النص المتاح من المصدر
هذا هو النص المتاح من المصدر؛ راجع الملف الأصلي للصور والجداول والتنسيق.
عمر - رضي الله عنهما - موعظة رسول الله ﷺ إدراكاً علمياً
وعملياً ، وأخذ منه هذه الوصايا الثلاث العظيمة :
الأولى :« إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا
أصبحت فلا تنتظر المساء »
ومعنى ذلك : حث المؤمن على قِصَرِ الأمل في هذه الحياة ، وأنه ينبغي له إذا أمسى
لا ينتظر الصباح ، وإذا أصبح لا ينتظر المساء ، بل يظن أن أجله مدركه قبل ذلك .
الوصية الثانية : « وخذ من صحتك
لمرضك » والمعنى
: أنه ينبغي للمؤمن أن يغتنم أوقات الصحة وسلامة البدن من العلل ، وذلك بفعل الخير
والإكثار من الطاعات ، قبل أن يحول بينه وبينها السُّقْمُ ، فيعجز عن الصيام
والقيام وسائر الأعمال ، إذا اعتراه مرض أو علة أو كِبَرٌ .
الوصية الثالثة : « ومن حياتك لموتك
» والمعنى
: أنه ينبغي للمؤمن أن يغتنم زمن الحياة وساعات العمر بتقديم الزاد ، ولا يفرط حتى
يدركه الموت ، ويحول بينه وبين الأعمال الصالحة .
وقد ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
قال : قال رسول الله ﷺ : ( نعمتان مغبون فيهما
كثير من الناس : الصحة والفراغ ) أخرجه البخاري(1) .
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول
الله ﷺ قال
لرجل وهو يعظه : ( اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك
، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك )
أخرجه الحاكم وصححه (2)
.
فالواجب علينا ونحن نستقبل عاماً جديداً
أن نغتنم الأوقات ، ونبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يحال بيننا وبينها ، إما بشغل
أو مرض أو موت .
اللهم أيقظنا لتدارك بقايا الأعمار ،
ووفقنا للتزود من الخير والاستكثار ، اللهم أيقظ قلوبنا من رقدات الآمال ،
وذكِّرنا قربَ الرحيل ودنوَّ الآجال ، وثبت قلوبنا على الإيمان ، ووفقنا لصالح
الأعمال ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين ، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد …
فضل
شهر الله المحرم
عن أبي هريرة t قال : قال رسول الله ﷺ : ( أفضلُ الصيام بعد
رمضان شهرُ الله المحرم ، وأفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل ) وفي رواية: (
الصلاة في جوف الليل ) أخرجه مسلم (1) .
* * *
الحديث دليل على فضل صيام شهر الله
المحرم ، وأن صيامه يلي فضل شهر رمضان في الأفضلية ، وفضل الصيام فيه جاء من فضل
أوقاته وتعظيم الأجر فيه ، لأن الصيام من أفضل الأعمال عند الله تعالى .
وشهر الله المحرم هو الشهر الذي تبدأ به
السنة الهجرية ، كما تمَّ الاتفاق على ذلك في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب t ،
وهو أحد الأشهر الحرم التي ذكر الله في كتابه ، فقال تعالى : ]
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ
اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [ [التوبة/36]
وعن
أبي بكرة t عن
النبي ﷺ قال
: ( … السنة اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم :
ثلاثة متوالية ، ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجبُ مُضَرَ الذي بين جمادى
وشعبان
) متفق عليه(2) .
وقد أضاف الله تعالى هذا الشهر إليه
تشريفاً وتعظيماً ، لأن الله تبارك وتعالى لا يضيف من الأشياء إليه إلا خواصُها
كبيت الله ، ورسول الله ، ونحو ذلك ، وسمي محرماً تأكيداً لتحريمه ، لأن العرب
كانت تتقلب فيه ، فتحله عاماً وتحرمه عاماً .
