النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله – ﷺ
- يقرأ في ركعتي الفجر { قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا } والتي في آل عمران { تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ }. أخرجه مسلم وأبو
داود والنسائي ([253]).
قال النووي([254]):(هذا
دليل لمذهبنا، ومذهب الجمهور: أنه يستحب أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة سورة، ويستحب
أن يكون هاتان السورتان أو الآيتان كلاهما سنة.وقال مالك وجمهور أصحابه لا يقرأ
غير الفاتحة.وقال بعض السلف:لا يقرأ شيئاً كما سبق.و كلاهما خلاف هذه السنة
الصحيحة التي لا معارض لها) ا.هـ. والله تعالى أعلم .
فائدة:
للإمام ابن القيم كلام ٌطويلٌ ما تع في حِكَمْ القراءة بسورة الكافرون والإخلاص،
وما فيهما من الإخلاص في العلم والعمل، كما في زاد المعاد([255])،
ولولا خشية الإطالة لنقلته.
المسألة السابعة عشرة (17) الاضطجاع على الشق
الأيمن بعد سنة الفجر.
قال
العلامة ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد([256]):(وكان
– ﷺ - يضطجع
بعد سنة الفجر على شقه الأيمن هذا الذي ثبت عنه في الصحيحين من حديث عائشة - رضي
الله عنها-).
قلت: والحديث هو عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان النبي – ﷺ - إذا صلى ركعتي
الفجر اضطجع على شقه الأيمن». أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد(
[257]).
وعنها قالت: «أن
النبي – ﷺ
- كان
إذا صلى سنة الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني، و إلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة». أخرجه
البخاري ومسلم وأبو داود([258]).
وانظر: للكلام
ومعرفة الأقوال حول هذه الضجعة في زاد المعاد([259]).
فائدة:
قال ابن القيم:(وفي اضطجاعه على شقه الأيمن ســـر، وهو أن القلب معلق في الجانب
الأيسر، فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر استثقل نوماً؛ لأنه يكون في دعة
واستراحة فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن، فإنه
يعلق ولا يستغرق في النوم؛ لقلق القلب وطلبه مستقره وميله إليه) ([260]).
المسألة الثامنة عشرة (18) مشروعية الجهر
للإمام ببعض الآيات في الصلاة السرية.
عن
أبي قتادة - t - قال-: «كان رسول الله – ﷺ
- يُصلِّي بنا فيقرأ في الظهر والعصر-في الركعتين الأوليين - بفاتحة الكتاب
وسورتين ويسمعنا الآية أحياناً،و يطول الركعة الأولى ويقرأ في الأخريين بفاتحة
الكتاب ».
أخرجه
البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه([261]) وبوب
عليه ـ باب الجهر بالآية أحياناً في صلاة الظهر والعصر ـ.
قال
النووي: (هذا محمول على أنه أراد به بيان جواز الجهر في القراءة السرية، وأن
الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سنة، ويحتمل أن يكون الجهر بالآية كان يحصل
سبق اللسان للاستغراق في التدبر. والله أعلم) ا.هـ. شرح مسلم ([262]) و
انظر فتح الباري([263]) .
وقال
ابن القيم في الزاد([264]):
(والإسرار في الظهر والعصر بالقراءة، وكان يُسمع الصحابة الآية فيها أحياناً)
ا.هـ.
وقال
العلامة ابن باز: (ويستحب أن يجهر ببعض الآيات في الصلاة السرية بعض الأحيان؛ لأن
النبي – ﷺ
- يفعل ذلك.. متفق عليه من حديث أبي قتادة الأنصاري - t-). مجموع
فتاوى ابن باز([265]).
وقال أيضاً:
(ويشرع للإمام أن يجهر بعض الأحيان ببعض الآيات لقول أبي قتادة - t
- كان النبي – ﷺ
- يسمعنا الآية أحياناً - يعني: في صلاة الظهر و العصر )([266]).
المسألة التاسعة عشرة (19) الدعاء والتسبيح والتعوذ عند قراءة الآيات المناسبة.
عن حذيفة بن
اليمان - t - قال:(صليت مع النبي– ﷺ - ذات ليلةٍ
فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة،ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعةٍ فمضى،فقلت:
يركع بها،ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمرآن فقرأها.يقرأ مترسِّلاً. إذا
مر بأيةٍ بها تسبيح سبّح. وإذا مر بسؤال سأل.وإذا مر بتعوذٍ تعوذ... الحديث. رواه
مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه([267]).
قال النووي في
شرح مسلم ([268]): (فيه استحباب هذه الأمور لكل قارئٍ في الصلاة وغيرها
ومذهبنا - أي الشافعية - استحبابه للإمام والمأموم والمنفرد) ا.هـ. ونحوه
في الأذكار ([269]).
وقد
بوب عليه النسائي بقوله: (باب تعوذ القارئ إذا مرَّ بآية عذاب) وباب (مسألة القارئ
إذا مرَّ بآية رحمةٍ).
قال ابن حزم في المحلى([270]): (ونستحبُّ لكل
مصلِّ إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله, و إذا مر بآية عذاب أن يستعيذ
بالله عز وجل من النار) ا.هـ.
وقيدتها بعض
المذاهب كالحنفية وبعض الحنابلة بالنافلة فقال السندي في حاشية النسائي([271]):
(عمل به علماؤنا الحنفية في الصلاة النافلة كما هو المورد) ا.هـ. أي ما ورد فيه
الحديث وهو النافلة.
وقال العلامة
المباركفوري في تحفة الأحوذي شرح الترمذي([272]):
(وهذا نصٌ صريح في أن وقوفه – ﷺ -
وسؤاله عند الإتيان على آية الرحمة، وكذا وقوفه وتعوذه عند الإتيان على آية العذاب
كان في صلاة الليل) ا.هـ.
وقال الشوكاني في
نيل الأوطار ([273]):
(فالظاهر استحباب هذه الأمور لكل قارئ، من غير فرقٍ بين المصلي وغيره، وبين الإمام
والمنفرد والمأموم، وإلى ذلك ذهبت الشافعية) ا.هـ.
