به البرص والبهق الأسود والحزاز الغليظ نفعها
وأبرأها، وإذا سحق ناعما واستف من كل يوم درهمين بماء بارد من عضة كلب قبل أن يخلو
من الماء نفعه نفعا بليغا وأمن على نفسه من الهلاك، وإذا استعطى بدهنه نفع من
الفالج والكزاز وقطع موادهما، وإذا دخن به طرد الهوام وإذا أذيب الأنزروت بماء
ولطخ على داخل الحلقة ثم ذر عليها الشونيز كان من الذروات الجيدة العجيبة النفع من
البواسير. ومنافعه أضعاف ما ذكرنا، والشربة منه درهمان وزعم قوم أن الإكثار منه
قاتل"([562]).
المسألة السادسة والستون (66) التداوي بالــكـمـأة([563])
عن
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل – t - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «الكمأة من المنِّ وماؤها شفاءٌ للعين». أخرجه
البخاري ومسلم([564]) .
وقولـه: (من
المنِّ) أي الذي أنزلـه الله –تعالى - على موسى وقومه من بني
إسرائيل كما في رواية عند مسلم([565]).
كما
قال الله –تعالى-:
{ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنّ
وَالسّلْوَىَ } ([566]) أما قوله: «ماؤها شفاءٌ للعين» فقيل فيه:
1ـ أن ماءها يخلط
في الأدوية للعين، لا أنه يستعمل وحده.
2ـ أنه يستعمل
وحده بحتاً بعد شيِّها بالنار وتقطير مائها بالعين.
وقيل غير ذلك.
انظر فيها: زاد المعاد([567]).
المسألة السابعة والستون (67) الدواء من عرق النسا([568]).
عن أنس بن مالك -
t - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «شفاء عرق النَّسَا أَلْيَةُ شاةٍ أعرابيةٍ، تذابُ ثم
تُجزَّأُ ثلاثة أجزاءٍ، ثم يشربُ على الرِّيق في كل يوم جزء». أخرجه أحمد وابن
ماجه([569])
واللفظ هنا له.
وأما لفظ أحمد:
«ألية كبشٍ عربي أسود، ليس بالعظيم ولا بالصغير، يجزأ ثلاثة أجزاء، فيذاب فيشرب كل
يوم جزء».
و أخرجه الحاكم([570])
وغيره وقد صححه الألباني في الصحيحة([571])
والمحققون لمسند أحمد.
المسألة الثامنة والستون (68) التداوي بالريق والتراب.
عن عائشة - رضي
الله عنها - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول للمريض ـ وفي لفظ ـ في الرقية «بسم الله. تربة أرضنا،
بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا». أخرجه البخاري ومسلم([572]).
ولفظه عنده في
أولـه «أن رسول الله كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحةٌ أو جرح
قال النبي بإصبعه هكذا. ووضع سفيان
– أي:
ابن عـيـينة أحد الرواة - سبَّابته بالأرض ثم رفعها «باسم الله.تربة أرضنا، بريقة
بعضنا ليشفي به سقيمنا بإذن ربنا».
قال النووي في
شرح مسلم([573]):
(ومعنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه
السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء، فيمسح به على الموضع الجريح أو
العليل، ويقول هذا الكلام في حال المسح والله أعلم) ا.هـ.
قال الحافظ ابن
حجر: (وقال البيضاوي :قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلاً في النضج وتعديل
المزاج, وتراب الوطن لـه تأثير في حفظ المزاج ودفع الضرر) ا.هـ.
تـنـبـيـه:
وهل هذا خاص
بتربة المدينة؟ الجواب لا.
قال النووي([574]):
(قال جمهور العلماء: المراد بأرضنا هنا جملة الأرض وقيل: أرض المدينة خاصة
لبركتها). قال ابن حجر عن هذا القول الأخير: (فيه نظر)([575]).
المسألة التاسعة والستون (69) الطب النبوي في الذباب.