وقوله تعالى : ] فَلا
تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [ أي : في هذه الأشهر المحرَّمة ، لأنها
آكد وأبلغ في الإثم من غيرها ، قال قتادة : ( إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم
خطيئةً ووزراً من الظلم فيما سواها ، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً ، ولكن الله
يُعَظِّمُ من أمره ما يشاء ) (1) .
وقد جعل الله هذه الشهور الهلالية مواقيت
للناس ، لأنها علامات محسوسة يعرف كل أحد بدايتها ونهايتها ، ومما يؤسف عليه أن
كثيراً من المسلمين تركوا التاريخ الهجري ، وأخذوا بتاريخ النصارى الميلادي المبني
على أشهر وهمية غير مبنية على مشروع ولا معقول ولا محسوس .
وهذا دليل الضعف والانهزامية والتبعية
لغير المسلمين ، ومن مفاسده : ربط المسلمين وناشئتهم بتاريخ النصارى ، وإبعادهم عن
تاريخهم الهجري الذي ارتبط برسولهم ﷺ وبشعائر دينهم وعبادتهم (2)
، فالله المستعان .
وقد دل الحديث على أن أفضل ما يتطوع به
من الصيام بعد رمضان صوم شهر الله المحرم ، والظاهر أن هذا محمول على أنه أفضل شهر
يُتطوع بصيامه بعد رمضان ، أما التطوع بصيام بعض الأيام منه فقد يكون بعض الأيام
أفضل من أيامه كيوم عرفة ، وستة أيام من شوال .
وظاهر الحديث فضل صيام شهر المحرم كاملاً
، وحمله بعض العلماء على الترغيب في الإكثار من الصيام في شهر المحرم لا صومه كله
، لقول عائشة رضي الله عنها : ( … ما رأيت رسول
الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان ، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في
شعبان
) أخرجه مسلم (3) .
اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة ، وارزقنا
الاستعداد قبل النُّقلة ، وألهمنا اغتنام الزمان وقت المهلة ، ووفقنا لفعل الخيرات
، وترك المنكرات ، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد …
يوم عاشوراء في التأريخ
عن عائشة - رضي الله عنها -
قالت : ( كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية ، فلما قدم المدينة صامه ، وأمر بصيامه ، فلما
فُرِضَ رمضان ترك يوم عاشوراء ، فمن شاء صامه ، ومن شاء تركه ) أخرجه البخاري
ومسلم (1) .
* * *
الحديث دليل على أن أهل الجاهلية كانوا
يعرفون يوم عاشوراء ، وأنه يوم مشهور عندهم ، وأنهم كانوا يصومونه ، وكان النبي ﷺ
يصومه - أيضاً - ، واستمر على صيامه قبل الهجرة ، ولم يأمر الناس بصيامه ، وهذا
يدل على قدسية هذا اليوم وعظيم منـزلته عند العرب في الجاهلية قبل بعثة النبي ﷺ ،
ولهذا كانوا يسترون فيه الكعبة ، كما في حديث عائشة - أيضاً - رضي الله عنها ،
قالت : ( كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان ، وكان يوماً تُسْتَرُ فيه
الكعبة … الحديث ) أخرجه البخاري (2) ، قال القرطبي : ( حديث
عائشة يدل على أن صوم هذا اليوم كان عندهم معلوم المشروعية والقدر ، ولعلهم كانوا
يستندون في صومه إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل - صلوات الله وسلامه عليهما -
فإنهم كانوا ينتسبون إليهما ، ويستندون في كثير من أحكام الحج وغيره إليهما …)
(3).
والذي يستفاد من مجموع الأدلة أن صوم
عاشوراء كان واجباً في أول الأمر بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة ،
على الصحيح من قولي أهل العلم (4) ، لثبوت الأمر بصومه ، وعن سلمة بن
الأكوع t قال
: ( أمر النبي ﷺ رجلاً من أسلم أن
أذن في الناس : أن من كان أكل فليصم بقية يومه ، ومن لم يكن أكل فليصم ، فإن اليوم
يوم عاشوراء )
متفق عليه (1) .