ورجحه الشيخ محمد
بن علي آدم في شرح النسائي،([274]) فقال
: (ظاهر صنيع المصنف - يعني: النسائي - أنه يوافق مذهب الجمهور القائلين باستحباب
هذه الأمور لكل مصلٍّ، حيث أطلق الترجمة ولم يقيدها بالنافلة، وهذا هو المذهب
الراجح عندي وليس لمن قال بالكراهة في الفريضة دليل . وأما عدم كونه – ﷺ
- لا يفعلها في الفريضة فلأنه كان يصلي إماماً فيخشى من التطويل وهكذا ينبغي
للإمام إذا خشي التطويل أن لا يفعلها) ا.هـ.
وقال ابن عثيمين
- رحمه الله - في مسألة أخرى : (وما جاز في النافلة جاز في الفريضة إلا بدليل)
ا.هـ. الباب المفتوح([275]).
وسئل الإمام عبد
الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله-: عن السؤال عند
آية الرحمة في الفريضة وكذلك الاستعاذة عند آية الوعيد ؟
فأجاب : هذا جائز
في النافلة باتفاق العلماء وأما في الفريضة فكثير من علماء الحنابلة منعه وقال :
إنه لم يرد عن النبي – ﷺ - فيُقصر الحكم على ما تناولـه النص . وقال الموفق - رحمه الله -
:" يجوز ذلك في الفريضة لأن الأصل المساواة ما لم يقم دليل الخصوصية"
وهو قويٌّ .يؤيده قوله – ﷺ - في التشهد
الأخير :" وليتخير من الدعاء ما شاء " وهذا عام في الفريضة والنافلة .
وعدم فعله في الفريضة خروج من خلاف العلماء ، ومن فعل فقد استند إلى دليل ) .
الدرر السنية([276]).
والله أعلم .
قال ابن باز في
فتاويه([277]):
(وكان عليه الصلاة والسلام إذا مرت به آية التسبيح سبح في صلاة الليل، وإذا مرت به
آية وعيد استعاذ، وإذا مرت به آيات الوعد دعا روى ذلك حذيفة - t-.
عنه - u - وهذا من فعله - u - وسنته الدعاء عند آيات الرجاء والتعوذ عند آيات الخوف، والتسبيح
عند آيات أسماء الله وصفاته) ا.هـ.
وبقول الجمهور
أفتى ابن عثيمين فقال :" نعم يجوز ذلك، ولا فرق بين الإمام والمنفرد
والمأموم، غير أن المأموم يشترط فيه أن لا يشغله ذلك عن الإنصات المأمور به ). فتاويه([278]).
المسألة العشرون (20)
قراءة ما تيسر في الركعتين الأُخريين من
الظهر والعصر مع الفاتحة أحياناً.
قال الشيخ العلامة ابن باز في صفة صلاة النبي – ﷺ - : (و إن قرأ في
الثالثة والرابعة من الظهر زيادة عن الفاتحة في بعض الأحيان، فلا بأس؛ لثبوت ما
يدل على ذلك عن النبي – ﷺ - من حديث أبي سعيد الخدري - t-)([279]).
وأقول:
إن هذه المـســألـة مهمة؛ وذلك لأنه من أهل العلم من قال: إن من زاد على الفاتحة
في الركعتين الأخريين، فعليه سجدتا السهو، وهذا لاشك مخالف للسنة الصحيحة والآثار
عن الصحابة .
و أذكر الآن
الحديث الذي احتج به من أجاز قراءة غير الفاتحة في الركعتين الأخريين ثم أذكر بعض
ما وقفت عليه من كلام أهل العلم.
فعن أبي سعيد
الخدري - t-: (( أَنَّ
النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ
الأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلاَثِينَ آيَةً، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ
قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، أَوْ قَالَ نِصْفَ ذَلِكَ، وَفِي الْعَصْرِ فِي
الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ قِرَاءَةِ خَمْسَ
عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ )).
أخرجه مسلم ([280]).
وقد قال ابن
القيم في الزاد ([281]):
(ولم يثبت عنه أنه قرأ في الركعتين الأخريين بعد الفاتحة شيئاً، وقد ذهب الشافعي
في أحد قوليه، وغيره إلى استحباب القراءة بما زاد عن الفاتحة في الأخريين، واحتج
لهذا القول بحديث أبي سعيدٍ الذي في الصحيح ـ فذكر الحديث ـ ثم قال: ( وحديث أبي
قتادة المتفق عليه ظاهر في الاقتصار على فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين قال
أبو قتادة - t - : (وكان رسول الله يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين
الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورتين ويسمعنا الآية أحيانا).
زاد مسلم (ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب ) والحديثان غير صريحين في محل
النزاع، وأما حديث أبي سعيد فإنما هو حزر منهم وتخمين، ليس إخباراً عن تفسير نفس
فعله – ﷺ - وأما حديث أبي قتادة، فيمكن أن يراد به أنه كان يقتصر على الفاتحة، وأن
يراد به أنه لم يكن يُخِلُّ بها في الركعتين الأخريين بل كان يقرؤها فيهما) الى أن
قال - رحمه الله-: (وعلى هذا فيمكن أن يقال:إن هذا أكثر فعله، وربما
قرأ في الركعتين الأخريين بشيء فوق الفاتحة، كما دل عليه حديث أبي سعيد) ا.هـ.
وقال الألباني في صفة الصلاة([282]) عن
حديث أبي سعيد: (وفي الحديث دليل على أن الزيادة على الفاتحة في الركعتين
الأخيرتين سنة، وعليه جمع من الصحابة منهم أبو بكر الصديق - t - وهو قول
الإمام الشافعي، سواء كان ذلك في الظهر أو غيرها وأخذ به من علمائنا المتأخرين أبو
الحسنات اللكنوي في التعليق الممجد على موطأ محمد ص102 وقال: (وأغرب بعض أصحابنا
حيث أوجبوا سجود السهو بقراءة سورة في الأخريين، وقد رد شراح المنية إبراهيم
الحلبي وابن أمير حاج وغيرهما بأحسن رد، ولا شك في أن من قال بذلك لم يبلغه الحديث
ولو بلغه لم يتفوه به) ا.هـ.