1ـ عن أبي هريرة
- t - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن
في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء». أخرجه البخاري وابن ماجه وأحمد([576]).
2ـ عن أبي سعيد
الخدري - t - قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «في أحد جناحي الذباب سمٌ، وفي الآخر شفاءٌ، فإذا وقع في
الطعام,فأمقلوه فيه، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء».
أخرجه النسائي
وابن ماجه وأحمد([577])
وسنده صحيح.
قال ابن القيم
بعد كلام ممتع حول شرح معنى الحديث: (وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم،
بل هو خارج من مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا
العلاج، ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج
عن القوى البشرية) ا.هـ. زاد المعاد([578]).
واعلم رحمك الله
ـ أن هذا الحديث قد شك فيه أهل البدع و الأهواء، والشك والتشكيك في السنة النبوية
قديمٌ وحديثٌ، فتصدى أهل العلم والإيمان بالرد عليهم وتفنيد شبههم، ولولا خشية
الإطالة لنقلت كلامهم في الذب عن السنة النبوية، ولكن أحيلك على مصادر كلامهم،
فراجعها، واشكر لأهل العلم جهادهم، وادع لهم واسلك سبيلهم في الذب والرد على أهل
البدع والأهواء المضلة. من هؤلاء العلماء :
1ـ الإمام أبو
جعفر الطحاوي المتوفى/321هـ في كتابه (مشكل الآثار) (4/283ـــ284).
2ـ الإمام أبو
سليمان الخطابي المتوفى/388هـ في كتابه (أعلام الحديث شرح البخاري) (3/2141ـ2143).
وكتابه (معالم
السنن) شرح سنن أبو داود (4/238ـ239).
ومــن
الــمــعـاصـريــن:
3ـ العلامة أحمد
بن محمد شاكر المتوفى/1377هـ في تحقيقه وشرحه لمسند أحمد(ج12رقم7141) .
4ـ الإمام العلامة محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني
المتوفى/1420هـ في كتابه الماتع السلسلة الصحيحة (1/95ــ101)تحت رقم (38و39).والحمد
لله رب العالمين.
و على العموم
فأنواع وأفراد الطب النبوي الكريم كثيرة، استحث همم المسلمين والمتخصصين لدراستها،
وتسهيل استعمال الناس لها، وتداويهم بها، ونسأل الله أن يعلي كلمته، وينصر دينه.
والله أعلم .
السنن
المهجورة في آداب الطعام
المسألة السبعون (70) ترك عيب الطعام.
كان هذا من هديه
وأدبه وحسن خلقه وجميل معاشرته - صلوات الله وسلامه عليه - روى البخاري ومسلم([579]) عن
أبي هريرة - t - قال: «ما عاب النبي - t - طعاماً قطُّ إن اشتهاه أكله, و إن كرهه تركه».
قال النووي: (هذا
من آداب الطعام المتأكدة وعيبُ الطعام كقولـه: مالح,قليل الملح,حامض, رقيقٌ
,غليظٌ,غير ناضج ونحو ذلك.وأما حديث ترك أكل الضب فليس هو من عيب الطعام,إنما هو
إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا اشتهيه) ا.هـ. شرح مسلم([580]).
وقال ابن حجر:
(قوله: «ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً» أي: مباحاً, أما الحرام فكان
يعيبه ويذمه وينهى عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن
كان من جهة الصنعة لم يكره قال:لأن صنعة الله لا تُعاب وصنعة الآدميين
تُعاب.قلت(أي ابن حجر):والذي يظهر التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع) ا.هـ. ثم نقل
ملخص كلام النووي المتقدم. راجع الفتح (9/458).
وقال([581]):
(قولـه: «وإن كرهه تركه» يعني مثل ما وقع لـه في الضب, ووقع في رواية أبي يحي([582]) :
«وإن لم يشتهه سكت» أي عن عيبه.قال ابن بطال: هذا من حسن الأدب,لأن المرء قد لا
يشتهي الشيء ويشتهيه غيره.و كل مأذون في أكله من قبل الشرع ليس فيه عيبٌ) ا.هـ.