ولما فرض رمضان في السنة الثانية من
الهجرة نُسِخَ وجوبُ صومِ عاشوراء ، وبقي الاستحباب ، ولم يقع الأمر بصوم عاشوراء
إلا في سنة واحدة ، وهي السنة الثانية من الهجرة حيث فرض عاشوراء في أولها ، ثم
فرض رمضان بعد منتصفها ، ثم عزم النبي ﷺ في آخر عمره - في السنة العاشرة
- على ألا يصومه مفرداً بل يصوم قبله اليوم التاسع ، كما سيأتي - إن شاء الله -
وهي صورة من صور مخالفة أهل الكتاب في صفة صيامهم .
اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه
الطاعة ، ارزقنا التوبة إليك والإنابة ، وأيقظنا يا مولانا من نوم الغفلة ، ونبهنا
لاغتنام أوقات المهلة ، اللهم اجعلنا ممن توكل عليك فكفيته ، واستهداك فهديته ،
واستنصرك فنصرته ، وتضرع إليك فرحمته ، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد …
الترغيب في صيام يوم عاشوراء
عن أبي قتادة t أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم عاشوراء ،
فقال : ( يكفر السنة الماضية ) وفي رواية : ( … وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله
أن يكفر السنة التي قبله ) أخرجه مسلم(1) .
* * *
الحديث دليل على فضل صيام يوم عاشوراء ،
وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم ، على القول الراجح والمشهور عند أهل العم .
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل
عن صيام يوم عاشوراء ، فقال : ( ما علمت أن رسول الله ﷺ صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم ، ولا شهراً إلا هذا
الشهر ، يعني رمضان ) متفق عليه(2) .
فينبغي للمسلم أن يصوم هذا اليوم ، ويحث
أهله وأولاده على صيامه ، اغتناماً لفضله ، وتأسياً بالنبي ﷺ .
وعن جابر بن سمرة t قال
: ( كان رسول الله ﷺ
يأمر بصيام يوم عاشوراء ، ويحثنا عليه ، ويتعاهدنا عليه … الحديث ) أخرجه مسلم(3) .
والصيام من أفضل الأعمال عند الله تعالى
، ومن فوائد صوم التطوع - إضافة إلى ما رُتِّب عليه من الأجر - أنه كغيره من
التطوعات يجبر ما عسى أن يكون في أداء الفرض من نقص أو تقصير ، وفي ذلك قال النبي ﷺ في
شأن الصلاة: ( قال الرب تبارك وتعالى : انظروا هل لعبدي
من تطوع ؟ فَيُكَمَّلُ بها ما انْتَقَصَ من الفريضة ، ثم يكون سائر عمله كذلك )(4)
.
كما أن صوم النفل يهيئ المسلم للترقي في
درجات القرب من الله تعالى ، والظفر بمحبته ، كما في الحديث القدسي : ( ما تَقرَّب إليّ عبدي بأفضل مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب
إلىّ بالنوافل حتى أحبَّه … الحديث )(1)
.
وأعلم أن كل نص جاء فيه تكفير بعض
الأعمال الصالحة للذنوب ، كالوضوء وصيام رمضان وصيام يوم عرفة ، وعاشوراء وغيرها ،
أن المراد به الصغائر ، لأن هذه العبادات العظيمة ، وهي الصلوات الخمس والجمعة
ورمضان إذا كانت لا تُكَفَّر بها الكبائر - كما ثبت في السنة - ، فكيف بما دونها
من الأعمال ؟
ولهذا يرى جمهور العلماء أن الكبائر
كالربا والزنا والسحر وغيرها ، لا تكفِّرها الأعمال الصالحة ، بل لا بد لها من
توبة أو إقامة الحد فيما يتعلق به حد .
فعلى المسلم أن يباد بالتوبة في هذه
الأيام الفاضلة من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها ، لعل الله تعالى أن يتوب عليه
ويغفر ذنبه ، ويقبل طاعته ، لأن التوبة في الأزمنة الفاضلة لها شأن عظيم ، فإن
الغالب إقبال النفوس على الطاعات ، ورغبتها في الخير ، فيحصل الاعتراف الذنب ،
والندم على ما مضى ، لا سيما ونحن في بداية عام جديد ، وإلا فالتوبة واجبة في جميع
الأزمان .