والحاصل أن
الزيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين سنة أحياناً، كما صرح به ابن باز في أول
كلامه المنقول.وهذا هو الحق الجامع بين الأدلة وأن الأكثر هو الاقتصار على الفاتحة
وهذه الزيادة سنة تفعل أحياناً.
وقد قال ابن قدامة في المغني([283]):
(أكثر أهل العلم يرون أن لا تُسن الزيادة على فاتحة الكتاب في غير الركعتين
الأوليين).
وقد قال الحافظ
ابن حجر في كلام لـه :" وقيل يستحب في جميع الركعات – أي
الزيادة على الفاتحة – وهو ظاهر حديث أبي هريرة هذا ". الفتح ([284]).
والحديث المشار إليه هو ما رواه البخاري ومسلم([285]) عن
أبي هريرة
- t - قال:" وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خيرٌ
" .
ولهذا فإنني لم
أجزم بكونها سنة مهجورة؛ لأن كثيراً ممن تركها قد يكون معتمداً على قول الأكثرين
من أهل العلم، ولذا قلت: أنها تفعل أحياناً والعلم عند الله تعالى-.
المسألة الحادية والعشرون (21) قراءة سورة الإخلاص مع ما يقرأ
في كل ركعة أحياناً.
1ـ
عن عائشة - رضي الله عنها - «أن رسول الله - ﷺ - بعث رجلاً
على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم بــâ ö@è% uqèd ª!$# îymﷺ& á فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: سلوه،
لأي شيءٍ يصنع ذلك؟ فسألوه: فقال: لأنها صفة الرحمن عز وجل فأنا أحب أن أقرأ بها،
فقال رسول الله– ﷺ
- «أخبروه
أن الله تعالى يحبه». أخرجه البخاري ومسلم([286]).
2ـ عن أنس بن
مالك - t - قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء فكان كلما قرأ سورة يقرأ لهم في الصلاة يقرأ بها افتتح بــ {قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ} حتى
يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا:
إنك تقرأ بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ
بها، وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى. قال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم
بها فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرونه أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما
أتاهم النبي – ﷺ
- أخبروه
الخبر فقال: يا فلان ما منعك فيما يأمرك به أصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة
في كل ركعة؟ فقال:يا رسول الله، إني أحبها فقال رسول الله – ﷺ
- «إن
حبها أدخلك الجنة».
أخرجه الترمذي،([287])
وقال: (حديث حسن غريب صحيح) وعلقه البخاري كما في الفتح([288]).
قال ابن دقيق
العيد: (قولهم فيختم بـ{قُلْ هُوَ
اللّهُ أَحَدٌ}
يدل على أنه يقرأ بغيرها، والظاهر أنه كان يقرأ{قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ} مع
غيرها في ركعة واحدة، ويختم بها في تلك الركعة، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون يختم
بها في آخر ركعة يختم فيها السورة.وعلى الأول يكون ذلك دليلاً على جواز الجمع بين
السورتين في ركعة واحدةٍ) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام([289])،
وانظر: صفة الصلاة للألباني([290]).
المسألة الثانية والعشرون (22) تسوية الظهر في الركوع .
وإن من الملاحظ
على كثير من المصلين – وفقنا الله وإياهم - أن منهم من يرفع رأسه عن مستوى
ظهره، ومنهم من ينحني برأسه جداً أيضاً عن مستوى ظهره.
وقد بوب البخاري([291]) باب:
" استواء الظهر في الركوع، وقال أبو حميدٍ في أصحابه: ركع النبي – ﷺ
- ثم هصر ظهره".
قال ابن رجب
الحنبلي في شرحه فتح الباري([292]):
(ويظهر من تبويب البخاري تفسير الهصر بالاستواء والاعتدال،و كذا قال الخطابي: قال:
هصر ظهره: أي ثناه ثنياً شديداً في استواءٍ من رقبته ومتن ظهره، لا يقوسه ولا
يتحادب فيه) ا.هـ.
وقال ابن حجر في
الفتح([293]):"
قولـه: (باب استواء الظهر بالركوع) أي من غير ميلٍ في الرأس عن البدن ولا عكسه
" ا.هـ.
وقال([294]) في تفسير هصر: «أي
ثناه في استواءٍ من غير تقويس ذكره الخطابي» ا.هـ.
والرواية التي
ذكرها البخاري سابقاً عن أبي حميد - t - قد أخرجها هو رحمه الله([295]) عن
أبي حميد الساعدي قال: «أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله – ﷺ
- رأيته إذا كبرَّ جعل يديه حِذاءَ منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر
ظهره».
وقد روى مسلم
برقم (498) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «وكان
- ﷺ - إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه» قال النووي في شرحه([296]):
(وفيه أن السنة للراكع أن يسوي ظهره بحيث يستوي رأسه ومؤخره)
وما تقدم من
تسوية الظهر قد ورد حديثٌ صريحٌ في معناه ذكر بعض طرقه الحافظ ابن رجب في كتابه
فتح الباري([297])
وضعفها.
ولكن العلامة
الألباني بذل جهداً عظيماً وتتبعاً فريداً لطرقه ورواياته فزيف ما لا يصح منها وما
يصلح للتقوية قوى به فخلص من بحثه في السلسلة([298]) إلى
تصحيحه .ولفظه : ((كان إذا ركع – ﷺ - لو صُبَّ على ظهره ماءٌ لاستقر)) . وقال في خاتمة
بحثه:(والخلاصة أن حديث الترجمة صحيح بلا ريب).و ختمه بقولـه:(فاغتنمه تحقيقاً قـد
لا تراه في مكان آخر والله الموفق).ا.هـ.
فجزاه الله خيراً.
المسألة الثالثة والعشرون (23) من السنن القولية عند الرفع من الركوع.
قد وردت في ذلك
جملة من الألفاظ والأذكار التي تقال عند الرفع من الركوع. منها ما قد غفل الناس
عنها، ومنها ما قد زادوا على المشروع فيها. وللفائدة فإني أذكر هنا ما صح من تلك
الأذكار عند الرفع من الركوع، سواءً ما تركه الناس أو عملوا به. تذكيراً للناسي،
وتعليماً للجاهل، فمما يقال من تلك الأذكار:
(ربنا لك الحمد)
و( ربنا ولك الحمد) و(اللهم ربنا لك الحمد) و(اللهم ربنا ولك الحمد).