وانظر: شرح رياض
الصالحين لابن عثيمين([583]).
المسألة الحادية والسبعون (71) لعـق الأصابع قبل مسحها أو غسلها.
1 - عن ابن عباس
- رضي الله تعالى عنهما-: أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يَلعقها أو يُـلعقها».
أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه([584]) .
2 - عن كعب بن
مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها». أخرجه مسلم وأبو
داود([585]) .
قال الحافظ ابن
حجر في الفتح([586]): (
وفي الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذاراً، نعم يحصل ذلك لو فعله في أثناء
الأكل؛ لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه) ا.هـ.
وعليه من الخطأ
من يلعق أصابعه أثناء الأكل، ثم يأكل بها، فهذا يقذر الطعام على الناس، ثم
الأحاديث السابقة يلعقها قبل أن يغسلها، وقبل مسحها بالمنديل، أي: بعد الانتهاء من
الطعام.
وقال الخطابي في
معالم السنن([587]):
(وقد بين النبي - ﷺ - العلة في لعق الأصابع وسلت الصحفة، وهو قولـه: «فإنه لا يدري في
أي طعامه يبارك لـه» يقول لك لعل البركة فيما لعق بالأصابع و الصحفة من لطخ ذلك
الطعام. وقد عابه قوم أفسدت عقولهم الترفه، وغير طباعهم الشبع والتخمة، وزعموا أن
لعق الأصابع مستقبح أو مستقذر، كأنهم لم يعلموا أن الذي علق بالإصبع أو الصحفة جزء
من أجزاء الطعام الذي أكلوه وازدردوه، فإذا لم يكن سائر أجزائه المأكولة مستقذرة
لم يكن هذا الجزء اليسير منه الباقي في الصحفة واللاصق بالأصابع مستقذراً كذلك.
و إذا ثبت هذا
فليس بعده شيء أكثر من مسه أصابعه بباطن شفتيه هو ما لا يعلم عاقل به بأساً، إذا
كان الماس والممسوس جميعاً طاهرين نظيفين.
وقد يتمضمض
الإنسان فيدخل إصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه، فلم ير أحد ممن يعقل أنه
قذارة أو سوء أدب، فكذلك هذا لا فرق بينهما في منظر حسٍّ ولا مخبر عقلٍ). والله
تعالى أعلم.
وقال العلامة
الألباني - رحمه الله -: (وفي الحديث أدب جميل من آداب الطعام ألا وهو: لعق
الأصابع، ومسح الصحفة بها. وقد أخلَّ كثير من المسلمين اليوم متأثرين في ذلك
بعادات أوربا الكافرة، وآدابها القائمة على الاعتداد على المادة، وعدم الاعتراف
بخالقها، والشكر لـه على نعمه.
وقال ابن عثيمين
في شرح رياض الصالحين (6/227): " وفيه فائدة ذكرها بعض الأطباء: أن الأنامل
تفرز عند الأكل شيئاً يعين على هضم الطعام، فيكون في لعق الأصابع بعد الطعام
فائدتان: فائدة شرعية: وهي الاقتداء بالنبي – ﷺ–
وفائدة صحية طبية: وهي هذا الإفراز الذي يكون بعد الطعام يعين على الهضم. والمؤمن
لا يجعل همه فيما يتعلق بالصحة البدنية. أهم شيء عند المؤمن هو اتباع الرسول
والاقتداء به؛ لأن فيه صحة القلـب، وكلما كان الإنسـان للرسول أتبـع كان إيمانـه
أقـوى ". ونحوه في
(7/224).
المسألة الثانية والسبعون (72) إماطة الأذى عن اللقمة الساقطة ثم
أكلها.