اللهم يا مصلح الصالحين أصلح فساد قلوبنا
، واستر في الدنيا والآخرة عيوبنا ، اللهم حبب إلينا الإيمان ، وزينه في قلوبنا ،
وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشدين ، وصلّى الله وسلم على
نبينا محمد …
الحكمة من صيام يوم عاشوراء
عن ابن عباس - رضي الله
عنهما - قال : قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود
يصومون يوم عاشوراء ، فسئلوا عن ذلك ، فقالوا : هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى
وبني إسرائيل على فرعون ، فنحن نصومه تعظيماً له ، فقال رسول الله ﷺ : ( نحن أولى بموسى منكم ، فأمر بصيامه) أخرجه البخاري ومسلم ، وفي
رواية لمسلم : ( فصامه موسى شكراً ، فنحن نصومه … )(1) .
* * *
في الحديث بيانٌ للحكمة العظيمة من
مشروعية صيام يوم عاشوراء ، وهي تعظيم هذا اليوم وشكرُ الله تعالى على نجاة موسى
عليه الصلاة والسلام وبني إسرائيل ، وإغراق فرعون وقومه ، ولهذا صامه موسى عليه
السلام شكراً لله تعالى ، وصامته اليهود ، وأمة محمد ﷺ أحق بأن تقتدي
بموسى من اليهود ، فإذا صامه موسى شكراً لله تعالى ، فنحن نصومه كذلك ، ولهذا قال
النبي ﷺ : (
نحن أولى بموسى منكم ) وفي رواية : ( فأنا أحق بموسى منكم ) أي : نحن أثبت وأقرب لمتابعة موسى
عليه السلام منكم ، فإنا موافقون له في أصول الدين ، ومصدقون لكتابه ، وأنتم مخالفون
لهما بالتغيير والتحريف ، والرسول ﷺ أطوع وأتبع للحق منهم ، فلذا صام يوم
عاشوراء ، وأمر بصيامه تقريراً لتعظيمه ، وتأكيداً لذلك .
وعن أبي موسى t قال : كان يوم
عاشوراء يوماً تعظمه اليهود ، وتتخذه عيداً ، فقال رسول الله ﷺ : (
صوموا أنتم ) أخرجه البخاري ومسلم ، وفي
رواية لمسلم : ( كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً ، ويُلبسون نساءهم
فيه حليهم وشارتهم ، فقال رسول الله ﷺ : ( فصوموا أنتم )(2) .
وظاهر هذا أن من حكمة صومه مخالفة اليهود
، وذلك بعدم اتخاذه عيداً ، والاقتصار على صومه ، لأن يوم العيد لا يصام ، وهذا
أوجه من مخالفة اليهود في يوم عاشوراء ، وسيأتي - إن شاء الله - وجه آخر من
المخالفة ، وهو صوم التاسع قبله .
وقد ضلَّ في هذا اليوم طائفتان :
طائفة شابهت اليهود فاتخذت عاشوراء موسم
عيد وسرور ، تظهر فيه شعائر الفرح كالاختضاب والاكتحال ، وتوسيع النفقات على
العيال ، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة ، ونحو ذلك من عمال الجهال ، الذين
قابلوا الفاسد بالفاسد ، والبدعة بالبدعة .
وطائفة أخرى اتخذت عاشوراء يوم مأتم وحزن
ونياحة ، لأجل قتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - تُظهر فيه شعار الجاهلية من
لطم الخدود وشق الجيوب ، وإنشاد قصائد الحزن ، ورواية الأخبار التي كذبها أكثر من
صدقها ، والقصد منها فتح باب الفتنة ، والتفريق بين الأمة ، وهذا عمل من ضلَّ سعيه
في الحياة الدنيا ، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً .
وقد هدى الله تعالى أهل السنة ففعلوا ما
أمرهم به نبيهم ﷺ من الصوم ، مع رعاية عدم مشابهة اليهود فيه ،
واجتنبوا ما أمرهم الشيطان به من البدع ، فلله الحمد والمنة .