فهذه الصيغ
الأربع هي أقل ما يقال عند الرفع من الركوع، وقد ورد ما يزاد عليها مما صح الدليل
به، وسأخرج هنا لهذه الأربع باختصار، ثم لما يقال من الزيادة.
1ـ «ربنا لك
الحمد». أخرجه مسلم([299]) من حديث عبد الله
ابن أبي أوفى - t-.
2ـ «ربنا ولك
الحمد». أخرجه البخاري([300]) عن رفاعة بن رافع
الزُّرقي - t-
3ـ «اللهم ربنا لك
الحمد». أخرجه البخاري ومسلم([301]) عن أبي هريرة - t-.
4ـ «اللهم ربنا ولك
الحمد». أخرجه البخاري ومسلم([302]) عن أبي هريرة - t-.
فهذه الأربع
الواحدة منها أقل ما يقال من ذكر الرفع من الركوع وقد ورد الزيادة على ذلك مثل:
1ـ «ربنا ولك
الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه». أخرجه البخاري([303]) عن
رفاعة الزُّرقي - t-.
2ـ «اللهم ربنا
لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» أخرجه مسلم([304]) عن
ابن أبي أوفى - t - وله عنده روايات.
3ـ «ربنا لك
الحمد. ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ. أهل الثناء والمجد، أحق ما
قال العبد، وكلنا لك عبد. اللهم لا مانع لما أعطيت. ولا معطي لما منعت و لا ينفع
ذا الجد منك الجد». أخرجه مسلم([305]) من
حديث أبي سعيد الخدري - t-
4ـ «اللهم ربنا لك الحمد. ملء السماوات وملء الأرض. وما بينهما وملء ما شئت
من شيء بعدُ. أهل الثناء والمجد. لا مانع لما أعطيت. ولا معطي لما منعت و لا ينفع
ذا الجد منك الجدُّ». أخرجه مسلم([306]) من حديث ابن عباس
- t-.
المسألة الرابعة والعشرون (24)
استحباب إطالة الجلسة بين السجدتين قدر الركوع والسجود.
1ـ عن البراء بن
عازب - t - قال: «رمقتُ الصلاة مع محمد– ﷺ
- فوجدت
قيامَه فركعتَه، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدتَهُ، فجلسته بين السجدتين، فسجدتَه،
فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريباً من السواء». أخرجه البخاري ومسلم ([307]).
وفي لفظٍ «كانت
صلاة رسول الله - ﷺ - وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده، وما بين السجدتين
قريباً من السواء».
قال الحافظ في
الفتح([308]):
(وقوله" قريباً من السواء" فيه إشعار بأن فيها تفاوتاً لكنه لم يعينه ,
وهو دال على الطمأنينة في الاعتدال وبين السجدتين؛ لما علم من عادته من تطويل
الركوع والسجود) ا.هـ.
2ـ عن ثابت عن
أنس - t - قال: (إني لا آلو أن أصلِّي بكم كما رأيت رسول الله– ﷺ
- يصلي
بنا. قال ثابت: فكان أنسٌ يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع من الركوع
انتصب قائماً، حتى يقول القائل: قد نسي.وإذا رفع رأسه من السجدة مكث، حتى يقول
القائل:قد نسي). أخرجه البخاري ومسلم([309]).
قال ابن القيم - رحمه الله - في زاد
المعاد([310]):
(وهذه السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عهد الصحابة، ولهذا قال ثابت:وكان أنس
يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، يمكث بين السجدتين حتى نقول:قد نسي أو قد وهم.وأما من
حكم السنة ولم يلتفت إلى ما خالفها، فإنه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي) ا.هـ.
المسألة الخامسة والعشرون (25)
الإكثار من الدعاء بالمغفرة بين السجدتين.
عن حذيفة بن
اليمان - t - «أن النبي – ﷺ - كان
يقول بين السجدتين:ربِّ اغفر لي.ربِّ اغفر لي».
أخرجه أحمد وأبو
داود والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني في إرواء الغليل([311]) .
قال ابن باز -
رحمه الله - ([312])
:(وأما الجلسة بين السجدتين فيقول الجميع ـ يعني الإمام والمأموم ـ ربِّ اغفر لي ،
ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، ثلاث مرات فأكثر، والواجب مرة واحدة، والباقي سنة)
ا.هـ.
وقال - رحمه الله
- في فتاويه([313]):
(ولكن يكثر من الدعاء بالمغفرة فيما بين السجدتين، كما ورد عن النبي – ﷺ
- )
ا.هـ.
المسألة السادسة والعشرون (26) إلقام الكف للركبة في التشهد الأخير.
عن عبد الله بن
الزبير-t - قال: «كان رسول الله – ﷺ - إذا قعد
يدعو: وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى،.ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه
السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفَّه اليسرى ركبته». أخرجه مسلم
وأبو داود([314]).
قال النووي في
شرح مسلم([315]) :
(وفي رواية «ويلقم كفه اليسرى ركبته» فهو دليل على استحباب ذلك.وقد أجمع العلماء
على استحباب وضعها عند الركبة أو على الركبة، وبعضهم يقول بعطف أصابعها على الركبة
وهو معنى قولـه:ويلقم كفه اليسرى ركبته؛ والحكمة في وضعها عند الركبة منعها من
العبث) انتهى كلامه.
المسألة السابعة والعشرون (27)
التفل على اليسار ثلاثاً عـند الوسوسة في الصلاة.
يشكو كثير من
المصلين مما يصيبهم في صلاتهم - التي هي عمود الدين - من الوسوسة، التي تذهب عليهم
خشوعهم وتحرمهم-وخصوصاً إذا استجابوا لها - من كثير من آثار الصلاة على قلوبهم
وسائر حياتهم.و هنا سنة هجرها كثير من هؤلاء جهلاً بها، وغفلة عن تطبيقها، أو
حياءً من العمل بها، والله المستعان .