عن جابر - رضي
الله تعالى عنه - « أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ فِي
أَيِّهِ الْبَرَكَةُ ».
و في لفظ: «إذا
وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من الأذى، وليأكلها ولا يدعها
للشيطان. و لا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه
البركة». أخرجه مسلم وابن ماجه([588]) .
قال النووي -
رحمه الله - وهو يعدد فوائد هذه الأحاديث وما فيها من السنن: (في هذه الأحاديث
أنواع من سنن الأكل منها و: استحباب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها، هذا
إذا لم تقع على موضع نجس، فإن تنجست فلا بد من غسلها - إن أمكن - فإن تعذر أطعمها
حيواناً، ولا يتركها للشيطان ). شرح مسلم([589]).
وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح([590]).
المسألة الثالثة والسبعون (73) لعق القصعة والإناء ونحوها.
دليل هذه
المـســـــألـة حديث جابر المتقدم في المـســـــألـة السابقة.
وحديث أنس – t – عن النبي – ﷺ - :" وأمرنا أن نسلت القصعة قال:
(
فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة). ونسلت معناه :نمسحها ونتتبع ما بقي فيها من
الطعام" .
وقال العلامة ابن
عثيمين في شرح رياض الصالحين([591]):"
إنه ينبغي للإنسان أن يلعق الصحن أو القدر أو الإناء الذي فيه الطعام ، إذا انتهيت
فالحس حافته، كما أمر بهذا النبي - عليه الصلاة والسلام - فإنك لا تدري في أي
طعامك البركة . ومع الأسف فإن الناس يتفرقون عن الطعام بدون تنفيذ هذه السنة، فتجد
حافات الآنية عليها الطعام كما هي . والسبب في هذا الجهل بالسنة . ولو أن طلبة
العلم إذا أكلوا مع العامة وجهوهم إلى هذه السنة وغيرها من سنن الأكل والشرب
لانتشرت هذه السنن، لكن نسأل الله أن يعاملنا بعفوه، فنحن نتجاوز كثيراً، ونتهاون
في الأمر، وهذا خلاف الدعوة إلى الحق ).
وقال أيضاً([592]):"
فهذا أيضاً من السنة التي غفل عنها كثير من الناس
مع الأسف، حتى من طلبة العلم أيضاً ،إذا فرغوا من الأكل وجدت
الجهة التي تليهم ما زال باقياً فيها لا
يلعقون الصحفة وهذا خلاف ما أمر به النبي - ﷺ -).
وقد بوب النووي
في شرح مسلم على المسائل الثلاث المتقدمة بقوله :" باب استحباب لعق الأصابع
والقصعة وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح ما يصيبها من أذى، وكراهة مسح اليد قبل لعقها
" . والله أعلم.
المسألة الرابعة والسبعون (74) استحباب السحور بالتمر.
روى أبو داود
وابن حبان والبيهقي في الكبرى([593]).
عن أبي هريرة – t – عن
النبي – ﷺ – قال:
«نعم سحور المؤمن التمر».وسنده صحيح.
صححه العلامة
الألباني في الصحيحة([594]) وذكر
لـه أيضاً شواهد فانظرها.
وقد بوب عليه ابن
حبان([595])
"ذكر الاستحباب لمن أراد الصيام أن يجعل سحوره تمراً)
وبوب البيهقي([596])
"باب ما يستحب من السحور).
قال ابن القيم في
زاد المعاد([597]) عن
التمر: (وهو فاكهة، وغذاء، ودواء وشراب، وحلوى).
المسألة الخامسة والسبعون (75) إلـقـاء النـوى بـيـن إصـبـعـيـه.
المسألة السادسة والسبعون (76) وما يدعى به لأهل الطعام.