اللهم فقهنا في ديننا ، وارزقنا العمل به
والاستقامة عليه ، ويسِّرنا لليسرى ، وجنبنا العسرى ، واغفر لنا في الآخرة والأولى
، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد.
استحباب صيام اليوم التاسع مع العاشر
عن ابن عباس - رضي الله
عنهما - أن رسول الله ﷺ لما صام يوم عاشوراء وأمر
بصيامه قالوا : يا رسول الله ، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى ، فقال رسول الله ﷺ : ( فإذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع ) قال :
فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ
. أخرجه مسلم ، وفي رواية له : ( لئن بقية إلى قابل لأصومن التاسع )(1) .
* * *
الحديث دليل على أنه يستحب لمن أراد أن
يصوم عاشوراء أن يصوم قبله يوماً ، وهو اليوم التاسع ، فيكون صوم التاسع سنة وإن
لم يصمه النبي ﷺ ،
لأنه عزم على صومه ، والغرض من ذلك - والله أعلم - أن يضمه إلى العاشر ليكون هديه
مخالفاً لأهل الكتاب ، فإنهم كانوا يصومون العاشر فقط ، وهذا تشعر به بعض الروايات
في مسلم ، وقد صح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - موقوفاً عليه : ( صوموا التاسع
والعاشر خالفوا اليهود )(2) .
وفي هذا دلالة واضحة على أن المسلم منهي
عن التشبه بالكفار وأهل الكتاب ، لما في ترك التشبه بهم من المصالح العظيمة ،
والفوائد الكثيرة ، ومن ذلك قطع الطرق المفضية إلى محبتهم والميل إليهم ، وتحقيق
معنى البراءة منهم ، وبغضهم في الله تعالى ، وفيه - أيضاً - استقلال المسلمين
وتميزهم .
وقد ذكر أهل العلم أن أفضل المراتب في
صيام عاشوراء ، صوم ثلاثة أيام : التاسع والعاشر والحادي عشر ، واستدلوا بحديث ابن
عباس : ( خالفوا اليهود وصوموا قبله يوماً وبعده يوماً )(3) ،
وهذا حديث ضعيف ، لا يعول عليه ، إلا أن يقال إن صيام الثلاثة يأتي فضلها زيادة
على فضل عاشوراء لكونها من شهر حرام ، ورد الحث على صيامه ، وليحصل فضل صيام ثلاثة
أيام من كل شهر ، وقد ورد عن الإمام أحمد أنه قال : ( من أراد أن يصوم عاشوراء صام
التاسع والعاشر إلا أن تشكل الشهور فيصوم ثلاثة أيام ، ابن سيرين يقول ذلك )(1)
.
والمرتبة الثانية : صوم التاسع والعاشر ،
وعليها أكثر الأحاديث ، وتقدمت .
والمرتبة الثالثة : صوم التاسع والعاشر
أو العاشر والحادي عشر ، واستدلوا بحديث ابن عباس مرفوعاً بلفظ : ( صوموا يوم عاشوراء ، وخالفوا فيه اليهود ، صوموا قبله يوماً ، أو بعده
يوماً )
وهو حديث ضعيف(2) .
والمرتبة الرابعة : إفراد العاشر بالصوم
، فمن أهل العلم من كرهه ، لأنه تَشَبُّهٌ بأهل الكتاب ، وهو قول ابن عباس على ما
هو مشهور عنه ، وهو مذهب الإمام أحمد ، وبعض الحنفية ، وقال آخرون : لا يكره ،
لأنه من الأيام الفاضلة فيستحب إدراك فضيلتها بالصوم ، والأظهر أنه مكروه في حق من
استطاع أن يجمع معه غيره ، ولا ينفي ذلك حصول الأجر لمن صامه وحده ، بل هو مثاب إن
شاء الله تعالى .