فعن عثمان بن أبي
العاص - t - أنه أتى النبي – ﷺ - فقال:يا
رسول الله، إن الشيطان قد حال([316]) بيني
وبين صلاتي وقراءتي، يلبسها عليَّ. فقال رسول الله: «ذاك شيطان يقال لـه:
خِـنْـزَب([317]) فإذا
أحسسته، فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثاً. قال:ففعلتُ ذلك، فأذهبه الله
عني ». أخرجه مسلم([318]) .
قال النووي :
(وفي هذا الحديث استحباب التعوذ من الشيطان عند وسوسته مع التفل عن اليسار
ثلاثاً). شرح مسلم([319]).
وقال
العلامة ابن باز: (الالتفات في الصلاة للتعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند الوسوسة
لا حرج فيه، بل هو مستحب عند شدة الحاجة إليه بالرأس فقط). مجموع فتاوى ابن باز([320]).
وقال - رحمه
الله-: (المشروع للمصلي من الرجال و النساء أن يقبل على صلاته، ويخشع فيها لله،
ويستحضر أنه قائم بين يدي ربه، حتى يتباعد عنه الشيطان، ويقل الوسواس، عملاً بقول
الله سبحانه: { قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ * الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} .
ومتى كثرت
الوساوس فالمشروع التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولو في الصلاة فينفث عن يساره
ثلاثاً، ويتعوذ بالله من الشيطان ثلاثاً، كما أمر بذلك النبي – ﷺ
- عثمان
بن أبي العاص) . مجموع فتاوى ابن باز([321]).
المسألة الثامنة والعشرون (28)
تنوّع الأذكار بعد الصلاة.
قد وردت جملة من الأحاديث دبر الصلاة، ومنها أحاديث عدد التسبيح ..
وقد وردت في ذلك صفات مختلفة كلها صحيحة
وهي من اختلاف التنوع، كما يقول العلماء، فيفعل الإنسان تارة هذه الصفة، وتارة تلك
حتى يحقق بذلك الكمال في اتباع السنة([322]) من
ذلك هذا الحديث:
عن عبد الله بن
عمر بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله – ﷺ
- :
«خلتان ـوفي رواية خصلتان ـ لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، ألا وهما يسير،
ومن يعمل بهما قليل: الصلوات الخمس يسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشراً، ويحمده
عشراً، ويكبر عشراً، فهي خمسون ومائة في اللسان، وألف وخمسمائة في الميزان.وأنا
رأيت رسول الله - ﷺ - يعقدهن بيده. وإذا أوى أحدكم إلى فراشه أو مضجعه سبّح ثلاثاً
وثلاثين،وحمد ثلاثاً وثلاثين،وكبر أربعاً وثلاثين فهي مائة على اللسان، ألف في
الميزان. قال رسول الله:فأ يكم يعمل في كل يومٍ وليلةٍ ألفين وخمس مائة سيئة؟قيل
يا رسول الله ،كيف لا نحصيها ؟فقال:إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول:اذكر
كذا اذكر كذا، ويأتيه عند منامه فينيمه».
أخرجه أحمد
والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وقال:( هذا حديث حسن صحيح) والنسائي في المجتبى. وفي الكبرى وابن ماجه([323]). والحــديث صحيح
صحــحه الألبـاني.
التسبيح بخمس و عشرين
وزيادة التهليل:
الحديث
الأول:حديث زيد بن ثابت - t - قال: أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمدوا
ثلاثاً وثلاثين، ويكبروا أربعاً وثلاثين، فأُتي رجلٌ من الأنصار في منامه فقيل
لـه: أمركم رسول الله– ﷺ - أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوا
ثلاثاً وثلاثين، وتكبروا أربعاً وثلاثين؟ قال: نعم. قال: فاجعلوها خمساً وعشرين،
واجعلوا فيها التهليل. فلما أصبح أتى النبي– ﷺ
- فذكر
لـه ذلك. فقال: اجعلوها كذلك.
أخرجه النسائي([324])
وصححه الألباني.
الحديث الثاني: حديث
عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً رأى فيما يرى النائم قيل لـه: بأي
شيء أمركم نبيكم – ﷺ-؟ قال:أمرنا أن نسبح ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً
وثلاثين، ونكبر أربعاً وثلاثين فتلك مائة. قال: سبحوا خمساً وعشرين، و احمدوا خمسا
ًوعشرين، وكبروا خمساً وعشرين، وهللوا خمساً وعشرين فتلك مائة. فلما أصبح ذكر ذلك
للنبي – صلى
الله عليه وسلم - فقال رسول الله – ﷺ
- «افعلوا
كما قال الأنصاري». أخرجه النسائي([325]) وقال
الألباني (حسن صحيح).
من
السنن التي ثبتت عن النبي-ﷺ-في
النوافل
المسألة التاسعة والعشرون (29)
صـــــلاة النــوافـــل فـي الـبــيــــت .
وقد ورد في ذلك
جملة من الأحاديث من قولـه - ﷺ - ومن فعله وهو الأكثر .. فمنها :
1 - ما رواه
البخاري ، ومسلم ([326]) عن
زيد بن ثابت - -t قال: قال رسول الله - ﷺ-: ( فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا
المكتوبة ).
قال النووي:
" هذا عام في جميع النوافل الراتبة مع الفرائض والمطلقة، إلا في النوافل التي
هي من شعائر الإسلام وهي العيد والكسوف والاستسقاء وكذا التراويح على الأصح فإنها
مشروعة في جماعة في المسجد، والاستسقاء في الصحراء ) انتهى كلامه في شرح مسلم([327]).
وقد بوب عليه ابن
حبان([328])
فقال: " ذكر البيان بأن صلاة المرء النوافل في بيته كان أعظم لأجره".
2 - وروى البخاري
ومسلم([329]) عن
ابن عمر – رضي
الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا
تتخذوها قبورًا )، وفي لفظ: ( صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ) .
3 - وروى مسلم([330]) عن
جابر - t - قال : قال رسول - ﷺ - : ( إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته
فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا ).
وقد بوب النووي لما تقدم من الأحاديث" باب استحباب صلاة النافلة في
بيته ".