قال الإمام مسلم([598])
حدثني محمد بن المثنى العنزي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن يزيد بن خُمير،
عن عبد الله بن بُسر قال: نزل رسول الله - ﷺ - على أبي قال : «فقربنا إليه طعاماً ووطبة([599])،
فأكل منها، ثم أُتي بتمر، فكان يأكله ويلقي النوى بين إصبعيه.ويجمع السبابة
والوسطى «قال شعبة: هو ظني وهو فيه إن شاء الله إلقاء النوى بين الإصبعين»، ثم أتي
بشرابٍ فشربه ثم ناولـه الذي عن يمينه. قال: فقال أبي، وأخذ بلجام دابته: ادع الله
لنا فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم».
قال النووي: (أي
يجعله بينهما لقلته ولم يلقه في إناء التمر لئلا يختلط بالتمر وقيل كان يجمعه على
ظهر الإصبعين ثم يرمي به).
وبوب عليه النووي
في شرحه (باب: استحباب وضع النوى خارج التمر واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام)
ا.هـ
المسألة السابعة والسبعون (77) التنفس عند الشرب خارج الإناء
ثلاثاً.
قد روى الإمام
البخاري والإمام مسلم([600]).
عن أبي قتادة - t - : «أن النبي
- ﷺ - نهى أن يُتنفس في الإناء.» وهذا لفظ مسلمٍ.
وروى البخاري
ومسلم([601]) و
غيرهما عن أنسٍ - t - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتنفس في
الشراب ثلاثاً ويقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ».
قال أنس: (فأنا
أتنفَّس في الشراب ثلاثاً).واللفظ لمسلم .
وقد بوب النووي
على الحديثين بقولـه: (باب كراهية التنفس في نفس الإناء واستحباب التنفس ثلاثاً
خارج الإناء) ا.هـ.
قوله: (أروى) من
الري، أي: أكثر ريّاً.
وقولـه: (أبرأ)
أي أبرأ من ألم العطش وقيل: أبرأ أي أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس
واحدٍ.
وقوله: (أمرأ)
أي: أجمل انسياغاً.
ملخصا ًمن شرح
مسلم([602])
وانظر فتح الباري([603]).
وقال الحافظ في
الفتح([604]):
(فحالة النهي([605]) عن
التنفس داخل الإناء، وحالة الفعل([606]) على
من تنفس خارجه. فالأول على ظاهره من النهي، والثاني تقديره كان يتنفس في حالة
الشرب من الإناء) ا.هـ.
وفي زاد المعاد([607]) كلام
طويل ممتع حول هذا الحديث وفوائد الشرب ثلاثا تركته خوف التطويل .وانظر: شرح رياض
الصالحين للعثيمين([608]).
من
السنن المهجورة في حق اللبن
المسألة الثامنة والسبعون (78) مزج اللبن بالماء.
1ـ عن أنس - t
- أن رسول الله - ﷺ -: أتي بلبنٍ قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابيٌ، وعن يساره أبو بكر،
فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: «الأيمنُ فالأيمنُ». أخرجه البخاري ومسلم([609]).
2ـ وعن جابر بن
عبد الله - رضي الله عنهما - أن النبي - ﷺ - دخل على رجل
من الأنصار ومعه صاحب لـه، فقال لـه النبي: «إن كان عندكم ماء بات هذه الليلة في
شنة و إلا كرعنا قال: والرجل يحوِّل الماء في حائطه. قال: فقال الرجل: يا رسول
الله عندي ماء بائت فانطلق إلى العريش. قال: فانطلق بهما فسكب في قدح ثم حلب عليه
من داجنٍ لـه.قال فشرب رسول الله ثم شرب الرجل الذي معه».
أخرجه البخاري([610]) وقد
بوب لهذين الحديثين البخاري بقولـه (باب: شرب اللبن بالماء).
قال الحافظ:
(وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء، لأن اللبن عند الحلب يكون حاراً وتلك البلاد -
أي الحجاز - في الغالب حارة، فكانوا يكسرون حر اللبن بالماء البارد).فتح الباري([611]).