اللهم وفقنا لما يرضيك ، وجنبنا معاصيك ،
واجعلنا من عبادك الصالحين ، وحزبك المفلحين ، واعف عنا وتب علينا ، واغفر لنا
ولوالدينا ، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد …
(1)
أخرجه البخاري (2/457) وأبو داود (7/103) والترمذي (3/463) وابن ماجه
(1/550) وأحمد (3/298) وهذا لفظ الترمذي .
(2) سنن الدارمي (1/358) وانظر « إرواء الغليل » (3/398) .
(1) لطائف المعارف ص (39) ، وأبو عثمان النهدي
ترجمه الحافظ في تهذيب التهذيب (6/249) وقد مات في نهاية القرن الأول .
(1) أخرجه مسلم (1977) .
(1) أخرجه البخاري رقم (8) ومسلم رقم (16) .
(2) أخرجه أبو داود (1721) والنسائي (5/111) وابن ماجه (2886)
وأحمد (5/331) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو حديث
صحيح ، وأصله في مسلم (1337) من حديث أبى هريرة t .
(3) أخرجه أحمد (1/314) وحسنه الألباني في إرواء الغليل (4/168)
وانظر : أضواء البيان (5/115) .
(1) أخرجه البخاري رقم (853) ومسلم رقم (1829) .
(1) البخاري (1449) ومسلم (1350) .
(1) أخرجه مسلم (1297) .
(1) البخاري (1683) ومسلم (1349) .
(2) أخرجه البخاري رقم (16 ، 1447) ومسلم رقم (83) .
(3) أخرجه مسلم (1015) .
(4) التمهيد (22/39) .
(1) انظر : أحوال النبي ﷺ في
الحج ، تأليف : فيصل بن علي البعداني .
(1) أخرجه البخاري رقم (5233) ومسلم رقم (1966) .
(2) أخرجه أحمد (13/65 الفتح )
والترمذي (5/96 تحفة ) وسنده حسن .
(1) صحيح مسلم (1963) .
(1) أخرجه أبو داود (7/505) والترمذي (5/81) والنسائي (7/214)
وغيرهم .
(1) أخرجه البخاري رقم (5233) ومسلم رقم (1966) .
(1) تفسير ابن كثير (5/416) فتح الباري (3/536) .
(1) فتح الباري (10/19) .
(2) أخرجه مسلم من حديث جابر t .
(1) أخرجه مسلم رقم (1162) .
(1) المغني (3/289) المجموع للنووي (5/35) إرواء الغليل (3/125) .
(2) أخرجه مسلم (1284) .
(3) أخرجه البخاري (3/510 فتح ) ومسلم (1284) .
(4) مجموع الفتاوى (24/220-222) .
(1)
أخرجه أبو داود (5/184) بإسناد جيد ، كما قال الألباني في
تخريج المشكاة (2/810) ، ويوم القر : هو اليوم الذي يلي يوم النحر ، لأن الناس
يقرون بمنى .
(2)
أخرجه أبو داود (5/420) وابن ماجه (2/1016) ، وأخرجه البخاري تعليقاً (8/320)
انظر: إرواء الغليل (4/300) .
(3) أخرجه أبو داود (2419) والترمذي
(773) والنسائي (5/252) وأحمد (28/605) وإسناده صحيح .
(1) أخرجه البخاري (2/472 فتح ) .
(2)
أخرجه الترمذي (3/98) وابن ماجه (1/292) وأحمد (28/87) من طريق ثوَّاب بن عتبة عن
عبد الله ابن بريدة عن أبيه مرفوعاً ، وإسناده حسن ، ثواب بن عتبة متكلم فيه
، وقد وثقه ابن معين ، وقال أبو داود : ( ليس به بأس ) وعليه فهو صدوق حسن
الحديث ، وهذا الحديث صححه الحاكم (1/294) ووافقه الذهبي وكذا ابن حبان وابن خزيمة
وابن القطان .
(1) أخرجه مسلم (1141) .
(2) أخرجه أحمد (4/152) وأبو داود رقم (2419) والترمذي (773) والنسائي
(5/252) وغيرهم ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وصححه ابن خزيمة (2100) وابن
حبان (8/368) .
(1) صحيح البخاري (1894) وانظر : فتح الباري (4/243) .
(1) صحيح البخاري (6416) .
(1)
أخرجه البخاري (6412) .
(2)
المستدرك (4/306) وصححه على شرط الشيخين ، ووافقه
الذهبي ، وصححه الألباني في « اقتضاء العلم العمل » ص (100) ، وله شاهد عن عمر بن
ميمون ، أخرجه ابن المبارك في « الزهد » رقم (2) ، وأبو نعيم في «الحلية» (4/148)
، والخطيب في « الاقتضاء » ص (100 - 101) قال الألباني : ( هذا إسناد مرسل حسن ) .
(1) صحيح مسلم (1163) .
(2) صحيح البخاري (4662) ومسلم (1679) .
(1) تفسير بن كثير (4/89-90) .
(2) انظر : التشبه المنهي عنه ص (542) .
(3) صحيح مسلم (1156) (175) .
(1) صحيح البخاري (2002) ومسلم (1125) .
(2) أخرجه البخاري (1952) .
(3) المفهم (3/190) .
(4) الفتاوى (25/311) .
(1) صحيح البخاري (2007) ومسلم (1135) ،
وله شاهد من حديث الرُّبَيِّع بنت معوِّذ عند البخاري (1960) ومسلم (1136) وشواهد
أخرى عند أحمد وغيره .
(1) صحيح مسلم (1162) (196) (197) .
(2) صحيح البخاري (2006) ومسلم (1132) .
(3) صحيح مسلم (1128) .
(4) رواه الترمذي بتمامه (413)عن أبي
هريرة t مرفوعاً ،
وقال : ( حديث حسن ) لكن فيه حُريث بن قبيصة أو قبيصة بن حريث ، وهو ضعيف ، ولعل
الترمذي حسنه باعتبار طرقه.
(1) رواه البخاري (6502) .
(1) صحيح البخاري (3943) ومسلم (1130) (127) (128) .
(2) صحيح البخاري (2005) ومسلم (1131) (129)
(130) .
(1) صحيح مسلم (1134) .
(2) أخرجه عبد الرزاق (4/287) والطحاوي (2/78) والبيهقي (4/278) عن
ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وإسناده صحيح .
(3) أخرجه البيهقي (4/287) وهو رواية عنده للحديث الآتي .
(1) المغني (4/441) اقتضاء الصراط المستقيم (1/419) .
(2)
أخرجه أحمد (4/52) وابن خزيمة (3/290) (2095) والطحاوي في « شرح معاني الآثار »
(2/78) والبيهقي (4/287) من طرق ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن داود بن
علي ، عن أبيه ، عن جده ابن عباس به مرفوعاً ، وهذا إسناد ضعيف ، ولا يصح رفعه ،
لما يلي :
1 - محمد بن عبد الرحمن بن أبي
ليلى سيئ الحفظ جداً ، كما قال الحافظ في « التقريب » .
2 - داود بن علي بن عبد الله بن
عباس الهاشمي ، ذكره ابن حبان في « الثقات » (6/281) وقال : ( يخطئ ) ، وقال
الحافظ في « التقريب » : ( مقبول ) أي : عند المتابعة وإلا فليِّن الحديث ، وليس
له في الكتب الستة إلا حديث واحد عند الترمذي (3419) ، ولعل الحافظ الذهبي لخص
القول فيه ، كما في « سير أعلام النبلاء » (5/444) حيث قال : ( ما هو بحجة ،ولم
يُقَحِّم أولو النقد على تليين هذا الضرب لدولتهم ).
3 - علة الرفع ، فقد تقدم أن الموقوف جاء
من طريق ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وهم أو ثق وأحفظ من رجال طريق الرفع ،
ولعل كلمة ابن حبان في داود بن علي فيها إشارة إلى ذلك ، ومما يؤيد رواية الوقف ما
أخرجه الشافعي في مسنده (1/272 ترتيبه ) عن سفيان بن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي
يزيد ، عن ابن عباس موقوفاً ، كذلك ، وإسناده صحيح .