قال النووي في
شرح مسلم([331]):
" وإنما حث على النافلة لكونه أخفى وأبعد
من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة والملائكة،
وينفر منه الشيطان، كما جاء في الحديث الآخر وهو معنى قولـه - ﷺ-، في الرواية الأخرى: ( فإن الله
جاعل في بيته من صلاته خيرا )".
وقد سئل ابن
عثيمين: هل يصلي الإنسان في المسجد الحرام لمضاعفة الثواب، أم يصلي في المنزل
لموافقة السنة ؟
فأجاب: المحافظة
على السنة أولى من فعل غير السنة، وقد ثبت عن النبي أنه قال: ( أفضل صلاة المرء في
بيته إلا المكتوبة ) ولم يحفظ عن النبي - ﷺ - أنه كان
يصلي النوافل في المسجد إلا النوافل الخاصة بالمسجد ... فالأفضل المحافظة على
السنة، وأن يصلي الإنسان الرواتب في بيته ؛ لأن الذي قال: ( أفضل صلاة المرء في
بيته إلا المكتوبة ) هو الذي قال : ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه
إلا المسجد الحرام ). فأثبت الخيرية في مسجده، وبين أن الأفضل أن تصلى غير المكتوبة
في البيت " فتاوى ابن عثيمين([332]).
وقال أيضا - رحمه
الله تعالى - في فتاويه([333]) ما
نصه: " لأن أداء السنة في البيت أفضل من أدائها في المسجد حتى المسجد الحرام
. قال النبي - ﷺ-: « أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». يقول ذلك - u– وهو
في المدينة، وهو في مسجد الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام،
وكان هو نفسه يصلي النافلة في البيت .
وبعض الناس يظن
أن النافلة في المسجد الحرام أو النبوي أفضل، وليس كذلك، نعم، لو نعلم أنه رجل ذو
عمل يخشى إن خرج من المسجد أن ينسى الراتبة فهنا نقول: صلّ في المسجد أفضل، وكذلك
لو كان في بيته صبيان كثيرون فيخشى من التشويش، فتكون الصلاة في المسجد أفضل.
والصلاة في البيت
أفضل إلا المكتوبة ؛ لأن الصلاة في البيت أبعد من الرياء، إذ إنك في بيتك لا يطلع
عليك إلا أهلُك، وقد لا يرونك وأنت تصلي، أما في المسجد فالكل مطلع عليك ؛ ولأن
فيها تعويدا لأهل البيت على الصلاة . ولذلك إذا كنت تصلي وعندك صبي لـه سنتان أو
ثلاث سنوات تجده يصلي معك، مع أنك لم تأمره بالصلاة، ففي صلاة النافلة في البيت
فوائد عظيمة .
وفيها أيضا أنك
لا ترتكب ما نهى عنه رسول الله - ﷺ - بقولـه:
( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) يعني لا تجعلوها كالقبور لا تصلون فيها " انتهى
كلامه - رحمه الله تعالى - .
المسألة الثلاثون (30)
ابتداء قيام الليل بركعتين خفيفتين.
وقد
ورد ذلك من قوله وفعله– ﷺ-:
أما قـوله :
فعن أبي هريرة - t
- عن النبي – ﷺ
- قال:«إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين». أخرجه مسلم وأبو
داود([334]).
وأما من فـعـله:
فعن عائشة - رضي
الله عنها - قالت: «كان رسول الله – ﷺ - إذا قام من
الليل ليُصلِّي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين». أخرجه مسلم([335]).
قال النووي في
شرح مسلم([336]):
(هذا دليل على استحبابه لينشط بهما لما بعدهما) ا.هـ.
وقال ابن القيم -
رحمه الله - في الزاد([337]):
(ولم يذكر ابن عباس افتتاحه بركعتين خفيفتين، كما ذكرته عائشة، فإما أنه كان يفعل
هذا تارة، وهذا تارة،وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظ ابن عباس ،وهو الأظهر،
لملازمتها لـه، ولمراعاتها ذلك ،ولكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل، وابن عباس إنما شاهده ليلة المبيت عند خالته، وإذا
اختلف ابن عباس وعائشة في شيء من أمر قيام الليل فالقول ما قالت عائشة) ا.هـ.
والله تعالى أعلم.
المسألة الحادية والثلاثون (31)
صلاة ركعتين خفيفتين بعد الوتر أحياناً:
قال ابن القيم -
رحمه الله-([338]):
(وكذلك الركعتان اللتان كان يصليهما أحياناً بعد وتره، تارة جالسا ًوتارة قائماً
مع قولـه: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً » ([339]). فإن
هاتين الركعتين لا تنافيان هذا الأمر، كما أن المغرب وترٌ للنهار وصلاة السنة
شفعاً بعدها لا يخرجها عن كونها وترا ًللنهار، وكذلك الوتر لما كان عبادة مستقلة،
وهو وتر الليل، كانت الركعتان بعده جاريتين مجرى سنة المغرب من المغرب، شفعاً...
وسيأتي مزيد كلام في هاتين الركعتين - إن شاء الله تعالى وهي مسألة شريفة لعلك لا
تراها في مصنفٍ وبالله التوفيق) ا.هـ.
ثم قال([340]) (وقد
ثبت عنه– ﷺ - أنه كان
يصلي بعد الوتر ركعتين، جالساً تارة، وتارة يقرأ فيها جالساً، فإذا أراد أن يركع
قام فركع ) ا.هـ.
الحديث: عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن، أنه سأل عائشة - رضي الله عنها - كيف كانت صلاة رسول الله– ﷺ - ؟
فقالت:«كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو
جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة
الصبح» أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي([341]) .
ماذا يقرأ في
هاتين الركعتين؟
روى أحمد في
المسند([342])
بسندٍ حسنه محقق زاد المعاد:
"عن
أبي أمامة - t - «أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما بـ{إِذَا زُلْزِلَتِ ...}، و {قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ}. وله شاهد عند
الدارقطني([343]) من
حديث أنس - t-.وقال الدارقطني: (قال لنا أبو بكرـ يعني: شيخه ابن أبي داود ـ :هذه
سنة تفرد بها أهل البصرة وحفظها أهل الشام) ا.هـ. وصححه الألباني في صفة الصلاة([344]).
وقد اسـتـشـكل
بعضهم هذا مع حديث «اجعلوا آخر صلاتكم وتراً» وقد أجاب عن ذلك ابن القيم بما تقدم،
وانظر أيضاً(1/333) من الزاد وفتاوى ابن عثيمين (14/122) فقد قال في خاتمة جوابٍ
له: (وهذا هو الذي ذهب إليه ابن القيم وجماعة من أهل العلم فاعمل بذلك أحياناً)
ا.هـ. والله تعالى أعــلـم.
المسألة الثانية والثلاثون (32)
صلاة ركعتين بعد الرجوع من صلاة العـيد:
عن أبي سعيد الخدري – t - قال: « كان
رسول الله - ﷺ - لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا رجع إلى منـزله صلى ركعتين ».
أخرجه ابن ماجه([345])
وحسنه الألباني، وأحمد في المسند([346]).
وحسنه محققوا المسند، وأبو يعلى([347])
وابن خزيمة([348]) ،
وبوب عليه بقوله: باب استحباب الصلاة في المنزل بعد الرجوع من المصلى .
وقد
حسنه الألباني في الإرواء([349])
وقال:
" والتوفيق
بين هذا الحديث والأحاديث المتقدمة([350]) ،
النافية للصلاة بعد العيد؛ لأن النفي إنما وقع في الصلاة في المصلى، كما أفاد
الحافظ في التلخيص([351])
والله أعلم " انتهى كلام الألباني - رحمه الله تعالى - . ورواها الحاكم([352])
تحقيق الوادعي.
وقال الحاكم :
" هذه سنة عزيزة بإسناد صحيح ولم يخرجاه " وحسنه الحافظ في الفتح([353]).
وفي بلوغ المرام([354]).
من
السنن الخاصة بالمسافر
المسألة الثالثة والثلاثون (33) التأمير في السفر للثلاثة فما فوق أن يأمّروا أحدهم.
وقد ورد هذا في
حديثٍ رواه أبو داود والبيهقي([355]).
عن نافع، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة - t - قال رسول الله– ﷺ - : «إذا كان ثلاثة في سفرٍ فليأمِّروا أحدهم». قال نافع: فقلت
لأبي سلمة أنت أميرنا.
قلت: لأنهم كانوا في سفرٍ وفيه سرعة امتثال السلف - رضي الله عنهم - للسنة
وانقيادهم لها.
وهذا قد حسنه
الألباني رحمه الله كما في الضعيفة وفي الصحيحة([356]).
وقد ذكره البيهقي
في السنن الكبرى جامع أبواب السفر باب: القوم يأمِّرون أحدهم إذا سافروا.
كما جاء نحوه
أيضاً عن أبي سعيد الخدري أخرجه أبو داود والبيهقي([357]).ولـه
شاهدٌ عن عمر - t - مرفوعاً عند الحاكم([358])
وصححه، وأقره الذهبي .وقد رواه جماعة عنه موقوفاً.
وصحح الحديثين -
حديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة - الألباني في صحيح سنن أبي داود.
وقال ابن مفلح([359]) عن الحديثين -
حديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة -: "وإسنادهما جيدٌ
".
قال الخطابي في
معالم السنن([360]): (إنما
أمروا بذلك؛ ليكون أمرهم جميعاً، ولا يتفرق بهم الرأي، ولا يقع بينهم خلاف
فيعنتوا) ا.هـ.
قال العلامة ابن
عثيمين - رحمه الله - في كتاب العلم([361]):
(وإنما أمر النبي – ﷺ - باتخاذ أمير في السفر؛ لأن المسافرين نازحون عن المدن والقرى
التي فيها أمراء من قبل الأمير العام، وربما تحصل مشاكل لا تقبل التأخير إلى وصول
هذه المدن والقُرى، أو مشاكل صغيرة لا تحتمل الرفع إلى أمراء المدن و القرى
.كالنزول في مكانٍ والنزوح عنه، وتسريح الرواحل وحبسها ونحو ذلك . فكان من الحكمة
أن يؤمر المسافرون أحدهم لمثل هذه الحالات) ا.هـ.
تنبيه
هام :
الحديث قد أخرجه
أحمد([362]) وفيه
بلفظ: «ولا يحل لثلاثة نفرٍ يكونون بأرض فلاةٍ إلا أمروا عليهم أحدهم».ولكن لفظة:
«لا يحل لم يروها إلا ابن لهيعة».
قال العلامة
الألباني في الضعيفة([363]):
(وهذا سند ضعيف من أجل ابن لهيعة، فإنه ضعيف لسوء حفظه . والذي صح في الباب ما
أخرجه أبو داود - ثم ذكر ما تقدم - وسنده حسن.وله شواهد انظرها - إن شئت - في
«المجمع». ([364]) وكلها
بلفظ الأمر، ليس في شيء منها «لا يحل» فهذا مما تفرد به ابن لهيعة، فهو ضعيف منكر.
أقول هذا تحقيقاً
للرواية، وبياناً للفرق بين ما صح، من الحديث وما لم يصح فإنه يترتب على ذلك نتائج
هامة أحياناً، وذلك لأن لفظ «لا يحل» نصٌ في حرمة ترك التأمير.وأما لفظ الأمر فليس
نصاً في ذلك بل هو ظاهر . ولذلك اختلف العلماء في حكم التأمير: فمن قائل بالندب.ومن
قائل بالوجوب. ولو صح لفظ ابن لهيعة لكان قاطعًا للنزاع. أقول هذا، مع أنني أرى
الأرجح الوجوب؛ لأنه الأصل في الأمر، كما هو مقرر في علم الأصول) انتهى من كلام
الألباني - رحمه الله تعالى - .
المسألة الرابعة والثلاثون (43) من السنة صلاة النافلة على الراحلة في السفر ولو لغير القبلة.
1ـ عن عامر بن
ربيعة - t - قال: «رأيت النبي– ﷺ - يصلي على راحلته حيث توجهت به» أخرجه البخاري([365]).
وفي رواية «رأيت النبي – ﷺ - وهو على الراحلة يسبح يومئ برأسه
قِبَل أي وجه توجه. ولم يكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك في المكتوبة»([366]).
2ـ عن جابر - t - «أن النبي– ﷺ - كان يصلي
التطوع وهو راكب في غير القبلة». رواه البخاري([367]).
وفي لفظ: «كان
رسول الله يصلي على راحلته حيث توجهت فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة»
البخاري([368]) .
وفي لفظ: «أن
النبي كان يصلي على راحلته نحو المشرق فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل
القبلة» رواه البخاري([369]).
3ـ عن أنس بن
سيرين قال: ( استقبلنا أنس بن مالك حين قدم من الشام، فلقينا بعين التمر، فرأيته
يصلي على حمار ووجهه من ذا الجانب يعني: عن يسار القبلة فقلت: رأيتك تصلي لغير
القبلة؟ فقال: ( لو لا أني رأيت رسول الله – ﷺ - فعله لم
أفعله). البخاري ومسلم([370]) .
كما جاء نحوه من
رواية وفعل ابن عمر في البخاري ومسلم([371]).
قال النووي -
رحمه الله -: ( في هذه الأحاديث جواز التنفل على الراحلة في السفر حيث توجهت وهذا
جائز بإجماع المسلمين ) ([372]).
تنبيه
هام:
ظاهر الأحاديث
المتقدمة أنه يصلي عليها لغير القبلة ولو ابتداء، ولكن هناك حديث يدل على استحباب
أن يبدأ عند تكبيرة الإحرام بالتوجه للقبلة ثم بعد ذلك أين توجهت به، وهو عن أنس
بن مالك - t - « أن رسول الله-ﷺ - كان إذا سافر فأراد أن يتطوع بالصلاة استقبل بناقته القبلة
فكبر، ثم صلى حيث توجهت به الناقة».
أخرجه أحمد وأبو
داود والبيهقي في الكبرى([373])
وغيرهم وصححه جمع منهم محققوا المسند
والألباني، وقال ابن حجر في بلوغ المرام([374]):(وإسناده حسن).
ولكن ابن القيم
قال: ( وفي هذا الحديث نظر وسائر من وصف صلاته – ﷺ - على راحلته
أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة
الإحرام ولا غيرها، فعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله،
وأحاديثهم أصح من حديث أنس هذا. والله أعلم) ا.هـ. زاد المعاد([375]).
ويمكن
الجمع بينهما بأن حديث أنس محمول على من تيسر لـه ذلك
{ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } ([376]) وإذا
لم يتيسر صلى على أي جهة توجهت به، ويفعل هذا في هذا العصر في الطائرات والسيارات
ونحوها، إلا أن السائق قد لا يتيسر لـه ذلك لما يخشى من الأضرار بانحراف المركبة.
المسألة الخامسة والثلاثون (35)
المسافر يكبر إذا علا شرفاً أو صعـد ويسبح إذا نزل.
روى البخاري في
صحيحه([377]) عن
جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: (كُنَّا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا
سبَّحنا).
وقد ورد في صفة
هذا التكبير أنه ثلاثاً وذلك فيما أخرجه البخاري ، ومسلم([378]). من
حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: (كان النبي – ﷺ - إذا قفل من
الحج أو العمرة - يقول كلما أوفى على ثنيةٍ أو فدفد([379])
كبَّر ثلاثاً...) الحديث.
قال ابن حجر:
(والغرضُ من حديث ابن عمر قوله فيه «كلما أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثاً »([380])
ا.هـ.
المسألة السادسة والثلاثون (36)
دعاء هام للمسافر.
عن خولة بنت حكيم
- رضي الله عنها - عن رسول الله – ﷺ - قال: «من نزل منزلاً، ثم قال:أعوذ بكلمات الله
التامات من شر ما خلق، لم يضره شيءٌ، حتى يرتحل من منزله ذلك».
وفي لفظٍ آخر:
«إذا نزل أحدكم منزلاً فليقل...» الحديث.
أخرجه مسلم
باللفظين.وأخرجه مالك والترمذي والنسائي في الكبرى، وابن ماجه والبغوي في شرح السنة،
وابن حبان([381])
وغيرهم عن خولة - رضي الله عنها - .
تنبيه: وهذا
الذكر ظاهره أنه لمن نزل منزلاً أثناء سفره، وقد دل على ذلك - مع ظاهر لفظي
"نزل" و"ارتحل " – فهمُ أهل العلم وتصرفاتهم عند ذكرهم
لهذا الحديث، وهم على قسمين:
القسم الأول:من
صرّح بالمراد منه، وأنه في السفر، ومنهم:
1-الإمام مالك -
رحمه الله - وقد بوّب عليه في الموطأ بقولـه: (باب ما يؤمر به من الكلام في السفر)
وعلى هذا التبويب، جرى شرح الحافظ أبي عمر ابن عبد البر في كتابيه التمهيد([382])،
والاستذكار([383]).
2-الإمام ابن
حبان البستي: في صحيحه بوَّب عليه بقولـه: (ذكر الشيء الذي إذا قالـه المسافر في
منزلـه أَمِنَ الضرر في كل شيءٍ حتى يرتحل منه).وذلك تحت باب السفر.
3-ابن مفلح: في
الآداب الشرعية([384]).
وبوب بقولـه: فصل فيما يستحب في السفر والعودة منه، من ذكرٍ وعملٍ، ثم ذكر الحديث([385]).
القسم الثاني: من
لم يصرِّح به هكذا، ولكنه أورده ضمن أحاديث تتعلق بأحكام السفر وآدابه، ومنهم :
1 - النسائي :
بوب في الكبرى (عمل اليوم والليلة) بقوله: (ما يقوله إذا نزل منزلاً) وما قبله
(مايقول لمن قفل من غزوته) وبعده (ما يقول لمن كان في سفرٍ فأقبل بليلٍ).
2 - والترمذي: جعله في كتاب الدعوات فقال: باب ما جاء ما
يقول إذا نزل منزلاً. وبعده مباشرة. ما يقول إذا خرج مسافراً ثم استرسل في آداب
السفر([386]).
3 - البغوي :