3ـ وفي حديث
الهجرة الطويل المعروف بحديث «الرحل» الذي أخرجه مسلم([612]).
قال أبو بكر - t-: «فأتيت
النبي وكرهت أن أوقظه من نومه فوافقته استيقظ فصببت على اللبن من الماء حتى برد
أسفلُهُ فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن. قال: فشرب حتى رضيتُ...» الى آخر
الحديث.
قال الإمام ابن
هبيرة: (وفيه أيضاً: ما يدل على التداوي من العطش في شدة الحر باللبن المشوب
بالماء البارد ) إلى أن قال: (و هذا مما يدل على أن أبا بكر إنما برد اللبن
بالماء؛ ليلتذَّ رسول الله - ﷺ - ببرده ولم يكن - كما يقول الجهال - نوع ترف، ولكن
عبادة)([613]).
المسألة التاسعة والسبعون (79) الدعاء عقب شرب اللبن.
عن ابن عباس -
رضي الله عنهما - قال: دخلت مع رسول الله - ﷺ - أنا و
خالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناءٍ من لبنٍ، فشرب رسول الله، وأنا على
يمينه وخالد على شماله، فقال لي: «الشربة لك فإن شئت آثرت بها خالداً» فقلت: ما
كنت أوثر على سؤرك أحداً، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «من أطعمه
الله الطعام فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيراً منه. ومن سقاه الله لبناً
فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه» وقال رسول الله - ﷺ -: «ليس شيء
يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن».
أخرجه أحمد،
والترمذي، وابن ماجه، وأبو داود، وأبو داود الطيالسي، والنسائي([614]) .
والحديث قال عنه
الترمذي (هذا حديث حسنٌ) وحسنه ابن حجر والألباني في السلسلة الصحيحة. والله
الموفق([615]).
المسألة الثمانون (80) استحباب المضمضة بعد شرب اللبن
ونحوه.
أ - أخرج البخاري([616])"باب:
من مضمض من السويق ولم يتوضأ".
عن سويد بن
النعمان - t - «أنه خرج مع رسول الله - ﷺ - عام خيبر
حتى إذا كانوا بالصهباء – وهي أدنى خيبر – فصلى
العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤتى إلا بالسويق، فأمر به فثري([617]) فأكل
رسول الله وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ».
قال ابن حجر في الفتح([618]): (
واستدل به البخاري على: جواز صلاتين فأكثر بوضوء واحد، وعلى استحباب المضمضة بعد
الطعام ).
ب - أخرج البخاري([619]) (
باب: هل يمضمض من اللبن).
عن ابن عباس -
رضي الله عنهما-: أن رسول الله - ﷺ - شرب لبناً فمضمض وقال: «إن لـه دسماً» وأخرجه مسلم([620]).
قال ابن حجر في
الفتح([621]): (
إنما فيه بيان العلة للمضمضة من اللبن، فيدل على استحبابها من كل شيء).
وقال ابن مفلح في
الآداب الشرعية([622]):
(وتُسنُّ المضمضة من شربه).
وقال:
(ويتوجه أن تستحب المضمضة من كل ماله دسم لتعليله عليه السلام).
من
السنن المهجورة في آداب العطاس
المسألة الحادية والثمانون (81) الاستحباب للعاطس أن يحمد الله
ولو في صلاته.
عن معاويـة بن
الحكم السلمي، قـال: (بينما أنا أصلي مع رسـول الله - ﷺ -. إذ عطس رجلٌ من القوم فقلت:يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم!
فقلت: واثُكل أُمِّياه ما شأنكم؟تنظرون إليِّ فجعلوا يضربون بأيديهم على
أفخاذهم.فلما رأيتهم يُصمتونني لكني سكتُّ. فلما صلى رسول الله - ﷺ - فبأبي هو
وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني
ولا شتمني قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح
والتكبير وقراءة القرآن». أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد([623]).
قال الخطابي في
معالم السنن([624]):
(وفي الحديث: دليل على أن المصلي إذا عطس فشمته رجل، فإنه لا يجيبه. واختلفوا إذا
عطس وهو في الصلاة، هل يحمد الله؟ فقالت طائفة: يحمد الله.روى عن ابن عمر أنه
قال:العاطس في الصلاة يجهر بالحمد، وكذلك قال النخعي، وأحمد بن حنبل.وهو مذهب
الشافعي إلا أنه يستحب أن يكون ذلك في نفسه) ا.هـ.
وقال النووي في
شرح مسلم([625]): (وأما
العاطس في الصلاة فيستحب لـه أن يحمد الله سراً، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وغيره,
وعن ابن عمر، والنخعي وأحمد ـ رضي الله عنهم ـ أنه يجهر به، والأول أظهر؛ لأنه ذكر
والسنة في الأذكار في الصلاة: الإسرار إلا ما
استثني من القراءة في بعضها ونحوها ) ا.هـ.
و قال النووي -
أيضاً - : (إذا عطس في صلاته يستحب أن يقول:الحمد لله ويسمع نفسه هذا مذهبنا)
الأذكار([626]).
و قال الحافظ في
الفتح [627]:
(واستدل بأمر العاطس بحمد الله أنه يشرع حتى للمصلي، وقد تقدمت الإشارة إلى حديث
رفاعة ابن رافع في (باب: الحمد للعاطس) وبذلك قال الجمهور من الصحابة والأئمة
بعدهم، وبه قال مالك والشافعي وأحمد) ا.هـ. وانظر فتاوى ابن عثيمين([628]).
المسألة الثانية والثمانون (82) بعض الصيغ الواردة في الحمد
والتشميت للعاطس.
وقد ورد في تعليم
النبي - ﷺ - لأمته من الدعاء والذكر عند العطاس من العاطس ومن حولـه
من الصيغ والألفاظ ما قد علم الناس بعضه فقاموا به, وجهلوا وتركوا بعضاً آخر منها،
فمن أشهر وأصح هذه الألفاظ للطرفين:
1ـ ما أخرجه
البخاري([629]) عن
أبي هريرة - t - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمدُ لله. وليقل لـه أخوه أو
صاحبه: يرحمك الله. فإذا قال يرحمك الله. فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم».
وقد روى هذا
الحديث أبو داود([630]) لكن
بزيادة «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال» الحديث.وصححه بهذه الزيادة
النووي في الأذكار([631]) وحكم
الألباني عليها بالشذوذ في هذا الحديث. وهي صحيحة في غير هذه الرواية، كما في
إرواء الغليل([632]).
2ـ ما أخرجه مالك
في الموطأ موقوفاً([633]): عن
نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا عطس فقيل لـه: يرحمك الله. قال:يرحمنا الله
وإياكم.ويغفر لنا ولكم.وسنده صحيحٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌُ.
3ـ وعن نافع أن
رجلاً عطس إلى جنب ابن عمر، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر:
وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله.علَّمنا
أن نقول: الحمد لله على كل حالٍ.
أخرجه الترمذي([634])
وقال: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زياد بن الربيع).
قال الألباني:
(وهو ثقة من رجال البخاري وبقية الرجال ثقات فالإسناد صحيح) إرواء الغليل([635]).
4ـ و أخرج
البخاري في الأدب المفرد([636]) عن
عبد الله ابن مسعود - t - قال: (إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين.وليقل من يرد:
يرحمك الله وليقل هو يغفر الله لي ولكم).
وصححه الألباني
في صحيح الأدب المفرد([637]) .
والحاصل
من هذا ما يلي :
العاطس يقول :
(الحمد لله) أو(الحمد لله على كل حال) وهذا الثابت عن الرسول – ﷺ-.و(الحمد
لله رب العالمين). عن ابن مسعود من قولـه موقوفاً عليه.
المشمت يقول: